‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 28 يناير 2016

من الأخلاق إلى فائض الأخلاق: فرج الحوار




ترجمة محمد العرابي                                             

                                                                
«وحدها "شُعبةٌ ملعونة" كانت من نصيب؟، من حظي؟، في حياة إنسانية، بالمعنى الأكثر امتلاء (...) "الشُّعبةُ الملعونة"، هي تلك الخاصة باللعب، وبالمصادفة، وبالخطر. إنها أيضاً تلك الخاصة بالسيادة»
جورج باتاي، الأدب والشر، ص 25.


1-   العقل والإلهي
   توجد مسألة الشرّ في قلب أعمال جورج باتاي. وقد نجد أثر هذه المسألة مبثوثاً في أعمال روائية، مثلما في
Olivier de Sagazan Peinture
دراسات للكاتب. ومن المفيد أن نضيف في هذا المعنى أنه فضلاً عن مجموع المقالات الموسومة بـ "الأدب والشر" فقد عالج جورج باتاي إشكالية الشر في سلسلة من المحاضرات والمقالات، نذكر أهمها: "الشرُّ في الأفلاطونية وفي السادية"(1)، "ساد والأخلاق"(2)، "نقاش حول الخطيئة"(3)، "المقدس في القرن العشرين"(4)، "أخلاق ميلِّر"(5)، وأخيراً "في العلاقة بين الإلهي والشر"(6).
   في أصل التعارض خير / شر يوجد، حسب باتاي، التعارض مادة / نفس، حتى لو «لم نصرح عامة بأن المادة هي الشر وأن النفس هي الخير»(7). لكن من الصحيح بالمقابل أن «الديانات الكبرى تتفق على إعطاء المادة معنى الشرّ والنفس معنى الخير »(8). هذا التعارض الذي يعتبره البعض ساذجاً يتحكم فيه مفهوم أفلاطون الذي عرضه في مؤلفه عن الأخلاق، والذي يفيد ما يلي: «إن الخير ليس هو النفْس، ولا هو الفكرة، ولا العقل، إنه سلطة العقل؛ وعليه، فسيكون الشرّ هو العقل الخاضع للمادة، وهو إذا تعلق الأمر بالأخلاق، العقلُ الخاضع للأهواء. وبذلك نشهد بداية الشرّ مع رجحان كفة الأهواء على العقل»(9).
   وفي مقابل هذا المبدأ الأفلاطوني الذي بموجبه يكمن الشرّ «في تحكم الأهواء في العقل»(10)، تضع الأخلاق السادية [نسبة إلى ساد] المبدأ الشرطيَّ المتمثلَ في أن الشرَّ يكمن «في تحكم العقل في الأهواء»(11). وعلى هذا الأساس يُدين كاتب "الفلسفة في صالون السيّدات". ويعتبر هذا العمل «عموماً تمجيداً للقتل»(12)، ولقسوة عقوبة الإعدام بدعوى «استحالة أن يتمكن القانون من الحصول على نفس الامتياز [الذي للأهواء]، لأن القانون، البارد من ذاته، لا يستطيع أن يكون مشرعاً على الأهواء التي يمكنها أن تبرر للإنسان الفعل الوحشي للقتل»(13).
   التعارض غير القابل للاختزال لهذين المبدأين هو أصل المأزق الّذي يواجهه الإنسان بدون هوادة والمتمثل في ما يلي: «إن السيادة، أي الكلمة الأخيرة، تنتمي إلى العقل –الذي يمكِّن من تصور الزمن الآتي–أو تنتمي إلى الأهواء– التي ليس لها من أفق آخر سوى اللحظة الراهنة»(14).
   في الرؤية الدينية، «الخير هو الله (...) والأخلاق هي حُكمه»، أمّا في الرؤية المناقضة، فإن الأخلاق تتحكم فيها "القيمة العقلية للفعل" وحدها. لكن إذا أدرك الموتُ الله، فإن الأخلاق ستجد نفسها حتماً قد جرّدت من مبرر وجودها، و«القواعد الأخلاقية التي نخضع لها» تفقد معناها. حينها لا يتبقى لنا إلا أن نقبل بالمبدأ العقلي القبلي، بأن الإنسان مرغم على «اصطناع الخير غايته حالة من الأشياء المستحبة» لاسيما وأن «كل الناس متفقون على حقيقة أن هذه الحالة تستحق أن يُسعى وراءها»(15). فقط علينا أن نقبل فضلاً عن ذلك بأن هذه الفرضية، التي تجعل «البحث عن توافق لاحق ومشترك» و«البحث عن اللذة الراهنة والخاصة» يدخلان في تنافس بينهما، لن تكون مضمونة من طرف الجميع. وسيكون هناك دائماً شخص «لا تتوفر فيه فضيلة الصبر»(16)، ولن يتم إدانته، وليس مقبولا أن يتم معاقبته على خلفية موقفه.
