ترجمة شوقي
عبد الأمير
جان- لوك
نانسي مفكر فرنسي عُرف ببحوثه ذات الطابع المنطقي "علم المنطق"
وهو هنا يقدّم بحثاً عميقاً في مفهوم "الكتابة والمشافهة" سيكون من
المهم مواكبته ومناقشته، خصوصاً من أولئك الذين في لغتنا مازالوا موزعين بين النص
المكتوب والنص الملقى أو المُنشد، أي بين إنشاد الشعر وكتابته. هنا في هذه الدراسة
المتميزة (مجلة "شعر" الفرنسية، العدد 92) يقدّم نانسي سؤالاً جديداً
هو شفاهية الكتابة نفسها، وهو بذلك يضيف إشكالاً جديداً لم يكن معروفاً في معادلة
الكتابة -المشافهة.
من يكتب يُجِبْ.
عمَّ يجيب
(أو تجيب)، وعلامَ يجيب (أو تجيب)؟ لقد أعطى التقليد أسماء لذلك. هناك الملهمةُ
والوحي الشعري والعبقرية والإلهام، وأحياناً الاهتمام أو الميل، وربما ضرورة من
ضرورات النفس أو الأعصاب، هبَةُ السماء، أمٌ أو إيعازٌ مقدَّس، واجبٌ من واجبات
الذاكرة أو النسيان، خلق أو إبداع ذاتي للنص. نقرأ في البيت الأول من "الإلياذة":
«غنِّي أيتها الآلهة غضبَ أشيل...». في هذا المستهلّ من الأدب الغربي، لا يلفظ
الشاعر سوى الجملة الأولى - أو بالأحرى الجمل التي تُفضي إلى السؤال الآتي: «أيّ
إله قَذَفهم في الحرب»؟ والجواب: ليتو وزوس، وهو سؤال يستغرق كل القصيدة،
التي سنسمع تيا وهى تغنِّيها.
![]() |
| جان -لوك نانسي |
هوميروس لم يكتب شيئاً... إنه يترك الصوت السماوي يغنّي. وهو يغنّي بقدر ما يحاكي
الأغنية السماوية -هذه الأغنية التي تطالبه بأن يغنِّيها، إنه يفعل ذلك بقدر ما
ينتظر منها فعلَه كي يختفي هو ذاته في هذه الأغنية- فأغنيتُها تغدو أغنيتَه، ولكن مع
بقائها على الدوام تلك الأغنية السماوية. إنه إذاً يَدَعُ الصوتَ يغنّي، أو يجعله
بالأحرى يُسمَع، إنه يَرويه أو يُنشدُه. ومنذ ذلك الحين فإن مَن يكتب لا يكتب إلاّ
من طريق تلقّي ما يُملى عليه بكل معاني هذه الكلمة. تلقّي الإملاء، هو القول من
طريق الإعادة والإصرار، وهو كذلك أمر وإصدارُ تعليمات. من يكتبْ يلزم نفسه
بالكتابة. إنه يستجيب إلى أمر، وحتى إلى تأنيب، أو بالأحرى إلى حضٍّ، تحريضٍ أو ضَغط.
لكنه أيضاً يتلقّى الإملاء. إنه يُنيم بواسطة الكتابة النصَّ الذي يؤلفه وهو ينشد
أو يردّد لهذا ا لغرض صوتاً آخر، صوتاً لا يكتب شيئاً، صوتاً هو كاتبٌ أعلى. من
كلمة "إملاء"، اشتقَّت اللغة الألمانية -فضلاً عن الفعل "أملى"-
فعلاً آخر يعني: ألَّف نصاً مكتوباً، وبالأخص قصيدة. من يكتُبْ يُجبْ بشكل أو
بآخر، بواسطة صدى أو تنفيذ، بواسطة تدوين أو ترجمة على دكتاتورية مُمْلٍ ما. إن ما
يبدو في "الإلياذة" وكأنه ردُّ تيا غير المسمَّاة وغير المشخَّصة،
هو في الواقع بخلاف ذلك، جواب الشاعر المنشد على إملاء الصوت الإلهي، لكن هذه
الإجابة تُقدَّم بشكل معكوس؛ ذلك أن الشاعر المنشد هو الذي يجيب، أو بالأحرى ليس
ثمة سوى جواب واحد على جواب آخر، وما من أحد قد بدأ إطلاقاً. تلك هي صيغة ما يُدعى
اليوم بالكتابة. هذا مع ملاحظة أن كلمة إجابة -باللاتينية- تعني في الأصل الأغنية
التي تُغنَّى بتعاقُب الدروس. في الكتابة، يتعلق الأمر بالأغنية، وبالترديد أو
بالجَرْس الداخلي الذي يشكِّل الأغنية.
