‏إظهار الرسائل ذات التسميات جان -لوك نانسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جان -لوك نانسي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 19 أبريل 2016

الكتابة شفاهاً؛ اكتب لي اكتب لي أي شيء ولكن شفاهاً: جان- لوك نانسي



ترجمة شوقي عبد الأمير

جان- لوك نانسي مفكر فرنسي عُرف ببحوثه ذات الطابع المنطقي "علم المنطق" وهو هنا يقدّم بحثاً عميقاً في مفهوم "الكتابة والمشافهة" سيكون من المهم مواكبته ومناقشته، خصوصاً من أولئك الذين في لغتنا مازالوا موزعين بين النص المكتوب والنص الملقى أو المُنشد، أي بين إنشاد الشعر وكتابته. هنا في هذه الدراسة المتميزة (مجلة "شعر" الفرنسية، العدد 92) يقدّم نانسي سؤالاً جديداً هو شفاهية الكتابة نفسها، وهو بذلك يضيف إشكالاً جديداً لم يكن معروفاً في معادلة الكتابة -المشافهة.


من يكتب يُجِبْ.
عمَّ يجيب (أو تجيب)، وعلامَ يجيب (أو تجيب)؟ لقد أعطى التقليد أسماء لذلك. هناك الملهمةُ والوحي الشعري والعبقرية والإلهام، وأحياناً الاهتمام أو الميل، وربما ضرورة من ضرورات النفس أو الأعصاب، هبَةُ السماء، أمٌ أو إيعازٌ مقدَّس، واجبٌ من واجبات الذاكرة أو النسيان، خلق أو إبداع ذاتي للنص. نقرأ في البيت الأول من "الإلياذة": «غنِّي أيتها الآلهة غضبَ أشيل...». في هذا المستهلّ من الأدب الغربي، لا يلفظ الشاعر سوى الجملة الأولى - أو بالأحرى الجمل التي تُفضي إلى السؤال الآتي: «أيّ إله قَذَفهم في الحرب»؟ والجواب: ليتو وزوس، وهو سؤال يستغرق كل القصيدة، التي سنسمع تيا وهى تغنِّيها.
جان -لوك نانسي
هوميروس لم يكتب شيئاً... إنه يترك الصوت السماوي يغنّي. وهو يغنّي بقدر ما يحاكي الأغنية السماوية -هذه الأغنية التي تطالبه بأن يغنِّيها، إنه يفعل ذلك بقدر ما ينتظر منها فعلَه كي يختفي هو ذاته في هذه الأغنية- فأغنيتُها تغدو أغنيتَه، ولكن مع بقائها على الدوام تلك الأغنية السماوية. إنه إذاً يَدَعُ الصوتَ يغنّي، أو يجعله بالأحرى يُسمَع، إنه يَرويه أو يُنشدُه. ومنذ ذلك الحين فإن مَن يكتب لا يكتب إلاّ من طريق تلقّي ما يُملى عليه بكل معاني هذه الكلمة. تلقّي الإملاء، هو القول من طريق الإعادة والإصرار، وهو كذلك أمر وإصدارُ تعليمات. من يكتبْ يلزم نفسه بالكتابة. إنه يستجيب إلى أمر، وحتى إلى تأنيب، أو بالأحرى إلى حضٍّ، تحريضٍ أو ضَغط. لكنه أيضاً يتلقّى الإملاء. إنه يُنيم بواسطة الكتابة النصَّ الذي يؤلفه وهو ينشد أو يردّد لهذا ا لغرض صوتاً آخر، صوتاً لا يكتب شيئاً، صوتاً هو كاتبٌ أعلى. من كلمة "إملاء"، اشتقَّت اللغة الألمانية -فضلاً عن الفعل "أملى"- فعلاً آخر يعني: ألَّف نصاً مكتوباً، وبالأخص قصيدة. من يكتُبْ يُجبْ بشكل أو بآخر، بواسطة صدى أو تنفيذ، بواسطة تدوين أو ترجمة على دكتاتورية مُمْلٍ ما. إن ما يبدو في "الإلياذة" وكأنه ردُّ تيا غير المسمَّاة وغير المشخَّصة، هو في الواقع بخلاف ذلك، جواب الشاعر المنشد على إملاء الصوت الإلهي، لكن هذه الإجابة تُقدَّم بشكل معكوس؛ ذلك أن الشاعر المنشد هو الذي يجيب، أو بالأحرى ليس ثمة سوى جواب واحد على جواب آخر، وما من أحد قد بدأ إطلاقاً. تلك هي صيغة ما يُدعى اليوم بالكتابة. هذا مع ملاحظة أن كلمة إجابة -باللاتينية- تعني في الأصل الأغنية التي تُغنَّى بتعاقُب الدروس. في الكتابة، يتعلق الأمر بالأغنية، وبالترديد أو بالجَرْس الداخلي الذي يشكِّل الأغنية.
