1- دفاعاً عن الفحش
![]() |
| لـ محمد بن سلامة |
تعطي
هذه الدراسة الكلمة لمن يعيشها، فتسمع وتقرأ
أصوات
النّاس وتعبيراتهم على سجيتها. وتركز على
الملفوظات
تفرّ من اللسان، فلا يستطيع احتباسها. إنه مجال التعبيرات "الفاحشة"، "المتوحشة"،
التي تصم الآذان ويثقل سماعها على من لم يألف تداولها. والحال أنها ملفوظات قد
تكون أكثر عضوية وارتباطاً بالأرض وارتباطاً من تلك المفردات التي تشتق من نظام
اللغة "الشرعي"، بنحوه وصرفه
وبلاغته النصيّة. هذه اللغة الفاحشة تبدو مسيطرة على متكلم، تتكلّم من خلاله، حتى
يبدو كأنه ليس في موقع السيطرة على ما يتفوّه به منها، إذ تتفلّت منه أحياناً فلا
يقدر على حبسها فتبدو بمثابة "الزلة" قد تسبب حرجاً اجتماعياً. هنا تبدو
اللّغة فاعلاً يسيطر على متكلّمه، يباغت الملفوظ مستعمله وينقضّ على العبارة
ويقتحمها اقتحاماً. وكم من حرج اجتماعي كان مصدره هذه اللغة المتكتمة.
يسمى
هذا النمط من التعبير في العربية "فحشاً" وفي الأنقليزية نفاية (Rubbish) وفي الفرنسية "لغة
خضراء" (Langue verte) و"فظّة" (Mots grossiés) وكذلك "كلمات نيئة"
.(Mots crus) ورغم ما في هذه
التسميات من معيارية واضحة، فإنها تستحوذ في بعض الجغرافيات الاجتماعية على متكلّمها،
وتكشف عن عناصر جمالية لا تقل إيحاءاً في بعض المواضع عما هو معروف من أحداث
بلاغية متواضع عليها في الشعر والأدب والنثر.
هذا
ما تحاول الدراسة إثارته، استناداً إلى جلسات تصنّت في بعض مقاهي المدينة موزّعة
في جغرافيات اجتماعية مختلفة حاولت المقارنة للمقابلة بين الشعبي والرّاقي من
الأحياء. هذا السماع خلسة إلى محاورات شباب المقاهي مكن من جمع مدونة نصيّة من الملفوظات
تصنّف اجتماعياً ضمن "الكلام الخائب" أو "السوقي" في مقابل "الكلام
الباهي" على معنى "المهذب". فالتفاعل الطبيعي بين أفراد المجموعة
وحده القادر على كشف الفروقات الدقيقة للغة الفحش. وإذا ما تنبّه المتحدّث إلى أنه
مراقب، يبدأ في تنميق لغته وفرز ما يناسب منها من كلمات تتوافق مع وضعية تواصل
اقتحمها جسم غريب.
ويجدر
التنبيه هنا أن اللّغة تتكلّم فحشاً، وعلى لسان ذكوريّ، شابّ، قليل الاندماج، إن
لم يكن هامشياً، مقصى من النظامين الاجتماعي والاقتصادي، يسكن الأحياء الشعبية في
الغالب تربّى في أحضان ثقافة ممتزجة ترجع إلى الريف وتلُمّ بالمدينة. وعادة ما
يكون هذا اللسان الذكوري أيضاً أمياً أو قليل الحظ في الدراسة بعد أن غادرها باكراً،
فجاء في قطيعة نسبيّة مع "الثقافة الشرعية" المهيمنة ولغتها.
ولأن
"القبح" أو"الفحش" في اللّغة تعبيرة وليدة أوضاعها وظروفها
فإن هذه الدراسة تنزع عنه كل حكم معياريّ يرى فيه استعمالاً نزقاً، فاسداً، يصدر
عن "سواد النّاس" الذين ترسّخت في ملفوظاتهم (Enonciation) الكلمة "الفاحشة"
حتى خرجت عن المراقبة.
ولقد
جرى تصنيف الفحش في الدراسات الإنسانية ضمن أحد تجليات العنف اللفظي في خانة ما هو
سلبيّ تنتجه "السّوقة" من الناس دون غيرهم، فكلّما لانت الكلمة ضمن هذا
التصنيف المعياري، كان ذلك دليلاً على الرّقيّ والوجاهة الاجتماعية. وكلّما فحشت
الكلمة، كانت مؤشر انحلال وفساد.
على
أن الفحش، بقبحه، قد يستبطن جمالاً وبلاغة، وقد يكشف أبعاداً اجتماعية واقتصادية
وسياسية وجغرافية ما كان للباحث فيها وعنها أن يتنبه إليها دونه، إذا ما رفعنا عنه
صفته السالبة التي علقت به وتعاملنا معه على أنه نسق من الملفوظات ذات طبيعة
اجتماعية وليست فردية. ومن المفاجآت الممكنة أيضاً ما يمكن أن ينشأ من علاقة بين
الفحش وضيق المجال إذا رام الباحث تحسس أطلسه. حينئذ سيتنبه بيسر أن الفحش يقلّ كلما
اتسع المجال بالمعنيين المادّي- الجغرافي والاجتماعي ويتكثّف فيطغى بضيقه. هذه المعادلة
يمكن معاينتها بيسر، إذ يكثر الاستعمال الاجتماعي للفحش في المدينة وخاصّة في
الأحياء السّكنية الشعبية، عالية الكثافة السكّانية ويقلّ في الريف حيث المجال ممتدّاً
وعدد السكّان ضعيفٌ.

