‏إظهار الرسائل ذات التسميات جيل دولوز. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جيل دولوز. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 18 مايو 2016

كافكا؛ من أجل أدب أقلاني: جيل دولوز وفيلكس غواتاري



ترجمة: حسين عجة


الفصل الأول: محتوى وتعبير

كيف يمكن الولوج في عمل كافكا؟ أنه جُذمور (rhizome)، أحفورة (un terrier). لرواية "القصر"  (Le Château) «مداخل مُتعددة» لا نعرف جيداً قوانين استعمالها وتوزيعها. ولفندق رواية "أمريكا" (Amérique) أبواب لا تعدّ ولا تُحصى، رئيسية وثانوية، يقوم بحراستها ما لا حصر له أيضاً من القيمين عليها، وهناك مداخل ومخارج بلا أبواب. ومع ذلك، يبدو أنه ليس لقصة الأحفورة (Terrier)، التي تحمل نفس الاسم، سوى مدخل واحد: أكثر ما يمكن قوله هو أنّ البهيمة تحلم بإمكانية وجود مدخل آخر، تقتصر خدمته على المراقبة (surveillance). بيد أنّ ذلك لا يُشكل إلاّ فخاً، من البهيمة، ومن كافكا نفسه؛ فكلّ توصيف الأحفورة مصنوعاً من أجل التحايل على العدو (ennemi). ندخل إذاً من أي طرف، فليس ثمة ما يُميّز أحدها عن الآخر، ولا يتمتع أي مدخل بأي امتياز، حتى وإنّ كان هذا بمثابة مأزق  (impasse) تقريباً، أو أخدود ضيق، بالوعة، الخ... ما سنبحث عنه يقتصر على معرفة النقاط الأخرى التي يَتصلُ بها ذلك المدخل الذي ولجنا عبره، وما هي خارطة الجذمور (la carte du rhizome)، وكيف سيتحور مباشرة إذا ما دخلنا من نقطة أخرى. إنّ مبدأ المداخل المُتعددةِ قائم فقط لمنع أقحام العدو، الدال (le Signifiant)، ومحاولات تأويل عمل لا يعرض نفسه إلاّ على التجريب (expérimentation). 
سنأخذ مدخلاً متواضعاً، مدخل رواية "القصر"، في صالة الفندق حيث يكتشف "ك" (K) صورة (le portrait) الحمّال برأسه المحني (tête penchée)، وذقنه الغائر في صدره. يُشكل هذان العنصران، الصورة المرسومة أو الفوتغرافية، والرأس المُنهك المنحني، لازمة دائمة في عمل كافكا، بدرجات متنوعة من الاستقلال. صورة الوالدين الفوتغرافية في رواية "أمريكا". بورتريه السيدة التي ترتدي معطفاً من الوبر في "المسخ" (la Métamorphose) [هنا، نجد الأم الواقعية برأسها المحني، والأب الواقعي منْ يحمل هوية الحمال]. غزارة البروتريهات والصور الفوتغرافية في رواية "المحاكمة" (le Procès)، انطلاقاً من غرفة الآنسة "بيريشتنر" (Bürstner) وحتى ورشة "تيتورلي" (Titoreli). يظهر الرأس المنحني الذي لا يمكن رفعه طيلة الوقت، في الرسائل، في الكراسات (Carnets) وفي اليوميات (le Journal)، وفي الروايات القصيرة (nouvelles)، وفي "المحاكمة" أيضاً حيث القضاة بظهرهم المعقوف إزاء السقف، وجزء من الحضور، الجلاد، القس... لا يمثل المدخل الذي اخترناه إذاً، مثلما يأمل المرء ذلك، مجرد رابط بأشياء أخرى قادمة. فهو ذاته قائم على رابط ذي شكلين يتمتعان باستقلالية نسبية، أي شكل المحتوى (la forme de contenu) "الرأس المُنحني"، وشكل التعبير (la forme d’expression)  "بورتريه-فوتغراف" اللذان يلتقيان في مطلع "القصر". نحن لا نؤل (nous n’interprétons pas). نحن نقول فقط أنّ ذلك الاتحاد يعمل بصفته إغلاق وظيفي (blocage fonctionnel)، تحيّيد (neutralisation) للرغبة التجريبية: الصورة الفوتغرافية التي لا يمكن لمسها، تخفيضها، المحرمة، والمؤطرة، والتي لم يعد بمقدروها التمتع إلاّ برؤيتها الخاصة لنفسها، كالرغبة الممنوعة من قبل القانون أو السقف، الرغبة الخانعة التي لم يعد بإمكانها سوى التمتع بخضوعها الخاص. والرغبة التي تفرض الخنوع أيضاً، وتنشره، رغبة القاضي الذي يدين بالحكم [كالأب الذي ينحني رأسه إلى حد بعيد في قصة "نطق الحكم" (Verdict) بحيث لا يستطيع الأبن إلاّ الركوع على ركبتيه]. ذكرى لطفولة أوديبية (oedipien)؟ الذكرى هي بورتريه للعائلة أو صورة فوتغرافية لعطلة الصيف، مع رجال منحني الرؤوس وسيدات بعنق مزين بشريط(1). إنه يردم الرغبة، يأخذ عنها نسخ (calques)، يسقطها على طبقات ((strates، ويقطعها عن كل روابطها. لكن ما الذي نأمله إذاً؟ إنه مأزق (impasse). من جانب آخر، من المفهوم أنّ يكون حتى المأزق أمراً جيداً، عندما يشكل جزء من جذمور (rhizome).

