‏إظهار الرسائل ذات التسميات متفرقات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات متفرقات. إظهار كافة الرسائل

السبت، 6 أغسطس 2016

لماذا نجد تماثيل بأعضاء تناسلية صغيرة؟: رونى غروسار



ترجمة: فاطمة بوصوفة

«في روما، ضخامة القضيب مرعبة» يقول المؤرّخ تييري إلوا.
بعيداً عن مخيال المشاميل والكليشيهات الأخرى، كان العضو التّناسلي عند الرّومان يرتكز على نظرة مختلفة للزّوجين.


حوار مع المؤرّخ تييري إلوا أجراه الصّحفي الفرنسيّ رونى غروسار منذ أربع سنوات ويعيد نشره على موقع: نهج 89 نوفال أوبسارفاتور بتاريخ 2016/07/07

تناقلت العديد من صفحات الموقع الاجتماعي الفايس بوك خلال الآونة الأخيرة نشر فيديو مأخوذة عن موقع مجلّة نيويورك.

 
 أين نشاهد من خلالها تفسيراً عن أسباب صغر حجم أيور لتماثيل قديمة:
«في اليونان القديمة كانت الأيور ذات الحجم الصّغير لها الأفضليّة عن الأخرى الضّخمة... إذ تقترن هذه الأخيرة بالبلاهة، بالنّفعية، وبالبشاعة»

في سنة 2012 كنّا قد حاورنا المؤرّخ تييري إلوا الذي قام بتقديم شرحاً مفصّلاً عن النّظرة الرّومانيّة للحبّ والجنس.
عُثِرَ بالقرب من منطقة لا تاميز بلندن، على قطع نقديّة لمشاهد برونوغرافيّة؛January   مع بداية شهر جانفي أين نرى زوجين في وضع جماع.
مبدئيّاً وحسب مصدرنا -لو غارديان- كانت تُعْتَمَدْ هذه القطع النّقدية كعملات للتّداول بين الروّمانيّين داخل المواخير، بيوت الدّعارة في ذلك الزّمن.

 
القطعة النقدية المشار إليها بمقالة نشرت بالغارديان

كانت الفرصة جيّدة إِذاً لمحاورة  تييري إلوا، الأستاذ المحاضر الّذي تناولت بحوثه المثيرة هذا الموضوع كما يشير إلى ذلك عنوان كتابه حول: "الأيروتيكا الذّكوريّة في روما القديمة".

الأيروتيكا الذّكوريّة في روما القديمة


الجمعة، 8 أبريل 2016

موت بالتقسيط: لور كاتسارو



ترجمة محمد عبد الفتاح السباعي


 هي كانت غنية بربيعها العشرين


أما أنا فكنت شابًّا بعشرين فرنكًا
تعاهدنا أن تكون صُرَّة نقودنا واحدة
تنقلتْ وهي تنزف مالًا في إحدى ليالي الربيع الكافرة..
صنعَ القمرُ حفرةً داخلنا
مستديرةً كدرع بخمسة فرنكات
من أين مرت ثروتنا:
عشرون ربيعًا وعشرون فرنكًا.. ثم القمر!
الشاعر «تريستان كوربير» من قصيدة بعنوان «في ذكرى زولما، عذراء مجنونة خارج الحاجز، وذكرى لوي»



عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية ظهرت رواية «الغثيان» لـ«جان بول سارتر»(1)، تلك الرواية التعليمية المجردة وضعت أسس النظرية العبثية(2)، والتي حظيت بشعبية ضخمة بعد ما وضعت الحرب أوزارها، وحظي مقال «أنطوان روكانتان» (بطل الرواية)، عن الأمور العارضة المستوحاة من تأملات شاب كستنائي الشعر، بشهرة كبيرة، وفي المقابل فإن الشكل العام للرواية لم يجذب الأنظار، ومع ذلك فإن «الغثيان» تقدم نفسها، ومن السطور الأولى، على أنها يوميات أعزب «فتى ليس له أي اهتمامات.. مجرد فرد».. رجل بلا زوجة ولا أطفال وليس له سيد، «روكانتان» يعمل وحيدًا على كتابة سيرة ذاتية لرجل ودود عاش في القرن الثامن عشر، إنه السيد «روليبون» المقيم في مدينة «بوفيل»، ولكن لا يربطه بها أي شيء، فهو مستأجر غرفة في فندق، ولا يفارق جريدته التي يتحدث إليها كما لو كانت صديقه أو رفيقته.. «أنطوان روكانتان» رجل وحيد له وجود.. هذا هو كل شيء، هذه هي قصة حياته، ففي «الغثيان» لا يوجد في العزوبية شيء نادر يستحق أن يُروى.. إنه ذلك الظرف الذي سمح لـ«روكانتان»، المتحرر من أي التزامات بخلاف التزاماته تجاه نفسه، بمعرفة خبايا الوحدة التي تعيشها الكائنات، وبالتالي إدراك عبثية الوجود.
عزوبية «روكانتان» تجسد موقفًا فلسفيًّا ضد التقاليد الإنسانية والمسيحية، وفي الوقت نفسه ثورة اجتماعية على الطبقة البرجوازية، إنه هنا لا يختلف جوهريًّا عمّا كان يفعله «فلوبير» والأخوان «جونكور» و«موباسون»، فالأعزب عند «سارتر»، كما في القرن التاسع عشر، هو ذلك المتمرد اللاجتماعي، رجل لا يعترف بوجوده أحد، وتتنزل عليه لعنات المجتمع البرجوازي الذي يدعو عليه السماء باستمرار.
أحد أيام الأحد بعد منتصف الظهيرة، ذهب «روكانتان» إلى متحف فني في «بوفيل»، وكانت الصالة الكبرى بالمتحف تعج ببورتريهات للوجهاء المحليين وأصحاب السفن والتجار الكبار والمهندسين والضباط ونواب برلمانيين، الذين حققوا نجاحًا كبيرًا في مهنهم ونقلوا ثمرة هذا النجاج إلى أولادهم.. جميعهم متزوجون ولهم ذرية، ويشير «روكانتان» إلى أن هؤلاء الرجال «امتلكوا الحق في كل شيء: في الحياة والعمل والغناء والقيادة والاحترام، بل وفي الخلود». وفي أسفل مدخل الصالون كانت هناك لوحة كبيرة بعنوان «موت الأعزب» لشخص يُدعى «ريشار سيفيران» [Richard Séverand]، وكانت اللوحة هدية من الدولة لمتحف «بوفيل»، في هذه اللوحة لم يكن موت ذلك الأعزب مثيرًا لأدنى شفقة، لا بين أصدقائه المحيطين، الذين تجاهلوه تمامًا، ولا من الذين شاهدوا اللوحة، ولا من «روكانتان» نفسه، ورغم أن وجه ذلك الأعزب أظهر أنه عانى وقتًا طويلًا من سكرات الموت، ولكن كان على وجهه سخرية غامضة، وكان لون جذعه يميل إلى الاخضرار كما لو أنه بدأ يتحلل بالفعل، ولم يكن هناك من يبكيه جوار سريره، وبينما الخادمة تفتش في دولابه وتعدُّ ما به من أموال قليلة، كان أحد المتشردين ينتظر في الممر وشفتاه تطبقان على سيجاره، وقطة صغيرة تلعق بهدوء لبنًا في قعر إناء صغير.. الرسالة هنا في غاية الوضوح: عدم الفائدة الاجتماعية للأعزب حكمت عليه بهذا العقاب، وبما أنه لم يُعطِ المجتمع شيئًا في حياته، فعليه ألَّا ينتظر أي مقابل لحظة مماته، فالأعزب يُعاقَب على أنه لم يَعِشْ إلا لنفسه فقط، بموت بشع مُذل. وعلى العكس من وجهاء «بوفيل» فقد مات «بلا أطفال وبلا وصية وبلا أسرار يخبر بها أحدًا قبيل مماته».
«موت الأعزب» يبدو أنها تحقق التنبؤ المثير للشفقة للـ«عصامي» ذلك الأعزب الوجودي الثاني في «الغثيان»، وعلى لسان الـ«عصامي» نقرأ السطور التالية: «أعيش في وحدة قاتلة، لدرجة أنني فكرت في الانتحار أكثر من مرة، ولكن ما منعني من هذه الفكرة، هو أن لا أحد، وأقصد المعنى الحرفي بكلمة "لا أحد"، سيتأثر بوفاتي، ما يعني أنني سأكون بموتي وحيدًا أكثر مما كنت حيًّا».

الأحد، 20 ديسمبر 2015

ريجيس دوبري: في لحظة انكسار




حاوره: فرانسوا غيوم لورين وسيبيستيان لوفول
 ترجمة: سعيد بوخليط

ريجيس دوبري
مع آخر إصداراته "Madame H لا يفتقد ريجيس دوبري، المفكر الذي أنجز العديد من المؤلفات، لطابع التفكه، من خلال وصيته السياسية هذه: البشرية بلا أفق، يسار بغير أفكار هولاند، مأتم التاريخ… عمل، بمثابة خريطة طريق، للزمن الراهن. 









