«لقد رأيتك كغول الصّبيان، أو كالطّفل الخفر الباهت يسلك طريق
الذّنب، ثمّ يقف في طريقه مبهوتا، ينظر ما وراءه من براءة فاتت، وما أمامه من
شجرةٍ حرام تُغويه وعقاب أليم يخافه. فينهدّ عزمه ويجمد، فيقف دون غايته وقد حاد
عن نفسه وضلّ الطريق».
محمود المسعدي،
"السدّ"، الأعمال الكاملة: 1/106
التقى القائمون
في الميدان بالحشّاشين على غير موعد إثر هبّة مثيرة كانوا توقّعوا أن تأخذهم
أماما، بعيدا عن المضارب القديمة، فإذا بالحشّاشين يخرجون عليهم من تلابيب الوراء
وبردة المجد التّليد (يزعمون أنّها لم تفقد شيئا من بهرجها)، لم يذوقوا لها طعما
إلاّ في كوابيسهم وفجائعهم المتواترة، تطالعهم من حين إلى آخر بغزوة أو سريّة أو
فتح (يزعم الحشّاشون أنّها من سنن الجهاد الأصيلة) سرعان ما انقلبت إلى مجازر
وهزائم ومآتم أتت على الأخضر واليابس، وملأت الأفق حمما والقلوب حسرة وبؤسا.
صاح صائح
الحشّاشين بالبشرى على المنبر:
– إنّه
لفتح عظيم.
استشاط غراب
البطريق السّادن، واهتزّ في سدّته محنقا، وزلّ لسانه فهتف بازدراء:
– سحقا لهذه الجراثيم.
وكان البطريق
على كثب منه يترصّد سقطاته ويقوّم عوجه، فابتدره مؤنّبا:
– لا ينطق بهذه السّفاهة حكيم.
وافترتّ شفتاه
المتهدّلتان عن تكشيرة ازدراء، أيقن الغراب على إثرها أن لا قبل له بغصب ربّ المنبر، فاعتلى سدّته ركضا
وهمهم معتذرا:
– لا وجود بيننا لجراثيم، كلّنا إخوة في
الحقّ.
وأثلج صدره أن
سمع البطريق يعلّق على تراجعه بصوت هادئ رصين:
– الاعتراف بالذّنب
فضيلة.
أدرك الغراب
أنّه نجا. وانتظر أن ينصرف مستجوبه ليخلو إلى مرآته يتأمّل فيها نصره المؤزّر،
ولكنّ الصّحفي عاجله بسؤال أخلّ بتوازنه:
– هل تنوي يا فخامة
الصّولجان أن تلبس ربطة عنق؟
لم يفاجأ أحد لمرأى الغراب متعلّقا برقبة
مستجوبه يشبعه لثما. وقيل إنها سقطة أخرى تنضاف إلى سلسلة سقطات القابع في سدّة
اللّيث. وغلبت الحسرة الكثيرين على أمرهم وازدادوا يقينا أن الخشب غير الذّهب. وقد
كان اللّيث من الذّهب الإبريز، وكانت السدّة في عهده حصنا منيعا. وكان البغاث
لمّاعا كالدّراهم الزّيوف، ظلّت السدّة في عهده منيعة كما هي في عهد سلفه. وقد
أضحت اليوم زريبة يرتادها صبيان الحشّاشين وجحافل العيّارين من حماة
"الثورة"، والكذّابون والمدلّسون والمشعوذون ممّن أصابتهم لوثة القداسة
فتوهّموا أنهم بلسان الحقّ ينطقون.

