‏إظهار الرسائل ذات التسميات ألكسندر كوجيف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ألكسندر كوجيف. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 17 سبتمبر 2014

جدل السيادة والعبودية: ألكسندر كوجيف

ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي

ألكسندر كوجيف
الإنسان وعي بالذات. إنه واع بذاته، واع بحقيقته وبكرامته الإنسانيتين. وهو بهذا يختلف اختلافا جوهريا عن الحيوان الذي لا يتخطّى مستوى مجرد الإحساس بالذات. والإنسان يعي ذاته في اللحظة التي يقول فيها -لأول مرة- أنا. وإن فهم الإنسان بفهم "أصله" يعني فهم أصل الأنا الذي يكشف عنه الكلام.
والحال أن تحليل الفكر أو العقل أو الفهم، الخ، وبصفة عامة، تحليل السلوك المعرفي التأمّلي المنفعل لكائن أو "لذات عارفة" لا يكشف لنا أبدا لماذا ولا كيف تنشأ كلمة "أنا"، وبالتالي لماذا وكيف ينشأ الوعي بالذات، وأقصد حقيقة الواقع البشري. فالإنسان المتأمّل "ينغمس" فيما يتأمّله. والذات العارفة تضيع في الموضوع المعروف. لذا فإن التأمّل يكشف عن الموضوع لا عن الذات. الموضوع، لا الذات، هو الذي ينكشف لنفسه في عملية المعرفة وعن طريقها. والأفضل أن نقول إنه ينكشف كعملية معرفة. إن الإنسان الذي ينغمس في الموضوع الذي يتأمّله لا يستطيع أن "يعود إلى ذاته" إلا عن طريق رغبة كرغبة الأكل على سبيل المثال. فرغبة موجود (واع) هي التي تجعل من هذا الموجود "أنا" وتكشف عنه كذلك عندما تدفعه أن يقول "أنا". الرغبة هي تحول الوجود المنكشف لذاته بواسطة ذاته في المعرفة (الصادقة) إلى موضوع ينكشف لذات بواسطة ذات متميزة عن الموضوع ومعارضة له. فالإنسان يتشكّل وينكشف -لنفسه وللآخرين- في رغبته وعن طريقها. والأفضل أن نقول إنه، كرغبة وكرغبته هو، يتكوّن وينكشف كأنا، كالأنا المخالف اختلافا جوهريا للاأنا والمعارض له معارضة جذرية. الأنا (الإنساني) هو أنا الرغبة. إنه أنا راغب.
وبناء على ذلك فإن الوجود الإنساني، الوجود الواعي بذاته يقتضي الرغبة ويفترضها. وبالتالي، فإن حقيقة الواقع البشري لا يمكن أن تتشكل وتستمر إلا داخل واقع بيولوجي وحياة حيوانية. ولكن إذا كانت الرغبة الحيوانية هي الشرط اللازم لوجود الوعي بالذات، فإنها ليست شرطا كافيا لذلك الوجود. فالرغبة وحدها لا تشكّل إلا الإحساس بالذات.
وخلافا للمعرفة، التي تجعل الإنسان سجين اطمئنان سلبي فإن الرغبة تجعله يخرج عن ذلك الاطمئنان فتدفعه إلى العمل. وبما أن العمل هو وليد الرغبة فهو يرمي إلى إشباعها وهو لا يمكن أن يرضيها إلا عن طريق النفي والقضاء على موضوع الرغبة أو تحويله على الأقل: فلكي أشبع جوعي مثلا، يكون علي أن أقضي على الطعام، أو أن أحوّله على كل حال. وهكذا فإن كل عمل هو سلب ونفي. وبدل أن يدع المعطى كما هو فإنه يقضي عليه، وهو إن لم يقض عليه في وجوده ففي صورته على الأقل. وكل نفي -سالب للمعطى لا بد وأن يكون فعالا. غير أن العمل السالب النافي لا يكون مجرد عمل هدام. ذلك أن العمل الذي يصدر عن رغبة ما إذا كان يقضي على واقع موضوعي ليشبع تلك الرغبة، فإنه يخلق مكانها واقعا ذاتيا وذلك في فعل ذلك الهدم ذاته وعن طريقه. فالكائن الحي الذي يأكل مثلا يبني ذاته ويحافظ عليها وذلك بأن يقضي على واقع مغاير له، وبأن يحول حقيقة مغايرة ويجعلها حقيقته هو عن طريق "تمثل" حقيقة غريبة خارجية وجعلها حقيقة باطنية. وبصفة عامة، فإن أنا الرغبة هو عبارة عن خواء لا يكتسب محتوى حقيقيا إلا عن طريق فعل النفي الذي يشبع الرغبة بالقضاء على ما ليس أنا، وذلك بتحويله و "تمثله". وهذا المحتوى الحقيقي للأنا الذي يتشكل عن طريق عملية النفي يكون تابعا للمحتوى الحقيقي للاأنا ومتوقفا عليه. لذا فإن كان موضوع الرغبة هو لا -أنا "طبيعي"، فإن الأنا سيكون هو نفسه "طبيعيا". إن الأنا الذي ينتج عن عملية الإشباع الفعالة لتلك الرغبة سيكون من طبيعة الأشياء التي تقع عليها الرغبة: سيكون إذن أنا شيئيا، أنا حيا فحسب، أنا حيوان. وهذا الأنا الطبيعي الذي يتولد عن الموضوع الطبيعي، لا يمكنه أن ينكشف لذاته وللآخرين إلا كإحساس بالذات، وهو لا يبلغ قط مستوى الوعي بالذات.
