‏إظهار الرسائل ذات التسميات الماركيز دو ساد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الماركيز دو ساد. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 13 ديسمبر 2015

أصول التعذيب في الأدب: برناردت ج. هروود



ترجمة ممدوح عدوان

Sculpture by Olivier de Sagazan
في كل عام تظهر كمية هائلة من القصص التي تعالج، ولو جزئياً، الوحشية الجسدية. وعلى الرغم من أن السادية- المازوشية قد لا تكون في صلب الموضوع إلاّ أنها تكون متوفرة في نسبة كبيرة من القصص. وأحد الأدلّة على ذلك يبدو في عدد المبيعات الهائل لما يسمى مدرسة الكتابة البوليسية الواقعية. إن شعبية الملف الأدبي تعكس ذوق المجتمع. فالذين لا يستطيعون، لسبب أو لآخر، أن يخلقوا الجحيم الذي يتوقون إليه، يشبعون رغباتهم في العالم الخيالي للكتب وأفلام السينما والتلفزيون.
وكل من يستطيع القراءة هذه الأيام صار على صلة بكلمتي السادية والمازوشية. وما لا يعرفه إلا القلة أن كلاً من التعبيرين يمدّ جذوره العميقة في عالم الأدب. ولقد اشتقت الكلمتان من إسمي نبيلين أوربيين هما الكونت دوناتييه ألفونس فرانسوا دو ساد والفارس ليوبولدفون ساشر مازوش. ومن المستحيل البحث في الجوانب الأدبية للتعذيب دون التنقيب عن دو ساد الفرنسي وساشر- مازوش النمساوي وليس فقط أن كتاباتهما تمثل الحد الأقصى المتطرف من حالة شذوذ جنسي محدودة بل إن قصتي حياتهما الشخصيتين تساهمان في توضيح كيف أن اسميهما قد اندرجا بين التعبيرات العلاجية السريرية.
ولد الماركيز دو ساد في الثاني من حزيران عام 1740 في احدى أبرز العائلات في وسط النبلاء الفرنسي. ولد معه لقب ماركيز ثم ورث لقب الكونت بعد موت والده. إلا انه وقد كون شهرته قبل موت الأب فإن اللقب الأول أكثر شيوعاً. وكان عدد من أسلافه قد أرسوا مكانة متميزة للعائلة كرجال دين وأبطال عسكريين ورجال دولة. وما من شك أن أشهر أسلافه جدته ني القرن الرابع عشر لورا دونوف التي خلدها بترارك في شعره ثم أصبحت زوجة هيغو دوساد مؤسس العائلة.
قضى المركيز الصغير السنوات الأربع الأولى من حياته مع أمه، وهي ابنة أخ الدوق دوريشيليو سيء الصيت ووصيفة الأميرة دو كوندي من آل بوبورن. وأفسد دوناتيين، الطفل الجميل ذو الشعر الذهبي الطويل والعينين الزرقاوين الواسعتين والتفاصيل الدقيقة بالتدليل والملاطفة اللذين كان يجدهما عند كل من حوله. لم يكن ليمنع عنه أي وجه من وجوه الرفاه. ولما كان قد أظهر دلائل النجابة منذ أن كان في الرابعة فقد بدا يزعج من هم أكبر منه. وعلى الرغم من أنه كانت له ملامح ملاك إلاّ أن مزاجه كان شيطانياً. فحين لا يفعل ما يشاء يتحول إلى منطو حقود. وبكلماته هو كان «مغروراً متسلطاً سريع الغضب.»
إلاّ أنه لم يكن أمراً غير عادي أن تبرز هذه المواصفات في نبيل غرّ أيام لويس الخامس عشر؛ وبالنسبة لـ دو ساد فقد كانت المسألة كامنة في أنه أذكى ممن هم أكبر منه. وكان ذلك مفسداً ليافعي القرن الثامن عثر مثلما هو مفسد اليوم. ومع الأيام أرسل الغلام إلى المقر الريفي لعمه فرانسوا، وهو كاهن بحاثة هجر الحياة الدنيا في باريس وانقطع إلى الدراسة والتأمل. وهناك نمى الماركيز تعطشه للمعرفة وحبه للكتب. وحين أصبح  في العاشرة من عمره انخرط في الجزويت في( كلية لوي دوغراندا) في باريس.
وحين صار عمره أربعة عشر عاماً كان قد حصل على ثقافة عالية. تفوّق في اللاتينية واليونانية وتألق في المبارزة والمناقشة والتمثيل والفنون الجميلة وأسفر عن موهبة متميزة في الرسم والنحت. وفي ذلك الحين أيضاً غرق في الملذات الجنسية التي ميزت فرنسا القرن الثامن عشر ما قبل الثورة. وتحول إلى رحالة في دروب الجسد في فترة خدمته العسكرية ما بين 1754 و1963. ولقد قضى جزءاً من هذه الفترة العسكرية في ألمانيا حيث اشترك في حرب السبع سنوات. والجانب الوحيد الذي كان يستمتع به في حياته العسكرية هو الاستمتاع بالإجازات، وكان أفضلها ما يقضي في المباغي حيث كانت الممارسات الجنسية الغريبة تعمل على إثارة الشهوات المتخمة لدى الزبائن الأرستقراطيين.

الجمعة، 13 نوفمبر 2015

سـاد: جورج باتاي

ترجمة محمد عيد إبراهيم 
                                                                      
                                                                
وسط هذه الملحمة الملوكيّة نرى رأساً عاصفاً يومض، صدراً ثقيلاً يعبر مع البرق، الرجل القضيب، لمحة مهيبة ساخرة تلوي قسماته مثل تيتان(1) شبحيّ سامٍ؛ نحسّ برِجفة المطلق في الصفحات الملعونة، بأنفاس المثال العاصف بين هاتَين الشفتَين الحارقتَين. ادنُ قريباً فستسمع شرايين روح كلية، أوردةً متورّمة بدم قدسيّ تنبض في جثّة نازفة موحلة. مثل هذه البالوعة منقوعة في لازَوَرديّ، ثمة عنصرٌ نظيرُ إلهيّ بهذه المراحيض. سُكّ أّذنكَ عن قعقعة الحِراب وقصف المدافع؛ حوِّل عينكَ عن هذا المدّ الجوّال من الحرب، من الانتصارات أو الهزائم؛ فقد ترى شبحاً هائلاً ينفجرُ أمام الظلال؛ قد ترى قامةً رحبةً مشؤومة للماركيز دو ساد وهو يتبدّى فوق دهرٍ مخيطٍ بالنجوم.  
سوينبرن(2)

Depiction of the Marquis de Sade
 by H. Biberstein
لماذا زوّدتنا فترة الثورة بأمجادٍ من الفنون وعالمٍ من الرسائل؟ عنفٌ مسلّح منسجم بصعوبة مع ثراء الميدان الذي نستمتع به وقت السلام. تُبدي الصحفُ مصيرَ الإنسان بكلّ ما فيه من ذعر. هي البلدة نفسها، لا أبطال المآسي والروايات، تهب العقل رجفة مما تزوّدنا به من شخوص خيالية. أي رؤية فورية للحياة بائسة بالمقارنة مع تلك التي يفصّلها المؤرّخ بذكرياته وفنونه. لكن لو طبّقنا الشيء ذاته على الحبّ، الذي تقع حقيقته الجلية في الذكريات [كثيرة هي غراميات الأبطال الخرافيين، تبدو لنا عادةً حقيقيةً أكثر ممّا لدينا]، أَمِن الحقّ القول إن لحظة الحريق، حين يتكشّف منقوصاً بوعينا البليد، تستغرقنا كلياً؟ زمان التمرّد غير مرغوب فيه أساساً مع تطوّر الفنون. من اللمحة الأولى نرى الثورة فترة مجدبة في الأدب الفرنسيّ. ثمة استثناء واحد قد نقدّمه، لكنه يتعلّق برجل غير معتَرَف به ـ كان، وهو حيٌّ، ذا سُمعة، لكنها سُمعة سيئة: حالة ساد، فهو استثنائيّ جداً، يبدو أننا نؤكّد هذا الجدب بدلاً من إنكاره. 
لنبدأ فنقول إن الاعتراف بعبقرية ساد وجماليات ومغزى عمله مستَجدّ. وساهمت في ذلك كتابات جون بولون(3)، بيير كلوسوفسكي(4)، وموريس بلانشو(5). لم يحدث قبلها هذا الثناء الرائع الذي ساهم في تأسيسٍ بطيء بل أكيد لسُمعة ساد.  