الاثنين، 1 فبراير 2016

فوكو- دولوز؛ صديقان- عدوان: روجي بول دروا



 ترجمة: سعيد بوخليط

تقديم
يوم 5 نوفمبر2015، أُدرجت مؤلفات ميشيل فوكو، ضمن مراجع ''مكتبة لابلياد''. قبل عشرين سنة، وبالضبط يوم 4 نوفمبر1997، توفي جيل دولوز في باريس. فيلسوفان،أحب أحدهما الثاني، قبل أن يختلفا.
أي ثنائي هذا! لم يعرف له، تاريخ الفلسفة، مثيلاً. في الغالب، يسير المفكرون، على نحو متلازم، لكنهم قد يشكلون ثنائياً حسب طريقة أستاذ-تلميذ [أبيقور- لوكريس، لوك- فولتير، فرويد-لاكان] أو سواء مترادفان، الأب الروحي ثم الابن- القاتل للأب [أفلاطون- أرسطو، ديكارت- سبينوزا، هيجل- ماركس]. بعض أنواع التآلف، تجمع أصدقاء منصهرين مثل، مونتين- لابويتي، ماركس- إنجلز. غير أنه، مع ميشيل فوكو- جيل دولوز، سنجدنا أمام أمر ثان: بؤرة ثنائية فكرية فريدة، تمازج للقرب والبعد، الانجذاب والتنافر، الائتلاف والافتراق.
لقد قرأ الفيلسوفان، أحدهما الثاني بتركيز، فأُعجب أحدهما بالآخر. ترافقا، بل مدح أحدهما الثاني، واستمرا لفترة طويلة، متفقان جوهرياً حول كل شيء، على الأقل حول ماهو سياسي. ليس الأمر مؤكداً…، مادامت علاقتهما اتصفت بالتعقد، محكومة أيضاً بالتباين، وسوء الفهم ثم الصمت. رغم كل ذلك، لم تحدث بينهما أبداً قطيعة نهائية، ولا تصادمات جلية. مع اتساع المسافة الزمانية، وكذا العمل، الذي يحيط بآثارهما، ربما استوعبنا بشكل أفضل، ما يمثل غرابة لدى هذين الصديقين-العدوين، اللذين بصما مرحلتهما، ولا زالا يجسدان حتى الآن، جانباً من عهدنا.