لكي يكون هناك وعي بالذات، ينبغي أن تقع الرغبة على موضوع غير طبيعي، أي على شيء يتجاوز الواقع المعطى. والحال أن الشيء الوحيد الذي يتجاوز هذا الواقع المعطى هو الرغبة ذاتها. ذلك أن الرغبة، إذا نظرنا إليها من حيث هي رغبة، أعني قبل إشباعها، لا تكون إلا عدما. إنها ليست إلا خواء لا حقيقة له. وبما أن الرغبة هي انكشاف لخواء، بما أنها حضور لغياب واقع فهي إذن تتميز عن الشيء المرغوب فيه وتختلف عنه. إنها إذن ليست شيئا. وهي ليست كائنا حقيقيا ساكنا، إنها ليست معطى يظل أبدا هو هو. وبناء على ذلك فإن الرغبة التي تنصب على رغبة أخرى، إذا نظرنا إليها من حيث هي رغبة، فإنها ستخلق عن طريق فعل النفي والتمثل الذي يشبعها، أنا يخالف في جوهره (الأنا) الحيواني. وهذا الأنا الذي (يتغذى) على الرغبات، سيكون هو ذاته رغبة تولدت عن إشباع رغبة. وبما أن الرغبة تتحقق كفعل ينفي المعطى، فإن وجود هذا الأنا سيكون عبارة عن فعل. لن يكون هذا الأنا إذن كالأنا الحيواني، ساكنا دائما هو هو بل إنه سيكون "سلبيا-نافيا". وبعبارة أخرى فإن وجود هذا الأنا سيكون عبارة عن صيرورة. والصورة العامة لهذا الوجود لن تكون هي المكان وإنما هي الزمان. ويعني استمرار هذا الأنا في الوجود "ألا يكون ما هو عليه (من حيث هو كائن ساكن معطى، كائن طبيعي وخصائص فطرية) وأن يكون (أي أن يصير) ما ليس هو" سيكون هذا الأنا إذن من صنع ذاته: سيصبح (في المستقبل) ما صار عليه (في الحاضر) عن طريق عملية سلب ما كان عليه (في الماضي). على أساس أن عملية السلب هاته قد تحددت بما سيصير إليه. إن هذا الأنا إذن هو، في وجوده صيرورة ترمي إلى قصد وغاية، وهو تطور هادف وتقدم واع يتم عن طواعية. إنه عملية تجاوز للمعطى الذي يقدم له والذي يكونه هو ذاته. هذا الأنا هو فرد (بشري) حر (في مقابل الواقع المعطى) تاريخي (بالنسبة لذاته). هذا الأنا، وهذا الأنا وحده، هو الذي ينكشف لذاته وللآخرين كوعي بالذات.
إن الرغبة البشرية يجب أن تنصب على رغبة أخرى. ولكي تكون هناك رغبة بشرية ينبغي أن يكون هناك أولا وقبل كل شيء تعدد للرغبات (الحيوانية). وبعبارة أخرى، لكي يمكن للوعي بالذات أن يتولد عن الإحساس بالذات، لكي تتمكن الحقيقة البشرية من أن تتشكل داخل الواقع الحيواني ينبغي لهذا الواقع أن يكون متعددا. لا يمكن للإنسان أن يظهر على وجه الأرض إلا وسط القطيع. لذا فإن الواقع البشري لا يمكن أن يكون إلا واقعا اجتماعيا. ولكن، لكي يصير القطيع مجتمعا لا يكفي أن يكون هناك تعدد في الرغبات، بل ينبغي أن تنصب رغبات كل فرد من أفراد القطيع على رغبات الأفراد الآخرين أو على الأقل أن يكون في استطاعتها ذلك.
إذا كان الواقع البشري واقعا اجتماعيا فإن المجتمع لا يكون إنسانيا إلا بمقدار ما يكون مجموعة من الرغبات التي تنصب على بعضها البعض بما هي رغبات. إن الرغبة الإنسانية، أو على الأصح الرغبة المولدة للإنسان، الرغبة التي تشكل فردا حرا، تاريخيا، واعيا بفرديته وحريته وتاريخه شاعرا بتجذره التاريخي، إن هاته الرغبة الإنسانية تختلف عن الرغبة الحيوانية (التي تشكل كائنا طبيعيا، يكتفي بأن يحيا ولا يتخطى مستوى الإحساس بالذات) لكونها لا تنصب على موضوع واقعي، حقيقي، معطى وإنما على رغبة أخرى. ذلك هو الأمر مثلا فيما يتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة: فالرغبة لا تكون إنسانية إلا إذا لم يرغب الواحد منهما في جسم الآخر وإنما أن تنصب رغبته على رغبة الآخر، أي إلا إذا أراد أحدهما أن "يمتلك" الرغبة بما هي رغبة، وأعني إذا ما أراد أن يكون "مرغوبا فيه" "محبوبا" والأفضل أن نقول "معترفا به" في قيمته كإنسان، وفي واقعه كفرد بشري. وبالمثل فإن الرغبة التي تنصب على موضوع طبيعي لا تكون رغبة بشرية إلا بمقدار ما تكون رغبة شخص آخر قد "توسطتها" وانصبت على الموضوع نفسه. فمن طبيعة الإنسان أن يرغب فيما يرغب فيه الآخرون، لأنهم يرغبون فيه. وهكذا فقد يمكن لموضوع عديم الفائدة من الناحية البيولوجية (مثل الوسام والعلم الوطني للخصم) أن يصبح موضع رغبة لأنه يكون موضع رغبات أخرى. إن مثل هاته الرغبة لا يمكن أن تكون إلا رغبة إنسانية. والواقع البشري بما هو واقع مخالف للواقع الحيواني لا ينشأ إلا عن طريق الفعل الذي يشبع مثل هاته الرغبات: إن تاريخ البشر هو تاريخ الرغبات التي تنصب على بعضها البعض.