ساد واقتحام الباستيل
ترتبط حياة ساد وأعماله واقعياً بحوادث تاريخية، لكن بأغرب طريقة ممكنة. فلم يكن الحسّ بالثورة من "معطيات" أفكاره، إن كان ثمة رابط كهذا بين العناصر المتفاوتة لشكله اللامنتهي ـ بين الدمار وبعض الصخور، أو بين الليل والصمت. وعلى رغم أن ملامح هذا الشكل تظلّ محيرة، إلا أن الوقت قد حان لتبيانها.  
لبعض الحوادث قيمة رمزية أكبر من اقتحام الباستيل. في الاحتفالية لإحياء ذكراها، يحسّ كثير من الفرنسيين بما يوحّدهم مع سيادة بلدهم وهم يشاهدون وشمَ مِشعلةٍ تتقدّم عبر الظلام. هذه السيادة الشعبية، وهي هائجة متمرّدة، صرخة لا تُقاوَم. وليس ثمة رمز احتفاليّ أفضل من التدمير المتمرّد لسَجن. الاحتفالية، كسيادة بالتحديد، هي جوهرُ إطلاق السراح، منه تتقدّم سيادة عنيدة. لكن، هل ينقص الحدث عنصر من المصادفة، هل تنقصه نزوة، لكيلا تكون له الأهمية ذاتها: ولهذا فهو رمزيّ، متباين عن الصيغة المجرّدة.   
يُقال إنه لم يكن لاقتحام الباستيل حقاً تلك الأهمية التي تُعزَى إليه. وهو أمر ممكن. فلم يكن في يوم 14 يوليو 1789 أيّ مساجين ذوات قيمة. وقد تأسّس الحدث من سوء تفاهم، سوء تفاهم، وفقاً لـ ساد، ابتدعه هو نفسه. ويمكن القول إن هذا العنصر الملتبس هو ما يمنح الواقعة بكاملها تلك النوعية العمياء، المجهولة نسبياً، من دون أن تكون أكثر من استجابةٍ لإملاءات الضرورة، كما يحدث في مصنع. لا تُنكر النزوة، أو المصادفة جزئياً الاهتمام الناشئ مع 14 يوليو، بل تمنحه أيضاً الاهتمام الطارئ.
حينما قرّر الناس أنه حدث سيرجّ العالم، إن لم يحرّره، كان أحد المحرَّرين المشؤومين في الباستيل هو مؤلّف "جوستين"، وهو الكتاب الذي يؤكّد لنا جون بولون في مقدمته أنه سيعرض أمامنا مسألة عويصة استغرقت حوالي قرن من الزمان للردّ عليها. سُجن ساد عشر سنوات وفي الباستيل منذ 1784. وهو أحد أكثر الناس تمرّداً وغضباً حين يتكلّم عن التمرّد والغضب، بإيجاز، هو وحش، مسكون بفكرة الحرية المستحيلة. أما مخطوطة "جوستين" فكانت في الباستيل حتى يوم 14 يوليو، لكن، مثلها كمخطوطة "120 يوماً في سدوم"، مهملة بزنزانة فارغة.
نعرف أن ساد كان يخاطب الحشود قبل يوم من الانتفاضة. يبدو أنه استغلّ الأنبوب المستعمل لصرف مياه المجاري كمكبّر صوت مدوٍّ، ومن بين أفعاله التحريضية الكثيرة كان هتافه عالياً بضرورة ذبح المساجين. وهو أمر متّسق مع الطبيعة التحريضية لحياته وأعماله كافّةً. لكن الرجل الذي يرزح تحت الأصفاد من عشر سنين كتجسيد غاضب منتظراً إطلاق سراحه من وقت طويل، لم تُطلق سراحه "غضبة" الدهماء. قد يحدث غالباً أن يسمح لنا الحلم بلمحة مكروبة عن إمكانية تامة تتكشّف في اللحظة الأخيرة جواباً محيّراً يُرضي رغبةً ساخطة. سُخط السجين يعيق إطلاق سراحه ثمانية أشهر. لقد طلب الحاكم نقل ساد، الذي كان متّفقاً بوضوح مع الثائرين. حين تحطّم المزلاج وملأ الدهماء الممرات، كانت زنزانته فارغة. تسبّب الهياج في فقدان المخطوطات المبعثرة من مؤلفّات الماركيز. 120 يوماً في سدوم، أول الكتب المعبّرة عن الغضب الحقيقيّ الذي كان يحمله وعليه أن يسيطر عليه ويكتمه، الكتاب الذي قد يُقال إنه سيهيمن على الكتب كافّةً، اختفى. وبدلاً من تحرير مؤلّفه، ضيّع الدهماء المخطوط الذي كان التعبير الأول عن الرعب الكامل من الحرية. 
كان 14 يوليو تحرراً عن حقّ، لكن بحسّ خفيّ من الحلم. ومع أنهم قد عثروا على المخطوط فيما بعد، ونُشر في عصرنا، إلا أن الماركيز نفسه سُلب منه. ظنّ أنه راح للأبد، مما ملأه باليأس. فكتب «هي أكبر محنة كانت السماء تجهّزها لي». ومات، من غير أن يعي أن ما فُقد بلا عودة سيصادفونه، فيما بعد، ويُنشر ضمن "آثار خالدة من الماضي". 

السبت، 16 مايو 2015

براهين ساد: موريس بلانشو

 ترجمة حسين عجة         
       

Sophie Sainrapt - Femme asiatique
       ظهرت قصة جوستين أو مآسي الفضيلة ثم أعقبتها قصة جولييت، أختها في عام 1797، في هولندا. سرعان ما شعر العالم بفزع من هذا العمل الضخم، المكوّن من أربع آلاف صفحة، والذي أعاد الكاتب كتابته أربع مرات وبالتالي توسّع حجمه؛ عمل متواصل ولا نهاية له. وإذا كان ثمّة من جحيم في المكتبات، فهو قائم في هذا الكتاب. كذلك يمكن القول إنه لم يتضمّن أدب أي زمان عملاً فضائحيّاً مثله، وليس هناك من مثيل له في تجريحه العميق لمشاعر وأفكار الناس. مَنْ الذي بمقدوره اليوم مضارعة ساد في إباحيته؟ أجل، يمكننا طرح ادعاء كهذا: لم يُكتب أبداً أي عمل أكثر فضائحية منه. ألا يشكل هذا مبرراً للاهتمام به؟ لدينا حظ اللقاء بعمل لم يوفق أيّ كاتب، في أية لحظة، في الذهاب بمغامرته أبعد منه؛ وهذا يعني أننا نمتلك بمعنى ما، وتحت إمرتنا تقريباً، مطلقاً حقيقياً (un véritable absolu)، في عالم لا يعير الأدب سوى اهتمام نسبي، ومع ذلك، لا نحاوره؟ ولا نتخيّل حتى مُساءلته عمّا يجعله غير قابل للتخطّي، وما العنصر الأشد تطرفاً فيه، الذي يجعله عصيّاً إلى الأبد على الإنسان؟ عدم اكتراث غريب. أو لن تكون الفضيحة خالصة إلا بفضل عدم الاكتراث هذا؟ فإذا ما تأمّلنا التدابير التي اتخذها التاريخ لجعل ساد لغزاً خارقاً، وإذا ما تخيّلنا الأعوام السبعة والعشرين التي قضاها في السجن، أي ذلك الوجود المُغلق والمُحرّمِ، حينما لا يطال الحبس حياة المرء وحسب، وإنما مجرد بقائه حتى، إلى حدّ يصبح فيه إخفاء عمله بمثابة الحكم عليه، وهو ما زال حيّاً، بالسجن الأبديّ، حينئذ يتساءل المرء إذا ما كان المراقبون والقضاة الذين أرادوا دفنه بين الجدران قد وضعوا أنفسهم بالأحرى في خدمة ساد، وبأنهم حقّقوا بهذا الأماني الكبرى لدعارته (son libertinage)، هو الذي طالما حلم بالعزلة في أحشاء الأرض، ضمن غرابة وجود تحت أرضيّ ومنزوٍ. لقد صاغ ساد، عبر عشر طرق، فكرة أن التجاوزات الكبرى للإنسان تقتضي السريّة، العتمة والهاوية، وكذلك عزلة زنزانة لا يمكن اختراقها. والحالة هذه، من الغرابة أن يصبح حرّاس الأخلاق أنفسهم، أي أولئك الذين حكموا عليه بالمنع، متواطئين مع أقوى أشكال اللاأخلاقية (immoralité). فأم زوجته، السيدة مونتري (Madame Montreuil) المحتشمةِ، التي حكمت على حياته بالسجن، قد جعلت من تلك الحياة عملاً رائعاً للعار (infamie) والفسوق (débauche). وإذا ما زالت جوستين وجولييت تبدوان لنا، بعد مرور العديد من الأعوام، الكتاب الأشدّ فضائحية الذي يمكن قراءته، فلأن قراءته مستحيلةً تقريباً، وكذلك لأن الكاتب، الناشرين، والأخلاق العامة (Morale universelle)، قد اتخذوا كلّ التدابير بغية أن يظل الكتاب سرياً، ولا يمكن قراءته (illisible) أبداً، لا يُقرأ بحكم سعته، تركيبه، تخمته ومن جانب صرامة توصيفاته وضراوة فحشه أيضاً، التي لا يمكنها سوى دفعه بعجالة نحو الجحيم. كتاب فضائحيّ، لأنه ليس بمقدور المرء الاقتراب منه، ولا يمكن لأحد جعله كتاباً شعبياً. لكنه كتاب يظهر أيضاً بأنه ليس ثمة من فضيحة، إذا لم يكن هناك إجلال (respect)، وحيثما تكون الفضيحة خارقة، يكون الإجلال في ذروته. منْ الذي يتمتع بإجلال أكبر من ساد؟ كم هو اليوم عدد أولئك الذين يعتقدون بعمق أنه يكفيهم الاحتفاظ بين أيديهم للحظات بذلك العمل الملعون (œuvre maudit) لكي يتحقق القول الغروريّ لـ روسو: كلّ فتاة تقرأ صفحة واحدة من ذلك الكتاب سوف تضيع؟ يشكل إجلالاً كهذا قطعاً كنزاً بالنسبة للأدب والحضارة. كذلك لا يمكن للمرء منع نفسه من الجهر بحذر لكلّ الناشرين والمعقبين في الحاضر والمستقبل عن الأمنية التالية: في ساد، احترموا على الأقل الفضيحة.

