ترجمة حسونة المصباحي
![]() |
| بيت هايدغر الريفي |
في أيلول/ سبتمبر 1933، تلقى مارتن
هايدغر الذي كان قد عيّن عميداً لجامعة "فرايبورغ" منذ 21 نيسان
أبريل، وللمرّة الثانية [العرض الأوّل تلقّاه قبل ذلك بسنوات] اقتراحاً بتعيينه
أستاذ كرسي للفلسفة في جامعة برلين. والنصّ الذي تقدّمه "فكر وفن"(*)
لقرّائها يتضمّن تفسير رفضه لذلك. وفيه نجد وصفاً شاعرياً ودقيقاً في نفس الوقت
للـ "Hütte"
أي للبيت الريفي الذي اعتاد هايدغر الاشتغال فيه، والذي فيه كتب جزءاً
كبيراً من مؤلَّفه الشهير "Sein und Zeit"، وأيضاً لوادي
"تودناو" (Todtnau)
القريب من "فلدبارغ" (Feldberg)، القمّة الأكثر ارتفاعاً في "الغابة السوداء"، وهو
مكان اشتهر في تلك الفترة بسبب إقبال هواة التزحلق على الثلج عليه. وفي النص ثمّة صدى
سيرة هايدغر الذاتية، إذ أنّه يشدد فيه على تجذره العميق في عالم الفلاحين.
وقد أذيع عند ظهوره في الراديو، كما نشرته جريدة "القوميين الاشتراكيين"
(Der Alemanne) المحلية في مارس/ آذار 1934، أي
عقب استقالة هايدغر من منصبه كعميد لجامعة "فرايبورغ".
*****
على المنحدر الوعر لواد عال وكبير هناك في جنوب "الغابة
السوداء"، على ارتفاع 1150 متراً، بيت ريفي صغير (6 على 7 أمتار)، يغطي سقفه الواطئ،
ثلاث غرف: المطبخ وهو في نفس الوقت القاعة الكبيرة الرئيسية، غرفة النوم، وغرفة مستعملة
كمكتب للعمل، ومشتتة في العمق الضيق للوادي، وعلى المنحدر المواجه الوعر أيضاً، تنتشر
بكثرة الضيعات ذات السقوف الكبيرة والمائلة، وعلى طول المنحدر، تصعد حقول الرعي حتّى
غابة التنوب الشامخ والداكن. وفوق كل هذا المنظر، تمتدّ صيفية صافية، وفي فضائها المشع
يرتفع صقران وهما يرسمان دوائر واسعة. هذا هو عالم عملي كما تراه عينا المصطاف والضيف
العابر المحب للتأمّل. أنا نفسي لا أتأمّل المنظر الطبيعي المحيط بي بالمعنى الحقيقي
للكلمة. أنا أحسّ تحوّلاته من ساعة إلى أخرى، ومن الليل إلى النهار، خلال تعاقب الفصول.
إنّ ثقل الجبال وصلابة صخورها القديمة، والنمو المحترس لأشجار التنوب، والبهاء المضيء
للحقول المزهرة، وهمس السيول في ليل الخريف الطويل، وأيضاً البساطة الصارمة للمساحات
المغطاة بثلوج كثيفة تتسرب كلّها إلى الحياة اليومية هناك في الأعالي، وفيها تتجمّع
وتتراكم وتتموّج. ليس في اللحظات التي نريدها أن تكون لحظات تحقيق الذاتية المصطنعة،
وإنّما فقط حين يكون وجودي في حالة تأدية عمله. العمل وحده يفتح الفضاء لواقع الجبل
هذا. وسيره يظلّ منتظماً في تحوّلات المشهد الطبيعي.
في ليل الشتاء العميق تنفجر عاصفة ثلجية حول البيت، وتأخذ في
تغطية ومواراة كلّ شيء، عندئذ لابدّ أن يصبح سؤالها بسيطاً وأساسياً. إنّ صياغة كل
فكرة لا يمكن أن تكون إلاّ قاسية وقاطعة. والجهد الذي تتطلبه قوة الكلمات شبيه بصمود
أشجار التنوب التي تنتصب أمام العاصفة.