ولكن إذا ما أبعدنا هذا الاختلاف جانبا، فإن الرغبة الإنسانية تماثل الرغبة الحيوانية. فالرغبة الإنسانية تسعى، هي الأخرى لأن تشبع عن طريق عملية سلب بل تحويل وتمثل. إن الإنسان يتغذى على الرغبات مثلما يتغذى الحيوان على الأشياء الواقعية. والأنا البشري، الذي يتحقق بالإشباع الفعلي للرغبات البشرية، يكون هو الآخر، تابعا لما يتغذى عليه متوقفا على غذائه مثلما يتوقف جسم الحيوان على مأكله.
لكي يكون الإنسان إنسانا حقا، لكي يختلف الإنسان اختلافا جوهريا حقيقيا عن الحيوان، ينبغي لرغبته الإنسانية أن تنتصر بالفعل على رغبته الحيوانية. والحال أن كل رغبة هي رغبة في قيمة، والقيمة العليا بالنسبة للحيوان هي حياته الحيوانية. إن كل رغبات الحيوانات هي في النهاية تابعة لرغبتها في أن تحافظ على بقائها. بناء على ذلك فإن رغبة الإنسان ينبغي أن تفوق الرغبة في البقاء. وبعبارة أخرى فإن الإنسان لا يكون إنسانا إلا إذا خاطر بحياته (الحيوانية) من أجل رغبته الإنسانية. ففي هاته المخاطرة وبفعلها ينشأ الواقع البشري وينكشف كواقع. في هاته المخاطرة وبفعلها يكون على الواقع البشري أن يظهر ويثبت ذاته ويتأكد من حقيقته ويقدم دلائله كواقع يخالف الواقع الحيواني الطبيعي ويتميز عنه. لذا فإن الحديث عن "أصل" الوعي بالذات، لا بد وأن يرتبط بالحديث عن المخاطرة بالحياة (من أجل هدف غير حيوي).
يكون الإنسان إنسانا إذا ما هو خاطر بحياته ليشبع رغبته الإنسانية، أي رغبته التي تنصب على رغبة أخرى. لكن، أن ترغب في رغبة أخرى معناه أن تضع نفسك مكان القيمة التي ترغب فيها تلك الرغبة الأخرى. وإلا لكانت الرغبة منصبة على القيمة ذاتها أي على الموضوع المرغوب فيه لا على الرغبة عينها. أن أرغب في رغبة آخر معناه إذن أن أرغب في أن تكون قيمتي، أو القيمة التي "أمثلها"، هي القيمة التي يرغب فيها الآخر: إنني أريد أن "يعترف" بقيمتي على أنها القيمة التي ينشدها، أريده أن يعترف بي كقيمة مطلقة. بعبارة أخرى، إن كل رغبة بشرية، كل رغبة مولدة للإنسان خالقة للوعي بالذات وللواقع البشري، كل رغبة بشرية هي في نهاية الأمر تابعة للرغبة في "الاعتراف" ومتوقفة عليها. والمخاطرة بالحياة، تلك المخاطرة التي يظهر عن طريقها الواقع البشري، هي مخاطرة تتوقف على تلك الرغبة. وعليه فإن الحديث عن "أصل" الوعي بالذات يعني بالضرورة الحديث عن صراع حتى الموت من أجل الاعتراف.
ولولا هذا الصراع حتى الموت لما كانت هناك قط حياة بشرية على وجه البسيطة. وبالفعل، فإن الوجود البشري لا ينشأ إلا تبعا لرغبة تنصب على رغبة أخرى، أي على رغبة في الاعتراف. لا يمكن للوجود البشري إذن أن يتشكل إلا إذا تواجهت رغبتان على الأقل من هاته الرغبات. وما دام كل واحد من هذين الكائنين اللذين يتوفران على مثل هاته الرغبة مستعدا أن يذهب إلى أقصى حد في السعي وراء إرضاء رغبته، أي أنه مستعد لأن يخاطر بحياته -ويقضي بالتالي على حياة الآخر- كي ينال اعتراف الآخر ويفرض نفسه كقيمة عليا على الآخر -فإن مواجهتهما لا يمكن إلا أن تكون صراعا حتى الموت. ولا ينشأ الواقع البشري ويتكون إلا عن طريق مثل هذا الصراع وبفضله. إن الواقع البشري لا يتحقق ولا ينكشف إلا كواقع معترف به.
ولكن، إذا كان الناس جميعهم -أو على الأصح إذا كانت جميع الكائنات التي هي في طريقها لأن تصبح كائنات بشرية- تنهج السلوك نفسه، فإن الصراع ينبغي أن يؤدي بالضرورة إلى موت أحد الخصمين أو هما معا. فمن المستحيل أن يتنازل أحدهما عن نفسه للآخر، أو أن يتخلى عن الصراع قبل موت الآخر، أو أن يعترف بالآخر عوضا أن ينال اعترافه. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فإن تحقيق الواقع البشري وظهوره سيصبح أمرا متعذرا. والأمر واضح فيما يتعلق بالحالة التي يموت فيها الخصمان معا ما دامت الحياة البشرية -لكونها رغبة وعملا يتوقف على هاته الرغبة- لا يمكن أن تولد وتستمر إلا وسط حياة حيوانية. غير أن التعذر يظل قائما حتى وإن لم يقتل إلا واحد من الخصمين فحسب. إذ ستختفي معه تلك الرغبة الأخرى التي ينبغي أن تنصب عليها الرغبة كي تكون رغبة بشرية. فمادام المنتصر لا يمكن أن يكون محل اعتراف الميّت فإنه لا يمكن أن يتحقق وينكشف في إنسانيته. ولكي يتحقق الوجود البشري وينكشف كوعي بالذات، لا يكفي إذن أن يكون الواقع البشري متعددا بل ينبغي أيضا أن يكون هذا التعدد متفاضلا، أي ينبغي للمجتمع أن يستلزم نوعين من السلوك البشري متمايزين تمام التمايز.