س- كيف تعرفون أنفسكم، انطلاقا من كتابكم الأخير ''مدام H
ج- دعوة للمرح، من خلال حداد، ونحن نترنم. سرعة تكرس، السوداوية في العواطف، ثم البهجة في الفكر. الشعار المثالي، لانبكي على مآلات اللعبة، ولنحافظ على رشاقتنا. 
س- لكن عن أي حداد، بالضبط تتكلمون؟
ج- عن التاريخ باعتباره قصدية كبرى، وتحرر للإنسانية وهي تقتفي آثار خلاصها. فكرة مسيحية، تستحضرها من العقيدة اليهودية-المسيحية، مهما كنت مفكراً حراً. لقد جعلت منا، دون أن ندري، تقدميين منحدرين من إبراهيم وعيسى. غير أن المكتب المتعلق بما هو أخروي، قد أغلق أبوابه، بالتالي لم يعد يوجد وعد كبير قابل للتصديق. هل لاحظتم التقصير الذي يحكم مسار أطوار الأمل في تاريخ الغرب؟ المسيحية عشرون قرناً، بينما النزعة العلمية استغرقت فقط قرنين؟ أما الاشتراكية، فأقل من قرن؟ والتوجه نحو الأوروبية نصف قرن؟ النتيجة، تاريخ أولي: الخوف وفقدان الأمل. الإنسان، هذا الفصيل الثديي الصغير، المولود قبل الأوان، أكثر دهاء، لكنه أكثر ضعفاً مقارنة بالآخرين، كان دائماً خائفاً، لكن لدواعي: وحيد القرن، جهنم، الطاعون، الهمجيون، الدخلاء، الكلاشينكوف. قدره، أن يكون خائفاً، لكن اللا-قدر الذي تخيله، حتى يتحمل وقع ذلك، يتمثل في: انبعاث الأموات، مجتمع بلاطبقات، الخلود بالفن، ومعه مهدئات أخرى. فللمرة الأولى، انتفى كل شيء يحيل على المابعدي، سواء في السماء أو الأرض.
س- أي أثر سيشكله، هذا الاختفاء على عصرنا؟
ج- من المبكر قليلاً معرفة ذلك. لقد كان للقرن العشرين، مستقبلاً  أكثر من غيره، وإلى غاية القرن الثامن عشر، كانت حضارتنا تعيش على الماضي، والاقتداء بالمسيح، والقديسين والأبطال. بينما يعيش حاضرنا على وقع اللا-متوقع، أي بلا شيء، سواء في الخلف أو الأمام، فقط التجريب. أستشعر، ثنائية قطبية: من جهة، هستيرياً ورجفات من الغضب، ومن جهة ثانية الكآبة واللامبالاة. يرتفع توتر المكتئب يومياً، مع عشرات الومضات، لذلك سيكون أمام المحللين النفسانيين، عملاً جباراً للقيام به.
س-ألا تشكل العولمة، سلطة أمل جديدة؟
ج- لا أتبين الأمر بوضوح. تنتقل البضائع جيداً، يحيا القماش والحاوية، وتتقارب بامتياز في نفس الوقت الثقافات والديانات، فيتماس بعضها ببعض، مما يخلق الاهتياج ويحدث الالتهاب في المفاصل. تفاعلات شديدة الحساسية، بالتالي انثناءات ورعب هوياتي، هنا وهناك. العولمة، التقنية-الاقتصادية، خلقت بلقنة سياسية-ثقافية، بحيث بلغنا 193 دولة في الأمم المتحدة، مقابل خمسين سنة 1946. وبقدر، تقدم الآلات، تتراجع الخيالات. يعود الماضي بقوة، مع استيهامات الأصل. تأملوا الشرق الأوسط: تنمحي الحدود الحديثة، والتخلي عن الدولة مقابل ماهو إثني. إن الأكثر معاصرة، يتصف أيضاً بكونه أكثر هشاشة. عندما تتفاقم أزمة اقتصادية أو سياسية، تبرز الرواسب القديمة جداً: القبلي، العشائري، الإثني ثم الديني. فالقديم، لايعد بائداً بل مكبوتاً، بهذا المعنى، ستكون مابعد- الحداثة، مثقلة بالتكلس. لماذا؟ لأن التسوية، تخلق عجزاً في الانتماء، واضطراباً وجودياً، من هنا الحاجة إلى إعادة تأصيل للتقليدي، وكذا إبراز للخصوصي. حتى لحظة الأمس، اعتقدنا أن تطور مستوى الحياة، سيخلصنا من الديني، بحيث نغلق معبداً لما نفتتح مدرسة، لكنه تقدير في غير محله. المختصون في الإعلاميات، يعتبرون أكثر أصولية من الأدبيين، سواء في الهند أو العالم الإسلامي. تتوخى الليبرالية، أن تمحو البطاقة الزرقاء، بطائق الهوية، غير أنها في حقيقة الأمر طفت بها نحو السطح. إجمالاً، ثم العثور أخيراً، على إحلال السلام، بفضل التجارة الناعمة. لقد عثرت أخيراً المنظمة العالمية للتجارة، على حل للغز، وأحاطته بإحصائيات، لكن ذلك يبقى تضليلاً مطلقاً. يهيمن البيروقراطي على قرارات بروكسيل، وهي إلى جانب الانحراف عن جادة الصواب، لاتمتلك بين أياديها، سوى نصف المخطط. 

الأحد، 1 نوفمبر 2015

استخدام الحياة: أحمد ناجي (الفصل الخامس)

أحمد ناجي

لا يعني هذا أنه لم تكن هناك أيام جميلة في القَاهرةِ، كان هناك أيام ساحرة تتوزع على مدار السنة؛ بعضها في الصيف الطويل، والكثير منها في الشتاء القصير، وجميعها تشترك في أنها أيام عطلة أو تعطل. يقولون إن المدينة لا تنام، تنفجر من مخارجها. المدينة تتمحور. المدينة تتشعب. المدينة تنسكب وتندلع. النمل يجري في كل مكان، مصانع، شركات، مطاعم، مقاهي، مساجد، كنائس. بشر يبيعون ويشترون ويتبولون وعجلة الإنتاج دائماً تسير رغم الزحام. هكذا يبدو المشهد من فوق إذا كنت نسرًا محلقًا، لكن إذا كنت شابًّا أو فأرًا صغيرًا يلف عجلة الإنتاج فأنت في الحقيقية لا تتحرك من مكانك. تذهب إلى العمل وتنجزه، تتقاضى راتبًا قد يكون معقولاً كذلك. لكنك لا تحس أبداً بالنتيجة وإذا حدثت فهي لا تحرك شيئاً. سواء تعمل أو لا تعمل فالعجلة ستسير والتيار سيحملك.