ابتسامة نيتشه
ما يجمع بينهما؟ يبلغان عملياً، نفس السن: ولد دولوز شهر يناير1925، وفوكو شهر أكتوبر1926. ينحدر الاثنان، من وسط بورجوازي قروي، يعيش في بحبوحة، مع بيت أسري حاضر دائماً- منطقة "بواتو" (Poitou) بالنسبة لـ فوكو، و"الليموزين" (Limousin) عند دولوز- ثم مشاجرات علنية لا مفر منها.
سواء فوكو أو دولوز، اكتشفا نفسيهما منذ عهد مبكر جداً، أنهما مختلفان ومتمردان، يسكن رأسيهما، شيطان سريع، إلى أقصى بعد. يرفضان: الانتساب إلى مكان، وظيفة، خطاب- جاهز، أو هوية ما. في المقابل، يتطلعان صوب: الحركة، المدارات، التجارب وكذا اللا-متوقع. لا يفصحان عن ذلك، فوراً بتلك المصطلحات، لكن ذلك حقاً ما يحركهما ويوجه قصدهما، بالتالي حدث بينهما الود، عند أول لقاء بينهما.

الأحد، 10 يناير 2016

العدد الخامس من مجلة "أصدقاء ديونيزوس"



صدر العدد الخامس من مجلة "أصدقاء ديونيزوس"
تحت إشراف
الشاعر المغربي بوجمعة أشفري
الشاعر المغربي محمد عنيبة الحمري
الناقد والباحث في الجماليات المغربي ناصر يودي

يتضمن العدد محوراً رئيسياً يختص في دراسة فلسفة جيل دولوز ويحتوي على النصوص التالية: بوجمعة أشفري:جيل دولوز في ضيافة ديونيزوس [دراسة]   أحمد لطف الله: جيل دولوز، مرسم للفلسفة [دراسة] محمد شويكة:أفكار حول السينما عند دولوز [دراسة] عبد العالي معزوز: مقام الصورة الفنية في فكر دولوز [دراسة] عبد السلام بنعبد العالي:جيل دولوز مؤرخا للفلسفة [دراسة] فتحي المسكيني: جيل دولوز.. ثورة كوبرنيكية في فهم الهوية [دراسة]  محمد أيت حنا: حول مادة ”شراب“ في أبجدية دولوز  [دراسة] مصطفى العارف:الفلسفة والاختلاف عند جيل دولوز؛ قراءة في كتاب ”فلسفة جيل دولوز.. عن الوجود والاختلاف“ للباحث عادل حدجامي [دراسة] قصيدة "هالة تحت الشرج" للشاعر المصري محمد عيد إبراهيم [إبداع]


