‏إظهار الرسائل ذات التسميات فرانز كافكا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فرانز كافكا. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 18 مايو 2016

كافكا؛ من أجل أدب أقلاني: جيل دولوز وفيلكس غواتاري



ترجمة: حسين عجة


الفصل الأول: محتوى وتعبير

كيف يمكن الولوج في عمل كافكا؟ أنه جُذمور (rhizome)، أحفورة (un terrier). لرواية "القصر"  (Le Château) «مداخل مُتعددة» لا نعرف جيداً قوانين استعمالها وتوزيعها. ولفندق رواية "أمريكا" (Amérique) أبواب لا تعدّ ولا تُحصى، رئيسية وثانوية، يقوم بحراستها ما لا حصر له أيضاً من القيمين عليها، وهناك مداخل ومخارج بلا أبواب. ومع ذلك، يبدو أنه ليس لقصة الأحفورة (Terrier)، التي تحمل نفس الاسم، سوى مدخل واحد: أكثر ما يمكن قوله هو أنّ البهيمة تحلم بإمكانية وجود مدخل آخر، تقتصر خدمته على المراقبة (surveillance). بيد أنّ ذلك لا يُشكل إلاّ فخاً، من البهيمة، ومن كافكا نفسه؛ فكلّ توصيف الأحفورة مصنوعاً من أجل التحايل على العدو (ennemi). ندخل إذاً من أي طرف، فليس ثمة ما يُميّز أحدها عن الآخر، ولا يتمتع أي مدخل بأي امتياز، حتى وإنّ كان هذا بمثابة مأزق  (impasse) تقريباً، أو أخدود ضيق، بالوعة، الخ... ما سنبحث عنه يقتصر على معرفة النقاط الأخرى التي يَتصلُ بها ذلك المدخل الذي ولجنا عبره، وما هي خارطة الجذمور (la carte du rhizome)، وكيف سيتحور مباشرة إذا ما دخلنا من نقطة أخرى. إنّ مبدأ المداخل المُتعددةِ قائم فقط لمنع أقحام العدو، الدال (le Signifiant)، ومحاولات تأويل عمل لا يعرض نفسه إلاّ على التجريب (expérimentation). 
سنأخذ مدخلاً متواضعاً، مدخل رواية "القصر"، في صالة الفندق حيث يكتشف "ك" (K) صورة (le portrait) الحمّال برأسه المحني (tête penchée)، وذقنه الغائر في صدره. يُشكل هذان العنصران، الصورة المرسومة أو الفوتغرافية، والرأس المُنهك المنحني، لازمة دائمة في عمل كافكا، بدرجات متنوعة من الاستقلال. صورة الوالدين الفوتغرافية في رواية "أمريكا". بورتريه السيدة التي ترتدي معطفاً من الوبر في "المسخ" (la Métamorphose) [هنا، نجد الأم الواقعية برأسها المحني، والأب الواقعي منْ يحمل هوية الحمال]. غزارة البروتريهات والصور الفوتغرافية في رواية "المحاكمة" (le Procès)، انطلاقاً من غرفة الآنسة "بيريشتنر" (Bürstner) وحتى ورشة "تيتورلي" (Titoreli). يظهر الرأس المنحني الذي لا يمكن رفعه طيلة الوقت، في الرسائل، في الكراسات (Carnets) وفي اليوميات (le Journal)، وفي الروايات القصيرة (nouvelles)، وفي "المحاكمة" أيضاً حيث القضاة بظهرهم المعقوف إزاء السقف، وجزء من الحضور، الجلاد، القس... لا يمثل المدخل الذي اخترناه إذاً، مثلما يأمل المرء ذلك، مجرد رابط بأشياء أخرى قادمة. فهو ذاته قائم على رابط ذي شكلين يتمتعان باستقلالية نسبية، أي شكل المحتوى (la forme de contenu) "الرأس المُنحني"، وشكل التعبير (la forme d’expression)  "بورتريه-فوتغراف" اللذان يلتقيان في مطلع "القصر". نحن لا نؤل (nous n’interprétons pas). نحن نقول فقط أنّ ذلك الاتحاد يعمل بصفته إغلاق وظيفي (blocage fonctionnel)، تحيّيد (neutralisation) للرغبة التجريبية: الصورة الفوتغرافية التي لا يمكن لمسها، تخفيضها، المحرمة، والمؤطرة، والتي لم يعد بمقدروها التمتع إلاّ برؤيتها الخاصة لنفسها، كالرغبة الممنوعة من قبل القانون أو السقف، الرغبة الخانعة التي لم يعد بإمكانها سوى التمتع بخضوعها الخاص. والرغبة التي تفرض الخنوع أيضاً، وتنشره، رغبة القاضي الذي يدين بالحكم [كالأب الذي ينحني رأسه إلى حد بعيد في قصة "نطق الحكم" (Verdict) بحيث لا يستطيع الأبن إلاّ الركوع على ركبتيه]. ذكرى لطفولة أوديبية (oedipien)؟ الذكرى هي بورتريه للعائلة أو صورة فوتغرافية لعطلة الصيف، مع رجال منحني الرؤوس وسيدات بعنق مزين بشريط(1). إنه يردم الرغبة، يأخذ عنها نسخ (calques)، يسقطها على طبقات ((strates، ويقطعها عن كل روابطها. لكن ما الذي نأمله إذاً؟ إنه مأزق (impasse). من جانب آخر، من المفهوم أنّ يكون حتى المأزق أمراً جيداً، عندما يشكل جزء من جذمور (rhizome).

