‏إظهار الرسائل ذات التسميات مفهوم الانتهاك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مفهوم الانتهاك. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 24 فبراير 2016

بلاغة الفحش: محسن بوعزيزي




1- دفاعاً عن الفحش

لـ محمد بن سلامة
تعطي هذه الدراسة الكلمة لمن يعيشها، فتسمع وتقرأ أصوات النّاس وتعبيراتهم على سجيتها. وتركز على الملفوظات تفرّ من اللسان، فلا يستطيع احتباسها. إنه مجال التعبيرات "الفاحشة"، "المتوحشة"، التي تصم الآذان ويثقل سماعها على من لم يألف تداولها. والحال أنها ملفوظات قد تكون أكثر عضوية وارتباطاً بالأرض وارتباطاً من تلك المفردات التي تشتق من نظام اللغة "الشرعي"، بنحوه  وصرفه وبلاغته النصيّة. هذه اللغة الفاحشة تبدو مسيطرة على متكلم، تتكلّم من خلاله، حتى يبدو كأنه ليس في موقع السيطرة على ما يتفوّه به منها، إذ تتفلّت منه أحياناً فلا يقدر على حبسها فتبدو بمثابة "الزلة" قد تسبب حرجاً اجتماعياً. هنا تبدو اللّغة فاعلاً يسيطر على متكلّمه، يباغت الملفوظ مستعمله وينقضّ على العبارة ويقتحمها اقتحاماً. وكم من حرج اجتماعي كان مصدره هذه اللغة المتكتمة.
يسمى هذا النمط من التعبير في العربية "فحشاً" وفي الأنقليزية نفاية (Rubbish)  وفي الفرنسية "لغة خضراء" (Langue verte)  و"فظّة" (Mots grossiés)  وكذلك "كلمات نيئة" .(Mots crus)  ورغم ما في هذه التسميات من معيارية واضحة، فإنها تستحوذ في بعض الجغرافيات الاجتماعية على متكلّمها، وتكشف عن عناصر جمالية لا تقل إيحاءاً في بعض المواضع عما هو معروف من أحداث بلاغية متواضع عليها في الشعر والأدب والنثر.
هذا ما تحاول الدراسة إثارته، استناداً إلى جلسات تصنّت في بعض مقاهي المدينة موزّعة في جغرافيات اجتماعية مختلفة حاولت المقارنة للمقابلة بين الشعبي والرّاقي من الأحياء. هذا السماع خلسة إلى محاورات شباب المقاهي مكن من جمع مدونة نصيّة من الملفوظات تصنّف اجتماعياً ضمن "الكلام الخائب" أو "السوقي" في مقابل "الكلام الباهي" على معنى "المهذب". فالتفاعل الطبيعي بين أفراد المجموعة وحده القادر على كشف الفروقات الدقيقة للغة الفحش. وإذا ما تنبّه المتحدّث إلى أنه مراقب، يبدأ في تنميق لغته وفرز ما يناسب منها من كلمات تتوافق مع وضعية تواصل اقتحمها جسم غريب.
ويجدر التنبيه هنا أن اللّغة تتكلّم فحشاً، وعلى لسان ذكوريّ، شابّ، قليل الاندماج، إن لم يكن هامشياً، مقصى من النظامين الاجتماعي والاقتصادي، يسكن الأحياء الشعبية في الغالب تربّى في أحضان ثقافة ممتزجة ترجع إلى الريف وتلُمّ بالمدينة. وعادة ما يكون هذا اللسان الذكوري أيضاً أمياً أو قليل الحظ في الدراسة بعد أن غادرها باكراً، فجاء في قطيعة نسبيّة مع "الثقافة الشرعية" المهيمنة ولغتها.
ولأن "القبح" أو"الفحش" في اللّغة تعبيرة وليدة أوضاعها وظروفها فإن هذه الدراسة تنزع عنه كل حكم معياريّ يرى فيه استعمالاً نزقاً، فاسداً، يصدر عن "سواد النّاس" الذين ترسّخت في ملفوظاتهم (Enonciation)  الكلمة "الفاحشة" حتى خرجت عن المراقبة.
ولقد جرى تصنيف الفحش في الدراسات الإنسانية ضمن أحد تجليات العنف اللفظي في خانة ما هو سلبيّ تنتجه "السّوقة" من الناس دون غيرهم، فكلّما لانت الكلمة ضمن هذا التصنيف المعياري، كان ذلك دليلاً على الرّقيّ والوجاهة الاجتماعية. وكلّما فحشت الكلمة، كانت مؤشر انحلال وفساد.
على أن الفحش، بقبحه، قد يستبطن جمالاً وبلاغة، وقد يكشف أبعاداً اجتماعية واقتصادية وسياسية وجغرافية ما كان للباحث فيها وعنها أن يتنبه إليها دونه، إذا ما رفعنا عنه صفته السالبة التي علقت به وتعاملنا معه على أنه نسق من الملفوظات ذات طبيعة اجتماعية وليست فردية. ومن المفاجآت الممكنة أيضاً ما يمكن أن ينشأ من علاقة بين الفحش وضيق المجال إذا رام الباحث تحسس أطلسه. حينئذ سيتنبه بيسر أن الفحش يقلّ كلما اتسع المجال بالمعنيين المادّي- الجغرافي والاجتماعي ويتكثّف فيطغى بضيقه. هذه المعادلة يمكن معاينتها بيسر، إذ يكثر الاستعمال الاجتماعي للفحش في المدينة وخاصّة في الأحياء السّكنية الشعبية، عالية الكثافة السكّانية ويقلّ في الريف حيث المجال ممتدّاً وعدد السكّان ضعيفٌ.