الجمعة، 8 يناير 2016

الأدب والحياة: جيل دولوز



ترجمة حسين عجة

Mourning Cloak II. Robert and Shana ParkeHarrison
من الواضح بأن الكتابة لا تعني فرض شكلاً (تعبيراً) على مادة مُعاشة. ذلك لأن الأدب يقف بالأحرى إلى جانب اللامتشكل، أو اللامنجز، كما قال غومبروفج وقام بفعله. فالكتابة شأن يتعلق بالصيرورة، غير الناجزة أبداً، التي لا تكف عن إعادة صنع نفسها، وتفيض على كل مادة قابلة للعيش أو معاشة. كذلك فإنها مسار، أي مَعْبرٌ للحياة التي تخترق ما يمكن عيشه أو المعاش. كما لا يمكن فصل الكتابة عن فعل الصيرورة: فحينما يكتب المرء يصير-امرأة، يصير-حيوان أو نبات، يصير-جزيئة وحتى يختفي ذاتياً.
تتداخل حالات الصيرورة هذه مع بعضها وفقاً لخط خاص، مثلما يحدث ذلك في رواية من روايات لكليزيو، أو أنها تتعايش جميعها على جميع الأصعدة، وفقاً لأبواب، عتبات ومناطق تشكل الكون برمته، كما هو في عمل لوفكرافت القوي. إذ لا تسلك الصيرورة الاتجاه المعاكس، ولا يصير المرء رجلاً، حين يطرح الرجل نفسه باعتباره شكلاً تعبيراً مُهيمناً يدعي فرض نفسه على كل مادة، فيما تتمتع المرأة، الحيوان، والجزيئة دائماً بمركب هروبي، يفلت من تقعيدها الخاص. هل من علة أكبر للقيام بفعل الكتابة من عار أن يكون المرء رجلاً؟ فحتى عندما تكون المرأة هي من يتحول، عليها أن تصير-امرأة، لأن هذه الصيرورة لا شأن لها بحالة يمكن للمرأة أن تدعيها لنفسها. فالصيرورة هي ليست بلوغ شكلاً بحد ذاته (شخصنة، تقليد، أو محاكاة)، ولكن العثور على منطقة للتجاور، منطقة للاتمايزية أو اللااختلافية، إلى حد لا يصبح فيه تميّيز الرجل لنفسه عن أية امرأة ممكناً، ولا عن أي حيوان، أو جزيئة: ليس لأن هذه الأشياء غير دقيقة أو عامة، ولكن لكونها مُفاجئة، أي غير قائمة من قبل، فهي لا تتحدد في شكل أكثر من تفردها ضمن جمهور.
يمكننا أقامة منطقة تجاور مع أي شيء، شريطة خلق وسائلها الأدبية، وبالتالي جعلها تتجاور مع أي كوكب، على حد تعبير أندريه دي هوتيل. فهناك شيء ما يمر ما بين الأجناس، الأنواع والممالك(1). ذلك لأن الصيرورة هي دائماً "بين" أو "في وسط" ما: امرأة من بين نساء أخريات، أو حيوان وسط بقية حيوانات أخرى. بيد أن أداة التنكير هذه لا تفقد أي شيء من قوتها إلاّ إذا كان الطرف الذي تجعله يتحول يخسر خصائصه الشكلية التي تدفع نحو استخدام أداة التعريف "الـ" (كما في قولنا «هذا الحيوان...»)