لكي يتشكل الواقع البشري كواقع معترف به، ينبغي أن يبقي الخصمان على قيد الحياة بعد صراعهما. وهذا لا يتم إلا إذا نهجا مسلكين مختلفين أثناء الصراع. فعن طريق أعمال حرة لا يمكن ردها إلى أي شيء ولا يمكن التنبؤ بها واستنباطها، ينبغي لهما أن يتشكلا ككائنين غير متكافئين أثناء الصراع وعن طريقه. إن أحدهما ينبغي أن يهاب الآخر دون أن يكون مفطورا على ذلك، ينبغي له أن يتنازل للآخر، ويرفض المخاطرة بحياته من أجل إرضاء رغبته في الاعتراف. وينبغي له أن يتخلى عن رغبته وأن يرضي رغبة الآخر: ينبغي له أن يعترف بالآخر دون أن يعترف الآخر به. والحال أن الاعتراف على هذا النحو معناه الاعتراف بالآخر كسيد والاعتراف بالذات كعبد لذلك السيد.
وبعبارة أخرى فإن الإنسان في حالة نشأته لا يكون قط إنسانا وكفى. إنه دائما وبالضرورة إما عبد وإما سيد. إذا كان الواقع البشري لا يمكن أن يتكون إلا كواقع اجتماعي، فإن المجتمع لا يكون بشريا -على الأقل في أصله- إلا شريطة أن يستلزم عنصرا للسيادة وآخر للعبودية ويقتضي وجودا يتمتع باستقلال ذاتي وآخر يتوقف عليه ويخضع له. لذا فإن الحديث عن أصل الوعي بالذات يعني بالضرورة الحديث عن استقلال الوعي بالذات وخضوعه، (عن السيادة والعبودية).
إذا كان الوجود البشري لا يتكون إلا من خلال الصراع الذي يؤدي إلى العلاقة بين سيد وعبد، فإن التحقيق التدريجي لهذا الوجود لا يمكن أن يتم هو الآخر إلا بدلالة هاته العلاقة الاجتماعية الأساسية. إذا كان الإنسان لا يختلف عن صيرورته وإذا كان وجوده الإنساني في المكان هو وجوده في الزمان وبما هو زمان، إذا كان الواقع البشري الذي ينكشف ليس في النهاية سوى التاريخ العام، فإن هذا التاريخ ينبغي أن يكون تاريخ تفاعل السيادة والعبودية. الجدل التاريخي هو جدل السيد والعبد. ولكن إذا كان التعارض بين الأطروحة ونقيضها لا يتخذ معناه إلا داخل التصالح عن طريق التركيب، وإذا كان التاريخ بالمعنى القوي للكلمة لا بد وأن يبلغ حدا نهائيا، وإذا كان الإنسان الذي يخضع للصيرورة مرغما على أن يفصح عن الإنسان النهائي، وإذا كانت الرغبة لا بد وأن تحقق إشباعها، وإذا كانت المعرفة الإنسانية لا بد وأن تمتلك قيمة حقيقة نهائية شاملة الصدق- فإن التفاعل بين السيد والعبد ينبغي أن يؤدي في النهاية إلى "إلغائها الجدلي".


A. Kojeve. Int. à la lectde Hege . Gallimard, Paris 1968, pp. 11-16.

السبت، 14 ديسمبر 2013

كوجيف المبادر: بيار ماشيري

ترجمة: فريق العمل في مركز الإنماء القومي

نحتاج لأكثر من كتاب لنحكي كيف أدخلت فلسفة هيغل إلى فرنسا، وفق إجراءات يبدو أن شكلها قد تكيّف بشكل عجيب مع المحتوى الذي تحمله: فهذه الإجراءات ربطت بشكل ديالكتيكي بين القبول والرفض، بين الكشف والإخفاء، بين الفهم والجهل. باختصار، إن التاريخ الفرنسي للهيغلية قد يكون بحدّ ذاته "ظواهرية" كاملة، يمكن أن تدعى فصولها الرئيسية: "فيكتور كوزان" Cousin، "برودون" Proudhon، "مالارميه" Mallarmé، "بروتون" Breton، و"كوجيف"...؛ وهذا الأخير ليس الأقل طولًا ولا الأقل حركة، فوجه هيغل يظهر في هذه الظواهرية بحدة خاصة، محرفًا تقريبًا، على نمط الحضور والغياب، وفق المنطق الخاص بلعبة البارز والمخفي.