الأحد، 8 مايو 2016

رواية المحاكمة؛ الجميع مذنب: ميلان كونديرا



ترجمة: سعيد بوخليط


كافكا ورواية المحاكمة 
فرانز كافكا (1883-1924)، ولد في براغ وسط عائلة يهودية بورجوازية .أنهى، دراساته بالحصول على دكتوراه في القانون، ثم اشتغل في قطاع التأمين، لكنه سيكرس وقته الشاغر للكتابة .أنجز القسم الأكبر، من كتاباته باللغة الألمانية، لن تصدر إلا بعد وفاته، من بينها رواياته: أمريكا، المحاكمة، ثم القصر. على الرغم من رغبته التي أوصت، بحرق جميع مسوداته.
ترصد رواية "المحاكمة"، حكاية شخص اسمه "جوزيف ك" (joseph.K)، اعتقل ذات صباح، بسبب جريمة يجهلها ولا يعرف عنها شيئاً. بعد نهاية وقائع المحاكمة، سيقتل «مثل كلب».
نص روائي، يبدو للوهلة الأولى عبثياً، استمر دائماً في إثارة تأويلات جد متنوعة. قد يكون تبليغاً، عن لا-إنسانية البيروقراطية، وتحذيراً من التوتاليتارية، أو تعبيراً مجازياً عن مناهضة السامية .بين هذا وذاك، سيتم النظر أكثر لرواية ''المحاكمة" باعتبارها رافعة للمزاج العبثي، بل السوريالي.
بالنسبة لـ ميلان كونديرا، فـ "جوزيف ك" ليس بريئاً ولا متهماً. ما يفصح عنه كافكا، من خلال هذه النزوة "فوق-الواقعية"، أن "الشعور بالذنب"، يشكل جزءاً من الوضع البشري. 
     