، مثلاً. فحينما يصير لكليزيو هندياً، يبقى هندياً غير ناجزاً، فهو لا يعرف كيف «يزرع الذرة، ولا كيف يقلم جذعاً»: إنه يدخل ضمن منطقة تجاور، أكثر من اكتسابه خصائص شكلية(2). كذلك فأن بطل السباحة، عند كافكا، لم يكن يعرف السباحة. كل كتابة تتضمن على ألعاب قوة، لكن دون محاولة خلق توافق ما بين الكتابة والرياضة، أو جعل الكتابة لعبة أولمبية، إذ لا تتمّ ممارسة ألعاب القوة تلك إلا عبر الهروب والتخلي العضوييّن: رياضي في سريره، كما قال ميشو. فالمرء يصبح حيواناً بالقدر الذي يموت فيه الحيوان؛ وعلى عكس ما يدعيه حكم مسبق روحاني، الحيوان يعرف كيف يموت وهو يحس بذلك الموت أو يتوقعه.
يشرع الأدب، كما يقول لورنس، بموت قنفذ ما، أو بموت حيوان الخلد، وفقاً لـ كافكا: «كانت مخالبنا الصغيرة الحمراء البائسة مشدودة بحركة تثير الشفقة. فنحن نكتب من أجل العجول في ساعة موتها، كما يقول مورتس(3). على اللغة بلوغ الدورات النسائية، الحيوانية، الجزيئية، وكل دورة هي صيرورة قاتلة. ليس هناك من خط مستقيم، لا في الأشياء ولا في اللغة. والقواعدية هي مجموع الانعطافات الضرورية في كل مرّة من أجل الكشف عن الحياة في الأشياء. ذلك لأن الكتابة ليست سرداً لذكريات المرء، لسفراته، لتجاربه الحبية وأحزانه، أحلامه وتخيلاته الإيهامية (فنتازمات). فالخلل سيظل ذاته، إن كان بحكم الواقعية الصارمة أو المخيلة: في كلتا الحالتين، سيتعلق الأمر بشخصية الأب وبشخصية الأم، أي بالبنية "الأوديبية" التي يتم قذفها في الواقع أو تقحم على المُتخيل. فالأب هو ما يجري البحث عنه في نهاية الرحلة، أو في قلب الحلم، ضمن مفهوم صبياني عن الأدب. حيث لا يكتب المرء إلا من أجل والده ووالدته. لقد دفعت مارت روبير بهذه الصبيانية إلى حدودها القصوى. فذلك النوع من التحليل النفسي لا يترك للروائي فرصة أخرى سوى أن يغدو طفلاً مُضيعاً، فاقد للوالدين (نغل) أو طفل مُستعاد(4). إذ لا تنجو حتى الصيرورة الحيوانية من "الأوديبي"، على شاكلة «هذه قطتي وهذا كلبي». كما قول لورنس: «كما لو كنت أنا زرافة، والإنكليز العاديون يكتبون عني ككلاب مؤدبة ذات تربية حسنة، فهنا تكمن كل المشكلة، فالحيوانات شيء مختلف... إنكم تكرهون غرائزياً الحيوان الذي أنا عليه»(5).