ولد الكسندر كوجيف(1)، واسمه الحقيقي كوجينيكوف، في موسكو عام 1902 في عائلة من التجار الأغنياء (كان متقربًا من كاندينسكي). عام 1919 ترك روسيا نهائيًّا ليتابع في ألمانيا دروس الفلسفة، في برلين أولا، ثمّ في هايدلبرغ، حيث قدم في العام 1926، تحت إشراف ياسبرز Jaspers دكتوراه في الفلسفة الدينية لسولوفييف Soloviev. في أواخر 1926 أقام في باريس، وأدخل إلى مدرسة الدراسات العليا École des Hautes Etudes بواسطة مهاجر روسي آخر، الكسندر كويريه Koyré الذي كان يدرس فيها منذ بضع سنوات الفلسفة الدينية(2). بدأ كوجيف في فرنسا دروسًا جديدة متجهة في البداية نحو الرياضيات والفيزياء، وأعدّ في السوربون، تحت إشراف إبيل راي Abel Rey دكتوراه دولة حول "فكرة الحتمية في الفيزياء الكلاسيكية والفيزياء الحديثة"(3). في العام 1933، بينما كان كويريه مسافرًا في مهمة للخارج، قام كوجيف بإلقاء دروسه حول "الفلسفة الدينية لهيغل". هذه الحلقة الدراسية التي بدأها كوجيف عَرَضًا استمرت ست سنوات، وخصصت لقراءة منتظمة لظواهرية الروح لهيغل وتفسيرها، وهي لم تكن قد نشرت قبلا باللغة الفرنسية، ولم تكن معروفةً علنيًّا إلا من قبل بعض المتخصصين القلائل.
لقد ضمت هذه الدروس الخصوصية والهامشيّة، عبر تتابع حلقاتها، مستمعين خرجوا منها جدَّ مدهوشين بحسب تعبيرهم: باتاي Bataille، كينو Queneau، لاكان Lacan، بروتون Breton، وفيل E. Weil، مرلوبونتي، كوربان Corbin وغيرهم، ومن بينهم بلا شكّ جان هيبوليت: بينما سارتر وسيمون دي بوفوار لم يحضرا أبدًا كما أعلنا. أحدث كلام كوجيف المقنع (بالمعنى الذي وسعه باتاي نفسه) رعبًا حقيقيًّا في تلك الأوساط المستمعة، وشكّل نوعًا من الجاذبية والنفور في الوقت نفسه بين أولئك الذين سوف يطبعون بعمق الحياة الثقافية الفرنسية قبل وبعد الحرب العالمية الثانية: فباتاي ولاكان مثلا، لكي لا نذكر غيرهما يتوزع تفكيرهما على حقبات ثلاث مع كوجيف، بعد كوجيف وضدّ كوجيف.
هذه التجربة الحقيقية للفكر، بغناها وغموضها، توقفت نهائيًّا عام 1939 وقد قام كينو بتسجيل وقائعها ونشرها عام 1947 تحت عنوان: مقدمة لقراءة هيغل –دروس حول ظواهرية الروح(4)، وهي عبارة عن اختصار مجمل الحلقات الدراسيّة وتشكل خليطًا مدهشًا من الملاحظات تستطيع أن تقرأ بين سطورها تفكيرًا متكسرًا ومتوزعًا ولكنه قوي وضمني بحيث يظلّ عرضه متهربًا من إظهار ذاته بالقياس مع موضوعه(5). أمّا كوجيف فقد كُلّف بمهمة أخرى، في منظمة غربي أوروبا بين العامين 1945 و1967 وتوفي عام 1968 وبذلك أعيد ختم "مرحلة" ثانية أقفلت "مسرحية" هيغل عام 1945 من تاريخ حياة هذا الرجل الفريدة دون أن يكون لها متابعة من أي نوع كان.
لقد كان كوجيف إذًا مبادرًا، بأكثر من معنى لهذه العبارة، وبإمكاننا أن نقول أيضًا إنه كان وسيطا أو محاميًا لامعًا. فوجود هذا المهاجر الروسي كان ضروريًّا لكي يدور حول موضوع ظواهرية الروح نقاش علني حامي الوطيس قبل أن تُقرأ في نصوصها الأصلية. ألم يلجأ إليه كوزان بمساعدة تلميذي هيغل، كارّوفيه Carrové وغانر Gans، وكذلك برودون بمساعدة ماركس، وذلك للتوصل إلى فهم فكر هيغل بواسطة هؤلاء جميعًا، وذلك بالعودة إلى الترجمات الكبيرة الأولى إلى الفرنسية التي ظهرت بفضل لاجئ إيطالي، هو أغوست فيرا Verra؟ وكأن هذا الفكر الذي ظل يتمتع بنوع من الغربة الفكرية لفترة طويلة على الأقل، قد استقبل في فرنسا كفكر أجنبي، لم يكن بالإمكان نقله إلا عن طريق [مترجمين] أجانب كذلك.
مع ذلك يجب أن نقاوم عزل محاولة كوجيف كليًا تحت تأثير الجاذبية التي يتمتع بها هذا الشخص، مضافة إلى أثر الصدمة والانقطاع الذي أحدثه خطابه. بل على العكس من الضروري أن نرى أن دوره الأساسي بلا شكّ في تاريخ الفلسفة في فرنسا خلال القرن العشرين، إذا كان يُفسّر بإبداعية نظرية حادة، فهو يعود إلى كون كوجيف، بمبادرته وبتلاقي الظروف، قد وُجد وسْطَ علاقة ثقافية معقدة ساهم بنفسه بحبك خيوطها. إن فكر كوجيف، الذي لا مجال لإنكار أصالته، لم يخرج إذًا من لاشيء، بل أُعِدَّ من خلال مادة متوفرة عمل على تحويلها، فمن بين هذه السوابق، من الجانب الهيغلي يأتي الاكتشاف الحديث نسبيًا لأعمال هيغل [في مرحلة] الشباب، خلال فترة إيينا بشكل خاص التي بدأ ديلتي Dilthey ومدرسته الاهتمام بها في أواخر القرن التاسع عشر: لقد قام كوجيف باستغلال هذا الخط الذي هُيِّء له في فرنسا بواسطة دراسات جان فال Wahl(6)، والدروس التي كان يلقيها الكسندر كويريه(7). فمن هذه الزاوية يكون كوجيف وبدون أي شكّ قد استعاد وأكمل عملا جرى البدء به سابِقًا. ولكن عبقريته تكمن في إضافته لهذا التيار أنظمة أخرى من المرجعية النظرية كان قد تآلف معها خلال إقامته في ألمانيا: من جهة النصوص الفلسفية لماركس الشاب التي بدأت الظواهرية في نصها الفريد والمعقد إلى حدٍّ ما الذي أعطاه هيدغر في كتابه Sein und Zeit (الكينونة والزمن) الذي نشر عام 1926(8).