جوزيف "ك"، بطل على غير المعتاد
تراكمت صفحات عديدة حول فرانز كافكا، مع ذلك، بقي [ربما بالضبط نتيجة لهذا الكم الهائل من الصفحات] الأقل فهماً من بين كل الكتاب الكبار المنتمين للقرن الماضي. المحاكمة، روايته الأكثر شهرة، شرع في كتابتها سنة 1914، بمعنى عشر سنوات بالضبط، قبل صدور أول بيان للسورياليين، لم يكن له أدنى فكرة عن هاجس يتجاوز الواقع، لكاتب مجهول يسمى كافكا، ستصدر رواياته بعد مرور فترة على وفاته.
من الواضح، أن رواياته تلك التي لا تشبه شيئاً، ستظهر بمثابة نصوص خارج روزنامة التاريخ الأدبي، متوارية داخل حيز ينتمي فقط إلى مؤلفه. مع ذلك، وبالرغم من هذا التفرد، فمستجداتها الجمالية، التي نضجت قبل موعدها، تعكس حدثاً لايمكنه إلا التأثير [ولو متأخراً] في تاريخ الرواية. بهذا الخصوص، أخبرني ذات مرة غابريل غارسيا ماركيز، قائلاً: «لقد جعلني كافكا، أفهم أن رواية ما، يمكننا كتابتها بكيفية أخرى».
اختبر كافكا أبطال رواياته، بطريقة خاصة جداً، مثلما يمكننا ملاحظة ذلك بوضوح في "المحاكمة": لم يقل كلمة واحدة عن المظهر الفيزيائي لـ"ك"، وحياته قبل وقائع الرواية، بل ولم يشر إلى اسمه، وجعلنا نكتفي منه بحرف واحد. في المقابل، سيركز كافكا كليّاً ابتداء من الفقرة الأولى وحتى نهاية العمل، على الوضعية الوجودية لشخصية "ك".
تشير رواية "المحاكمة"، إلى وضعية متهم. اتهام، تجلى أولاً بطريقة غريبة: شخصان عاديان جداً، يأتيان ذات صباح عند "ك" الذي لازال مستلقياً على سريره، كي يخبرانه عبر سجال ممتع حقيقة، أنه متهم وينبغي له أن يتوقع فيما يخص الاستقصاء حول حيثيات قضيته، فترة لن تكون هينة. سجال عبثي، بقدر عجائبيته، لذلك عندما قرأ كافكا هذا الفصل للمرة الأولى، على مسامع زملائه انتابتهم جميعا موجة من الضحك.
الجريمة والعقاب؟ آه لا، مفهوما ديستويفسكي، لامكان لهما هنا. وإن ظنها شراح كافكاويون، بمثابة التيمة الأساسية لرواية المحاكمة. ماكس برود، صديق كافكا الوفي، لم يكن له أدنى شك، بخصوص حضور خطأ مهول، يخفيه "ك"، معتقداً بأن الأخير، متهم بـ «العجز عن الحب».
بدوره، إدوارد غولدستوكر، كافكاوي آخر مشهور، يدين "ك": «لأنه سمح لحياته، الاتصاف بالميكانيكية والآلية، وجعلها بالتالي مستلبة»، فاعتدى على القاعدة: «التي خضعت لها البشرية قاطبة، وتقول لنا: كن إنساناً».
أيضاً، التأويل الأكثر تواتراً –وأضيف كذلك أكثر بلاهة- هو تفسير لـ كافكا مخالف تماماً، يستند على مرجعية تستحضر أورويل تحسب أن: "ك" اضطهد، قبل الآداب، من طرف مجرمي سلطة توتاليتارية، موقف جسده مثلاً الإخراج السينمائي للرواية، الذي قام به أورسون ويلز سنة 1962.
لكن "ك" ليس بريئاً ولا متهماً. إنه شخص يشعر بالذنب، وهو وضع مختلف جداً. عندما أتصفح المعجم، أجد أن فعل: "أذنب"، قد استعمل لأول مرة سنة 1946، أما وصف "شعور بالذنب"، فتأخر تداوله كثيراً وبالضبط انتظرنا إلى غاية 1968. النشأة المتأخرة، لهاته الكلمات، يؤكد أنها لم تكن مبتذلة: تفهمنا بأن كل شخص [إذا أمكنني أيضا التلاعب بالألفاظ الجديدة]، هو مذنب، وأن الإحساس بالذنب، يشكل جزءاً من الوضع الإنساني.