السبت، 17 أكتوبر 2015

فلسفة جيل دولوز (1)

ترجمة: سعيد بوخليط

1.    مسافر، دائم الاستقرار:
النفاذ إلى فكره، يشبه الولوج إلى غابة كثيفة، فمثل كثير من الأنواع المتوحشة، يزخر فكر دولوز بمفاهيم عديدة وكلمات متميزة، بأقصى درجات غرابتها: "اللا- تجذر"، "اللا- إقليمية"، "جسد، بلا أعضاء"، "آلات راغبة"، "صيرورة حيوانية"، إلخ.
جيل دولوز
دولوز، الذي يمثل ظاهرة المشهد الفكري خلال القرن العشرين، ينظر إلى الفلسفة بمثابة نشاط لإبداع المفاهيم. مهمة، انكب عليها بإبداعية استثنائية، فجاء الكوكتيل مفرقعاً: جانبه الشعبي جداً، عضده اهتمامه بالفنون والارتباط بميتافيزيقا معقدة، تموضع الاختلاف والصيرورة في المقام الأول.
ضدّاً، على كل ما بوسعه،إعاقة أو منع الانبثاق ثانية، يدعو دولوز إلى تفريخ المتفردات، وتفعيل رغبة سينظر لها مثل تدفق مبدع وانقلابي. حيث، يتعلق الأمر دائماً بالنسبة إليه، التخلص من المعايير والهويات القائمة قبلياً، بغية تكثيف الوجود. دولوز، مؤرخ أصيل للفلسفة، ومفجر للفكر المعاصر، لم يتوقف عن اتباع مسارات للانفلات محرضة، لكن ماذا يعني هذا؟.
سؤال متكرر لازم دولوز، ويرضخ له محاوروه، بكيفية شبيهة بالقلق على صحة مريض، مضفياً إيقاعاً على تأمل يعيش حركة دائمة. دولوز، باحث لا يكلّ من رغبة إبداع المفاهيم، والمنخرط في تشعب الفكر، قيل عنه بأنه من: «بين آخر الأجيال التي اغتالها تقريباً، تاريخ الفلسفة». فكيف، سيتخلص تقريباً من هكذا ورطة؟ متبنياً سبيلاً للهروب، شكل مشروعاً للحياة، استند على مبدأ: إلحاق الأذى بالبلاهة.
«لم أكن طفلاً، ذا قيمة»، هكذا يخبرنا دولوز عن نفسه، وهو المزداد سنة 1925، بين أحضان أسرة "غير متعلمة" تنتمي إلى  البورجوازية، لكنه سيلغي من ذاكرته منذ فترة مبكرة، هذه الأسرة: أخ، ذهبت به الحرب وأب يعتبر من ضحايا الأزمة.
اكتشف الفلسفة بين حجرات ثانوية "كارنو"، في باريس كانت وقتها محتلة. لقاؤه، مع المفاهيم: «خلق لديه، انبهاراً نحو شخصيات أخرى، تضمرها الحكاية». سارتر، الوجه البارز إبان فترة الحرب، أذهل دولوز بعمله "الوجود والعدم"(1943).
دولوز الشاب، المعفى من الحرب، أسس سنة 1946 مجلة "فضاء"، كي يجابه: «ملح الفكر النتن»، لكنها وقفت عند حدود العدد الأول. مع ذلك، بقي يحتفظ بهذا الطموح المتمثل في: أن يهب هواء منعش، على الفلسفة البالية.
وضع الفيلسوف لنفسه، برنامجاً لمباراة التبريز، فصار برجسون رفيق دربه. بعد، نيل المدرس الشاب للشهادة، سيبوح لنا عبر دروسه الأولى في ثانوية "أميانز"، قائلاً: «وأنا أستاذ، أريد أن أقدم الدرس، مثلما يصنع ديلن (Daylan) مع أغنية، فهو منتج مدهش، أكثر من كونه مؤلف. وبنفس طريقته، يبدأ الأمر فجأة، بقناعه التهريجي، وفن لكل جزئية مخطط لها، لكنها مرتجلة مع ذلك». دولوز، مدرس للروك أندرول، يمارس اللازمة الموسيقية كي يشرح مفهوم التموج.
انتقل إلى "أورليان"، مرتباً شعره بقبعته الأسطورية، ومستطرداً في دروسه، متكلماً عن الرياضة والجنس، بذلك يكسر دولوز عن المألوف. فهذا المدخن المتكلف، نظراً لحساسيته المفرطة، بأصابع ذات أظافر طويلة كمخالب، بهدف تناوله الواقع دون أن يتألم، ستتم ترقيته إلى ثانوية "لويس الكبير"، فوضع في قلب برنامجه، سؤالاً كالتالي: «ما معنى أن نؤسس؟»، موجهاً تلامذته كي يشاهدوا أفلام جيري لويس أو إيريك فان ستروهايم، وقراءة روايات الرعب.
الحكاية العاطفية، التي نسج خيوطها مع "فاني" (Fanny)، وقد ألقى بها صديقه ميشيل تورنيي، بين ذراعيه متوخياً أن تموّه عن عجزه حيال قضايا اليومي، توجه زواج سنة 1956. في نفس اللحظة، صار دولوز محاضراً في تاريخ الفلسفة بالسوربون، مع اعتقاد مفاده بأنه قبل التفكير بالأسلوب، ينبغي التمرن على: «اللون الأبله، ألوان أرضية غير لامعة أبداً» حيث: «يتحتم خلق بورتريهات، لفترة طويلة». غير أن، البورتريهات التي يموضعها هنا تقوم على قراءة مهرطقة للكلاسيكيات: «لكن طريقتي، للتخلص من هذه الحقبة، تجسدت في تمثلي لتاريخ الفلسفة، مثل نوع من اللواط، أو بمعنى ثان، تطهير المفهوم. أتخيل نفسي، وقد امتطيت ظهر الكاتب، فترتب عن الأمر طفلاً، سيكون مع ذلك مشوهاً».
بين سنوات 1960 و1964، انفصل دولوز عن المركز الوطني للبحث العلمي، ثم وهو مدرس في ليون (lyon)، سيواصل شتائمه، منكباً بين سنوات 1963 و1968، على نصوص نيتشه وكانط وبرجسون وسبينوزا.

