ترجمة : سعيـد بوخليـط
خلال حقبة من حقب
تاريخنا، كان بوسع الشعراء التشكيك في وجود الله، دون خشيتهم من فتوى. حقبة،
تسامحت مع الوقاحة والدعابة التي تشتم، وكذا الاحتفاء بالخمر. إنها حقبة، القرون
الإسلامية الأولى، بحيث كان كل شيء، مباحاً تقريباً.
حوالي سنة 620م، لما
تمكن النبي محمد، من تحقيق انضواء قبائل الحجاز، أظهر شخصان "رعونة''،
برفضهما اتباعه: مسيلمة، الملقب بـ"الكذاب'' ثم سجاح، إحدى
أكبر نسوة، قبيلة تميم. اسمان، جادلا
بخصوص، أن تكون النبوة من أبناء قريش في مكة، وشكلا أول ثنائي متمرد، على امتداد
تاريخ الإسلام، ومصدراً لحروب الردة، بعد تحول مجموعة أقاليم إلى الوثنية.
عقود بعد ذلك، هبت
عاصفة من التمرد على أرض الإسلام. مبدئياً، طرحت حرية الفكر والسلوك. من القرن
السابع الميلادي إلى الثالث عشر، ردد العالم أصداء شخصيات مسلمة، لاتخشى الإعلان
عن إلحادها. من مدن بغداد إلى الزهراء، مروراً بشيراز، بلغت الحياة الليلية أقصى
نشاطها، عاهرات وغلمان يتوافدون على الصالونات الأدبية، وتدفق غزير للخمر في
الحانات، وكذا الفنادق، ثم قصور الخلفاء. الحكام، وإن لم تستهويهم تلك المخالفات،
رفضوا مع ذلك، الامتثال لموقف العلماء.
تلك العقول الحرة، التي
كان عليها تحمل محرقة القسطنطينية أو باريس القرون الوسطى، لم يترددوا في الإقدام
على تأليف، كتابات شرسة، تدوولت بلا عقاب، وتطرقت إلى موضوعات، مثل سمو العقل على
الإيمان. ضمن مسار مسيلمة وسجاح، اندرج ملاحدة من كل الأجناس، شككوا
في وجود الله مثل أبي العلاء المعري، أو رفضوا فكرة الرأي الأخير، مثل الوليد
بن عبد الملك، وعلى غرار الجاحظ، دحض أطروحة قرآن غير مخلوق.
انتشر لدى البغداديين، بتسامح:
"العبقرية العربية اللاذعة''، المكرّسة من طرف رموز كـ ابن المطهر الأزدي
والشاعر الهجاء المتنبي، أو كذلك الأصفهاني، صاحب كتاب
"الأغاني'' الشهير، ووثائقي الوقائع اللا-أخلاقية.
الزندقة، هي النموذج
الآخر، للتمرد بحيث مثلت القصيدة، تعبيرها المميز. بشار بن برد، الشاعر
الفارسي، وعاشق الغزل، يعلن ولعه بالتغزل، بينما كان ضريراً، وحينما سألوه عن
كيفية تمكنه من العشق، مع أنه لايرى، كان يصفق يميناً وشمالاً، ويجيب شعراً كما
الحال مع بيته الشهير: «والأذن تعشق قبل العين أحيانا!».
رفيقه في الوقاحة، ليس
سوى أبي نواس، الذي امتدح «الشبق كنموذج لحياة احتفالية»، وانكب على
حياة الجنسية المثلية، والإدمان على الخمر. أيضاً، عمر الخيام الذي كرس
الشك، وصرخ بأنه :«إذا وجدت جهنم للعاشقين والسكارى، فستغدو الجنة صحراء
!».
تواجدت على امتداد
البصرة أسواق، كانت مخصصة لملذات الجسد والذوق، أما في القاهرة فقد تطرق شيوخ
لموضوع الجنس، تحت أعمدة المساجد. إذا، انتقلنا إلى تونس، وباسم استجابة لطلب من
السلطان، ألف الشيخ النفزاوي، كتاباً تحت عنوان ''الروض العاطر''، وهو بحث
في علم الجنس ولاصلة له بكتاب "كاماستورا" (النص الهندي القديم).
أيضاً، تدفع قصيدة الحب
نحو المبالغة. هكذا، يدعو عمر بن أبي ربيعة، المعجبين به، إلى إنشاد قصائده
الغنائية، داخل مساجد مكة. أمّا "ديك الجن"، فيروى أنه أغرم جداً
بزوجته، فقتلها كي يتمكن من القيام، بتأبينها شعراً.
مع هذا المجتمع المسلم
المرهف والمنتهِك، لم يبق النساء مستكينات. هكذا، فحفيدة الرسول سكينة بنت
الحسين، سترفض الحجاب باسم الجمال، الذي وهبها إياه الله. بدورها، عارضت ليلى
الخليلية، الخلفاء دفاعاً عن حريتها، أما في الفترة العباسية فقد اختارت علية
بنت المهدي طريق أن تكون موسيقية، بدل كرسي الحكم.
بيد أن سياقاً كهذا،
توقف تمدده مع نهاية القرن الثاني عشر ميلادي، فنتيجة تأثير الفقهاء
الأرثوذوكسيين، وملوك مستبدين، أقفلت الخمارات واحتجزت النساء. بالتالي، انتقلت
"الأصوات الملحدة"، إلى السرية ثم هيمن الصمت. سنة 1257م، اجتاح المغول
بغداد، وضربوا صروحها الثقافية كما حطموا خزائنها الكبيرة، بحيث يحكى أن مياه
دجلة، صار لونها قاتماً، نتيجة تحلل حبر الكتب.