إن الشاعر المنشد وتيا لا يُجيبان بالاتجاه نفسه الذي يُجاب به عن سؤال، لكن في
الوجهة التي يُجاب بما عن انتظار، أو في الاتجاه الذي تتجاوب فيه أصوات عدّة
وتتناغم. إنهما يتجاوبان أو يجيب أحدُهما الآخر، لأن الإجابة تعني الالتزام بردٍّ
مقابل أو التزام ديني و/أو قانوني: الردُّ على وعدٍ بوعدٍ متبادل «كما في الخِطبة
التي تتمّ بين رجل وامرأة». مَنْ يكتبْ يُصغِ، ويلتزمْ في إصغائِه. وفي الإنكليزية
كلمة "الرد" تعني الكلمة التي تأتي إلى اللقاء. الكتابة هي التزام
باللقاء، وهي الذهاب إلى اللقاء. الكتابة هي أخذ موعد لقاء يمكن أن يكون خَفيّاً
أو عابراً، أو مجرَّد تلاقٍ في اتجاهَين مختلفَين، ربّما حفيفٌ أو مسٌّ سريع، وقد
يكون لقاءً طويلاً ومحادثةً مستمرّة وجهاً لوجه، كما يمكن له أن يحدث في التضاد،
في الصدمة، في المواجهة بمعنى المجابهة، وفي التنافر. ولكنه دائماً يعني المجابهة،
وإلا تتم أبداً بوجود طرف واحد فقط.
والإصغاءُ
هو الرنين؛ أي أن تَدَعَ الأصوات القادمة من مكان آخر تهتزُّ وتتردَّد في داخلك،
وأن تردَّ عليها بتركها تنعكس في جسد أصبح لهذا الغرض كثير التجاويف. هذه التجاويف
ليست تجاويف أفلاطون؛ إنها ليست مغلقة ثم لا تلبث أن تُفتحَ على الخارج
الذي يُلقي ظلالاً، ولكنه الانفتاح في ذاته بكل ما للمصطلح من معنى، إنه الانفتاح
الداخلي، وهو الانفتاح ذاته بشكل مطلق. في الواقع إنه "أنا" باعتباري انفتاحاً،
أنا باعتباري صندوقاً للترجيع الذي عليه تنعكسُ وتنزلقُ وتصطدمُ نبرات الأصوات من
الخارج، نبرات الأصوات الحيّة. ولكن الصدى ليس ظلاً. وما يتبقَّى عمليةُ طرح، إنه
التكثيف وإعادة التوافق، وتعديل الصوت أو النغم، مَن يكتبْ يُوجِدْ صدًى، وهو يجيب
بإيجاده صدى. إنه يشارك ويقاسم التزامَ صوت من الخارج هو بدورِه التزامٌ إزاء هذا
الصوت الذي يجعل الصوتَ الأغنيةَ المنفردة أو القصيدة ذات الصوتِ الواحد صوتاً مُتعدِّدَ
الجوانب والإيقاعات. ولكن دون هذه التعدُّدية لن تكون الأغنيةُ المنفردة مسموعةً،
وكذلك القصيدة ذات الصوت الواحد. أي أن أحداً لن يسمعها، وأنها قد تبقى صمَّاء
إزاء ذاتها هى.