السبت، 16 يناير 2016

ظاهرة الاختراق في الفن المعاصر: محمّد محسن الزراعي



  
توطئة
يهتم هذا البحث بـ"المنعرج" الجديد الذي أحدثه الفن المعاصر. فهو يسعى من ناحية إلى ضبط ملامحه القائمة أصلاً على فعل الاختراق(1)، وهو من ناحية ثانية يدرس نتائج ذلك الفعل الفلسفية والجمالية والإيتيقية. وهكذا تكون المعالجة النظرية لظاهرة الاختراق في الفن المعاصر مسلكاً يتيح الإمساك بدلالاته بصفته أسلوباً فنياً مستحدثاً ونموذجاً جديداً للفن ورؤية أصلية إلى العالم.


 1- مسألة المعاصر في الفن؛ الإبداع ضد العصر
يطرح المعاصر(2) في الفن عدة صعوبات لعلّها تنحصر في ثلاثة أشكال. ويتعلق أولها بما يمكن تسميته "مفارقة المعاصر"(3). فالمعاصر صفه ملتبسة وضبابية، إذ هو لا يختزل في حقبة دون غيرها، وليس هو في تقدير البعض سوى "مفهوماً مبتدعاً". من قبل بعض المتصرفين العالميين في فنون اليوم بهدف إحداث تجانس مزعوم بين مختلف الفنون التي تنتج في غرب هذا العصر وشرقه(4). فمن ناحية لا يوجد فنّ أكثر معاصرة وأشدّ التصاقاً بالعصر من غيره، ولا يوجد من ناحية ثانية فن معاصر منفصلاً تماماً عن ماضيه. وهكذا، تتأسس "مفارقة المعاصر" في الفن على ما يمكن أن يتضمنه من إحالة مضاعفة إلى الحاضر والماضي، فالمعاصر هو هذا الذي يمثل أمامنا بوصفه "الغريب والمتغرّب"(5)، أو الحاضر والغائب في الوقت ذاته. فهو حاضر ولكنه لا ينفصل عن الماضي، لأنّ كلّ ماض لا يتحدّد بما قد مضى بل بما يبقى فينا. إن جزءاً مما نعتقد أنه معاصر «ينتمي إلى الماضي، إلى ماضينا الذي نريد أن نتحكم فيه، والذي نستطيع أن نبثه في المعاصر، ونتخيّله فنطاسمياً مع المعاصر تحديداً»(6).
مارسيل دوشامب، "فونتان"
أمّا الشكل الثاني لتلك الصعوبة، وهو على علاقة بالأوّل، فيتصل بتعيين موضوع الفن المعاصر ذاته. فإذا كان "المعاصر" في الفن يتضمّن ما يتبقّى من الماضي، فهو لا يدل على مرحلة أو"حقبة" مكتملة. إنه واقع في دائرة اللامكتمل واللامتحدد. فالمعاصر يشير إلى حركة متواصلة في الزمن، ومسار في طور التكوّن والتشكّل. وهكذا «يخضع معنى حاضر الفن المعاصر لمستقبله»(7)، ومن ثمة يخضع كل تقييم لذلك الفن بدوره إلى رؤية "مؤقتة". فهل ينبغي حينئذ الإقرار بأن فهم المعاصر في الفن يدخل في عداد فهم غير ممكن أو في عداد «ما لا يمكن فهمه وما لا يقبل التقييم»(8)، أم ينبغي أن نميّز في الفن المعاصر بين"معاصر حالي" و"معاصر آتـي" يمكن للفكر أن يتوقعه هكذا استشرافاً؟
