ترجمة: نهلة بيضون
![]() |
| Michel Leiris par Francis Bacon |
من الوهلة
الأولى، يحار المرء أمام "سنّ الرجولة" (l’âge d’homme)، السيرة الذاتية
الروائية الفذة لـ ميشال ليريس* في ترجمتها الصادرة عام 1963، فقد صدر
الكتاب بالانجليزية تحت عنوان "الرجولة" من دون أي توطئة(1)، فلا سبيل
لكي يعرف القارئ بأن ليريس، البالغ من العمر الستين حالياً والمؤلف لنحو
عشرين كتاباً لم يترجم أياً منها إلى الإنجليزية بعد، هو شاعر عظيم ومن كبار
الممثلين الباقين للجيل السوريالي في باريس إبان العشرينيات، وعالم أناسه (أنثروبولوجي)
على قدر لا بأس به من الأهمية. كما لا توضح لنا النسخة الأمريكية بأن "سنّ الرجولة" ليس كتاباً حديث
العهد، فقد وضعه ليريس أوائل الثلاثينيات، نشره للمرة الأولى عام 1939 ثم
للمرة الثالثة متضمناً مقالة تمهيدية بارزة تحمل عنوان "الأدب بوصفه مصارعة
ثيران" عام 1946، حين حقق نجاحاً فضائحياً عظيماً**. وعلى الرغم من أن السير الذاتية يمكن أن تأسرنا
مع أننا لا نكون مهتمين سلفاً -أو نملك سبباً لنهتم- بالكاتب، أي كون ليريس
مغموراً في هذه الحالة يعقد الأمور لأن كتابه يشكل إلى حدّ كبير جزءاً من تاريخ
حياة بقدر ما هو جزء من تاريخ نتاج أدبي.
عام 1929، أصيب ليريس بأزمة ذهنية حادّة
أدت إلى إصابته بالعجز الجنسي، وخضع للعلاج النفس لحوالي السنة. عام 1930، حين كان
في الرابعة والثلاثين، باشر بتأليف "سنّ الرجولة". في تلك الفترة، كان
شاعراً، متأثراً جداً بـ أبولينير وبصديقه ماكس جاكوب. كان قد أصدر
عدداً من الدواوين الشعرية، أولها بعنوان "شبه" (1925). وفي
السنة التي باشر خلالها كتابة "سنّ الرجولة"، ألف رواية متميزة بالأسلوب
السوريالي تحمل عنوان "أورورا".
ولكن ليريس، وبُعيد المباشرة في كتابة "سن الرجولة"
(لم يكمله قبل عام 1935)، انخرط في مسيرة مهنية جديدة بوصفه أناسياً، فقام برحلة ميدانية إلى أفريقيا (داكار وجيبوتي)
في الفترة الممتدة بين عامي 1931 و1933. ولدى عودته إلى باريس، التحق بطاقم (متحف
الإنسان) حيث يشغل حتى اليوم منصباً هاماً في أمانة المتحف. تجدر الإشارة إلى أن
لا أثر لهذه النقلة المذهلة من بوهميي وشاعر إلى باحث وموظف في متحف. في
الاعترافات الحميمة بكاملها التي يضمها كتاب "سنّ الرجولة"، لا يأتي
الكتاب على ذكر إنجازات الشاعر أو الأناسي. ويشعر المرء أنه لا مجال لذكر تلك
الإنجازات، فالإشارة إليها قد يبدد انطباع الإخفاق.
يقدم لنا ليريس دليلاً على
أشكال قصوره بدلاً من سيرة حياته. لا يبدأ كتاب سن الرجولة كما يلي: «ولدت في..»
بل بوصف ملموس لجسد الكاتب. نعلم منذ الصفحات الأولى بصلع ليريس المبكر،
والالتهاب المزمن في جفنيه، وقدراته الجنسية الضئيلة ونزعته إلى إحناء ظهر وهو
جالس وحك المنطقة المحيطة بشرجه حين يكون بمفرده، واستئصال مؤلم للوزتين خضع له في
طفولته، والتهاب مؤلم كذلك في قضيبه؛ وبناء عليه، إصابته بوسواس المرض، وجبنه أمام
أبسط المخاطر، وعدم قدرته على تكلّم أي لغة أجنبية بطلاقة، وانعدام مهارته المؤسف
في أنواع الرياضة البدنية. وشخصيته كذلك موصوفة من زاوية القصور، يعرضها ليريس
على أنها "متآكلة" باستيهامات سقيمة وعدائية تتعلق بالجنس عموماً
والنساء خاصة. يشكل كتاب "سنّ الرجولة" لـ ليريس دليل انحطاط بما
يتضمنه من نوادر، واستيهامات، وتداعيات لفظية، وأحلام مرسومة بنبرة رجل مخدر جزئياً،
ينكأ جراحه بشكل غريب.


