ترجمة:
حسين عجة
الفصل الأول: محتوى وتعبير
كيف يمكن الولوج في عمل كافكا؟ أنه جُذمور (rhizome)، أحفورة (un terrier).
لرواية "القصر" (Le Château) «مداخل مُتعددة» لا نعرف جيداً قوانين استعمالها
وتوزيعها. ولفندق رواية "أمريكا" (Amérique) أبواب
لا تعدّ ولا تُحصى، رئيسية وثانوية، يقوم بحراستها ما لا حصر له أيضاً من القيمين
عليها، وهناك مداخل ومخارج بلا أبواب. ومع ذلك، يبدو أنه ليس لقصة الأحفورة (Terrier)، التي تحمل نفس الاسم، سوى مدخل واحد: أكثر ما يمكن قوله هو أنّ
البهيمة تحلم بإمكانية وجود مدخل آخر، تقتصر خدمته على المراقبة (surveillance). بيد أنّ ذلك لا يُشكل إلاّ فخاً، من البهيمة، ومن كافكا
نفسه؛ فكلّ توصيف الأحفورة مصنوعاً من أجل التحايل على العدو (ennemi). ندخل إذاً من أي طرف، فليس ثمة ما يُميّز أحدها عن الآخر، ولا
يتمتع أي مدخل بأي امتياز، حتى وإنّ كان هذا
بمثابة مأزق (impasse)
تقريباً، أو أخدود ضيق، بالوعة، الخ... ما سنبحث عنه يقتصر على معرفة النقاط
الأخرى التي يَتصلُ بها ذلك المدخل الذي ولجنا عبره، وما هي خارطة الجذمور (la carte du rhizome)، وكيف سيتحور مباشرة إذا ما دخلنا من نقطة أخرى.
إنّ مبدأ المداخل المُتعددةِ قائم فقط لمنع أقحام العدو، الدال (le Signifiant)، ومحاولات تأويل عمل لا يعرض نفسه إلاّ على التجريب
(expérimentation).
سنأخذ مدخلاً متواضعاً، مدخل رواية "القصر"،
في صالة الفندق حيث يكتشف "ك" (K) صورة (le portrait) الحمّال برأسه المحني (tête
penchée)،
وذقنه الغائر في صدره. يُشكل هذان العنصران، الصورة المرسومة أو الفوتغرافية،
والرأس المُنهك المنحني، لازمة دائمة في عمل كافكا، بدرجات متنوعة من الاستقلال.
صورة الوالدين الفوتغرافية في رواية "أمريكا". بورتريه السيدة التي
ترتدي معطفاً من الوبر في "المسخ" (la Métamorphose) [هنا، نجد الأم الواقعية برأسها المحني، والأب الواقعي منْ يحمل
هوية الحمال]. غزارة البروتريهات والصور الفوتغرافية في رواية
"المحاكمة" (le Procès)، انطلاقاً من غرفة الآنسة "بيريشتنر" (Bürstner) وحتى ورشة "تيتورلي" (Titoreli).
يظهر الرأس المنحني الذي لا يمكن رفعه طيلة الوقت، في الرسائل، في الكراسات (Carnets) وفي اليوميات (le Journal)، وفي الروايات القصيرة (nouvelles)، وفي "المحاكمة" أيضاً حيث القضاة بظهرهم المعقوف إزاء
السقف، وجزء من الحضور، الجلاد، القس... لا يمثل المدخل الذي اخترناه إذاً، مثلما
يأمل المرء ذلك، مجرد رابط بأشياء أخرى قادمة. فهو ذاته قائم على رابط ذي شكلين
يتمتعان باستقلالية نسبية، أي شكل المحتوى (la forme de contenu) "الرأس المُنحني"، وشكل التعبير (la forme d’expression) "بورتريه-فوتغراف" اللذان يلتقيان في مطلع
"القصر". نحن لا نؤل (nous
n’interprétons pas). نحن نقول فقط أنّ ذلك الاتحاد يعمل بصفته إغلاق وظيفي (blocage fonctionnel)، تحيّيد (neutralisation) للرغبة التجريبية: الصورة
الفوتغرافية التي لا يمكن لمسها، تخفيضها، المحرمة، والمؤطرة، والتي لم يعد
بمقدروها التمتع إلاّ برؤيتها الخاصة لنفسها، كالرغبة الممنوعة من قبل القانون أو
السقف، الرغبة الخانعة التي لم يعد بإمكانها سوى التمتع بخضوعها الخاص. والرغبة
التي تفرض الخنوع أيضاً، وتنشره، رغبة القاضي الذي يدين بالحكم [كالأب الذي ينحني
رأسه إلى حد بعيد في قصة "نطق الحكم" (Verdict)
بحيث لا يستطيع الأبن إلاّ الركوع على ركبتيه]. ذكرى لطفولة أوديبية (oedipien)؟ الذكرى هي بورتريه للعائلة أو صورة فوتغرافية لعطلة الصيف، مع
رجال منحني الرؤوس وسيدات بعنق مزين بشريط(1). إنه يردم الرغبة، يأخذ عنها نسخ (calques)، يسقطها على طبقات ((strates، ويقطعها عن كل روابطها. لكن ما
الذي نأمله إذاً؟ إنه مأزق (impasse). من جانب آخر، من المفهوم أنّ
يكون حتى المأزق أمراً جيداً، عندما يشكل جزء من جذمور (rhizome).
