حاوره: كريستوف باربيي
ترجمة: سعيد بوخليط
 |
| سلمان رشدي |
دون أن يدرك، فقد ولج
بنا هذا الرجل إلى القرن العشرين. سنة 1989، بينما يتداعى جدار برلين، آيلاً للسقوط، والإمبراطورية السوفياتية تتشقق، والصين تسحق دماً، الطموح الناشئ، وسط
ساحة تيانانمين. مع بداية تلك السنة، كان سلمان رشدي، وحده ضد الجميع، فقد
طاله عنف غير مسبوق في الغرب، بحيث صار موضوع فتوى.
يوم 14فبراير، وعبر
أمواج إذاعة طهران، أعلن آيات الله الخميني عن قراره بتنفيذ القتل في حقه، ورصد
مكافأة لمن ينجز هذه المهمة، لأن سلمان رشدي أصدر شهر شتنبر1988، مؤلفاً
حمل عنوان: ''آيات شيطانية''، يقل من الاحترام نحو النبي محمد، أثار زوبعة عالمية،
ألهبت العالم الإسلامي خلال سنوات: مكتبات أحرقت، قتل مترجمه الياباني بطعنة سكين،
ثم أدى حريق بحياة سبعة وثلاثين شخصاً، أثناء تظاهرة استهدفت مترجماً تركياً. قضية
آيات شيطانية، هي أكثر دلالة مما تخيلناه خلال تلك الحقبة.
اليوم، تذبح داعش
رهائنها على موقع اليوتوب، والجهاد يمضي نحو قلب المدن الغربية، والإرهاب الإسلامي
يأخذ شكل وباء عام. تميزت سنة 1989، خاصة بتطلع دول أو تنظيمات سياسية، نحو تقوية
الديمقراطيات، ضمن لعبة مطالب، تبقى جزئياً عقلانية. لكن مع آيات الله الإيرانيين،
ابتدأ عهد جديد، لأن المبرر المشرّع
للفتوى، هو محض ديني، فالملالي اتهموا سلمان رشدي، بكونه عمل على
تحريف الخطاب المقدس، متبنياً في روايته إنكاراً للرسول، والذي تسامح في الأول مع
عبادة آلهة آخرين، قبل التراجع عن أقواله، متحدثاً عن وحدانية مطلقة.
التأويل الأول لـ"آيات
شيطانية"الشهيرة، أنها في الواقع همسات من الشيطان، فلا يمكن بالأحرى وصلها
بعمل لخيال بشري، حتى ولو ارتكزت على معطيات
تاريخية معقولة.
هكذا، فرواية
بالإنجليزية، صادرة عن ناشر إنجليزي، من طرف مؤلف صاحب أصول إسلامية، لكنه لايدعي
انتسابه لأي دين، اعتبر من لدن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، مهاجماً يشتم
الإسلام كلياً. إنه ''الإبداع الثاني''، لقضية تمنع عن الغربيين، حقهم كي يبدعوا
حسب معاييرهم وقيمهم الخاصة.
يطرح الأصوليون
المسلمون، الحل الأكثر بساطة، يتمثل في الفطرة السليمة: لاتحاول قراءة الكتاب، إذا
كنت ستنتقد مضمونه. لقد سعوا إلى تدمير كتاب سلمان رشدي، فضاعفوا
الاحتفالات بإعلانات الموت للنص وصاحبه، وإن عدلت إيران عن الفتوى سنة 1998، لكن
ستتبناها مؤسسة يشرف عليها النظام.
بالعودة إلى الماضي، تعتبر
قضية الرسوم الكاريكاتورية، حول النبي محمد، من جنس طبيعة "آيات
شيطانية"، وتندرج ضمن نفس المنطق العدمي. الفتوى، الصادرة في حق سلمان
رشدي، فتحت المجال نحو الجريمة التي ارتكبت في شارل إيبدو. ليس صدفة، أنه سنة 1989،
حددت عاصمة التطرف الإسلامي، كهدف أولي، مثقفاً ترعرع بين التعليم القرآني وكذا
الثقافة الأنجلوساكسونية. دائماً، وقبل كل شيء، تشن الراديكالية الإسلامية، هجوماً
على المسلمين المستنيرين والمعتدلين، وتتهمهم بالكفر.
في هذا الإطار، يجسد سلمان
رشدي،غنيمة مثالية: يطوي في ذاته، الثقافة الهندية، وكذا تلك المنتمية إلى
الإمبراطورية البريطانية، ثم نوع المسافة النقدية التي يتوخى المتطرفون، إلغاءها
وإلى الأبد، كي لا يتحقق خلال يوم من الأيام، إسلام "على النمط الغربي" (occidentalisé).
يظهر درس قضية رشدي:
أن الشجاعة ليست بالفضيلة، الأكثر اقتساماً بين الديمقراطيات. قبل ذلك وسنة 1989، انساب
فكر، يحث على عدم استفزاز إيران، سواء بالدبلوماسية الجبانة، أو الشعور بالذنب،
مابعد الكولونيالي.
طبعاً، يخضع سلمان
رشدي للحماية، دون الاستهانة، بأبسط وسائل إنقاذ هذا الرمز، فقد نجا بثبات، من
مطاردين، متعصبين جداً. لكننا، نسمع على الفورأصواتاً، تقترح وضع حرية التعبير، في
مرتبة سفلى، من حق الاختلاف، وعدم إصدار أعمال في مثل جرأة آيات شيطانية. هؤلاء، من
يتوخون السكينة لقاء الخزي، سيجدون أمامهم في المقابل تنظيمي القاعدة وداعش. 11 شتنبر2001 و7 يناير2015. مع ذلك، وإلى اليوم، هم أكثر
فعالية، يعتبرون أن الأخطاء مشتركة بين الإسلاميين والديمقراطيين! إنهم دعاة
تنازلات، وتراجعات صغيرة، وتصور لايتلاءم والعلمانية.
أحدث التراجعات ، بهذا
الخصوص، ما شهدته جمعية الكتّاب العالميين
''pen club"،
المتواجد مقرها في مدينة نيويورك، عندما
رفض مجموعة من الكتّاب تسليم جائزة الشجاعة وحرية التعبير لـ"شارلي
إيبدو"، زهد ذهني، أظهر تمدد الداء. هكذا، يكشف الوضع عن وجود أدمغة من هذا
القبيل، غير أن المسألة أعمق مما نظن، حول مستوى اتصافها بالجبن. لكن لحسن الحظ، يوجد
كذلك أشخاص، يجابهون هذه القدرية، مثل سلمان رشدي، المتيقظ دائماً… .
إذن، بعد مرور ربع قرن،
يعود سلمان رشدي ليصرح بآرائه، في دولة داعش، ويفضح تيهان جيوبوليتيكيات الغرب، لكنه يتكلم أيضاً عن
الأدب والمتخيل والإلهام.. .