 إن الشاعر المنشد وتيا لا يُجيبان بالاتجاه نفسه الذي يُجاب به عن سؤال، لكن في الوجهة التي يُجاب بما عن انتظار، أو في الاتجاه الذي تتجاوب فيه أصوات عدّة وتتناغم. إنهما يتجاوبان أو يجيب أحدُهما الآخر، لأن الإجابة تعني الالتزام بردٍّ مقابل أو التزام ديني و/أو قانوني: الردُّ على وعدٍ بوعدٍ متبادل «كما في الخِطبة التي تتمّ بين رجل وامرأة». مَنْ يكتبْ يُصغِ، ويلتزمْ في إصغائِه. وفي الإنكليزية كلمة "الرد" تعني الكلمة التي تأتي إلى اللقاء. الكتابة هي التزام باللقاء، وهي الذهاب إلى اللقاء. الكتابة هي أخذ موعد لقاء يمكن أن يكون خَفيّاً أو عابراً، أو مجرَّد تلاقٍ في اتجاهَين مختلفَين، ربّما حفيفٌ أو مسٌّ سريع، وقد يكون لقاءً طويلاً ومحادثةً مستمرّة وجهاً لوجه، كما يمكن له أن يحدث في التضاد، في الصدمة، في المواجهة بمعنى المجابهة، وفي التنافر. ولكنه دائماً يعني المجابهة، وإلا تتم أبداً بوجود طرف واحد فقط.
والإصغاءُ هو الرنين؛ أي أن تَدَعَ الأصوات القادمة من مكان آخر تهتزُّ وتتردَّد في داخلك، وأن تردَّ عليها بتركها تنعكس في جسد أصبح لهذا الغرض كثير التجاويف. هذه التجاويف ليست تجاويف أفلاطون؛ إنها ليست مغلقة ثم لا تلبث أن تُفتحَ على الخارج الذي يُلقي ظلالاً، ولكنه الانفتاح في ذاته بكل ما للمصطلح من معنى، إنه الانفتاح الداخلي، وهو الانفتاح ذاته بشكل مطلق. في الواقع إنه "أنا" باعتباري انفتاحاً، أنا باعتباري صندوقاً للترجيع الذي عليه تنعكسُ وتنزلقُ وتصطدمُ نبرات الأصوات من الخارج، نبرات الأصوات الحيّة. ولكن الصدى ليس ظلاً. وما يتبقَّى عمليةُ طرح، إنه التكثيف وإعادة التوافق، وتعديل الصوت أو النغم، مَن يكتبْ يُوجِدْ صدًى، وهو يجيب بإيجاده صدى. إنه يشارك ويقاسم التزامَ صوت من الخارج هو بدورِه التزامٌ إزاء هذا الصوت الذي يجعل الصوتَ الأغنيةَ المنفردة أو القصيدة ذات الصوتِ الواحد صوتاً مُتعدِّدَ الجوانب والإيقاعات. ولكن دون هذه التعدُّدية لن تكون الأغنيةُ المنفردة مسموعةً، وكذلك القصيدة ذات الصوت الواحد. أي أن أحداً لن يسمعها، وأنها قد تبقى صمَّاء إزاء ذاتها هى.

الجمعة، 18 مارس 2016

العالم، اللغة والجسد؛ تأملات في المعنى..: جان لوك نانسي



أجرت المقابلة: كاتي لوبلان
ترجمة: الأزهري ريحاني

يتناول جان لوك نانسي(*)، أحد أكبر الفلاسفة الفرنسيين الحاليين، في هذا اللقاء مع "مجلة أيس" قضايا "العالم" و"العولمة"، "السكنى"، "العالمية والمحلية"، "الآخر والجسد" ممّا يشكّل  بالنسبة له "المعنى" في عالم متغير.
******