السبت، 9 مايو 2015

التجربة-الحد: موريس بلانشو


ترجمة: جورج أبي صالح
مراجعة: فريق مركز الإنماء القومي                                                                   

1
تأكيد الفكر السالب وشغفه

Gilles Berquet
ليُسمح لي، وأنا أفكّر في جورج باتاي، بالتأمل أمام غياب بدلاً من ادّعاء عرض ما يتعيّن على كلّ واحد أن يقرأه في كتبه. وهذه الكتب بالذات لا تشكّل إطلاقاً جزءاً صغيراً جداً من الحضور الغائب، ومجرّد أثر له. إنها تعبّر عن الأساس وهي أساسية. ليس فقط بجمالها وروعتها وقوتها الأدبية التي لا تضاهيها أية قوة أخرى، إنما بعلاقاتها مع البحث الذي تنمّ عنه. ومن المذهل حتى أن يكون فكر بمثل هذا التحرّر من التماسك الكُتُبي قد استطاع أن يتوكَّد إلى هذا الحدّ، دون أن يفضح نفسه، في أثر تحتفظ القراءة بالقدرة على بلوغه: شرط أن تتناوله ثانيةً في مجمل تعابيره وبإبقائها في الوسط، إلى جانب التجربة الداخلية، والمذنب، والجزء اللعين، الكتب التي نشرها باسم آخر غير اسمه، والتي لا مثيل لقوة حقيقتها: إنني أفكّر أولاً بـ السيدة إدواردا (Madame Edwarda) التي تكلَّمتُ عليها سابقاً مسمّياً إياها بضعف «أجمل رواية في عصرنا».
إن من شأن قراءةٍ كهذه أن تزيل النعوت التي نحاول بواسطتها أن نجعل ما نقرؤه مثيراً للاهتمام. بالتأكيد، إن الجمع بين كلمات الصوفية والشبق والإلحادية يسترعي الانتباه. فالتكلم على كاتب معاصر وكأنه إنسان دخل في حالة انخطاف وتصرَّفَ تصرفاً إلحادياً ومدح الفسق واستبدل المسيحية بالنيتشوية والنيتشوية بالهندوسية بعدما طاف حول السرّيالية [إني أختصر بعض التقارير السليمة النيّة] يعني تقديم الفكر في عرض مسرحي وخلق شخصية خسالية دون أقلِّ اهتمام بدقائق الحقيقة. من أين تأتي هذه الحاجة إلى عدم البحث عن الحقيقة إلاّ على مستوى الطرفة وبواسطة زيف الإثارة؟ بالطبع، إن كلاًّ منا –كما نعرف- مهدَّد بغوليمه (Golem)*، ذلك التمثال الصلصالي الغليظ، صُنونا الزائف الصنم الساخر الذي يجعلنا مرئيين والذي أتيح لنا، ونحن أحياء، أن نحتجّ عليه بكتمان حياتنا؛ لكن، إذا به يديمنا، وقد بتنا أمواتاً: كيف نمنعه من أن يجعل من اختفائنا، ولو كان الأكثر صمتاً، اللحظة التي يتعيَّن علينا فيها، وقد حُكم علينا بالظهور، أن نجيب بسرعة على الاستنطاق العام بالاعتراف بما لم نكُنْه؟ وأحياناً يكون أقرب أصدقائنا، ذوو النيّة السليمة بالتكلّم عنا وحتى لا يتخلّون عنا بسرعة زائدة عند غيابنا، هم الذين يساهمون في هذا التنكير الخيّر أو المؤذي الذي سيرانا فيه الغير من الآن فصاعداً. كلا، لا خلاص للأموات، الذين يموتون بعد أن يكونوا قد كتبوا، وأنا لم أميّز قط في الخلود الأكثر مجداً غير جحيم متكلّف حيث يظهر النقّاد –نحن كلّنا- بمظهر شياطين حقيرين.
لقد فكّرت في هذا طويلاً، ومازلت أفكّر فيه. لا أرى كيف يسعنا أن نستحضر بعبارات صحيحة فكراً بمثل هذا التطرف والحرية، إذا كنّا نكتفي بتكراره. ويصحّ هذا عموماً على كلّ شرح. فالشارح لا يكون أميناً عندما ينسخ بأمانة؛ فما يستشهد به، الكلمات والجُمَل، بفعل كونها مستشهداً بها، تغيّر المعنى وتتجمّد أو بالعكس تأخذ قيمة مفرطة الكبر. فالتعابير القوية جداً التي يجوز لجورج باتاي أن يستعملها تخصّه هو وتحتفظ، تحت سلطته، برزانتها؛ لكن، أن يحدث لنا أن نتكلّم بعده على يأس ورعب وانخطاف ونشوة، فلا يسعنا غير أن نشعر بخَرَقنا وأن نشعر أكثر بريائنا وتزويرنا. لا أقول إن استعمال لغة مختلفة تماماً، مجرّدة من هذه الكلمات الهادية، يقرّبنا أكثر من الحقيقة، لكن القراءة تبقى، على الأقل، سليمة في وفاقها الأكثر براءةً مع فكر مصون.
ضمن هذا المنظور، أعتقد أن عمل الخطاب المصاحب –وهو عمل يجب أن يميل إلى التواضع- سوف يقتصر على اقتراح نقطة يمكننا أن نسمع منها بوجه أفضل ما ستبرزه القراءة وحدها. ومع ذلك، يمكن أن تتغيّر هذه النقطة. لنبحثْ أين نأخذ مكاننا حتى لا تُعتبر التجربة-الحد، تلك التي سمّاها جورج باتاي «التجربة الداخلية» والتي يجذب إثباتها بحثه إلى نقطة ثقلها الأكبر، حتى لا تُعتبر بأنها ظاهرة غريبة، وفرادة عقل خارق، بل تحفظ لنا قوتها الاستجوابية. سوف أذكّر بإيجاز بما هو مقصود.

الثلاثاء، 27 يناير 2015

رسائل السجن: الماركيز دي ساد

ترجمة هيئة تحرير موقع الأوان

Man Ray,marquis de Sade
ولد الماركيز دي ساد نبيلاً عظيماً في عام 1740 وتوفّي بائساً فقيراً في مصحّة عقلية في عام 1814. تمتدّ حياته لتشمل العصر الذي حدثت فيه الثورة الفرنسية، وتوفّي في العام ذاته الذي تنازل فيه نابوليون عن الحكم، حين عادت الملكية إلى فرنسا من جديد. يقف دي ساد على تخوم العصور الحديثة، فهو يشرف على الماضي والحاضر، في فترة نوقشت فيها طبيعة الجوهر الإنساني بحرية، كما يحدث في عصرنا الراهن.
تعنى أعمال دي ساد بمناقشة طبيعة الحرية الجنسية، وتعتبر أعماله ذات أهمية خاصّة للنساء بسبب رفضه النظر إلى الجنسانية الأنثوية ضمن علاقتها مع الوظيفة التناسلية، رفضٌ كان مستهجناً في نهاية القرن الثامن عشر، كما هو مستهجن الآن، رغم أنّ وظيفة النساء ككائنات منجبة ما تزال قيد البحث في أيامنا هذه.
حكم على ساد بالسجن لمدّة أربعة عشر عاماً من دون محاكمة قبل أن تحرّره الثورة الفرنسية. في تلك الفترة كتب المئات من الرسائل لزوجته ولغيرها. الرسالة التي بين أيدينا شكوى تتردّد في جميع رسائله من الظلم الذي يزعم أنّه كان ضحيته، خصوصاً من حلقة أقاربه الذين كانوا يحرّضون القضاة والمحاكم على النيل منه.