أذكر مثلاً بعد حفلة يوسف بزي ذهبت أنا ومود ومونى ومجموعة قليلة من الأصدقاء لشقة مود بجاردن سيتى، أكملنا السهرة حتى الصبَاح في تدخين الحشيش بطرق مُتعددة تبدأ بالدبابيس وتنتهي بالجوينتات، تسابقنا على إنهَاء زُجَاجة فودكا كَاملة. رأيت الموسيقى تتحول إلى قرود مُلتصقة بالسقفِ. كان هناك فتاة ألمانية شقراء تهز ساقها اليسرى على الإيقاع. انتصابات متقطعة في البلبل. شابُ أمريكى فلسطينى لا يتقن العربية ويتحدث كثيراً عن العنصرية. دُخَان، سجَائر، حشيش، ثم دخان.
“كيكو” تلتفت نحوي عيونها غائبة تحت طبقات من اللون الأحمر:
– بسام دخان في عيني.
– سلامة عينك يا بيبي.
أتناول منديلًا ورقيًا، أضعه على عينها ثم أنفخ ببطء. الفتاة الألمانية تشاهد باستغراب، أزيح المنديل ومسام كفي تتشرب نعومة بشرة «كيكو» السمراء. أطبع قبلة خفيفة على شفتيها. الألمانية تتحدث بالإنجليزي:
– هل تعلم أن هناك نوعًا من الفيتِش الجنسي، يدعى فيتش لعق حدقة العين؟
– كيف يحدث هذا؟
مود يتدخل في الحديث:
آه نعم قرأت عن الأمر ذات مرة.
كيكو تبدي اعتراضها وهي تلف ذراعيها حولي:
إيه القرف دا يا بيسو؟
ما الذي يفعله الشباب في مرحلة العشرينات في القاهرة؟
هل يلعق حدقة العين، أم يلعق الكس، أم يمص الزبر، أم يلحس التراب، ويستنشق الحشيش المخلوط بالأدوية المنيمة؟ وإلى متى سوف يظل أي فعل من تلك الأفعال الفيتشية مثيراً ومجدداً، مُنشطاً للحيَاةِ. الجالسون الآن في هذا الغرفة، جربوا الكثير من المخدرات في شبابهم في المرحلةِ الْجَامعية وبعدها، لكن هاهم جزر مُنفصلة في الوقت ذاته لا يجدون معنى لأيامهم غير الاجتماع سوياً، نعيش هنا على امتصاص البهجة من بعضنا البعض.
“مونى مي” واقفة بجوار السماعات، عيونها مُغمضة باتساع كأن روحها مع قرود الموسيقي في السقف، وجسدها تحركه الذبذبات الصوتية المتدفقة من السماعات.
لكن مع الوقت بدا واضحاً كم هى مُملة المخدرات. أو للدقة لا تكفي. وإذا ترك الواحد منّا نفسه يقع حتي النخاع في حب المخدرات، فحياته ستنتهي في أشهر معدودة. هذا ما يقوله العلم والتجربة. نحن الباقين في هذه الغرفة أجبن من أن ننهى حياتنا بهذه الطريقة أو بأي طريقة أخرى، ربما لأننا معلقون بالأمل، مربوطون بالمحبة، بالصداقة.
مقابل كل ما تفعله القاهرة في قاطنيها، لا تمنحهم سوى صداقات حتمية موثقة لا بحرية الاختيار بل بضرورات القدر. يقول القائل «يا ذاهب إلى القاهرة، ستجد فيها مثلك». لا معنى لأن تدخن وحيداً، ولا طعم للطعام إذا لم يكن هناك من تنظر لوجهه تتأمل حركة فمه وهي تلوك المواد الغذائية المسرطنة ببسمة رضا.
المحظوظون في هذه المدينة الذين يتجاوزون مرحلة الكبت الجنسي، يجدون نفسهم في مسافة لا يمثل فيها الجنس إلا فرعاً صغيراً من فروع الصداقة. يتحول الجنس إلى ما يشبه اللبوَنة الدائمة. “كيكو” تداعب ظهري، وأشعر بالإثارة بين فخذي.