أيس: لقد أبديت في كتابك "خلق العالم والعولمة" آراء حول مسائل كثيرة. هل تعتقد أنه ما يزال ممكناً اليوم تفكير الإيتوس بطريقة هيدغر؟ وهل السكنى(**) الشعرية في نظرك ما زالت ملائمة لطبيعة العيش الذي تفرضه علينا العولمة اليوم؟ هل تعتقد أن السكنى الشعرية أمر ممكن في فقدان الجذور؟

JEAN-LUC NANCY By Luca del Baldo 
جان لوك نانسي: نعم بالطبع، وحتى أقول ذلك الآن ومباشرة وبطريقة مبسطة، أعتقد أنه لا يوجد ثمة ما يمكن أن يعارض فكرة أنه يمكننا إيجاد طريقة أخرى في السكنى؛ إن التجذّر، المحلية والمجاورة، ومفاهيم وصوراً تصور"الريف" و"المدينة"، "الحي" و"الجهة" تضمنت هي أيضاً قدراً من الصعوبات ومن المحدودية. علينا ألاّ نتسرع في الحكم عل عالم ماض في إرباك طرقنا الأكثر ثباتاً في "السكنى" وفي "التجذر"، في الانتماء إلى"وطن" أو"ثقافة". إن كل واحد من هذه الانتماءات كانت أكثر جوراً ممّا نريد أن نستذكر من جهة، وأقل بساطة وتوحيداً مما نحن نعتقد، من جهة أخرى.
 لقد كنا ننتمي في القديم إلى عدّة مناطق، ننتمي في القديم إلى عدة مناطق، إلى لغات عديدة ومساكن عديدة.. وكنا أكثر حرية في الحركة مما نحن عليه في أحيان كثيرة اليوم، حيث تلغي سرعة التنقل أحياناً حقيقة الحركة.
 إن الإيتوس، مثلما يفكره هيدغر، لا يتجمّع بشكل أساسي في "السكنى" المتجذرة، وإنما في التأهب المتشدد نحو اللغة.
إن "السكنى شاعراً" تعني تأسيس السكنى على ما يقتضيه القول. وهذا الاقتضاء هو ذلك الذي يعني أنه لا ينبغي أبداً الاعتقاد أنه يمكن أن "ينجز" معنى ما، أو أنه يمكن العثور عل معنى جاهز. فما اللغة إلا وسيلة للتوليد غير المحدود للدلالات..
 والتفلسف هو عدم التخلي عن السأل عما يعنيه "التفلسف". بل أكثر من ذلك، هوأن نفهم أن التفلسف يستمد قوته من أنه غير قابل لأن يختزل إلى معنى، إلى مفهوم، إلى معرفة أو إلى مهارة..
أقول هذا ليس من أجل رفض كل هذه التخصيصات، الدلالات أو المماثلات لتبقى "الورشة" مفتوحة باستمرار ولكن شاغرة.. كلاّ. ينبغي علينا أن ندلّ، أن نقول، أن نسمّي وأن نصوغ كلّ ذلك، ولكن في مرحلة ثانية ينبغي أن نسائل، أن نشكّ، أن نراجع "المعنى" وأن نراجع أنفسنا.
فهل ينبغي أن نسكن في التنقل، في الترحال والسفر..؟ السكنى لا كمحض مقيم ولا كمحض مرتحل، ولكن كمسافر.. نعم.. فليس المسافر ذلك السائح صاحب الفضول، لكنه ذلك الذي يسكن التغرب.. إنّ التغرب شرط للعالم: فلكي يكون هناك عالم ينبغي عبور البلدان.

