‏إظهار الرسائل ذات التسميات ميشال ليريس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ميشال ليريس. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 6 مارس 2016

رجولة ميشال ليريس: سوزان سونتاغ



ترجمة: نهلة بيضون

Michel Leiris par Francis Bacon
   من الوهلة الأولى، يحار المرء أمام "سنّ الرجولة" (l’âge d’homme)، السيرة الذاتية الروائية الفذة لـ ميشال ليريس* في ترجمتها الصادرة عام 1963، فقد صدر الكتاب بالانجليزية تحت عنوان "الرجولة" من دون أي توطئة(1)، فلا سبيل لكي يعرف القارئ بأن ليريس، البالغ من العمر الستين حالياً والمؤلف لنحو عشرين كتاباً لم يترجم أياً منها إلى الإنجليزية بعد، هو شاعر عظيم ومن كبار الممثلين الباقين للجيل السوريالي في باريس إبان العشرينيات، وعالم أناسه (أنثروبولوجي) على قدر لا بأس به من الأهمية. كما لا توضح لنا النسخة الأمريكية  بأن "سنّ الرجولة" ليس كتاباً حديث العهد، فقد وضعه ليريس أوائل الثلاثينيات، نشره للمرة الأولى عام 1939 ثم للمرة الثالثة متضمناً مقالة تمهيدية بارزة تحمل عنوان "الأدب بوصفه مصارعة ثيران" عام 1946، حين حقق نجاحاً فضائحياً عظيماً**.  وعلى الرغم من أن السير الذاتية يمكن أن تأسرنا مع أننا لا نكون مهتمين سلفاً -أو نملك سبباً لنهتم- بالكاتب، أي كون ليريس مغموراً في هذه الحالة يعقد الأمور لأن كتابه يشكل إلى حدّ كبير جزءاً من تاريخ حياة بقدر ما هو جزء من تاريخ نتاج أدبي.
عام 1929، أصيب ليريس بأزمة ذهنية حادّة أدت إلى إصابته بالعجز الجنسي، وخضع للعلاج النفس لحوالي السنة. عام 1930، حين كان في الرابعة والثلاثين، باشر بتأليف "سنّ الرجولة". في تلك الفترة، كان شاعراً، متأثراً جداً بـ أبولينير وبصديقه ماكس جاكوب. كان قد أصدر عدداً من الدواوين الشعرية، أولها بعنوان "شبه" (1925). وفي السنة التي باشر خلالها كتابة "سنّ الرجولة"، ألف رواية متميزة بالأسلوب السوريالي تحمل عنوان "أورورا".  ولكن ليريس،  وبُعيد المباشرة في كتابة "سن الرجولة" (لم يكمله قبل عام 1935)، انخرط في مسيرة مهنية جديدة  بوصفه أناسياً،  فقام برحلة ميدانية إلى أفريقيا (داكار وجيبوتي) في الفترة الممتدة بين عامي 1931 و1933. ولدى عودته إلى باريس، التحق بطاقم (متحف الإنسان) حيث يشغل حتى اليوم منصباً هاماً في أمانة المتحف. تجدر الإشارة إلى أن لا أثر لهذه النقلة المذهلة من بوهميي وشاعر إلى باحث وموظف في متحف. في الاعترافات الحميمة بكاملها التي يضمها كتاب "سنّ الرجولة"، لا يأتي الكتاب على ذكر إنجازات الشاعر أو الأناسي. ويشعر المرء أنه لا مجال لذكر تلك الإنجازات، فالإشارة إليها قد يبدد انطباع الإخفاق.
يقدم لنا ليريس دليلاً على أشكال قصوره بدلاً من سيرة حياته. لا يبدأ كتاب سن الرجولة كما يلي: «ولدت في..» بل بوصف ملموس لجسد الكاتب. نعلم منذ الصفحات الأولى بصلع ليريس المبكر، والالتهاب المزمن في جفنيه، وقدراته الجنسية الضئيلة ونزعته إلى إحناء ظهر وهو جالس وحك المنطقة المحيطة بشرجه حين يكون بمفرده، واستئصال مؤلم للوزتين خضع له في طفولته، والتهاب مؤلم كذلك في قضيبه؛ وبناء عليه، إصابته بوسواس المرض، وجبنه أمام أبسط المخاطر، وعدم قدرته على تكلّم أي لغة أجنبية بطلاقة، وانعدام مهارته المؤسف في أنواع الرياضة البدنية. وشخصيته كذلك موصوفة من زاوية القصور، يعرضها ليريس على أنها "متآكلة" باستيهامات سقيمة وعدائية تتعلق بالجنس عموماً والنساء خاصة. يشكل كتاب "سنّ الرجولة" لـ ليريس دليل انحطاط بما يتضمنه من نوادر، واستيهامات، وتداعيات لفظية، وأحلام مرسومة بنبرة رجل مخدر جزئياً، ينكأ جراحه بشكل غريب.

الأربعاء، 9 ديسمبر 2015

مجسَّمات طقوسية عند الدوغون: ميشيل ليريس



ترجمة محمد العرابي


la mère des masques imina na

(Dogon, Mali, sanga, XIXe s.)

