مقدمة كتاب: "لوتريامون"
تأليف: غاستون باشلار
ترجمة:
حسين عجة
نشر:
دار الروسم، بغداد
«الأخوة ليست أسطورة»
لوتريامون،
قصائدI
«يا
امرأة، لدي نفس انطباعاتك، وأنا أرتعش خشية أنّ تُلحق بنا تعاسة ما
-أفكر
في السماء.
-ليس
من الضروري أنّ تفكر في السماء، إذ يكفي سلفاً التفكير في الأرض.
هل أنت متعبُ من العيش، أنت الذي بالكاد قد
ولدَ؟»
لوتريامون،
قصائدII.
عندما اقترح عليَّ الصديق زعيم نصّار، الذي من دون حثَّه
المتواصل لي، الكرم والمحبة الذي أحاطني بهما، لما كنتُ قد تقدمت كثيراً في طريق
الترجمة هذه، وما كان للكتاب أن يرى "النور"؛ حينما اقترح نصّار عليَّ
إذاً القيام بكتابة مقدمّة، مدخلاً، كلمة عن باشلار وكتابه، شعرت بنوع من الحياء والارتباك، أو بدقةٍ
أكبر، بصعوبة المقترح واستحالة تنفيذه. إذ كيف يمكن "تقدّيم" باشلار مع
أي من كتبه الأخرى، فما بالك حينما يكتب عن كتابة "لوتريامون"؟
عن عمل وحياة شاعر، تكادُ تكونُ أسطورة اسمه غير الكافية
[اسمه الشعريّ، الكونت لوتريامون، الذي لم يستخدمه إلاّ مرةً واحدةً، والذي يقول
عنه البعض إنّه قد يكون مُحاكاة لاسم "لاترمون يوجين دو سو"، فيما يؤكد
غيرهم على أنّ ذلك الاسم المستعار يشير إلى "حنينه" للأرغواي، مسقط
رأسه، وهو متكّون، أي الاسم، من مقطعين صوتيّين باللاتينية إلاّ وهما « l’autre » ويعني بالعربية
الآخر، ومقطع « mont »، ويعني بالعربية "تلّة"، ويحيل إلى اسم « Montevideo »، المدينة التي ولد فيها]؛ أسطورة،
كما يبدو للإحاطة بعبقرية إبداعه، أو على الأقل، استيعاب تمزقاته وصراخه، والآثار
العصبية-الإبداعيّة العظمى التي تركها على طول وعرض جسد القرن العشرين، الذي لم
يكن بالدقّة قرنه ولا عصره، مع أنّ القرنَ المنصرمَ أستقبله تارةً بنوع من الحفاوة
و"الصخب" الساحر، والذي سرعان ما سيتبدّد أو يتلاشى، ببساطه لأنه يتعلق بالسحر
والساحر، وتارة أخرى بتسليم حياته، سلوكه و"سايكولوجيته"، أكثر من عمله،
لمقصَّ ورقابة المقولات المُحنّطة والسامة أيضاً للموضوعية- الذاتية، الأخلاقية-السلوكية،
الإجتماعية-النفسية، وغيرها من الثنائيات المبهمة والمُعطَّلة للحدس الشعريّ
الأوليّ، أو الإبداعيّ عموماً؛ تلك المقولات التي كان البعضُ يهرعُ نحوها، حينما
تنْضبُ لغته وتهرب منه العبارات بعيداً؛ يهرعُ نَحوها كبقايا شاحبة لكنز المقتنيات الميتافيزيقة الغربية المحنطةِ،
عسى ولعلّ أنْ ترمَّمَ تلك القطع المحنطة ولو جانباً واحداً من جوانب غفلته.
بدأ اسم
لوتريامون المغمور بالظهور تدريجياً، في القرن التاسع عشر، الذي شرعَ أولاً مع
الرومانسيين، ومن ثم مع بودلير؛ آنذاك، كان التمرّد على الآداب العامة والأخلاقية
للمرحلة قد وصل ذروته تقريباً. يدفع لوتريامون بذلك التمرّد إلى أبعد ما يمكن: على
الصعيد الأخلاقي، تهاجم "أناشيد مالردور" تقاليد التيار
"الإنسانيّ" الأوروبيّ، كما تهاجم الله ذاته، كما كانت المشاهد الساديّة،
التي تظهر في العمل، تحملُ عنفاً متطرفاً، وذلك بصرف النظر عن الهجوم على
"المحرّمات" الجنسية، لاسيما "حب الأولاد" الذي يستخدمه
لوتريامون كذريعةٍ أو سلاح شعريّ مباشرٍ لكي يمزقَ أوشحة، أقنعة، وطقوس ثقافة
"برجوازية"، كانت تعاني من لحظات نزاعها مع الموت!

