‏إظهار الرسائل ذات التسميات فاطمة المرنيسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فاطمة المرنيسي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 25 فبراير 2016

شهرزاد، شهريار، ألف ليلة وليلة: فاطمة المرنيسي



ترجمة : سعيد بوخليط

Frontispice de l'édition Bourdin des Mille et une nuits, 1840
شهرزاد، اسم امرأة شابة تحكي وقائع، تم تجميعها في عمل، سمي: ألف ليلة وليلة. لا نعرف الشيء الكثير عن أصل هاته الحكايات العجيبة، غير كون الرواة العموميون، قصد الترفيه عن المارة في بغداد القرن الوسيط، يروونها بالعربية، حتى وإن وجدنا أصلها من الهند إلى فارس.
ابن النديم، أحد المؤرخين العرب القدامى القلائل، الذين انتبهوا في ذلك الإبان (القرن 11) إلى تأثيرها على الحشد-كانت من القوة، مما حتم على شرطة الخليفة البدء في مراقبة الرواة- أثبت بأن «أول من أبدع تلك الحكايات (...) هم فرس الأسرة الحاكمة الأولى (...) ثم قام العرب بترجمتها. أشخاص يتوفرون على موهبة أدبية، أضافوا أخرى جديدة مع صقلهم للقديمة». فتح، حكايات "ألف ليلة وليلة"، يعني الدخول إلى عالم يجهل الحدود والاختلافات الثقافية، من الشاطئ الأطلسي إلى تخوم الصين. الفارسيون مثلاً، تحدثوا العربية وحكموا بلدانا غريبة عنهم.
"شهرزاد" لفظ عربي لكلمتين فارسيتين: شيهرا، ثم زاد، بمعنى "مولود نبيل". زوج السيدة الشابة، الملك شهريار، فارسي أيضاً. اسمه، تركيب لكلمتي شهر ودار، أي "صاحب المملكة". مع ذلك، تتوجه شهرزاد إلى زوجها بواسطة اللغة العربية كلغة أجنبية وليس الفارسية. وشهريار، يحكم شعباً، لم يكن مألوفاً بالنسبة إليه، حيث تمتد سلطته إلى «جزر الهند، والهند الصينية». بالرغم، من قدرتها على تجاوز الحدود الثقافية، تنهض الحكايات على عائق يستحيل تجاوزه: الاختلاف بين الأجناس. أكثر، من حاجز يفصل داخل الحكايات بين الرجال والنساء. إنه هاوية، والرابطة الوحيدة التي توحدهم، الحرب التي يستسلمون لها.
بالفعل، تنفتح "ألف ليلة وليلة" على حرب قاسية للأجناس، دراما مفعمة بالكراهية والدم، تنتهي مثل حكاية للجنيات، نتيجة المهارة الثاقبة لـ شهرزاد وتمكنها من فن التواصل.
تبدأ التراجيديا، بتاريخ ل شاهزمان أخ شهريار وملك "بلد سمرقند". حين عودته إلى قصره، سيكتشف الملك زوجته بين «أحضان طفل يشتغل في المطبخ». قتل العاشقان، ثم أخذ في معالجة ألمه بالسفر، ووصل على الفور إلى مملكة شهريار، البعيدة جداً عن مشهد الجريمة. ذات صباح جميل، يتمشى الحزين شاهزمان وسط حدائق حريم أخيه، فإذا به يلقي نظرة خاطفة: «كان يشكو مأساته، متجهاً بنظره نحو السماء ومسالك الحديقة. فجأة، شاهد انفتاح الباب الخاص لقصر أخيه. ثم ظهرت غزالة صاحبة عينين سوداويتين، إنها سيدة المكان زوجة أخيه. تتبعها عشرون خادمة، عشرة ذوي بشرة بيضاء وعشرة سود يجلسن ويتخلصن من ملابسهن. اكتشف إذن، بأن العبيد الذين تم إحصاؤهم، عشرة نساء بيض وعشرة رجال سود متنكرين في هيئة نساء. ارتمى العبيد السود فوق النساء البيض، وصاحت الملِكة: «مسعود  مسعود».  ظهر عبد أسود فوق الشجرة، قفز إلى الأرض، انقض عليها تم رفع رجليها وانغرز فيها، كي يمارس عليها الجنس. كان مسعود فوق الملِكة، بينما العبيد السود فوق العبيدات السوداوات، و ظلوا على هذا الوضع، إلى غاية منتصف النهار. بعد الانتهاء، استعاد العبيد العشرة ملابسهم، وأخذوا من جديد مظهر نساء سوداوات. قفز، مسعود من فوق سور الحديقة واختفى، بينما اندست الملِكة من الباب الخاص صحبة نسائها، ثم أغلقن الباب بعناية.
تضاف إلى جانب خيانة المرأة للرجل، خيانة العبد لسيده. على مستوى اللغة العربية، فإن جملة: «كان مسعود فوق السيدة  النبيلة (مسعود فوق الست)»، تختزل هذه الرابطة القدرية بين  الزوجة والعبد، التي هي جوهر الحريم كشكل للتراجيديا. تتحدد الخيانة، ببنية الحريم ذاته: إنها التراتبيات والموانع التي يشيدها الرجال، من أجل السيطرة على النساء اللواتي يحدثن العصيان، ويفرضن  قوانينهن. إن مرتكب الخيانة الزوجية، وهو يتصفح عمل "ألف ليلة وليلة"، سيفترض وهماً آخر، يوطد بعده التراجيدي: الموانع التي تقوم حول الحريم هشة وقابلة للاختراق: يكفي أن يتنكر الرجال في شكل نساء، كي يصيروا غير مرئيين.