ها هنا تتولد الصعوبة الثالثة وترتبط بغموض مرجعيات تقييم الفن المعاصر والحكم على علاقته بالعصر. فإذا كانت المعاصرة تدل على الموجود والممكن، فإن قراءة الفن المعاصر لا تحصل من باب النظر التاريخي، وإنما تقع استناداً إلى تداخل مرجعيات مختلفة تجمع بين الإيديولوجي والاجتماعي والجمالي. حيث يمكن الحديث، في هذا الإطار، عن جدل بين رؤية أولى تعتمد مقولة "الفن المعاصر" للتعبير عن مواقف فردية تقدمية أو "طلائعية" ورؤية ثانية تقيم معاصرة الفن من منطلق تطابقها أو عدم تطابقها مع تطلعات العصر. ولكن هل ينبغي على الدارس هنا استخلاص نتائج صعوبة هذا التداخل المرجعي في الحكم على معاصرة الفن، بالانتهاء إلى موقفين أساسيين: فهم المعاصر في الفن بوصفه موقفاً فنياً غريباً تجاه العصر، ثم فهم ذلك المعاصر بوصفه موقفاً "مستهجناً" من العصر في الفن؟ تؤشر هذه الصعوبة، في تقديرنا، على بعد أساسي يمكن أن يهيئ أرضية نظرية لمعاينة مسألة المعاصر في الفن لا من حيث هي صيغة عرضية أو صيغة تفضيلية لهذا الفن الذي نسميه معاصراً، بل من حيث هي تختزن المعنى الذي يمنح أصالته ومعناه. فما دام الأمر يتصل أساساً بالفن لا بالعصر، فإن السؤال حول علاقة الفن المعاصر بالعصر يمكن أن يتخذ طابعه النقدي في اتجاه الصيغة الفلسفية التالية: كيف يتقوّم "الموقف"  ضد قيم العصر بوصفه حافزاً أو قادحاً أساسياً للإبداع؟ كيف يتحول فعل الإبداع، المقصود أصلاً، لانتهاك القيم والمروق عن العصر في سمة أساسية للمعاصرة في الفن المعاصر؟
تلك هي بعض المعاني التي حددت الفن المعاصر بوصفه رؤية جديدة للعالم، قد تكون عينت الأسس التعبيرية الجديدة لذلك الفن استناداً إلى «الأنماط والإجراءات الفنية... ذاتها»(9)، وربما قادت إلى شكل من «البربرية أنتجتها أيادي المتحكمين (الجدد) في الأشياء والمواد والآلات والأجساد»(10): أنصاف الفنانين والمفبركين والمشعوذين والمثيرين والمغامرين من أصحاب "البرفورمونس" الذين لا يطيعون ويلتزمون سلفاً بأي قاعدة، ثم قد يكون ذلك الفن أوقع متلقيه في صدمة الاشمئزاز (Dégout) وقد يكون لاقى رفضاً لا عهد للفن به، وتلك كلها أنماط وجدتها ممارسة بدت غريبة كل الغربة عن عصرها.
إلا أنها أنماط أوجدت للفن المعاصر نموذجاً جديداً. فهو فن لا يكتفي بالتشخيص أو التمثل أو مجرد الإعلاء، بل هو يسلك مسلكاً راديكالياً. إن المعاصرة والراديكالية يصبحان هنا وجهين لمعنى واحد. ليس الفن المعاصر أكثر معاصرة لعصره، ولا هو أكثر التصاقاً به، بل هو يحدد معاصرته للعصر بدءاً من الموقف ذاته الذي لم يسبق للفن أن اتخذه في الماضي بجرأة وبشكل صريح ومقصود، ونعني الإبداع ضد مسار العصر وخارج "معايير التقييم التقليدية". فسواء أكان هذا السلوك الإبداعي موجهاً باسم "ديمقراطية الفن"(12) أو باسم "فضيلة ايتيقية" متصلة بالحرية الداخلية للفنان( 13)، فهو قد أنتج راديكالية شكلت موقفه الأساسي، وحددت أسلوبه المميز كفن مخترق لمعايير العصر وأنظمته الإيتيقية.