الخميس، 29 أكتوبر 2015

ثلاثة مفاتيح لفهم حنا أرنت: غيوم فاليريو

ترجمة: سعيد بوخليط


Hannah Arendt by Ben Northern 
حنا أرنت، فيلسوفة أمريكية من أصل ألماني، تتلمذت على يد كل من هيدغر وهوسرل وياسبرز. سنة 1941، استطاعت الفرار من ألمانيا النازية، متوجهة صوب الولايات المتحدة الأمريكية. تميزت، بمؤلفاتها في تاريخ الفكر السياسي، نذكر خصوصاً، عملها "أصل التوتاليتارية" ثم "ايخمان في القدس" الذي أحدث سجالاً نتيجة أطروحته عن ابتذالية الشرّ.
بالتأكيد، أبحرت حنا أرنت عبر التاريخ: «على متن مركب القرن العشرين»، حسب تعبير صديقها هانس جوناس، بحيث تمثل مسار حياتها في كونها، امرأة حددت لنفسها، اختياراً تجسد في التفكير، وصياغة مواقفها بحرية، يحكمها هاجس صميمي على أن تصير ذاتها. لذلك، أبانت منذ فترة مبكرة جداً عن شخصية حرّة لا تنكسر، أو حسب قولها: «أنا غير قابلة للضبط».
ولدت أرنت سنة 1906، بالقرب من هانوفر(ألمانيا)، وسط عائلة يهودية. في سن السابعة، توفي والدها وكذا جدها القريب من نفسها أكثر من أي فرد ثان. أمها الملحدة، شخصية تقدمية، ساندت سنة1919المناضلة الماركسية روزا لوكسمبورغ، لاحظت بسرعة الاستقلال الفكري المميز لابنتها ومزاجها الانطوائي والثوري ثم المتحمس والعقلاني، الذي كان وراء طرد حنا أرنت من ثانوية في برلين جراء معارضتها سلطة أستاذ بخصوص نقاش حول وجود الله. مع ذلك، حصلت على شهادة الباكلوريا، بسنة قبل الأوان المفترض، كمترشحة غير رسمية، ثم تسجلت سنة 1924 في قسم البيولوجيا والفلسفة بجامعة "ماربورغ".
تواجد هناك أستاذ شاب، اسمه مارتن هيدغر، كان بمثابة اليد اليمنى لـ هوسرل، بدأ يحقق شهرة. ستبدي، نحوه حنا أرنت، إخلاصاً حقيقياً، فصارت مساعدة له ثم عشيقته. علاقة حميمية، ذائعة الصيت استمرت فقط لأشهر محدودة، لكنها وسمت حياتهما بالمطلق. فأمام رفض هيدغر التخلي عن زوجته، انسحبت أرنت وتحولت إلى مقاعد الدرس عند هوسرل وياسبرز. سنة 1929، تزوجت دون رغبة حقيقية منها بـ غونتر أنديرس، تلميذ سابق لدى هيدغر.
شكلت سنوات الثلاثينات، منعطفاً بالنسبة لـ أرنت كي تنعتق مضطرة من أساتذتها المتعِبين، ثم اقتحامها السياسة وكذا استرداد هويتها. هكذا، اهتمت بالديانة اليهودية والصهيونية، والتقت مفكرين سياسيين يهود، ينتقدون اتجاه المماثلة ويدعمون معارضين شيوعيين منضويين ضمن الحزب النازي.
سنة 1933، غادرت ألمانيا نحو باريس. ساعدت، في هجرة بعض الشباب اليهودي نحو فلسطين. دبّجت، مقالات سياسية والتقت مفكرين مثل ولتر بنيامين، برتولد بريخت، غيرشوم شوليم، ثم انفصلت عن زوجها السابق، كي تتزوج ثانية سنة 1940 بـ هينريش بلوشير، مناضل سابق في الحركة الألمانية الاشتراكية التي تدعى"سبارتكية".
بعد هزيمة الفرنسيين، اعتقلت واحتجزت في مخيم للأبارتيد، غير أنها تمكنت من الهرب والوصول إلى نيويورك صحبة زوجها سنة 1941، فاشتغلت ضمن منظمات ثقافية يهودية، تنشر كتابات كافكا. لكنها ابتداء من سنة 1945، ستصدح بنقدها لفكرة تأسيس دولة وطنية يهودية.
انطلاقاً من سنة 1950، بلغت حنا أرنت درجة قصوى من الحرية، بمقالاتها ومؤلفاتها ومحاضراتها، بالتالي أفق أجاز لها «التفكير دون حذر». بدأت تسافر، بشكل جد منتظم، نحو أوروبا. أصدرت في سن  الأربعة والأربعين، عملها الكبير الأول: "أصول التوتاليتارية"، وسنة 1958 "حالة الإنسان المعاصر"، وكذا "أزمة الثقافة" سنة 1961، ثم في نفس الفترة أيضاً، تحليلاً أثار سجالاً عنيفاً، تناول محاكمة مجرم الحرب النازي "أدولف ايخمان في القدس"، خصصته لصحيفة "نيويوركر".
عينت أستاذة، في جامعة شيكاغو سنة 1963، ثم نيويورك عام1968، حيث توفيت بهاته المدينة شهر دجنبر 1975، بعد زيارتها هيدغر للمرة الأخيرة خلال فصل الربيع من تلك السنة.

الاثنين، 28 سبتمبر 2015

مولد أُمَّة: ريتشارد زينيث (في سيرة فرناندو بيسوا)

ترجمة: أمير زكي

«كبيرة وضخمة هي النجوم،
كبير وضئيل هو القلب، وبإمكانه
أن يحمل أكثر من كل النجوم، كونه
بلا مكان؛ أعظم من السماء الواسعة»
من رباعيات بيسوا
على خطى رباعيات عمر الخيام