لقد قام كوجيف بقراءة منتظمة لظواهرية الروح، التي كان يترجمها مقطعًا مقطعًا ويفسرها، وأجرى دمج جميع هذه العناصر، وعرف كيف يستخرج منها الفلسفة فريدة هي بالتوقيع المستعار لهيغل ولكنها في الواقع لكوجيف. ههنا يقوم نوع من احتيال العقل مدعوم بممارسة شاذة ومغشوشة لعمل التفسير التقليدي. فكوجيف الذي يتكلم على هيغل بكلمات هيغل المستقاة من نص لا يستطيع الجمهور الوصول إليه، كان في الواقع يقول شيئًا آخر، أو بالأحرى يقول شيئًا من كونه الشيء نفسه، هو أيضًا شيء آخر، وبإمكاننا القول إنه كلام لماركس ذو صبغة هيدغرية، أو كلام لهيدغر ذو صبغة ماركسية: ونتيجة هذه العملية لا تمرّ دون ذكر ما كان يقوم به لوكاش بالذات في العشرينات. من هذا الفارق الدقيق الذي لم يمرّ دون مخادعة، وفق معادلة كوجيف نفسه: الحكمة = مخادعة، نشأ تيار فلسفي خاص نوعًا ما (باتاي ولاكان أولًا، ثم فوكو والتوسير فيما بعد) مشتق من مسار كوجيف وفق الطرق العجيبة لاجترار ما سبق وللاعتراض عليه.
لا ضرورة للاستطراد أكثر من ذلك حول الوسائل التي استخدمها كوجيف لنشر فكر فلسفي جديد تحت اسم هيغل وفق إجراءات فعّالة، وإن كانت محض مصطنعة، لنحاول أن نستخرج من هذا المزيج المعقد الذي يكوّن المقدمة لقراءة هيغل ما يمكن أن يشكل المفاصل الكبرى لفكر كوجيف، في هذا السياق نستخرج ثلاث نقاط أساسية: انتروبولوجيا الرغبة، نظرية نهاية التاريخ، وأخيرًا نظرية التناهي التي طورت من منظور إنسانوي ملحدة والتي تجري نوعًا من التركيب بين النقطتين السابقتين. إن معالجتنا لكل من هذه المفاهيم الخاصة بكوجيف تظهر إلى أي حدّ ابتعد هذا الأخير عن الهيغلية الدقيقة إراديًّا في قراءته المخادعة مع أنه يبدو وكأنه يتبعها حرفيًّا.
إن انتروبولوجيا الرغبة –وهي موضوعة تتكرّر غالبًا وتعرض السلبية الديالكتيكية كمحرك غير طبيعي للتاريخ البشري- تستند إلى التشكيك مجددًا "بالأحادية" الهيغلية التي تنقلب إلى ثنائية تقيم التعارض بين الطبيعة والتاريخ. وهذا ما تدلّ عليه هذه الصيغة في بداية المقدمة: "بمعزل عما يعتقده هيغل، فالظواهرية هي انتروبولوجيا فلسفية"(9). فالبشري يقابل الطبيعي ونظامه الضروري يجهل وفق كوجيف السلبية، وذلك لأنه كائن ينتج نفسه بحرية خلال وجود فردي وجماعي مكوَّن من الصراعات والأعمال (نرى هنا موضوعة كبرى من موضوعات الإيديولوجيا الألمانية لماركس). إلا أن هذه الديالكتية التاريخية، التي تطبع جميع أحداثه بالعنف، تتحرك وتتدعم بواسطة رغبة أساسية، قبل أن تكون رغبة لأي شيء خاص متجهة نحو موضوع معين طبيعيًّا، هي الرغبة بالذات، رغبة كينونة الذات: فالنظريات الحديثة للذاتية تشتق موضوع معين طبيعيًّا، هي رغبة للذات، رغبة كينونة الذات: فالنظريات الحديثة للذاتية تشتق بجانب منها من هذه الأطروحة. ولكن هذه الرغبة لن يمكنها أن تتحقق إلا بواسطة آخرين، يدخل معهم الفرد البشري في علاقة تهديمية والصراع حتى الموت والحرب) وإنتاجية متزامنة (العمل الذي فيه يهدم ذاته وهو ينقل قوته الذاتية إلى الأشياء الخارجية). فالرغبة بشكلها الأكثر ذاتية، الشكل الذي يكوِّن الذات كذات، مسكونة بالخارجانية والغيرية اللتين تصطدم بهما باستمرار: رغبة الذات هي أولًا رغبة الآخر، الآخر الذي هو أيضًا ذات، ومن حيث هو ذات فهو في أناه ضد الأنا. ولكن الشكل الأبرز لهذه العلاقة المنحرفة، التي تميز جذريًا ما هو بشري عما هو ببساطة وبموضوعية طبيعي، هو "الاعتراف"، هذا الإدراك التأملي، في المرآة، للأنا في الآخر وللآخر في الأنا، يحرك بشكل متناقض دينامية التاريخ البشري كلّه وليس فقط هذا المصير الشخصي أو ذاك. من أجل أن يعرض هذه النظرية قام كوجيف بعزل مقطع كامل من ظواهرية الروح عن السياق الذي ورد فيه وجعل منه أسطورة حقيقية مثل الأساطير الأفلاطونية مع أنه غريب في روحيته عن فكر هيغل الحقيقي. هذا المقطع هو حول "ديالكتية السيد والعبد"، كما كان أول من أطلق عليه هذه التسمية وجعل منه نموذجًا شموليًّا للأنتروبولوجيا الفلسفية التي كان يقوم بتأسيسها.
