ترجمة لطفي السيد
إن
مراسلات وأسفار ويوميات دوستويفسكي في سان بطرسبرج وبعض
فصول من مسودات بعض
رواياته كـ الممسوسون"
و"ذكريات
من منزل الموتى" وخطبته
عن بوشكين بمناسبة افتتاح النصب التذكاري لهذا الشاعر العظيم كانت قد ظهرت
للنور أول ما ظهرت بعد ثورة 1917. وذلك
بعد أن تم الإفراج عن العديد من الوثائق التي
كان محظوراً نشرها في الفترة السابقة
على الثورة وكذلك بعض أعمال كبار الكتاب الروس التي كانت قد حجبتها الرقابة
ووضعتها في الأرشيف الروسي. بينما
قام الأديب والمترجم جان فلاديمير بيانستوك في عام 1923 بالترجمة والتحقيق
والتذييل ببعض الإيضاحات لهذه المراسلات والأسفار وباقي كتابات دوستويفسكي
التي لم تكن قد ترجمت
من قبل إلى اللغة الفرنسية.
أُلقيت في 8 يونيو 1880 أمام جمعية أصدقاء الأدب
الروسي
بوشكين
ظاهرة استثنائية، وربما الظاهرة الفريدة للنفس الروسية، هكذا قال "جوجول".
وأضيف، من جانبي، إنه عبقرية نبوية. لقد ظهر بوشكين بالضبط في لحظة يبدو
أننا ندرك أنفسنا، ومجيئه ساهم بقوة في إضاءة طريقنا.
![]() |
| Portrait de Dostoïevski by Vassili Perov |
الفعالية الفكرية لشاعرنا العظيم لها ثلاث مراحل. لا
أتحدث، في هذه اللحظة، من خلال النقد الأدبي؛ لا أتحدث سوى عن نبوءاته لنا من خلال
أعماله الأدبية. أعترف أن هذه المراحل الثلاث لم يكن بينها حدود فاصلة. فبداية
رواية "أونيجين" تنتمي إلى الأولى ونهايتها تنتمي إلى المرحلة الثانية،
بينما كان قد وجد نموذجه في أرض المنشأ. من المعتاد قول إن بوشكين، في
بداياته حاكى الشعراء الأوروبيين: "بارني"، "أندريه شينييه"،
ولا سيما "بايرون". بلا شك كان لشعراء أوروبا عظيم التأثير على
تطور عبقريته، وهذا التأثير، حافظوا عليه حتى نهاية حياة بوشكين. إلاّ أن
أشعار بوشكين الأولى حتى لم تكن مجرد محاكاة: لقد اخترقتها استقلالية
عبقريته. لن نرى، أبداً، في أعماله مجرد محاكاة، مثل كثافة الألم هذه ولا الوعي
العميق جداً بذاته. انظروا، على سبيل المثال، الغجر، القصيدة التي أضعها في
المرحلة الأولى من فعاليته الإبداعية. لا أتحدث عن حماسته فحسب، التي ما كان لها
أن تكون بمثل هذه القوة، إن لم تقم سوى بالمحاكاة في مثل هذا النوع من "الألكو"
يكشف بالفعل بطل القصيدة عن فكرة قوية وعميقة، روسية بشكل بارز، والتي ستظهر لاحقاً
مكتملة تماماً في "أونجين"، حيث نظن أننا نرى "ألكو" يظهر
مجدداً، ليس في شكل مخيالي، بل في شكل واقعي، ملموس، واضح. في هذا النوع من "الألكو"
وجد وميز بوشكين بخاتم عبقريته شخصيةَ المتسكع التعس، التائه في أرض
المنشأ، هذا الشهيد الروسي، ولد قسراً من مجتمعنا المنفصل بقسوة عن الشعب. هذا ليس
عن "بايرون" الذي قابله. هذا المتسكع الروسي بلا كوخ يلاحق اليوم طريدته
ولن يختفي طويلاً. إذا لم ينضم للغجر ليجد مثاله عن الحياة البرية الهائمة
والسكينة في حضن الطبيعة، يلقي بنفسه في الاشتراكية التي لم تكن موجودة بعد في عصر
"الإلكو". يبحث دائماً، ليس فقط عن رضا غرائزه الشخصية، بل كذلك عن
السعادة الكونية. يحتاج المتسكع الروسي للسعادة الكونية حتى يهدأ.
أوه! الغالبية العظمى من الروس لا يطالبون بالكثير من
ذلك. الكثير منهم يسعد بأن يخدم بسكينة البلد كموظف حكومي، كمستخدم في خزانة
الدولة، في السكك الحديد، أو موظف بنك، ولا يقلقهم أن يتكسبوا عيشهم بطريقة أو
بأخرى. هذا كثير جداً لو أن بعضهم دفع بالليبرالية إلى "اشتراكية
أوروبية" مبهمة، تخففها السذاجة الروسية؛ لكنها ليست إلا مسألة وقت. بغض
النظر عن هذا الذي بمجرد أن يبدأ حتى يثير المتاعب، بينما ذلك يدق بالفعل جبهته في
الباب! يكفي أن يُثار بعضهم حتى يقلق كل الآخرين. لا يعرف بعد "ألكو"
التعبير بوضوح عن قلقه. كل ذلك في الحالة الغامضة عنده، ليس سوى الحنين إلى
الطبيعة، أحقاد ضد المجتمع الراقي، الميول، بعض الشيء، الكوزموبوليتانية، دموع على
الحقيقة التي ضاعت منا، التي لن نستطيع إيجادها. يوجد بداخله بعضاً من "جان
جاك روسو". على أي شيء تستند هذه الحقيقة؟ هذا ما لم يقله لنا، لكن يعاني
بصدق... الحقيقة في مكان آخر؟ في الأراضي الأوروبية التي لها شكل منظمة تاريخية،
حياة اجتماعية محددة؟ لا يفهم أن الحقيقة بداخله؟ وكيف يدرك ذلك؟ إنه كغريب في
وطنه. طابق العمل، ليست لديه ثقافة، ليست لديه سوى ذرات رماد متطايرة في الهواء.
يشعر بذلك، يعاني منه. بلا شك ينتمي لطبقة النبلاء الوراثية، المالكة للأقنان على
الأرجح. عرض ببراعة فانتازيا الحياة مع أناس لا يعرفون قانوناً، نزه الدب الذي
يظهر... الطبيعة الرحيمة، المرأة، «المرأة البرية»، حسب تعبير أحد الشعراء، تستطيع
أن تعيد له الأمل في العافية، بلا روية يتوله "بزيمفيرا" «هو
ذاك، قال، حيث تكون عافيتي وربما سعادتي، هنا، في قلب الطبيعة، بين بشر ليس لديهم
حضارة ولا قوانين!» لكن في بداياته في الحياة البربرية، لا يحتمل التجربة وتتلطخ
يداه بالدم. يطرده الغجر، دون انتقام وبلا سخط، بصدق وروعة.