الجمعة، 24 يوليو 2015

الفكر الرحّال: جيل دولوز

ترجمة: حسين عجة

Nietzsche by Lunatic Asylum
إذا ما سأل أحدهم ما الذي أصبح عليه نيتشه اليوم، نعرف تماماً نحو منْ ينبغي التوجّه. يجب التوجّه إلى الشباب الذين يبدأون بقراءة نيتشه، والذين يكتشفون نيتشه. فنحن، بغالبيتنا، قد هرمنا. ما الذي يكتشفه شاب حالياً فيه ولم يكتشفه جيلي من قبل، أو ما لم تكتشفه الأجيال التي سبقته؟ كيف يمكن فهم مسألة شعور شباب اليوم من الموسيقين بأهمية نيتشه، بالرغم من أنهم لا ينتجون موسيقى بالمعنى الذي كان ينتجه فيها نيتشه؟ وكيف يمكننا أيضاً تعليل شعور شباب من الرسامين، والسينمائيين بأهمية نيتشه؟ ما الذي يحدث، أي ما هو إداركهم لـ نيتشه؟ كلّ ما نستطيع الإشارة إليه، عند اللزوم، ومن الخارج، هو أن طريقة نيتشه قد طالبت له نفسه، ولقرائه، من معاصريه ومن أؤلئك الذين سيأتون مستقبلاً، بنوع من حق التفسير المعكوس (contresens). إنها ليست أية مطالبة، ما دامت تتمتع بمعايير خفية، لكنها نوع من الحق في التفسير المعكوس الذي أرغب في توضيحه، بعد قليل، والذي يمنعنا من التعقيب على نيتشه كما يُعقب المرء على ديكارت، أو هيغل. أتساءل مع نفسي: منْ هو الشاب النيتشويّ اليوم؟ هل هو ذلك الذي يَعدُّ عملاً عن نيتشه؟ هذا ممكن. أو أنه ذلك الذي يولّدُ، طواعية أو مرغماً، مقولات نيتشوية مُتفردة (énoncés singulièrement nietzschéen)، عبر نشاط ما، انفعال بعينه، أو ضمن تجربة ما؟ ذلك ما يحدث أيضاً. إن أحد النصوص الأكثر جمالاً وعمقاً بنيتشويته، حسب معرفتي، هو نص رشارد دوشايس (Richard Deshayes) الذي كتب فيه «العيش، ليس البقاء»، وذلك قبيل تلقيه لقنبلة أثناء مظاهرة. لا يُقصي أحد الأمرين الآخر. إذ قد يكتب فرد ما عن نيتشه، ومن ثم ينتج في خضم التجربة مقولات نيتشوية.

نشعرُ بكلّ المخاطر التي تتربص بنا إزاء هذا السؤال: منْ هو نيتشه اليوم؟ خطر الدوغماتية ["الشباب معنا"]. خطر أبويّ [نصيحة لقارىء شاب لـ نيتشه...]. وهناك خطر التركيب المقيت (abominable synthèse). يُؤخذ الثالوث التالي كفجر لثقافتنا المعاصرة: نيتشه، فرويد، ماركس. وليس من الأهمية معرفة من هو الذي شرع أولاً. يمكن أن يكون ماركس وفرويد فجر ثقافتنا، لكن نيتشه شيء مُغاير تماماً، فهو فجر ثقافة-ضد (contre-culture). من الواضح بأن المجتمع المعاصر لا يتحرك إنطلاقاً من رموز. إنه مجتمع يعمل فوق أسس أخرى. والحالة هذه، إذا ما تأملنا ماركس وفرويد، ليس إنطلاقاً من نصوصهم، ولكن بالأحرى من ناحية صيرورة الماركسية والفرويدية، سوف نلاحظ بأنهما شرعا، بصورة متناقضة، بنوع من محاولة ترميز جديدة (recodage): ترميز ثان للدولة، بالنسبة للماركسية [«أنت مريض من الدولة، وتشفيك الدولة»، لأنها لن تكون نفس الدولة]-وإعادة ترميز العائلة [مريض من العائلة، وما يشفيك هو العائلة، التي لن تكون نفس العائلة]. ذلك ما يُؤسس حقاً، ضمن أفق ثقافتنا، الماركسية والتحليل النفسي، باعتبارهما بيروقراطيتين جذريتين، احداهما عامة، والأخرى خاصة تتمثل بالعمل على إعادة ترميز ما لا يكف عن الإفلات من الترميز، ضمن ذلك الأفق. على العكس من هذا، لا نعثر هناك أبداً على مشروع نيتشه. تكمن مشكلته في مكان بعيد آخر. فعبر كلّ الترميزات، إنّ كانت في الماضي، الحاضر، أو المستقبل، يحاول تمرير ذلك الشيء الذي لم يدع ولن يدع نفسه يخضع للترميز. جعله يمر من فوق جسد جديد (nouveau corps)، إبداع جسد يمكن أن يعبر فوقه ويتدفق: جسد قد يكون جسدنا، جسد الأرض، أو الكتابة...