إن نظرية نهاية التاريخ التي أُدخلت مؤخرا في الجدل من خلال الأداء الصاخب الذي قام به الاقتصادي فوكوياما(10)، تستخدم بعض نتائج انتروبولوجيا الرغبة التي رسمنا خطوطها الكبرى، وهي بدورها [أي نظرية نهاية التاريخ] ليست هيغلية تمامًا مثل الانتروبولجيا، حتى ولو كانت تذكرنا بها، إذا ما عدّلنا بها، بعض الأوجه المعروفة في فلسفة التاريخ عند هيغل. فما يأتي من هيغل هنا هو الفكرة التي بموجبها تكون الحركة الديالكتية للسلبي، بتقطعاتها وصداماتها، مسكونة بغائية ملازمة لها تشدها إلى الأمام عن ذاتها ودائمًا بالاتجاه نفسه. نجد هنا الصورة التقليدية لايديولوجيات التقدم. وما يُقدمه كوجيف لهذه النظرية هو الفكرة التي بموجبها على الحركة أن تنقطع في لحظة معينة، لأن الغاية التي نحوها تميل ليست فقط هدفًا بل هي أيضًا حدّ، وبالتالي نهاية، وهذا ما لم يقله هيغل ولم يفكر به مطلقًا: فهو قد برهن على العكس، استحالة التفكير فلسفيا بأي مستقبل كما "يجب" "وبما ينبغي له أن يكون" بكل ما لهذه العبارة من معانٍ، وكل آثاره لا نجد أية إشارة تدل على تصور نهاية التاريخ كنقطة وصول نهائية لن يكون بعدها تاريخ ولا ذات فاعلة بالنسبة للتاريخ. إن كوجيف وليس هيغل هو الذي يوصلنا إلى تلك النقطة حيث تكون جميع تناقضات التاريخ قد حُلّت، والجهود التي تندفع من الرغبة الإنسانية تكون قد توصلت للإرضاء، أي الاستكانة، عندها لن يكون هناك شيء للعمل ولا للفكر إلا الاجترار إلى ما لا نهاية، مثل "الأبقار الفلسفية" التي يتكلم عليها كينو في كتاب Pierrot mon ami، فكل شيء يكون قد أنجز تمامًا. عندها تسود الحكمة التي تستبدل تفسير الكتاب، الذي يُختصر فيه كل مصير العالم (كما عند مالارميه، الهيغلي الآخر الانحرافي)، بالبحث القلق عن المعرفة الغائبة التي تعطي اسمها الخاص للفلسفة (هذه الأخيرة تنجم دستوريًا عن نظام الرغبة الإنسانية). فالحكيم الكوجيفي، أمام النظام العالمي الثابت والمستقر بسبب العمل الفعال لأمير معين ينشر النظام من خلال الرعب، مثل نابليون أو ستالين (هذان البطلان لنهاية التاريخ كانا يعجبان أيضًا كوجيف)، قد ألغى لحسابه الخاص كل رغبة، لأنه فهم بطلانها ووضع في الوقت نفسه حدًّا لتاريخ الفكر الفلسفي الذي انكشف بشكل ساخر في النهاية وكأنه مأزق أو طريق لا يؤدي إلى أي مكان، أو على الأقل اكتشف بأنه وصل، فلا يعود يؤدي إلى مكان آخر.
هنا تأخذ الموضوعة الكبرى في فكر كوجيف مكانها، والموضوعات الأخرى بالنسبة لها لم تكن سوى مقدمات: وهي موضوعة التناهي التي تعقد علاقة مميزة بين الإنسان والموت وتقود هكذا إلى تأمل معين حول موت الإنسان. حول هذه النقطة يعتبر كوجيف في آن معًا الأقرب والأبعد عن هيدغر. فهو، يجعل الإنسان مطبوعًا بواقع كونه خاضعًا لقلق موته، يرفض أية نظرية جمالية، وبالتالي سلبية لمثل هذه التجربة، لكي يضع في الواجهة التصور الناشط والعملي بشكل أساسي لمجرى هذه التجربة الذي يحوِّل خساة الذات إلى تجلٍّ، ويجعل في الوقت نفسه من الأنتروبولوجيا لاهوتًا معكوسًا، وفق النموذج الفورباخي. لقد فُسِّر هذا في النص الملحق بالمقدمة، "فكرة الموت في فلسفة هيغل": "بوصوله للحكمة يفهم الإنسان بأن نهائيته وحدها أو موته، هي التي تؤمّن له الحرية المطلقة، وذلك بتحريره ليس فقط من العالم المُعطى، بل أيضًا من المُعطى الأزلي واللامتناهي الذي قد يكون الله، إذا لم يكن الإنسان معرضًا للموت، ووعي هذه الحرية المطلقة يرضي الكبرياء اللامحدود للإنسان، وهو ما يشكل عمق وجوده البشري بالذات، والمحرك الأخير غير القابل للتحول لفعله في الخلق الذاتي"(11). وهكذا فالإنسان هو الكائن المتناهي الذي يتوصل إلى وعي كامل لنهائيته التي هي الحد الذي لا يمكن تجاوزه، ويقبل حتمية زواله، وهو المصير المحتوم لكائن عليه أن يكتفي بذاته ولا يعترف بمطلق آخر غير مطلق نهايته الذاتية التي يقبلها بحرية ويستوعبها.