fernando pessoa masks by ana gabriela
اسم فرناندو بيسوا الثاني صنع الكثير؛ هو الذي يعني بالبرتغالية "شخص". مشهور بتقسيم نفسه إلى حشد من الذوات الأدبية البديلة التي أطلق عليها «الشخصيات المستعارة» بدلاً من "الأسماء المستعارة"، وهبها سيراً ذاتية، ووجهات نظر دينية وسياسية، وأساليب كتابة متنوعة – زعم بيسوا أنه -وسط كل هذا العالم المولد ذاتياً- فهو الشخص الأقل واقعية بين الجميع. «لقد قسمت كل إنسانيتي وسط الكتاب المتنوعين الذين أخدمهم كمُنَفِّذ أدبي». هكذا يشرح بيسوا في إحدى الفقرات عن تكوين وتقييم أصدقائه الكتاب الخياليين. ثم يشرح أكثر في الفقرة نفسها: «أنا أوجد كنوع من الوسيط إلى نفسي، ولكني الأقل واقعية من الآخرين، الأقل جوهرية، الأقل شخصية، وأتأثر بسهولة بهم جميعاً». نقص أي يقين عمن هو -بغض النظر عن كونه نفسه- يمثل القضية الرئيسية في شعر بيسوا، وهو يستخدم الشخصيات المستعارة للتأكيد على انفصاله الذاتي الساخر. في قطعة نثرية موقعة باسم آلفارو دي كامبوس - المهندس البحري الداندي والأكثر إثارة بين الشخصيات المستعارة - نقرأ التالي: «فرناندو بيسوا، ولنتكلم بدقة، غير موجود».
اسم بيسوا الثاني - في ضوء الشكوك الذاتية الوجودية - يقدره الفرنسيون بشكل خاص، طالما أن كلمة "personne" لا تعني فقط "شخص" ولكن أيضاً، كما في جملة "Je Suis Personne" تعني"لا أحد". على أي حال فـ بيسوا كان -بشكل محدد جداً أو غير محدد جداً- شخصاً ما. وهذا الاسم الثاني الذي عنى "شخص" ليس هامشياً بالتأكيد بالنسبة إلى تعلقه ذي الهوس الأحادي بشخصيته، تعددها واستدامتها، خلال عمله الأدبي الكامل. أعني أن بيسوا الذي ربما وربما لا يؤمن بالله ولكنه يؤمن كثيراً بالقدر وبرموزه وإشاراته، كان عليه أن يكون على وزن اسمه، لقد كان اسمه مُحَدِّداً له.
أما الشيء المُحَدِّد أكثر فهو الوضع الثقافي والأسري الذي نما فيه بيسوا كشخص وكفنان. فمع هوسه الكامل بحياته الداخلية، كان واعياً تماماً بكون الأحداث الخارجية التي تُشَكِّل وتُحَدِّد ما نحن عليه داخلياً. في قطعة نثرية معنونة بـ "البيئة" موقعة باسم كامبوس ومنشورة عام 1927 لاحظ: «المكان يكون على ما هو عليه بسبب موضعه. حيثما نكون هو ما نحن عليه». ولكن بينما أدرك الدور المُحَدِّد للبيئة، فـ بيسوا مع ذلك لم يكن حتمياً صارماً. في النسخة الطويلة من القطعة المذكورة كتب: «الرجل الذي قفز من فوق الجدار كان لديه جدار ليقفز من فوقه». الجدار -بكونه شرطاً ضرورياً- كان بهذا المعنى مُحَدِداً، ولكنه ليس مُجبَراً، طالما استطاع الرجل أن يختار إن كان عليه أن يقفز أم لا.
عبقرية بيسوا الخاصة يمكن شرحها جزئياً على الأقل ببيئتين شكلتاه – لشبونة، حيث قضى السنوات السبع الأولى من حياته وكل حياته الناضجة، ودربان، بجنوب أفريقيا، حيث عاش طوال أعوامه المُشَكِّلة عاطفياً وفكرياً، من سن السابعة وحتى السابعة عشر. شخصية بيسوا الأساسية تشكلت بلا شك قبل أن ينتقل مع أمه من لشبونة إلى دربان، ولكن الناتج الأدبي كان نتيجة واضحة لهذا اللقاء أو الصراع بين هاتين البيئتين ولغتيهما المختلفتين، وثقافتيهما المختلفتين. كأن الثقافة الإنجليزية –ودربان في هذا الوقت كانت ذات تقليد إنجليزي مكتمل أكثر من إنجلترا نفسها– هي الجدار الذي قفز فوقه بيسوا الشاب المتحول، بينما ظل أبداً برتغالياً بشكل كبير.

ولد فرناندو آنتونيو نوجويرا بيسوا في 13 يونيو عام 1888، يوم عيد القديس آنتوني، ويوم الإجازة الرسمية في لشبونة، حيث تُنَظَّم الاحتفالات الحاشدة على شرف القديس وشرف المدينة نفسها. عيد القديس آنتوني هو عيد لشبونة، ولا يوجد عيد ميلاد يمكن أن يكون أكثر ملائمة لـ بيسوا، الذي كان كاتب مدينته الأساسي؛ حتى يمكنني أن أجادل أنه كذلك أكثر من كون كافكا كاتب براغ، أو كون جويس كاتب دبلن؛ فعلى الرغم من أن كافكا قضى حياته كلها في براغ، فالمدينة غير محسوسة كثيراً في كتاباته، باستثناء اليوميات. جويس في المقابل كتب بهوس عن مسقط رأسه، ولكن من ذاكرته، هو الذي قضى فيها وقتاً قليلاً جداً في سنوات نضجه. بيسوا لم يترك لشبونة سوى نادراً كناضج، وكتب عن المدينة بشكل مباشر (خاصة في "كتاب اللاطمأنينة") ومن خلال الذاكرة المتخيلة، خلال صوت آلفارو دي كامبوس المتحرر، الذي كتب في زياراته المتكررة إلى بريطانيا (التي من المفترض أنه كان يعيش فيها) قصيدتي "زيارة لشبونة من جديد" (1923) و"زيارة لشبونة من جديد" (1926)، المشبعتين بالنوستالجيا، وهما من أقوى قصائده.
كل من أبوي بيسوا أنمى تطوره الثقافي. كانت الأسرة تعيش في مواجهة دار الأوبرا بلشبونة، وربما حضر بيسوا كطفل صغير عرضاً أو اثنين مع أبيه؛ الناقد المولع بالموسيقى إلى جانب كونه موظفاً حكومياً. أُم بيسوا -وهي من جزر الآزور- كانت متعلمة بشكل جيد وعلمت ابنها ليقرأ ويكتب في سن صغيرة جداً. ولكن في النهاية فسنوات بيسوا المبكرة في لشبونة تميزت أيضاً بالفقدان والانفصال؛ توفى أبوه من السل في الشهر الذي تلي عيد ميلاده الخامس وبعد ستة أشهر توفى أخوه الرضيع، بين الوفاتين انتقلت الأسرة إلى مجاورات أصغر. في العام التالي قابلت أم بيسوا زوجها الثاني؛ الضابط البحري الذي ترك لشبونة بعد عدة أشهر لحصوله على وظيفة في موزمبيق، وبعد ذلك أصبح القنصل البرتغالي في دربان؛ عاصمة مستعمرة ناتال الإنجليزية بجنوب أفريقيا.