الجمعة، 12 فبراير 2016

ما الذي يستطيعه الأدب بعد أن تنسحب الآلهة؟: جان – لوك نانسي



ترجمة: محمد ميلاد

جان -لوك نانسي
في يوم ما، ينسحب الآلهة من تلقاء أنفسهم؛ ينسحبون من ألوهيتهم، أي من حضورهم. ما يتبقّى من حضورهم هو ما يتبقّى من كلّ حضور عندما يغيب: يتبقّى ما يمكن أن نقول عنه. ما يمكن أن نقول عنه هو ما يتبقّى عندما لا يمكننا أن نتوجّه إليه البتّة: لا أن نحدّثه، أو نلمسه، أو ننظر إليه أو نصنع له حاضراً. (وربما ينسحب الآلهة لأننا لا نصنع حاضراً لحاضرهم: فلا أضحية ولا قربان إن لم يكن ذلك حسب العادة والتقليد. لدينا شيء آخر نقوم به: الكتابة مثلاً، الحساب، التجارة، سنّ القوانين. والحضور من كل حاضر ينسحب).
ما يمكن أن نقوله عن الحضور المتغيّب هو دائماً أمر واحد من أمرين: إمّا حقيقته أو تاريخه. وبالطبع يجدر أن يتعلّق الأمر بتاريخه الحقيقيّ. ولأن الحضور قد انسحب ليس من المتأكّد البتّة أن أي تاريخ يخصّه صادقٌ تماماً: ذلك أنه لا حضور يمكن أن يشهد به. ما يتبقى ينقسم إذن اثنين: التاريخ والحقيقة. لكليهما المصدر نفسه كما يتعلقان بالشيء ذاته: الحضور نفسه الذي انسحب ويتجلّى انسحابه إذن كالخطّ الذي يفصل الاثنين: التاريخ والحقيقة. نسمّي موتوس [muthos] رواية الأحداث والأهواء [passions] الإلهية التي يوجد دائماً من ضمنها ما يَنظر إلى العالم وسيره وإلى الإنسان ومصيره. تعني كلمة "موتوس" القول الخاص بشيء ما، ما يتم التعريف بالشيء بالقضيّة: باللاتينية يعني ذلك سَرْدَه [narrotio] وهو المعرفة الخاصة به. في انسحاب الآلهة، لا يمكن لتاريخهم أن يكون ببساطة حقيقياً ولا أن تُروى حقيقتهم ببساطة. ما ينقص هو الحضور الذي يشهد بوجود ما يروى وكذلك بصدق الكلام في ما يُروى.
ما يُروى هو جسد الآلهة: يظلّ أوزيريس ممزّق الأعضاء، قد مات البان الأكبر(1). ما ينقص هو الجسد الذي ينطق بنفسه بحقيقته: تمثاله الملطّخ بدم الضحايا، المشبّع بأبخرة البخور أو الغابة المقدّسة التي يسمع فيها خرير العين التي ينهمر منها حضورٌ باطني.
ما ينقص هو هذا الجسد الناطق، يتبقّى ما يمكن أن يقال –وقد أصبح المُنقال لا جسدياً مثل الفراغ والمكان والزمان. إنها الأشكال الأربعة للاجسدي، أي للمسافة التي يمكن أن توجد فيها أجساد لكنها ليست جسداً أبداً. إن خاصية المسافة الفاصلة هي الانفتاح والانقسام. المُنقال لا يُعطي، هو ملتحم مع الجسد الإلهي، صلاةٌ في شفتيه: ينفصل عن نفسه ويتمدد (لوغوس).
تنفصل الحقيقة والسرد عن بعضهما إذن. يرسم انفصالهما الخطُّ نفسه الذي يُسطّر تحت انسحاب الآلهة. جسد الآلهة هو ما يتبقى بين الاثنين. يبقى هناك مثل غيابه الخاص. يبقى جسداً مرسوماً، جسداً مجازياً، جسداً محكيّاً: لكن لا مواجهة مقدّسة جسداً لجسد. بين الأدب والفلسفة ينقص هذا التشابك، هذا الاحتضان، هذا التلاحم المقدّس بين الله والإنسان أي مع الحيوان والنبات والصاعقة والصخرة. التمييز هنا هو فصل التشابك وحلّ الارتباط. ويقطع الالتحام المنفصل بالشفرة الأكثر حدّة: غير أن الانقطاع يحفظ ارتباطات التشابك إلى الأبد. بين الاثنين يوجد ما يتعذّر فصله.
تنفصل الحقيقة والسرد إذن عن بعضهما بحيث أن انفصالهما هو الذي يُنشئ كليهما. ودون انفصال لن تكون هناك حقيقة أو سرد: سيكون ثمة جسد إلهي.
ليس السرد مؤّهلاً لافتقاره للحقيقة أو متّهماً بذلك فقط بل إنه محروم منها مبدئياً بما أنه محروم من الجسد الحاضر كنطقه الخاص وظهوره الخاص. هذا الحرمان هو أيضاً الحرمان الخاص بالحقيقة والحقيقة هي مبدئياً معزولة وفي حالة انسحاب، غير قابلة للتصوير وللسرد. تصبح الحقيقة نقطة استهراب(2) تزيغ لتصبح نقطة استفهام. تصبح الحقيقة "ما الحقيقة؟" ومع ذلك يظلّ تخطّي السؤال والتحرّر منه نقطة استهراب وأفق التصور اللانهائي لما يسمّى اللوغوس.