‏إظهار الرسائل ذات التسميات لوتريامون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات لوتريامون. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 30 مارس 2016

سعار الحقيقة: حسين عجة



مقدمة كتاب: "لوتريامون"
تأليف: غاستون باشلار
ترجمة: حسين عجة
نشر: دار الروسم، بغداد
 




«الأخوة ليست أسطورة»
لوتريامون، قصائدI
«يا امرأة، لدي نفس انطباعاتك، وأنا أرتعش خشية أنّ تُلحق بنا تعاسة ما
-أفكر في السماء.
-ليس من الضروري أنّ تفكر في السماء، إذ يكفي سلفاً التفكير في الأرض.
  هل أنت متعبُ من العيش، أنت الذي بالكاد قد ولدَ؟»
لوتريامون، قصائدII.


عندما اقترح عليَّ الصديق زعيم نصّار، الذي من دون حثَّه المتواصل لي، الكرم والمحبة الذي أحاطني بهما، لما كنتُ قد تقدمت كثيراً في طريق الترجمة هذه، وما كان للكتاب أن يرى "النور"؛ حينما اقترح نصّار عليَّ إذاً القيام بكتابة مقدمّة، مدخلاً، كلمة عن باشلار وكتابه، شعرت بنوع من الحياء والارتباك، أو بدقةٍ أكبر، بصعوبة المقترح واستحالة تنفيذه. إذ كيف يمكن "تقدّيم" باشلار مع أي من كتبه الأخرى، فما بالك حينما يكتب عن كتابة "لوتريامون"؟
عن عمل وحياة شاعر، تكادُ تكونُ أسطورة اسمه غير الكافية [اسمه الشعريّ، الكونت لوتريامون، الذي لم يستخدمه إلاّ مرةً واحدةً، والذي يقول عنه البعض إنّه قد يكون مُحاكاة لاسم "لاترمون يوجين دو سو"، فيما يؤكد غيرهم على أنّ ذلك الاسم المستعار يشير إلى "حنينه" للأرغواي، مسقط رأسه، وهو متكّون، أي الاسم، من مقطعين صوتيّين باللاتينية إلاّ وهما « l’autre »  ويعني بالعربية الآخر، ومقطع « mont »، ويعني بالعربية "تلّة"، ويحيل إلى اسم « Montevideo »، المدينة التي ولد فيها]؛ أسطورة، كما يبدو للإحاطة بعبقرية إبداعه، أو على الأقل، استيعاب تمزقاته وصراخه، والآثار العصبية-الإبداعيّة العظمى التي تركها على طول وعرض جسد القرن العشرين، الذي لم يكن بالدقّة قرنه ولا عصره، مع أنّ القرنَ المنصرمَ أستقبله تارةً بنوع من الحفاوة و"الصخب" الساحر، والذي سرعان ما سيتبدّد أو يتلاشى، ببساطه لأنه يتعلق بالسحر والساحر، وتارة أخرى بتسليم حياته، سلوكه و"سايكولوجيته"، أكثر من عمله، لمقصَّ ورقابة المقولات المُحنّطة والسامة أيضاً للموضوعية- الذاتية، الأخلاقية-السلوكية، الإجتماعية-النفسية، وغيرها من الثنائيات المبهمة والمُعطَّلة للحدس الشعريّ الأوليّ، أو الإبداعيّ عموماً؛ تلك المقولات التي كان البعضُ يهرعُ نحوها، حينما تنْضبُ لغته وتهرب منه العبارات بعيداً؛ يهرعُ نَحوها كبقايا شاحبة لكنز المقتنيات الميتافيزيقة الغربية المحنطةِ، عسى ولعلّ أنْ ترمَّمَ تلك القطع المحنطة ولو جانباً واحداً من جوانب غفلته.
 بدأ اسم لوتريامون المغمور بالظهور تدريجياً، في القرن التاسع عشر، الذي شرعَ أولاً مع الرومانسيين، ومن ثم مع بودلير؛ آنذاك، كان التمرّد على الآداب العامة والأخلاقية للمرحلة قد وصل ذروته تقريباً. يدفع لوتريامون بذلك التمرّد إلى أبعد ما يمكن: على الصعيد الأخلاقي، تهاجم "أناشيد مالردور" تقاليد التيار "الإنسانيّ" الأوروبيّ، كما تهاجم الله ذاته، كما كانت المشاهد الساديّة، التي تظهر في العمل، تحملُ عنفاً متطرفاً، وذلك بصرف النظر عن الهجوم على "المحرّمات" الجنسية، لاسيما "حب الأولاد" الذي يستخدمه لوتريامون كذريعةٍ أو سلاح شعريّ مباشرٍ لكي يمزقَ أوشحة، أقنعة، وطقوس ثقافة "برجوازية"، كانت تعاني من لحظات نزاعها مع الموت!