السبت، 12 سبتمبر 2015

حوار مع سلمان رشدي: بعد مرحلة آيات شيطانية

حاوره: كريستوف باربيي
ترجمة: سعيد بوخليط 
                             
سلمان رشدي
دون أن يدرك، فقد ولج بنا هذا الرجل إلى القرن العشرين. سنة 1989، بينما يتداعى جدار برلين، آيلاً للسقوط، والإمبراطورية السوفياتية تتشقق، والصين تسحق دماً، الطموح الناشئ، وسط ساحة تيانانمين. مع بداية تلك السنة، كان سلمان رشدي، وحده ضد الجميع، فقد طاله عنف غير مسبوق في الغرب، بحيث صار موضوع فتوى.
يوم 14فبراير، وعبر أمواج إذاعة طهران، أعلن آيات الله الخميني عن قراره بتنفيذ القتل في حقه، ورصد مكافأة لمن ينجز هذه المهمة، لأن سلمان رشدي أصدر شهر شتنبر1988، مؤلفاً حمل عنوان: ''آيات شيطانية''، يقل من الاحترام نحو النبي محمد، أثار زوبعة عالمية، ألهبت العالم الإسلامي خلال سنوات: مكتبات أحرقت، قتل مترجمه الياباني بطعنة سكين، ثم أدى حريق بحياة سبعة وثلاثين شخصاً، أثناء تظاهرة استهدفت مترجماً تركياً. قضية آيات شيطانية، هي أكثر دلالة مما تخيلناه خلال تلك الحقبة.
اليوم، تذبح داعش رهائنها على موقع اليوتوب، والجهاد يمضي نحو قلب المدن الغربية، والإرهاب الإسلامي يأخذ شكل وباء عام. تميزت سنة 1989، خاصة بتطلع دول أو تنظيمات سياسية، نحو تقوية الديمقراطيات، ضمن لعبة مطالب، تبقى جزئياً عقلانية. لكن مع آيات الله الإيرانيين، ابتدأ عهد جديد، لأن المبرر المشرّع  للفتوى، هو محض ديني، فالملالي اتهموا سلمان رشدي، بكونه عمل على تحريف الخطاب المقدس، متبنياً في روايته إنكاراً للرسول، والذي تسامح في الأول مع عبادة آلهة آخرين، قبل التراجع عن أقواله، متحدثاً عن وحدانية مطلقة.
التأويل الأول لـ"آيات شيطانية"الشهيرة، أنها في الواقع همسات من الشيطان، فلا يمكن بالأحرى وصلها بعمل لخيال بشري، حتى ولو ارتكزت على معطيات  تاريخية معقولة.
هكذا، فرواية بالإنجليزية، صادرة عن ناشر إنجليزي، من طرف مؤلف صاحب أصول إسلامية، لكنه لايدعي انتسابه لأي دين، اعتبر من لدن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، مهاجماً يشتم الإسلام كلياً. إنه ''الإبداع الثاني''، لقضية تمنع عن الغربيين، حقهم كي يبدعوا حسب معاييرهم وقيمهم الخاصة.
يطرح الأصوليون المسلمون، الحل الأكثر بساطة، يتمثل في الفطرة السليمة: لاتحاول قراءة الكتاب، إذا كنت ستنتقد مضمونه. لقد سعوا إلى تدمير كتاب سلمان رشدي، فضاعفوا الاحتفالات بإعلانات الموت للنص وصاحبه، وإن عدلت إيران عن الفتوى سنة 1998، لكن ستتبناها مؤسسة يشرف عليها النظام.
بالعودة إلى الماضي، تعتبر قضية الرسوم الكاريكاتورية، حول النبي محمد، من جنس طبيعة "آيات شيطانية"، وتندرج ضمن نفس المنطق العدمي. الفتوى، الصادرة في حق سلمان رشدي، فتحت المجال نحو الجريمة التي ارتكبت في شارل إيبدو. ليس صدفة، أنه سنة 1989، حددت عاصمة التطرف الإسلامي، كهدف أولي، مثقفاً ترعرع بين التعليم القرآني وكذا الثقافة الأنجلوساكسونية. دائماً، وقبل كل شيء، تشن الراديكالية الإسلامية، هجوماً على المسلمين المستنيرين والمعتدلين، وتتهمهم بالكفر. 
في هذا الإطار، يجسد سلمان رشدي،غنيمة مثالية: يطوي في ذاته، الثقافة الهندية، وكذا تلك المنتمية إلى الإمبراطورية البريطانية، ثم نوع المسافة النقدية التي يتوخى المتطرفون، إلغاءها وإلى الأبد، كي لا يتحقق خلال يوم من الأيام، إسلام "على النمط الغربي" (occidentalisé).
يظهر درس قضية رشدي: أن الشجاعة ليست بالفضيلة، الأكثر اقتساماً بين الديمقراطيات. قبل ذلك وسنة 1989، انساب فكر، يحث على عدم استفزاز إيران، سواء بالدبلوماسية الجبانة، أو الشعور بالذنب، مابعد الكولونيالي.
طبعاً، يخضع سلمان رشدي للحماية، دون الاستهانة، بأبسط وسائل إنقاذ هذا الرمز، فقد نجا بثبات، من مطاردين، متعصبين جداً. لكننا، نسمع على الفورأصواتاً، تقترح وضع حرية التعبير، في مرتبة سفلى، من حق الاختلاف، وعدم إصدار أعمال في مثل جرأة آيات شيطانية. هؤلاء، من يتوخون السكينة لقاء الخزي، سيجدون أمامهم في المقابل تنظيمي القاعدة وداعش. 11 شتنبر2001  و7 يناير2015. مع ذلك، وإلى اليوم، هم أكثر فعالية، يعتبرون أن الأخطاء مشتركة بين الإسلاميين والديمقراطيين! إنهم دعاة تنازلات، وتراجعات صغيرة، وتصور لايتلاءم والعلمانية.
أحدث التراجعات ، بهذا الخصوص، ما شهدته  جمعية الكتّاب العالميين ''pen club"، المتواجد مقرها  في مدينة نيويورك، عندما رفض مجموعة من الكتّاب تسليم جائزة الشجاعة وحرية التعبير لـ"شارلي إيبدو"، زهد ذهني، أظهر تمدد الداء. هكذا، يكشف الوضع عن وجود أدمغة من هذا القبيل، غير أن المسألة أعمق مما نظن، حول مستوى اتصافها بالجبن. لكن لحسن الحظ، يوجد كذلك أشخاص، يجابهون هذه القدرية، مثل سلمان رشدي، المتيقظ دائماً… .
إذن، بعد مرور ربع قرن، يعود سلمان رشدي ليصرح بآرائه، في دولة داعش، ويفضح تيهان  جيوبوليتيكيات الغرب، لكنه يتكلم أيضاً عن الأدب والمتخيل والإلهام.. .