الخميس، 22 يناير 2015

زَهْرَةُ الْقَسْطَلِ: الْمَارْكِيزْ دُو سَادْ

ترجمة: رشيد وحتي 


,Delphine Lebourgeois
Marquis de Sade,  Lumieres
زعَمُوا(*) — لَنْ أُؤَكِّدَ ذَلِكَ، رَغْمَ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يُقْنِعُونَنَا — أَنَّ لِزَهْرَةِ الْقَسْطَلِ، إِيْجَابًا، نَفْسَ رَائِحَةِ تِلْكَ النُّطْفَةِ الـمتَكَاثِرَةِ الَّتِي شَاءَتِ الطَّبِيعَةُ أَنْ تَضَعَهَا فِي الرَّجُلِ مِنْ أَجْلِ تَوَالُدِ أَمْثَالِهِ.
ذَاتَ يَوْمِ، كَانَتْ تَتَنـزهُ فَتَاةٌ — تُقَارِبُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ فِي عُمُرِهَا، وَلَمْ تُغَادِرْ قَطُّ بَيْتَ وَالِدَيْهَا — صُحْبَةَ أُمِّهَا، وَكَانَ رَاهِبٌ مِغْنَاجٌ فِي الـممْشَى الـمحَاطِ الْجُنُبَاتِ بِأَشْجَارِ قَسْطَلٍ تَعْبَقُ زُهُورُهَا بـرائِحَةٍ وِفْقَ الْإِحْسَاسِ الـمرِيبِ الَّذِي تَفَضَّلْنَا بِالتَّعْبِيـر عَنْهُ بِكَامِلِ الْحُرِّيَّةِ.
— يَا إِلَهِي، أُمَّاهُ، لِتِلْكَ الرَّائِحَةِ الْفَرِيدَةِ، قَالَتِ الْبِنْتُ لِأُمِّهَا، دُونَ أَنْ تَتَنَبَّهَ لِمَصْدَرِهَا.. أَتَتَشَمَّمِينَ، أُمَّاهُ.. ذِي رَائِحَةٌ أَعْرِفُهَا.
— صَهٍ إِذَنْ، آنِسَتِي، لَا تَقُولِي أَبَدًا أُمُورًا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، أَرْجُوكِ.
— وَلِمَاذَا إِذَنْ، أُمَّاهُ، لَا أَرَى مِنْ ضَيـر فِي أَنْ أَقُولَ لَكِ إِنَّ هَذِهِ الرَّائِحَةَ لَيْسَتْ غَرِيبَةً عَلَيَّ قَطُّ، وَبِكُلِّ تَأْكِيدٍ لَيْسَتْ غَرِيبَةً عَلَيَّ.
— وَلَكِنْ، آنِسَتِي..
— وَلَكِنْ، أُمَّاهُ، أَعْرِفُهَا، قُلْتُ لَكِ؛ سَيِّدِي الرَّاهِبُ، قُلْ لِي إِذَنْ، أَرْجُوكَ، أَيُّ ضَيـر فِي أَنْ أُؤَكِّدَ لِأُمِّي أَنِّي أَعْرِفُ هَذِهِ الرَّائِحَةَ بِالذَّاتِ.

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2014

الْوَصِيَّةُ: الْـمَارْكِيـزْ دُو سَادْ

تَرجمةُ وتَذْيِيل: رشيد وحتي

marquis de Sade. Coll Dumoutier. n° 529
أُسْنِدُ تَنْفِيذَ الْبُنُودِ الـمشَارِ إْلَيْهَا أَسْفَلُهُ لِتَقْوَى بُنُوَّتِي، رَاغِبًا فِي أَنْ يَتَصَرَّفَ مَعَهُمْ أَقْرِبَاؤُهُمْ كَمَا كَانُوا سَيَفْعَلُونَ مِثْلِي.

أَوَّلًا: أُعْرِبُ لِلْآنِسَةِ مَارِي كُوْنْسْطُنْسْ رُنِيلْ [Marie-Constance Renelle]، — زَوْجَةِ السَّيِّدِ بَالْطَازَارْ كِينِي [Balthasar Quesnet]، الَّذِي يُعْتَقَدُ أَنَّهُ مَاتَ — بِقَدْرِ مَا تَسْمَحُ لِي بِهِ قُدُرَاتِي الضَّعِيفَةُ، عَنْ بَالِغِ امْتِنَانِي لِلرِّعَايَةِ وَالصَّدَاقَةِ الصَّادِقَةِ الَّتَيْنِ غَمَرَتْنِي بِهِمَا مُنْذُ الْـ 25 أُغُسْطُسْ 1790 حَتَّى يَوْمَ وَفَاتِي، وَهِي مَشَاعِرُ عَبـرتْ عَنْهَا لَيْسَ فَقَطْ بـرقَّةٍ وَنُكْرَانٍ لِذَاتِهَا، بَلْ أَيْضًا بِأَشْجَعِ عَزِيمَةٍ، بِمَا أَنَّهَا تَحْتَ نِظَامِ الْإِرْهَابِ أَنْجَتْنِي مِنَ الـمقْصَلَةِ الثَّوْرِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ مُعَلَّقَةً، كَأَمْرٍ فِي غَاَيَةِ التَّأْكِيدِ، فَوْقَ رَأْسِي، كَمَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ ذَلِكَ. أَهَبُ إِذَنْ وُأُوْصِي، لِلْأَسْبَابِ الـمفَصَّلَةِ أَعْلَاهُ، لِلسَّيِّدَةِ الـمدْعُوَّةِ مَارِي كُوْنْسْطُنْسْ رُنِيلْ، حَرَمِ كِينِي، بِمَبْلَغٍ نَقْدِيٍّ زُهَاؤُهُ 24000 جُنَيْهًا مَسْكُوكًا فِي مَدِينَةِ تُورْ [Tours] وَمُتَدَاوَلًا فِي فَرَنْسَا خِلَالَ فَتـرةِ وَفَاتِي، مُبْتَغِيًا وَقَاصِدًا أَنْ يُجْتـزأَ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ أَكْثَرِ الـممْتَلَكَاتِ الَّتِي أَتـركُهَا تَحَرُّرًا وَبُعْدًا عَنِ النـزاعَاتِ الْعَائِلِيَّةِ، مُحَمِّلًا أَبْنَائِي مَسْؤُولِيَّةَ وَضْعِهِ، فِي أَجَلِ شَهْرٍ بَعْدَ يَوْمِ وَفَاتِي، لَدَى السَّيِّدِ فِينُو [Finot]، الـموَثِّقِ الْعَدْلِيِّ بِشَارُنْطُنْ-سَانْ مُورِيسْ [Cahrenton-Saint-Maurice]، الَّذِي أُعَيِّنُهُ، إِثْرَ هَذَا، مُنَفِّذًا لِوَصِيَّتِي، كَيْ يُسْتَعْمَلَ الْقَدْرُ الـمالِيُّ الـمشَارُ إِلَيْهِ، عَنْ طَرِيقِهِ، بَالطَّرِيقَةِ الْأَسْلَمِ وَالْأَنْضَجِ مِنْ طَرَفِ السَّيِّدَةِ كِينِي بِاعْتِبَارِهِ مَوْرِدًا كَافِيًا لِمْأْكَلِهَا وَرِعَايَتِهَا، مَوْرِدًا يُؤَدَّى لَهَا بِشَكْلٍ مَضْبُوطٍ وَعَلى حِصَصٍ دَوْرِيَّةِ، كُلَّ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، دُونَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِسْقَاطِهِ أَوْ حَجْبِهِ عَنْهَا مِنْ طَرَفِ أَيٍّ كَانَ. أَبْتَغِي أَيْضًا أَنْ يُحَوَّلَ مَبْلَغُ هَذَا الرِّيعِ لِشَارْلْ كِينِي [Charles Quesnet]، ابْنِ الـمدْعُوَّةِ السَّيِّدَةِ كِينِي، الَّذِي سَيَصِيـر وِفْقَ نَفْسِ الشُّرُوطِ حَائِزًا لِلْمَجْمُوعِ، فَقَطْ فِي حَالَةِ وَفَاةِ أُمِّهِ الـمحْتـرمَةِ. 
تَبَعًا لِهَذِهِ الْإِرَادَةِ الَّتِي أُعَبـر عَنْهَا هَا هُنَا بِخُصُوصِ الـميـراثِ الَّذِي أَتـركُهُ لِلسَّيِّدَةِ كِينِي، فِي حَالَةٍ غَيـر مُفْتـرضَةٍ سَيُحَاوِلُ فِيهَا أَبْنَائِي حَجْبَهُ أَوِ التـراجُعَ عَنْهُ، أَرْجُوهُمْ أَنْ يَتَذَكَّرُوا أَنَّ الـمدْعُوَّةَ السَّيِّدَةَ كِينِي كَانَتْ قَدْ وُعِدَتْ آنِفًا بِمَبْلَغٍ مُسَاوٍ تَقْرِيبًا عِرْفَانًا بِعِنَايَتِهَا بِوَالِدِهِمْ، وَأَنَّ تَصَرُّفِي هَذَا لَيْسَ إِلَّا تَطَابُقًا مَعَ نَوَايَاهُمُ الْأُوْلَى وَاسْتِبَاقًا لَهَا، أَقُولُ هَذَا دُونَ أَنْ تَتَسَرَّبَ إِلَى ذَاتِي أَيَّةُ شُكُوكٍ قَدْ تـزعِجُهَا وَلَوْ لِلَحْظَةٍ، خُصُوصًا عِنْدَمَا أُفَكِّرُ فِي فَضَائِلِ الْبُنُوَّةِ الَّتِي لَمْ تَكُفَّ أَبَدًا عَنْ طَبْعِهِمْ وَتَمْتِيعِهِمْ بِكُلِّ مَشَاعِرِي الْأَبَوِيَّةِ.