الأربعاء، 9 سبتمبر 2015

لوتريامون الذي جاء حرّاً كالعاصفة: أنّا بالاكيان

ترجمة: أمين صالح

Portrait de Lautréamont par Ibara
عندما نشرت إحدى المجلات الفصلية في أواخر الثلاثينات من القرن العشرين استفتاء شارك فيه شعراء ونقاد فرنسيين معاصرين لاختيار عشرين قصيدة لا غنى عنها في كلّ الأزمنة، فإن الإسم الذي احتل المركز الثالث بين الشعراء قبل العام 1900 كان ايزيدور دوكاس، الذي لقّب نفسه [الكونت لدي لوتريامون]، بينما جاء في المركز الأول رامبو، وفي المركز الثاني بودلير. لكن ما هو ملفت حقاً واقع أن الذين اختاروه عموماً واعتبروه الأول، من بينهم أربعة من السورياليين البارزين: إيلوار، بريتون، سوبول، بيريه.. وهؤلاء صنفوه واختاروه ليس بسبب نص واحد بل لأعماله الكاملة التي رأوا فيها وحدة متكاملة ومعلماً هاماً في تاريخ الأدب.
السورياليون لم يكونوا وحدهم المؤيدين والمدافعين عن هذا الشاب الذي توفي وهو في الرابعة والعشرين، لكنهم كانوا أول من اعتبره شاعراً فرنسياً بارزاً، رغم أنه لم يكن فرنسياً ولا شاعراً من الناحية التقنية. فقد وُلد في موننتفيديو بالأورغواي من أبوين فرنسيين. سافر إلى فرنسا للدراسة في معهد البوليتكنيك. وهناك كتب نصوصاً نثرية ليبرهن على نحو أكثر من أي وقت مضى بأن جوهر وروح الشعر لا يكمن في القافية بل في الإيقاع.
في مقدمته لأعمال لوتريامون، كتب فيليب سوبول، أحد الأعضاء الأصليين في الحلقة السوريالية، معبّراً عن افتتان غامر: «المرء لا يحكم على السيد لوتريامون، بل يتعرّف إليه، وعندما يحيّيه ينحني المرء حتى يكاد يلامس الأرض». سوبول كان الأول بين السورياليين الذين أبدوا اهتماماً كبيراً بـ لوتريامون، والطبعة التي كتب لها المقدمة في 1920 سرعان ما راجت وتم تداولها بين بقيّة الكتّاب والرسامين. وكانت، في الواقع، الطبعة الأولى التي أمكن الحصول عليها، فالطبعات السابقة في نهاية القرن 19 نفدت نسخها القليلة. لكن ما إن صار متاحاً وفي المتناول حتى أصبح لوتريامون القديس الراعي لجيل من المتمردين.
لوتريامون، الذي كان يحتل المرتبة الثانية بعد رامبو كقوة محركة للشعر والفن الحديث، انتقل شيئاً فشيئاً إلى المرتبة الأولى بحكم الآراء والتلميحات المؤيدة له، والتي نجدها منذ 1951 في الملاحظات النقدية التي طرحها شعراء وفنانون ارتبطوا في وقت ما بالسوريالية. إن طبعات من أعماله تعددت وتضاعفت وظهرت مزينة بلوحات أبدعها رسامون سورياليون مشهورون من بينهم: فيكتور بوروز، ماكس أرنست، ماتا، رينيه ماجريت، مان راي، إيف تانجاي، سلفادور دالي.