الثلاثاء، 4 أغسطس 2015

الخطابات القذرة لكبار الكتاب: إميلي تمبل

ترجمة أمير زكي


هذه أجزاء من بعض الخطابات الرومانسية القذرة لكبار الكتاب التي اختارتها إميلي تمبل بمناسبة يوم الفالنتين.

***

من جوستاف فلوبير إلى لويز كوليه، 1846



حب العمر

«سأمطرك في المرّة القادمة التي سأراك فيها بالحب، بالأحضان، بالنشوة. أريد أن ألتهمك مع كل مباهج الجسد، حتى تتهافتي وتموتي. أريدك أن تنبهري بي، وأن تعترفي لنفسك بأنك لم تحلمي أبداً بمثل هذه الأفعال... عندما تكبرين، أريدك أن تستعيدي تلك الساعات القليلة، أريد أن ترتعش عظامك الواهنة من البهجة عندما تفكرين فيها».

***

من تشارلز بوكوفسكي إلى ليندا كينج، 1972



هذا يمتد ليكون رسالة حب إلى ثلاجة كينج – ولسبب واضح كما يبدو

«أحببت طريقتك في تحريك يديك؛ هذا جعلني أسخن من الجحيم... كل شيء تفعلينه يجعلني أسخن من الجحيم... أقذف اللبن تجاه السقف... أيتها العاهرة، الصعبة، شديدة السخونة، أيتها المرأة شديدة الجمال... لقد جلبت أشعاراً جديدة وآمالاً جديدة ومباهج جديدة وحيلاً جديدة للكلب العجوز، أحبك، شعر فرجكِ الذي تلمسته بأصابعي، داخل كسّك، المبتل، الساخن، الذي تلمسته بأصابعي؛ وأنت، هناك فوق الثلاجة، لديك ثلاجة رائعة، شعرك يتدلى إلى أسفل، متوحش، وأنت هناك، كطائر مفترس أنت، كشيء مفترس أنت، ساخنة، شهوانية، مُعجزة... أشتبك برأسك، أحاول أن أصل للسانك بفمي، بلساني... كنا في بوربانك وأنا كنت أحبك، حباً لازرودياً، يا إلهتي الجميلة الملعونة، يا مهمازي، يا قحبة الفردوس القاسية المثيرة ذات الشعر الرفيع، أحبك... وأحب ثلاجتك، والتي أثناء تقابلنا وتصارعنا تشاهدنا برأسها البديع وبابتسامتها المحبة الشاعرية الساخرة وهي تسخن...
أريدك أنت
أريدك أنت
أريدك أنت
أنت أنت أنت أنت أنت أنت».

الجمعة، 5 يونيو 2015

أمريكا.. شعر ألن جنسبرج

قصيدة: أمريكا
شعر وقراءة ألن جنسبرج

ترجمة محمد عيد إبراهيم



ألن جنسبرج: شاعر أمريكي طليعي، ولد في نيو جرسي 1962، وهو مؤسس حركة "Beat Generation" مع عدد من أهم الأصوات الشعرية الأمريكية. بدأت الحركة بنشر قصيدته "عواء" 1956، واعتُبرت نشيدَها الشعريّ. وقد أصبح جنسبرج المرشدَ الروحيّ للثقافات التحررية المضادة فترة الستينيات كلها. قال عنه النقاد "اقتنص جنسبرج المتع الحسيّة التي كان يتميز بها شعر "والت ويتمان"، لكن بروح القرن العشرين". وظلّ مناهضاً للنزعات الأمريكية المدمّرة حتى وفاته في 1997.


أمريكا وَهَبتكِ كلّ شيءٍ والآنَ لا شيءَ عندي.
أمريكا 2 دولار و27 سنتاً 17 يناير 1956.
أمريكا لا أتحَمّلُ عقلي.
أمريكا متى نُنهي حروبَ البشر؟
ضاجِعي نفسَكِ بقنبلتِكِ الذريّةِ
لا أحسّ الطمأنينةَ لا تُزعجيني.
لن أُسطّرَ قصيدتي حتى ينالَ عقلي عافيتَه.
متى تُصبحينَ ملائكية؟
متى تنزعينَ عنكِ ثيابَكِ؟
متى تنظرين لنفسكِ من منظورِ قبرٍ؟
متى تستحقّين مليونَ مسيحٍ؟
أمريكا لماذا تمتلئ مكتباتُكِ بالدموع؟
أمريكا متى تُرسلين بيضَكِ للهند؟
لقد سئمتُ طلباتكِ المجنونةَ.
متى تُعيدين اختراعَ القلبِ؟
متى تُصنّعين اليابسةَ؟
متى يقرأ الكاوبوي شبنجلر(1)؟
متى تُطلق سُدودكِ فيضانَ الدموعِ الشرقية؟