الأربعاء، 5 نوفمبر 2014

محاورة كاهن ومحتضر: الماركيز دو ساد

تقديم: عبد القادر الجنابي
ترجمة: سحبان أحمد مروة

"إنّ أكثر الناس تسامحاً لن ينفي حقّ العدالة في قمع الذين يجرؤون على نشر الإلحاد، وأن ينفي حقها حتى في إعدامهم إن لم تتمكن بطريقة أخرى من تخليص المجتمع منهم. إذا كان بإمكان هذه العدالة أن تعاقب من يسيء إلى شخص واحد، فلديها دون شكّ الحق نفسه في معاقبة الذين يسيئون إلى مجتمع بأكمله برفضهم أن ثمّ إله... شخص من هذا النوع يمكن النظر إليه عدوّاً لمجمل الآخرين"




Dolmancé et ses fantômes de luxure-CLOVIS TROUILLE
يعطي هذا المقطع الذي كان ديدرو ودالمبير بين موقّعيه فكرةً عمّا كان عليه القرن الثامن عشر، بالرغم من ادعائه التنويري وأفكاره الليبرالية من تزمت في الآراء وتصلب في المعتقدات حتى لدى فلاسفته الأكثر إدعاءً برفض الدين.
ماركيز دو ساد، نموذج الإباحية الشاملة والإلحاد الذي لا رجوع عنه، هو ابن هذا القرن؛ قرن التنوير المتواطئ.
عتّم على أدبه لمدّة قرنين، كان عليه أن ينتظر ظهور السوريالية حتى يزاح عنه الستار فها هي أعماله تذهل أندريه بروتون وغيّوم ابولينير الذي عرّف دو ساد بأنه "أكثر العقول حريّةً على الإطلاق". على أن الروح الحرّة هذه قضت معظم حياتها في السجن الذي دخلته لأول مرة عام 1763 لتمضي في ظلماته سبعاً وعشرين سنة من الحبس المتقطع، موزّعة على ثلاث أنظمة سياسية واحدى عشر سجناً، انتهت في مصحّ عقلي عند موت الماركيز عام 1814. عالم دو ساد، عالم السجن الذي فضل البقاء فيه على أن يتخلى عن أفكاره ورؤاه. إنه عالم مغلق وصفه بروتون بالحافز الآخر، عند ساد، لفائض الخيال، بعد الحافز الأول؛ العبقرية.
"حوار بين كاهن ومحتضر" نص لم يكتبه دو ساد على شكل مسرح، لكنّه أقرب ما يكون من المسرح. وبالفعل فالكتابة المسرحية عند دو ساد تبرز في نحوها الأمثل عندما لا يكتب المسرح. أتمّ دو ساد هذا النص الفلسفي في تموز (يوليو) 1782 خلال سجنه في فينسين. ولم يظهر له أثر إلا بعد قرن من تاريخه حيث بيع مرات عديدة ووصل أخيراً إلى يد السوريالي موريس هاينه الذي نشره للمرة الأولى عام 1926. وهو يجسد تكثيفاً لفلسفة دو ساد بأسلوبه الشامل الموجه، ويوضح موقف "السادية" إزاء الإجرام والتخريب اللذين تعتبرهما مساهمين ضروريين لتحقيق "الطبيعة" بالاضافة إلى قوى الخلق ويوضح النص ارتباط هذه القيم "السادية" المباشر بالالحاد وبنوع هذا الأخير منها. ويتضح فيه الفرق في نقد الدين ما بين دو ساد ونقّاد عصره وذلك في نفيه الجذري لوجود الله ورفضه "لطيبة الطبيعة": فها هو يسأل وكأنه ضمير الحياة الفعلية: «أنت يا مَن خلقت، فيما يُزعم، كلّ ما هو موجودٌ في هذا الكون؛ أنت يا مَن أجهلُ عنه كلَّ شيء؛ أنت يا مَن لا أعرفه إلاّ بالخبر وبما قاله لي عنك ناسٌ يخطئون كلّ يوم؛ أيّها الكائن العجيب الغريب الذي يسمّي الله، أُعلن بصريح العبارة وعلى رؤوس الأشهاد أنّ ليس لي فيك أدنى اعتقاد لسببٍ لا يضاهيه سببٌ هو أنّي لا أجد ما يقنعني بوجود مُحالٍ لا يبين عنه أيُّ شيء في الدنيا». وربّ سائل يسأل ما القيمة من شتم الله بعد تيقننا من عدم وجوده؟ «إن عبارات التجديف، يجيب دو ساد، ضرورة جوهرية تمدّ يد العون للمخيلة؛ هذه القوّة التي يُشك بها إلى أبعد الحدود الدعاة والاقتصاديون والاديولجيون وكلّ من يسعى إلى عرقلة النشاط الحرّ للفكر والمشاعر الجنسية. المخيلة هي التي تكشف لنا عن حدود الامكانيات وتغذي الرغبات بالأمل في اشباعها. إنّ سعادة الانسان كلّها تكمن في مخيلته ولا يمكنه تهنئة نفسه ما لم يلبّ سائر نزواتها. والتجديف هو الأداة الأولى»

الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

"من أعماق ضريحها.. أسمع أمّي تناديني" (رسائل): الماركيز دو ساد

تقديم وترجمة: تمام تلاوي

مقدمة المترجم
الماركيز دو ساد رسم Tris Darmon

لم تكن حياة الماركيز دو ساد أوفر حظاً من كتاباته، فكما عانت كتاباته من المصادرة والمنع والحرائق، عانت حياته من المصادرة والمنع والحرائق كذلك. ثمانية وعشرون عاماً من عمره قضاها الماركيز دو ساد خلف القضبان على مرحلتين. دامت المرحلة الأولى ثمانية عشر عاماً بين (1772ـ 1790) بعدما استعملت والدة زوجته السيدة دو مونترييل نفوذها وعلاقاتها وحيلها لزجه في سجن لم يبرحه حتى قيام الثورة الفرنسية، وخصوصاً في السنوات الثلاث عشرة الأخيرة منها، فيما تراوحت السنوات الخمس الأولى (1772ـ 1777) بين السجن والإقامة الجبرية والأحكام الغيابية والهرب. أمّا المرحلة الثانية فقد مثلت الأعوام العشر الأخيرة من حياته بين 1804ـ 1814 في مصحّ عقلي في شانتينون بعد أن أدين بالجنون وبكونه يشكل خطورة على المجتمع. وبالمقابل لم تكن حياة الماركيز دي ساد أقل جنوناً وحرية وخرقاً للمحظور من كتاباته. فقد خاض دو ساد، الذي ولد في 2 حزيران 1740 في قصر كوند بباريس، حياة شديدة التمرد ظهرت بوادرها منذ الطفولة عندما أعدّته أمه ليكون رفيق الأمير الصغير في كوند الذي يكبره بأربع سنوات لأجل حسابات خاصة تتعلق بطموحها للحصول على لقب الأميرة، فلم يكن من دو ساد سوى الاستخفاف بهذا الأمير وإهانته لينتهي الأمر بمشاجرة أدت إلى إرسال دو ساد ليعيش مع أقرباء له في بروفينس. إن الرسالتين اللتين أضعهما الآن بين يدي القارئ تمثلان جانباً آخر من جوانب شخصية الماركيز دو ساد بالغة التعقيد والعبقرية في آن، وهما تشيان ببعض مشاعره ومعاناته وأفكاره التي مرّ بها خلف القضبان في بداية سجنه الطويل عام 1777. ولعل أكثر ما يلفت النظر في رسائله بروز الهشاشة الإنسانية ومشاعر الأسى والإحساس العميق بالظلم، كما تبرز عاطفته الأبوية والإحساس بالذنب تجاه أبنائه، وغيرها من الاحتراقات التي عاناها في تلك المرحلة، والتي ربما يستغربها من لا يعرفه بشكل وثيق، خصوصاً وأن التصور المأخوذ عنه ككاتب جنسي خليع في الكتابة والحياة، وكشخص عديم الأخلاق، يناقض صورته الحقيقية كإنسان له مشاعره وأفكاره وأحزانه أيضاً. إن الدراسة الوثيقة لتاريخ هذا الشخص تظهر أنه كان شخصاً مهتماً بالفن والإبداع والفكر أولاً وقبل كل شيء. فناهيك عن رواياته الإباحية العظيمة، كتب دو ساد كثيراً في الفن والمسرح والدين والسياسة والرحلات، وأقصد بالأخيرة ما كتبه من انطباعات وأفكار حول البلدان التي كان يزورها ككتاباته حول إيطاليا مثلاً. كما أن قارئ رواياته سينتبه على الفور إلى إطلاعه الواسع، ليس على الآداب المحلية وحسب وإنما على الآداب الأخرى كالهندية والفارسية والعربية أيضاً، وسأفرد لهذا بحثاً مستقلاً لا مجال لخوضه الآن. تربّى ساد في كنف عمه، الأب دو ساد، في واحدة من مقاطعات آل ساد قرب سومين، في منزل ريفي ضخم مسوَّر ومجرد ومكتمل بما يشبه الزنزانة في داخله، هذا المكان الذي طالما ستعود إليه ذاكرة ساد وخيالاته عبر حياته. ثم أرسِل بعدها إلى باريس وتعلّم في مدرسة لويس لو غراند وسكن على الأرجح في منزل جاك آمبلت الذي كان وصياً عليه، والذي سيلتصق لاحقاً على نحو وثيق بأسرته. خدم ساد في الأسطول الملكي فشهد معارك ضارية في حرب الأعوام السبعة وكتب رسائل إلى والده متذمراً من الحرب ومن رؤسائه ورفاقه. وبعد أن وضعت معاهدة باريس للسلام نهاية لتلك الحرب، عاد ساد إلى باريس ليستمتع بالحفلات الراقصة ومصاحبة الممثلات، فيما كان أبوه يجري مفاوضات زواج ابنه مع عائلة مونترييل الثرية لكن المتدنية كطبقة اجتماعية. في ذلك الوقت يقيم ساد علاقة مع لور دي لوريس الفتاة الارستقراطية سليلة إحدى العائلات النبيلة، لكنه يهرب إلى أفيغنون بعد أن يكتشفهما والدها في قبو منزله. تزوج ساد من رينيه بيلاج دي مونترييل التي رآها للمرة الأولى قبل حفل الزفاف بيومين فقط وعاش مع عائلتها في باريس، لكنه لم يلبث أن استأنف أنشطته الماجنة في شقته السرية في ريو موفيتارد، حتى أوقعه حظه العاثر بين يدي جين تيستارد المومس التي تشكوه صبيحة اليوم التالي إلى البوليس بدعوى أنه حادثها بمواضيع مدنسة للمقدسات، لكنها أوضحت بالمقابل أنه لم يعتد عليها جسدياً ولم يؤذها إلا بحديثه وألفاظه المنافية للحشمة والدين. في عام 1772 أدين الماركيز دو ساد غيابياً بتهمتي القتل بالسم وممارسة الشذوذ الجنسي ليعتقل بعدها في سافوي بمساعدة والدة زوجته ويسجن في حصن ميولانس، لكنه يقوم في العام التالي بمحاولة قاتلة للهرب وينجح في ذلك ثم يختبئ حول لو كوست. لقد عاصر الماركيز دو ساد إرهاصات الثورة الفرنسية وما بعدها، وكان واحداً من الكتاب الذين أثروا وتأثروا بتلك المرحلة، لكنه ابتكر بالمقابل ثورته الخاصة التي طال أمدها أكثر من أي ثورة أخرى. فحتى عهد قريب كانت كتاباته ما تزال ممنوعة في فرنسا نفسها. فهو الذي تجرأ قبل أكثر من مائتي عام على الخوض في ما لا يجرؤ على خوضه أكثر كتاب بلادنا تمرداً في عصرنا هذا، عصر أفلام البورنو والقنوات الفضائية التي تعرض الجنس وتروّج للنساء كما يروج الدعاة لعقائدهم. وإن هذا الطبع الثوري لدى ساد لم يكن ناشئاً من عقد شخصية أو شهوانية فائضة كما يعتقد البعض، وإنما من ثقافة واسعة وتجربة حياتية بالغة الثراء. ولعل كثيرين لا يعلمون أن هذا الرجل عندما لم يجد مكاناً يستطيع أن يعرض عليه مسرحياته التي كان يؤلفها ويخرجها بنفسه، قام ببناء مسرح خاص على حسابه وأشرف على بنائه شخصياً في منزله الريفي في لو كوست صيف 1766، لكنه لم يستطع استخدامه بشكل فعلي حتى شتاء وربيع عام 1771 عندما جلب ممثلين محترفين ليقوموا بأداء مسرحياته، هو الذي كان مسجوناً قبل فترة وجيزة من ذلك بسبب دين لم يستطع سداده. وهذا لا يشي بالطبع إلا بعشقه الكبير للمسرح والفن وتفانيه في سبيل ما يؤمن به. لقد جلبت له كتاباته سيولاً جارفة من الانتقادات والاعتقالات والإدانة والمطاردة القاسية له ولكتبه، حتى توسلت مرة زوجته رينيه إلى السلطات عند اعتقاله عام 1778: لا تحاكموه على كتاباته بل حاكموه على أفعاله. وكان ساد يؤمن أن كتاباته يساء فهمها تماماً بقدر ما كان يؤمن بأفكاره وفنه، من أجل هذا ربما سنلمح في الرسالة الثانية التي أعرضها تالياً حرصه على توضيح مقاصده والتنظير لما يكتب، حين يخبر زوجته أنه قد أنجز بحثين لتسهيل دراسة أعماله من قبل المهتمين والدارسين. أعتقد حقيقة أن زوجته رينيه ـ التي أنجبت منه ولدين هما لويس ماري ودوناتين كلود أرماند، وبنتا واحدة هي مادلين لور ـ كانت واحدة من بين القلائل الذين استطاعوا ملامسة أعماق هذا الكائن الغريب وفهمه ومعرفته حق المعرفة. فهذه الزوجه، التي خانها مع عشرات النسوة لا ابتداءً بخادماتها ولا انتهاءً بأختها آن بروسبير، لم تنقطع يوماً عن مساعدته والوقوف إلى جانبه في محنه ومسامحته في أي وقت يطلب فيه المغفرة عائداً من خياناته. فهي التي كانت ترسل له في سجنه الطعام والثياب والكتب، وهي التي تنقلت معه في تنقلاته من باريس إلى منزله في لوكوست ومن لوكوست إلى باريس، وهي التي ناشدت السلطات كما أسلفنا من أجل الترفق به، وهي التي استقبلته مرة عائداً إليها بخمس خادمات شابات وشاب خدموا واحدة من نزواته الكثيرة، كما جاءها مرة أخرى أيضاً إلى منزله في لوكوست بعدة شابات غادرنه جميعاً عدا كاترين تريل التي رفضت تركه بالرغم من قدوم والدها لاستعادتها، فما كان منه إلا أن أطلق النار على دو ساد دون أن يصيبه، وهي الفتاة التي سيسمّيها دو ساد فيما بعد باسم "جوستين" وسيكتب من وحيها روايته الشهيرة التي أطلق عليها نفس الاسم. وجوستين هي "المرأة القادرة على إفساد الشيطان نفسه" كما يصفها دو ساد الذي كان ينكر وجود الشيطان أصلاً كمخلوق، والذي كانت فلسفته الإلحادية هنا قائمة برأيي على مفهوم شديد البساطة والتطرف في آن: "إن كنت مولعاً بالأذى فهذا لأن الطبيعة أرادت منك أن تكون مؤذياً، وإن لم تفعل ذلك فستكون مؤذياً فعلاً"! إن الرسائل التي بين يديّ والتي كتبها في سجنه: "هذا القبر حيث يريدون أن يدفنوني حياً"، هي في معظمها من دو ساد إلى زوجته، ومن زوجته إليه، ومنه إلى والدة زوجته، ومنه إلى الآنسة دي روزيت. وهذه الأخيرة هي فتاة ذكية وخفيفة الظل كانت تعمل كمدبرة منزل، وكان دو ساد قد تعرّف إليها خلال فترة اختبائه حول لو كوست في يوليو عام 1778، وذلك عندما هرب أثناء سوقه إلى فينسيس من بين يدي فرقة البوليس بقيادة المفتش مارياس ـ عميل حماته ـ الذي له معه قصة طويلة ومثيرة جداً من الاعتقالات والهرب والتحدي المتبادل. وقد اخترت من هذه الرسائل اثنتين هما الأقدم من حيث التأريخ، لا لشيء سوى لتمثيل بعض مشاعره وقتها ولبعض الخصائص الأسلوبية والفكرية لهذا الكاتب الحر والمتناقض لدرجة الجنون، الذي يكتب كما يفكر تماماً، بنفس الحرية باختيار المفردات، وبنفس الجرأة على قول الألفاظ وعلى السخرية، وبنفس الكيفية التي يطيل بها الجمل أو يقصرها أو يستخدم الجمل الاعتراضية على هواه، فقط ليكمل البلاغة بالسحر أو السحر بالبلاغة. لقد كتب متمرداً ومحرضاً على التمرد تماماً كما عاش، هذا الذي صرخ ذات يوم من نافذة زنزانته في الباستيل، عندما كانت حشود من المتظاهرين متجمهرة بجوار السجن، مستخدماً الأنابيب ذاتها التي كانت تستعمل للتبوّل كمكبّر للصوت: أيها الناس إن السجناء يُذبَحون في الداخل.. تعالوا لإنقاذهم..