الأربعاء، 15 أكتوبر 2014

تقديم لساشر مازوخ؛ البارد والقاسي: جيل دولوز (مطلع الكتاب)

ترجمة: حسين عجة


مدخــل:
جيل دولز رسم  luca delbaldo
المعلومات الأساسية عن حياة ساشر مازوخ مصدرها سكرتيره شلشت غرول (Schlichtegrol)، في كتابه "ساشر مازوخ والمازوخية"، ومن زوجته الثانية التي أخذت اسم بطلة روايته "فينوس"، فاندا (wanda) في كتابها "فاندا فون مازوخ، اعتراف عن حياتي". كتاب فاندا جميل للغاية. لقد حكمَ عليه كتاب السير الذاتية اللاحقون، الذين غالباً ما كانوا يكتفون بإدانته، بقسوة. ذلك لأن فاندا تقدّم عن نفسها صورةً شديدة البراءة. لقد كانوا يرغبون بجعلها سادية، لأن مازوخ كان مازوخياً. لكن طرح المشكلة بهذه الطريقة قد يكون طرحاً سيئاً. ولدَ ليوبولد ساشر-مازوخ في عام 1835، في مدينة "لمبرغ"، في "غالسي". أجداده من السلاف (slaves)، الأسبانيين والبوهيمين. كان أسلافه من موظفي الإمبراطورية النمساوية-البلغارية. أمّا والده فكان رئيساً للشرطة في "لمبرغ". كانت مشاهد المظاهرات والسجون التي عاشها في طفولته قد مهرته بقوة، كذلك كان كل عمله متأثراً بمشكلة الأقليات والقوميات والحركات الثورية في الإمبراطورية: حكايات غالسنية، حكايات يهودية، حكايات هنغارية، حكايات بروسية... وسيصف غالباً تنظيم المجتمع الزراعي، ونضال الفلاحين المزدوج، ضد الإدارة النمساوية، ولكن بشكل خاص ضد الملاك المحليين. لقد سحبه حبه للسلاف بعيداً. الشخصيات الكبرى التي يحبذها هم، إلى جانب غوته، بوشكين وليرمونتوف. لقد كان البعض يطلق عليه اسم "تورغنيف" روسيا الصغيرة.
كان أولاً أستاذاً للتاريخ في "غريس"، وبدأ حياته الأدبية بكتابته لروايات تاريخية. سرعان ما حققت له الشهرة. فروايته الأولى من هذا النوع "المرأة المُطلقة" كانت لها أصداء كبيرة، وصلت حتى إلى أمريكا. أمّا في فرنسا، فقامت كل من دار النشر "هاشيت"، "كالمان ليفي"، و"فلامريون" بنشر ترجمات لرواياته وحكايته. واحدة من مُترجِماته كانت تصفه بأنه أخلاقي مُتشدّد، مؤلف لروايات فلكلورية وتاريخية، ولم تشر ولو من بعيد إلى الصفة الشهوانية لعمله. مما لا شك فيه أن تخيلاته الاستحلامية (فانتازم) مقبولة أكثر، لكن على حساب الروح السلافية. كذلك يجب أن نأخذ بعين الاعتبار مسألة أن الرقابة في القرن التاسع عشر كانت مختلفة تماماً عما نعرفه نحن في القرن العشرين؛ إذ كان هناك نوع من التسامح المُلتبسِ للجنس، مع تأكيد أقل على الجانب العضوي والنفسي. كان مازوخ يتحدث لغةً يختلط بها بقوة الفلكلوري، التاريخي، السياسي، الصوفي والشهواني، وكذلك يختلط القومي والانحرافي لكي يشكل من كل ذلك عدماً ضبابياً لضربات السوط. لهذا ينظر بشؤم لكراف أبنغ وهو يستخدم اسمه لكي يشير من خلاله إلى ما هو شاذ. كان مازوخ مؤلفاً مشهوراً ومعتبراً؛ قام بزيارة احتفالية إلى باريس، في عام 1886، واحتفلت به وزينته جريدة "الفيغارو"، ومجلة "العالمين".