في مؤلفه، رسالة حول الإنسانية، الذي كتب عام 1946 ونشر عام 1947 في الوقت نفسه الذي نشرت مقدمة كوجيف، يتنصل هيدغر ذاته وبوضوح من هذا اللاهوت العلماني الذي هو الإنسانية، مهاجمًا بالدرجة الاولى الأداء الذي استخدمه سارتر بشكل مستفيض، (وهي موضوعات كانت قد عولجت مسبقًا من قبل كوجيف) في كتابه الكينونة والعدم الذي صدر عام 1943.
لننهي هذا التناول السريع لتاريخ نظري طويل لا يزال حيًّا حتى اليوم، بالاستناد إلى قراءة جديدة لكوجيف أجريت باتجاه معاكس للمنظور اللاهوتي أو الانتروبولوجي، من قبل باتاي، وهي قراءة تعيد لموضوعة التناهي انفتاحها الحماسي، ففي مقال عن "هيغل، الموت والتضحية" نشر عام 1955 في مجلة Deucalion(12)، يشرح باتاي مواقف كوجيف بعد أن يختصرها ويُنهي قائلًا: "إن مثل هذه الرؤية يمكن حقًا أن تنعت بأنها هزلية". هذا الهزلي هو ما نجده في "روايات الحكمة" لدى كينو (Pierrot mon ami, Lion de Rueil, Le dimanche de la vie) التي تبرز المحاولة نفسها في السخرية، وتضخمها على طريقتها. لقد حوّر/ قلب كينو وباتاي فكر كوجيف كما كان يحوّر/ يقلب هو نفسه فكر هيغل وبهذه الطريقة يكون كوجيف قد كشف وجهًا من الفكر الهيغلي. لم يكن هيغل نفسه يعرفه فيه، ولما أمكن له التعرف إليه: وهو هيغل الهزلي والذي يخيف إلى حدٍ ما لكونه جد مضحك.

(*) بيار ماشيري Pierre Machery
أستاذ في جامعة باريس الأولى –السوربون
فيلسوف بارز له مؤلفان أخيران هما:
- Hegel ou Spinoza, P.U.F
- ََA quoi penser la littérature, P.U.F

الهوامش:
(1) بمعرفة أكثر من ذلك عن كوجيف يجب قراءة كتاب Dominique Auffert (Alexandre Kojéve, la philosophie, l’Etat, la fin de l’Histoire) éd. Grassel 1990.
(2) المناخ الفكري الخاص الذي تطور حول منبر كويريه (خاصة المعروف حاليًا بأعماله في مجال تاريخ العلوم) عكسته الأعداد الستة من مجلة Recherches Philosophiques التي شارك فيها كوجيف نفسه بانتظام.
(3) لم يكتمل هذا المشروع وبقي النص الذي خصصه له كوجيف غير منشور، وقد صدر مؤخرًا 1990 (Le Livre de Poche, Biblio-Essais)
(4) متوافرٌ حاليا بنص الطبعة الثانية لعام 1968 (وقد زيد عليها نص طويل حول نهاية التاريخ) عن غاليمار.
(5) حول شروط هذا النشر وانعكاساته في اعمال كينو الأدبية يمكن مراجعة كتاب بيار ماشيري: A quoi penser la littérature, P.U.F الفصل الرابع.
(6) Jean Wahl, Le malheur de la conscience dans la philosophie de Hegel, (Paris-1929)
(7) حول دروس كويريه عن هيغل قبل أن تبدأ الحلقات الدراسية لكوجيف هناك بعض المقالات، خاصة حول "هيغل في إيينا" و"ملاحظة حول التعابير الهيغلية" جمعت في كتاب "دراسات التاريخ للفكر الفلسفي لكويريه" Gallimard, A. colin
(8) بدأ فكر هيدغر يعرف في فرنسا من خلال مجلة Recherches Philosophiques التي يحركها كويريه، فأول مترجم لهيدغر إلى الفرنسية هو كوربان الذي كان معيدًا لكويريه في مدرسة الدراسات العليا.
(9) مقدمة لقراءة هيغل، ص 39 –هذه النقطة يجري توضيحها في المراسلات غير المنشورة لكوجيف من تران دوك تاو Tran Due Thao، المذكورة جزئيا في كتاب Auffret (ص 249).
(10) مقال فوكوياما الذي هو أساس الجدل المرتبط "بالحداثة الجديدة" نشر بالفرنسية تحت عنوان "نهاية التاريخ؟" في العدد 47 من مجلة Commentaire (خريف 1989).
(11) مقدمة لقراءة هيغل، ص 572.
(12) جورج باتاي، الاعمال الكاملة –غاليمار. الجزء 12، ص 326 وبعدها.


المصدر: بيار ماشيري، كوجيف المبادر، مجلة العرب والفكر الطبيعي، العددان الخامس عشر والسادس عشر، خريف 1991، ص 111-115