I. من الماركيز دو ساد إلى السيدة دو مونترييل (والدة زوجته) نهاية شباط 1777
من بين جميع أساليب الانتقام والوحشية التي يمكن اختيارها، اعترفي يا سيدتي، أنكِ اخترتِ بالفعل أشدها قسوة وبشاعة. تعالي إلى باريس كي تري بعينيك حسرات والدتي الأخيرة، تعالي لا لشيء سوى لرؤيتها ومعانقتها، هذا إن كانت ما تزال على قيد الحياة، وإن لم تكن كذلك فللبكاء تعالي.. تلك هي اللحظة المناسبة التي يمكنكِ اختيارها لتجعلي مني ضحيتك مرة أخرى. يا لحسرتي، لقد سألتكِ في رسالتي الأولى عما إذا كنت سأجد فيك أمي الثانية أم الطاغية؟. فلم تتركيني في حيرتي طويلاً.. أمن أجل هذا مسحتُ لكِ دموعكِ عندما فقدتِ أباً تحبينه؟ ألم تري كيف كان قلبي وقتها شاعراً بمعاناتك وكأنها معاناتي؟ تراني أتيت إلى باريس لكي أتحداك أو حاملاً بعض المكائد كي يتحتم عليكِ إبقائي بعيداً عنك!.. لقد كان هدفي الثاني بعد الاهتمام بوالدتي هو لتهدئتك فقط وللمضيّ معك قدماً ـ في لجوئي إليك ـ لكي أقبل بكل الخيارات التي تلائمك والتي قد توصين بها. وبغض النظر عن رسائلي، ألم يتوجب على آمبلت ـ الذي لا أثق به ـ أن يخبرك بذلك. لكن الصديق الخائن اتحد معك من أجل خداعي وتدميري، وكلاكما نجح بهذا تماماً. لقد أخبروني أثناء جلبي إلى هنا، أن احتجازي كان ضرورياً من أجل تنظيم عملية لجوئي. فهل كان لي، بالاستناد إلى مقاييس الوفاء بالعهود، أن أخدع بهذه الأحابيل؟ هل أنجزتِ أقل ما يمكن عمله عندما استعملتِ ذات الأحابيل في سافوي؟ وهل قدم تغييبي تلك السنة أقل تحسن؟ أليس من الواضح إذن أن ما تريدينه هو تدميري الكلي وليس إصلاحي؟ أحاول أن أصدّقك لوهلة في أن الرسالة المختومة كانت أمراً لا مناص منه لتجنيبي المزيد من الأفعال الداعية للأسف، لكن هل كان واجباً أن يكون بتلك القسوة وعلى ذلك القدر من الوحشية؟ ألم يكن كافياً إصدار أمر بنفيي من المملكة ليفي بالغرض؟ ألم أكن سأمتثل بنفس الدقة الصارمة عندما أتيتُ طواعية ووضعتُ نفسي بين يديكِ مخضعاً نفسي لجميع متطلباتك؟ كنتُ قد كتبتُ إليكِ من بوردو أن ترسلي لي بعض النقود لكي أتمكن من السفر إلى إسبانيا، فرفضتِ إعطائي أي شيء. لقد كان هذا دليلاً قاطعاً على أن إبعادي ليس هو ما تريدينه وإنما سجني.. وكلما استرجعتُ تلك الأحداث ازددتُ قناعة أنه لم يكن لك نيّة أخرى....لكنني مخطئ يا سيدتي،فقد أخبرني آمبلت بشيء آخر، وهو ما آمل أن يحدث. لقد أخبرني يا سيدتي أن شهادة وفاتي هي الوثيقة الأكثر ملاءمة بالنسبة لك والتي لا مفر منها للتعجيل بوضع نهاية لهذه المسألة المشؤومة. نعم يجب أن تمتليكها يا سيدتي، وأقسم لك أنك ستمتلكينها قبل أن يمر وقت طويل.وباعتباري لن أطيل عمر رسائلي بسبب المصاعب في كتابتها، وعدم نفعها معك، فإن هذه الرسالة ستتضمن أفكاري النهائية، وكوني واثقة من ذلك. إن حالتي المروّعة هذه، كما تعلمين، لا يمكن لها بحال من الأحوال أن تمكنني من احتمال البقاء ـ لا جسدياً ولا عقلياً ـ في سجن موصد. وكما تعلمين أيضاً أنني، في سجن أكثر رفاهية من هذا، خاطرت بحياتي من أجل الهرب. وكوني محروماً هنا من خيار كهذا فلم يبقَ لي سوى أن أقوم بأمر واحد، وهو بلا شك الأمر الذي لا يمكن لأحد حرماني منه.. من أعماق ضريحها أسمع أمي العاثرة الحظ تناديني.. لكأنني أراها فاتحة لي ذراعيها مرة أخرى لأدخل ثانية في الملاذ الوحيد المتبقي لي، فإن ما يجلب لي الراحة هو أن أتبعها قريباً. وإنني أسألك معروفاً أخيراً يا سيدتي هو أن تدفنوني إلى جانبها.لكن أمراً واحداً فقط يثنيني عن ذلك، إنها نقطة ضعفي، والأمر الذي لا بد لي من الاعتراف لك به: إنني لطالما أردت رؤية أطفالي. لقد كنت أعددت نفسي لسعادة غامرة بعناقهم، وذلك بعد التقائي بك. وإن محنتي الجديدة لم تستطع أبداً أن تمحو هذه الأمنية التي يبدو أنني سأحملها معي إلى قبري.. أوصيكِ بهم يا سيدتي.. أحبّيهم ولو كرهتِ والدَهم، واهتمي بتعليمهم فذلك سيحفظهم في إهمالي لهم ـ إن صح ذلك ـ الذي نجم عن محنتي.لو كانوا يعلمون بمصيري المحزن، لرمتْ بهم قلوبهم الوديعة كأمّهم على ركبتيك، ولارتفعتْ حتماً أيديهم البريئة نحوكِ لاستجدائك. إن حبّي لهم هو ما يبعث فيّ هذه الصورة المأسوية التي لن تجدي نفعاً، ولذا فإنني سرعان ما أقوم بمحوها من مخيلتي لما تسببه لي من الألم الرهيب، في وقت كل ما أحتاجه فيه هو الثبات.وداعاً يا سيدتي..

II. من دو ساد إلى زوجته تموز 1777
لا أشكّ أبداً أن أمّكِ الآن تقوم مرة أخرى بارتكاب غدر حقير بي، عن طريق القاضي الذي استخدمته ليقنعني أن حريتي لن تجيء إلا من إذعاني الكامل للنزوات الهدامة تلك التي تعرفينها جيداً. لا أدري ما هو ذلك الانتصار الذي تجنيه بواسطة التهديدات والإجبار. إن ما أمكنها أن تحصل عليه بتلك الطريقة، كان لي أن أرى إعطاءها إياه واجباً عليّ لو أن ذلك تم بإرادتي المطلقة، بالطريقة ذاتها التي أخذتْ بها من قبل إقراري بالجميل!إن امرأة تملك كل هذا الذكاء ـ كما يقول الأب دو ساد ـ لا تدرك حقيقة أن أي توقيع يؤخذ في السجن لا يستحق قيمة الورق المكتوب عليه، وبالتالي فإن التراجع عن العقد الذي يعقده المرء شريطة تحريره من السجن لن يكون في النهاية إلا مخيباً لآمال أولئك الميالين إلى الإساءة بقدر ما هم متطلبون لها، ولن يجنوا في النهاية سوى الخزي. كم كان من الأفضل لها أن يتم التراضي بلا شروط، لقد كانت بذلك ستدفعني على فعل كل شيء دون إكراه. لكن هذا يتضمن لياقة السلوك والحساسية، الأمرين اللذين لم تزوَّد بالمقدره على فهمهما: إن هاتين الكلمتين غير موجدتين في قاموسها.على كل حال فما دام قد حصل ما حصل، فإن الاحترام الذي أكنّه للمفاوض الذي أساءت استخدامه سيجعلني أفعل ما بوسعي، لكن من المحتمل جداً أن ذلك الذي بوسعي فعله ليس كل ذلك الذي تتطلبه، وربما تجهلين تماماً بعض ما قد فعلته في هذا الشأن. عليك يا سيدتي أن تكوني على قناعة بأني لن أكون ذلك الأبله الذي يخدع بمثل هذه الحيل الساذجة والمثيرة للسخرية وبمثل هذه الأكاذيب والخدع التي اعتدتم استخدامها ضدي، لن تخدعوني لا أنتِ ولا أحد من أقاربك أو من حلفائهم الفاتنين.لقد أنجزتُ مؤخرا كتابة نشرتين من أجل تسهيل البحوث الثقافية للدارسين والنقاد والناشرين لكتاباتي، وبذلك سيكونون قادرين على الالتقاط والاختيار.لا شيء باستطاعته أن يصف لك معاناتي بعدما أُحبِط أملي اليقينيّ بمغادرة هذا المكان في أواخر حزيران، لا شك أن مكوثي هنا قد طال بما يكفي.. يا إلهي الرحيم، ما الذي يُدبّر الآن لي؟ هل يريدون بسلوكهم البغيض أن يدفنوني هنا طيلة حياتي؟ اسمعيني الآن للمرة الأخيرة، وإذا لم تجيبيني على هذه المسألة فإني أقسم لك أنك لن تسمعي مني كلمة أخرى على الإطلاق، وعندما سأغادر هذا المكان فإني سأهجرك إلى الأبد. أجيبيني بوضوح: الرقم ثلاثة المكتوب على غير العادة بحبر خفي في رسالتك الثالثة المؤرخة في 23 أيار، هل كان يشير إلى شيء ما؟ نعم أم لا؟ إن كان يشير إلى شيء فأخبريني في نهاية رسالتك القادمة بالحبر الخفي فأنا كما تعلمين شريكك الذكي، وإن كانت لا تعني شيئا فقولي إنني مجنون. إن لديك طريقة ملغزة، وملائمة تماماً لشخصيتك، التي سترشدني الى ما أتساءل حوله، والتي بالتأكيد لن تعرضك للشبهة في أي حال من الأحوال. كوني مطمئنة أنك لو أخبرتني فلن أتنفس بكلمة من ذلك، ولن أكون الشخص الذي يفسد الأمور ويعرضك للخطر.وداعاً الآن، أرجو أن تطمئنيني حول ما سألتك عنه، لقد أصبحت بحاجة ماسة إلى ذلك بعد ما أعانيه هنا هذه الأيام. ولا تحاولي أن تقولي لي أنك لم تستلمي هذه الرسالة لأني أعلم أنها تصلك جميعها، وإن قلت ذلك فلأنك لا تريدين أن تجيبي على ما تحتويه. وعلاوة على هذا فإني أكتب هذا بشكل شديد البلاهة بالأسود والأبيض وبالتالي فسوف تصلك بالتأكيد.إذا أجبت طلبي فسأكون ممتناً لك يا حبّي الأعز.