الأحد، 7 فبراير 2016

فاطمة المرنيسي؛ عقل، بحجم عظمة امرأة: سعيد بوخليط




Fatima Mernissi, de Mustapha Saha
صبيحة يوم الاثنين 30 نونبر 2015، فتحت حاسوبي، قصد إلقاء نظرة سريعة على آخر المستجدات. عرجت، على العناوين الكبرى، لأحد المواقع الاليكترونية، بغتة رمقت، ما يلي: الساحة الثقافية تودع الكاتبة فاطمة المرنيسي. يا إلهي! لم أصدق، هكذا سقط الخبر، كنيزك ضخم. لماذا؟ كيف؟ لما؟ ما الموت؟ ما الحياة؟ لا حواشي. عند الساعة، الثانية عشر وخمس وأربعين دقيقة، شغلت التلفاز، كي أتابع النشرة الإخبارية للقناة الثانية المغربية: فعلاً، تأكد الخبر. سيدة من طينة المرنيسي، لم تعد بين ظهرانينا، إلى الأبد، ثم صمتت شهرزاد عن الكلام غير المباح.
انتقلت الكاميرا إلى منزلها، تحدثت إحدى جاراتها بعبارات متعبة ومتقطعة، والألم يعتصرها، على أن المرنيسي لم تكن كائناً عادياً، بالمفهوم الإيجابي للكلمة طبعاً، ثم دعت ودعا معها صوت المعلق بالرحمة لعالمة الاجتماع المغربية، بل العالمية، منهياً كلامه، بأنها ستدفن عصر ذلك اليوم.
هكذا، تغادريننا سيدتي، بهذه السرعة، سرعة زحف الضحالة علينا. مساء، عاودت الجلوس أمام حاسوبي، لمعاينة تفاصيل الجنازة: مأتم قزم جداً، لامرأة كبيرة، وتعاليق بلهاء تصغر الصغر حقارة، تراوحت بين الإنكار على النسوة الولوج إلى داخل المقبرة سافرات، ولايجدر بهن مرافقة المرحومة إلى مثواها الأخير! وأن كتابات المرنيسي تمردت على شريعة الله، لذلك فلتذهب للجحيم! أصدقهم إيماناً، أقروا صراحة بجهلهم الاسم! بعد يومين أو ثلاث، أطلق أحد شيوخ الـ ''سيلفي" (selfie) والنساء وهرطقات يوميات التآكل الفكري، نظرية علمية مفادها، أنه ربما تكرم كي يدعو للـ مرنيسي بالجنة، لو أعلنت توبتها! من يدعو لمن؟ من هو الكائن البشري، الذي يملك مفاتيح الجنة؟ تذكرت صكوك الغفران، خلال القرون الوسطى المظلمة! حتى العشرة المبشرين بالجنة، كما أخبرتنا كتب السير، تحلوا دائماً إلى غاية وفاتهم، بمسلك التواضع والتأهب، معلنين جهاراً، أنهم لايملكون لأمرهم وأمرنا شيئاً.
إذن، برحيل المرنيسي، يكون الفكر العربي المعاصر، في رافده النهضوي التحديثي، قد فَقَد إحدى لبناته المفصلية، ضمن قائمة ليست بالمتوفرة دائماً، أو السهلة التوضيب، لكنها نوعية وثمينة، يستحيل تعويضها لا آجلاً أو عاجلاً، نظراً لانتفاء المعطيات والشروط الموضوعية والذاتية، ولأن زمان المعرفة والأفكار والمشاريع الكبرى والقيم والمكابدة والتضحية والتفكير في الآخر والجدارة والاستحقاق والأصالة والمبدئية، قد ولى لصالح الجهل والأحداث والتفاهات والكلبية والسهل والوصولية والأنانية والتحايل والزيف والحربائية.
قومياً، تنتمي المرنيسي إلى سلالة المعتزلة وابن رشد وصوفية الحلاج وشعراء الحداثة خلال القرن الثاني الهجري، ورموز النهضة من قاسم أمين إلى محمد أركون، الذين انكبوا غاية الجنون: على جدليتي المعرفة والتقدم. أما مغربياً، فلا ريب، أنها من صفوة الرواد: محمد عزيز الحبابي، محمدعابد الجابري، عبد الله العروي، عبد الكبير الخطيبي، ادريس الشرايبي، أحمد الصفريوي، محمد خير الدين، عبد اللطيف اللعبي، إدمون عمران المليح، أبراهام السرفاتي، فريد بلكاهية، محمد جسوس، المهدي المنجرة، محمد بنيس. هكذا، يلاحظ أن المرنيسي، باحثة من العيار الثقيل، مثلت بقوة وريادة وبهاء وجدارة، الصوت النسائي.