في بيانه السوريالي الثاني، عندما حرّر أندريه بريتون نفسه والسورياليه من أغلب الأسلاف الذين ذكرهم في البيان الأول، بل أنه أبدى تحفظاته بشأن رامبو، إلا أنه تشبث بـ لوتريامون معتبراً إياه السلف الحقيقي للسوريالية وفي أعماله النقدية الأخيرة كان اسم لوتريامون يتردد باستمرار في هذه الكتابات مشيراً إليه بوصفه المؤثر الأبرز والأهم، وفي مقالة له يقوم بريتون بتوجيه توبيخ قاس إلى ألبير كامو لأنه لم يفهم حجم وأهمية ثورة لوتريامون، معتبراً أعمال الشاب المعذّب «الأكثر نبوغاً في الأزمنة الحديثة».
في كتابه "محادثات" (1952) رفع بيرتون أهمية رامبو ولوتريامون معاً فوق التصنيفات الأدبية، وذلك بسبب اهتمامها الأساسي بالوضع البشري، وعذابهما الروحي، وفي مقدمته لمختارات من كتابات لوتريامون، ضمّنها في كتابه "أنطولوجيا الدعابة السوداء" أشار بريتون إلى لوتريامون بوصفه مستكشفاً وممهداً للطريق: «أكثر الأشياء جرأة التي لقرون سوف تكون مصدر تأمل وعناية قد تمت صياغتها هنا سلفاً في ناموسه السحري».
لغة لوتريامون المجازية، قوتها الهذيانية، تسلسل الأفكار القائمة تحت نطاق الوعي الذي تكشفه، أساها العرضي في اللامعقول.. كل هذا يخلق نقطة تماس مع السورياليين. لكن هذه الخصائص الجلية قد فُسرت من غير تردد وباتجاه آخر من قبل نقاد بدءًا من ريمي دي غورمون إلى باحث معاصر مثل جان بير سولييه، بوصفها تجليات لحالة عصابية واضطراب عقلي يتسم باختلال الصلة بالواقع مثل هذه التفسيرات السريرية (النفسية) تقلل من شأن الخاصيات ذاتها التي جعلت لوتريامون محبوباً لدى السورياليين وألهب خيالهم. إنه هذا المنظور الروحي والأخلاقي الواعي، أكثر من التجليات الأدبية للعقل اللامتوازن، هو الذي أشار إلى انطلاق لوتريامون بعيداً عن معاصريه واقترابه أكثر من جماليات القرن العشرين والتفكير الفلسفي.
السورياليون آثروا أن يروا في "أناشيد مالدورور" إما تشكيلاً للأساطير اليونانية القديمة عن سفر الإنسان المحفوف بالعذاب عبر لغز الحياة، أو تمرداً ميتافيزيقياً مرهفاً في عالم يفقد بؤرته التي تفترض أن الإنسان هو حقيقة الكون المركزية وغايته القصوى. السورياليان مارسيل جان وأرياد ميزي في كتابهما "مالدورور" (باريس، 1947) كانا يميلان إلى تفسير لوتريامون بوصفه ضحية معذبة لسماته الموروثة الخاصة، وبالتالي تماهي هذا المبدع مع شخصيته الشيطانية.. "مالدورور". من جهة أخرى، رأي بريتون وليون بيير –كوينت في لوتريامون ثائراً فخوراً، شفافاً جداً، والذي يقدر أن يموضع مأزقه في (الآخر)، "مالدورور"، ويخلق تنفيساً لشكوى الملعونين.