المستقبل -ملحق نوافذ- الاحد 1 تشرين الأول 2006

الأربعاء، 20 أغسطس 2014

موت السيدة فيركـان: الماركيز دو ساد

جمجمة الماركيز دو ساد كما رسمها Dominic Murphy


... قبل أقل من خمسة عشر يوما توصلت برسالة من السيدة فيركان تتوسل فيها إلي كي أزورها، وتبلغني أنها ستسعد كثيرا بلقائي من جديد، فسافرت إليها. لكن أية حالة وجدتها فيها يا إلهي! وأية لذة ذقت طعمها وإياها يا إلهي! فقد ألفيتها على فراش الموت لما وصلتُ، لكن من أين كان لي أن أعرف ذلك يا إلهي!
فقبل أسبوعين فقط كانت قد كتبت إلي رسالة... قبل أسبوعين فقط حدثتني عن ملذاتها الآنية ومباهجها الآتية. ها هي إذن حقيقة مشاريع البشر الفانين. فما أن يوشكوا على الانتهاء من تشييد قصورها وولوج غمرة قطف ملذاتها غير مبالين بهذه اللحظة القدرية، ومتصرفين كما لو كانوا في الحياة خالدين، ما أن يوشكوا على ذلك حتى يأتي الموت القاسي ليقطع حبل وجودهم فيتلاشون في سحاب الخلود الغامض غير واثقين من المصير الذي ينتظرهم.
واسمح لي يا سيدي أن أتوقف لحظة عن حكي مغامراتي لأحدثك عن ذلك الفقدان وأصور لك أية رواقية مرعبة رافقت تلك المرأة إلى القبر.
لم تكن السيدة فيركان شابة آنذاك. فقد كانت كبرت وصارت سيدة ذات اثنين وخمسون عاما. ومع ذلك، فإنها لم تتورع عن القيام بنزهة في منتهى الجنون بالنسبة لامرأة في مثل سنها. وبعد النزهة مباشرة ارتمت في الماء كي تتبرد، فأحست بألم شديد نقلت على إثره إلى منزلها وهي في حالة يرثى لها. في اليوم الموالي ظهر التواء في صدرها، وفي السادس أخبرها الطبيب بأنه لم يبق لها في الحياة سوى أربع وعشرين ساعة تقريبا. إنها لم تبد أي فزع وارتياع أمام ذلك النبأ...
كانت على علم بأنني سأصل في الليلة التي ستموت فيها – حسب قول الطبيب – فأوصت باستقبالي. ولما وصلت وجدتها داخل غرفة مفروشة بمنتهى الأناقة والجمال. كانت ممدودة فوق سرير ما يكاد الرائي ينظر إليه حتى تستيقظ شهوته وتهيج، وكانت أكاليل من الزهور الطبيعية ترفع على نحو عجيب ستائره المزدانة بدوائر ليلكية كبرى، وكانت باقات من القرنفل والياسمين والدرنيات تزين جميع أنحاء بيتها، إذ عمدت إلى انتزاع بتلاتها في حوض أزهار وغمرت بها غرفتها وغطت بها سريرها. وبمجرد ما رأتني مدت إلي يدها وقالت:
- اقتربي يا فلورفيل وقبليني وأنا على سريري الزهوري... كم صرت كبيرة وجميلة...، آه يا إلهي! كم أنجحتك الفضيلة يا ابنتي... لقد قالوا لك إني سأموت... وأنا أيضا على علم بذلك... نعم، بعد ساعات قليلة سأموت، وما كنت لأصدق أنني سأحظى برؤيتك من جديد ولو لوقت قصير...
رأت عيني تمتلئان دمعا، فقالت لي:
-  كفى أيتها الحمقاء. لا تتصرفي مثل طفلة... أتظنين أنني تعسة جدا؟ ألم أتلذذ وأستمتع كباقي جميع نساء العالم؟ إنني ما خسرت إلا تلك الأعوام التي مضت دون أن أنعم فيها بطيب المتع والملذات، إذ ماذا ربحت عوضا عنها؟ وفي الحقيقة إني لست متحسرة إطلاقا على كون العمر لم يمتد بي إلى الشيخوخة. فلو بقيت حية بضع سنوات أخرى لصرتُ ذميمة لا أثير شهوة أي رجل، ولصرت أبعث على التقزز والاشمئزاز، وهذا ما حرصت على تجنبه في كل يوم من أيام حياتي. إن الموت يا بنيتي لا يخشاه إلا أولئك الذين يؤمنون دائما بالجحيم والجنة وهم غير متحققين من أي منهما سيفتح لهم. وقلق ذلك يدمرهم. أما أنا التي لا أتمنى أي شيء، أما أنا التي لي اليقين التام بأنني لن أكون بعد موتي أكثر شقاء ممّا كنت عليه في حياتي، فسأنام بين أحضان الطبيعة مطمئنة، بلا أسف ولا ألم، ولا قلق، لقد طلبت منهم أن يجعلوني في مهدي الياسميني، وها هم شرعوا في إعداد مكاني فيه. بعد قليل سأكون بداخله يا فلورفيل، والذرات التي ستنبعث من هذا الجسد المحطم ستصير غذاء لـ...، ستنبت وتزهر سائر من أحببتهن أكثر، ثم واصلت وهي تداعب وجنتي بإكليل من تلك النبتة:
- ...في السنة المقبلة، وأنت تتنسمين هذه الورود سوف تستنشقين فيها روح صديقتك القديمة التي سأصير إياها. سوف تهب على ألياف دماغك أفكارا جميلة، وسترغمك على مزيد من التفكير في.
شقت دموعي ممرّا جديدا في خدي... فشددت على يدي تلك المرأة الشقية، وأردت أن أغير تلك الأفكار المروعة بآراء أقل كفرا، لكنني ما كدت أعبر عن رغبتي تلك حتى أبعدتني السيدة فيركان بفزع وصرخت قائلة:
- آه يا فلورفيل، أرجوك لا تعكري لحظاتي الأخيرة بأخطائك. دعيني أموت بسلام، فأنا لم أكره مثل هذه الأفكار طوال حياتي كي أتبناها لحظة مماتي...
- أخرصتني كلماتها تلك، فماذا كان بوسع بلاغتي الهزيلة أن تفعله أمام كل ذلك الإصرار الجاد.
فقد خيبت ظن السيدة فيركان دون أن أفلح في صرفها عن معتقداتها. نادت فسمعت على الفور موسيقى هادئة شجية. كانت أصواتها تبدو وأنها صادرة من غرفة مجاورة.
قالت تلك المرأة الأبيقورية:
- هكذا أريد أن أموت يا فلورفيل، أليس الموت هكذا أفضل بكثير من أن أموت محاطة برهبان يعكرون لحظاتي الأخيرة بالاضطراب، والتحذير، والتيئيس... لا، إني أريد أن يعلم رهبانك أن المرء لا يحتاج إلى التشبه بهم كي يموت بسلام، أريد أن يقتنعوا بأن المرء لا يحتاج إلى دين كي يموت بسلام، وإنما يحتاج فقط إلى شيء من العقل والشجاعة.
-  كان الوقت يتقدّم، دخل محرر عقود كانت هي قد طلبت إحضاره، توقفت الموسيقى. أملت بعض الوصايا: أرملة مند عدة سنوات، بدون أبناء، أوصت ببعض الهبات إلى أهلها وأصدقائها. وبعد ذلك، أخرجت صندوقا صغيرا من مكتب صغير بجانب سريرها، ثم قالت:
- والآن، هاهو كل ما تبقى لدي: بعض المال وبعض الجواهر. فلنقض بقية الليلة في اللهو والمرح.
فها أنتم تسعة أفراد في غرفتي... سأقسم هذا المال وهذه المجوهرات إلى ست حصص، وستجرون القرعة بينكم، ويأخذ كل واحد منكم النصيب الذي سيوافيه به حظه.
لم أكف عن التفكير في برودة دم تلك المرأة. بدا لي من الغريب جدا أن يكون المرء قد اقترف من كثرة الذنوب والمعاصي ما يستوجب لوم النفس، ومع ذلك يصل إلى لحظاته الأخيرة بمثل ذلك الهدوء القاتل الناتج عن الجحود والكفر. وإذا كان موت بعض الأشرار يجعل المرء يرتجف فكيف لا يمكنه ألا يحس بارتجاف أكبر أمام هذا التصلب الصامد المصرار!
ومع ذلك، فقد تأتى لها كل ما رغبت فيه. تناولت وجبة طعام خفيفة شهية، وعدة أطباق لذيذة، ثم شربت خمورا إسبانية وسوائل أخرى عدة، خاصة أن الطبيب كان قد قال لها إن ذلك لن ينفعها ولن يضرها بالنظر إلى الحالة الصحية التي كانت توجد فيها.
سحبت القرعة، فربح كل واحد منا حوالي مائة لويزية ذهبا أو فضة، وما كادت تلك اللعبة الصغيرة أن تنتهي حتى استحود على السيدة فيركان وجع كبير. سألت الطبيب بمنتهى الهدوء:
- هل سأموت اللحظة؟
-  أخشى أن يكون الأمر كذلك يا سيدتي.
دعتني وهي تمد يدها نحوي:
- تعالي يا فلورفيل كي أودعك الوداع الأخير. فأنا أريد أن ألفظ أنفاسي الأخيرة بين أحضان الفضيلة.
-  عانقتني واحتضنتني بقوة، ثم انسدت عيناها إلى الأبد.

النص مقتطف من قصة فلورفيل وكورفال الواردة ضمن مجموعة المؤلف جرائم الحب (بالفرنسية)، المكتبة العامة الفرنسية، سلسة كتاب الجيب، 1972، ص. 87-91.

المرجع: موقع الدكتور محمد أسليم