   تزدحم بلاد الدوغون بشكل عجيب بالمزارات، وبالأجسام الطقوسية، وبالأماكن المقدسة من كل نوع. وتخترق دماغ سكانها شبكة جد صارمة من الأساطير والمعتقدات، وحياتهم مرتبطة بشكل وثيق ومتواصل بنسيج من الشعائر، وهذا لكي يكون الملخَّص شاملاً، وليس مجرد تعداد ينزع لأن يكون شاملاً. عديد من المجسمات ذات الطبيعة السحرية أو الدينية مجمَّعة في "سانغا" أو نواحيها، سنقدم بعضها بإيجاز، أي تلك النموذجية بشكل خاص.



"أمهات الأقنعة"
   من بين المنحوتات الخشبية الكبيرة الأربع المجمَّعة، اثنتان تعدان من العينة القديمة؛ لقد تم جلبهما من مغارة تقع في قرية "إِ" (I)، المندثرة منذ زمن بعيد؛ شكلهما ممدَّد كغيرهما من الأشكال، إلا أنهما يختلفان عن الباقين على مستوى الجزء الذي يقوم مقام الرأس – نوع من الوجه المسطح يحمل حفرتين تجسدان العينين– بإحالتهما على فكرة رأس أفعى والجزء الذي يتوافق مع الذيل المصُمّم بطريقة تجعله يلوح كتجسيد إنساني غير متقن. وتعد الاثنتان عينة من المنحوتات الأربع الأكثر حداثة: الأولى التي يصل طولها إلى عشرة أمتار، تم العثور عليها في مغارة الأقنعة التابعة لقرية "غوغولي"، حيث كانت ممدَّدة على سرير من الجماجم الآدمية، جنباً إلى جنب أكبر جمجمة خشبية مصنوعة هي أيضاً؛ الثانية، التي يصل طولها إلى سبعة أمتار وستين سنتمتراً زينت في موضعين من طولها بزوج من التماثيل الصغيرة المؤنثة والمذكرة المنقوشة هي أيضاً من الخشب، تم استقدامها من مغارة الأقنعة التابعة لقرية إنِّيغيل العليا.
  وأكثر قداسة بكثير من الأقنعة، هذه المنحوتات الخشبية الكبيرة –التي تشترك في اسم "أمهات الأقنعة" أو "الأقنعة العظيمة" مع الآلات الموسيقية الهوائية (les bull- roarers)  التي تستعملها الزاوية (confrérie) والتي تعرفنا عليها حتى قبل أن نعرف بوجود "أمهات أقنعة" أخرى – لا يتم إخراجها إلا بشكل متكتِّم، وفي ظروف جد استثنائية، ولا يتم صنعها إلاّ كل ستين سنة، بمناسبة احتفالات السيغي (sigui)  [التي تتضمن استهلاكاً كبيراً للغذاء، وجلساتِ سكْر شعائرية من جعة الذرة البيضاء، وتنتقل من مجموعة من القرى إلى مجموعة من القرى التابعة للدوغون، وتقريباً من الشرق نحو الغرب، بعد أن تكون قد بدأت من قرية "يوغو"، من حيث تظهر في السماء، بحسب زعمهم، علامة كبيرة حمراء مبشِّرة].
وحين يحين دور مجموعة من القرى للاحتفال بالسيغي، ينحتون هذه المنحوتات الخشبية الكبيرة بواقع واحدة لكل قرية أو لكل قريتين متعاونتين، كما في حالة قرية "أوغول العليا" وقرية "أوغول السفلى". قبل أن يدخل إلى المغارة بضعة ذكور من الشبان –يصبحون من كبار المطلعين على الأسرار في المستقبل– حيث يمثل كل واحد منهم قرية بعينها، ويتوجب عليهم قضاء ثلاثة أشهر داخل مغارة الأقنعة ويصادف موعد خروجهم بداية الاحتفالات.

السبت، 18 يناير 2014

ميشال ليريس: تقاطعات الأدب والأنثروبولوجيا، عبد الله عبد الرحمن يتيم




استطاعت الأنثروبولجيا الفرنسية -بالنظر لعلاقاتها الوطيدة بالأدب والنقد والفلسفة- أن تُلفت أنظار مختلف المدارس الأنثروبولجية إلى أهمية المفاهيم والنظريات التي تكتنزها تلك الحقول من المعرفة، وإلى وظيفة تلك المفاهيم والنظريات في الحقول الاجتماعية والثقافية من الدراسات الأنثروبولجية.


وهذه الدراسة تهدف، إلى إماطة اللثام عن دور أحد أبرز الشخصيات الفرنسية خلال القرن العشرين، ألا وهو ميشيل ليريس؛ تلك الشخصية التي أدت وظيفة بارزة في تاريخ تلك العلاقة التقاطعية، كان من نتائجها انفتاح الأدب والنقد والفلسفة على المفاهيم والنظريات الأنثروبولجية.





المصدر: موقع الباحث الأنثروبولوجي البحريني الدكتور عبد الله عبد الرحمن يتيم