   هاهنا يكمن الدليل على «أن الخير لا يمكن أن يكون حافزاً للتصرف وفقاً للعقل، لأن العقل ليس له من شيء في ذاته يمكنه أن يتجاوز الموافقة»(17)، ولا أن يستدعي "العقل الإلهي". وعليه فإن كان الله مات، فقد دفع هذا إلى افتراض أن موته راجع «إلى كونه كائناً من عقل»(18). بكلمات أدق: موت الله راجع بشكل رئيسي إلى كون «سيادته أعلنت عن التحكم في الأهواء بواسطة العقل. وجعلها اللحظة خاضعةً وتابعةً للمستقبل. فيما العقل في ذاته كان هو الهوى الأصيل، والمستقبل، واللحظة الحقيقية»(19). فضلاً عن ذلك فإن مفهوم الله المرتكز على المبدأ القائل بأن «العقل إلهي، وبأن «الجوهر الإلهي عقلاني»(20) يصبح للأسباب التي سبقت، غير مقبول بالكامل.
   معنى ذلك أن الحجة الإلهية لا يمكن أن تدرك نفسها بطريقة أخرى إلاّ باعتبارها كياناً عقلياً. الفرضية القائمة حول إله لا يعتبر تجسيداً للعقل هي أكثر عبثية من القول بأنه «نتيجة خارقة للجهل الإنساني»(21). إنّ هذا الجهل الأساسي هو الّذي يمنع من التعرف، «في غمرة الليل، على الكتلة الصامتة، المتهدِّدة، وغير المفهومة»(22)، أي بعبارة أخرى ما يسميه باتاي في مكان آخر "الشّعبةُ الملعونة". وعليه، فإن الإله الذي كان في الأصل يتطابق مع "أخلاق العقاب"، يعطى معنى لغير المفهوم بمطابقته مع المنع. فقط غير المفهوم يبقى شاملاً، تماماً ككلب مسعور يضع صاحبه «طوقاً حول رقبته»(23).
   إذا كان علينا إذن أن نقبل بأن الإله ليس «شيئاً بدون الأخلاق»، فيتوجب علينا أن نقبل أيضاً «أن الحديث عن أخلاق بدون عقاب قائم على توافق الهوى غير المبرر مع العقل، ليس حديثاً عن الأخلاق، ولكن عن حساب»(24). والخلاصة التي تنتج عن كل ما سبق تتمثّل في ما يلي: «إن الأخلاق لا تبدأ إلا إذا تم تغيير وجه العقل نفسه، على شاكلة غضب من ألوهية، ومن هوى غير مبررَين لكنهما خاضعان مع ذلك لقوانينه»(25).
   في هذه الحالة، سيغدو ممكناً القبول بأن «احتدام الأهواء سيكون هو الخير، الذي لا يمكن أبداً أن يكون تابعاً لبرودة القوانين النفعية، وبأن القوانين قد وضعت لتخدم الإنسان»(26). بالاستناد إلى هذه الأطروحة، يقدم باتاي الحجة التالية: «منذ اللحظة التي لا يعود فيها العقل إلهياً، لا يعود هناك ثمة إله»(27)، ومنذ اللحظة التي لا يعود هناك ثمة إله، يصبح كل شيء ممكناً.
   في محاضرة تعالج نفس المسألة [أخلاق أفلاطونية وأخلاق سادية]، يدقق باتاي بهذا الخصوص: «إذا نجحنا في فك الارتباط بين الأخلاق والإلهي، وبالضبط لو نجحنا في فك ارتباط العقل مع الإلهي، فإن التوافق العميق يكون قد رسا، ويكون الغضب الأخلاقي قد تم التخلص منه بشكل حاسم». النتيجة الحتمية لهذه «الوضعية المفتوحة بشكل كامل، والجديدة بشكل كامل» هي أن الناس سيفقدون المعنى والغاية اللّذين من أجلهما يتصرفون. «لا نعود نعرف حقيقة الأمر، يضيف باتاي، حينما نقول بأن شيئاً ما هو خير ما دمنا لا نعرف على أي أساس نعد الخير خيراً»(28).
   بحسب باتاي، هذا الالتباس يعود إلى «القسمة الأساسية والأصلية لمبدأين»(29) هما: النفس والمادة. وتفسيره: «ما دامت هذه القسمة قائمة فستكون دائماً هناك، مهما قلنا، أفضلية للنفس على المادة، وستحظى النفس بكل الأفضلية القابلة للإدراك، بما في ذلك الإلهي من جهة والعقل من جهة أخرى»(30). يتعلق الأمر من وجهة نظره، بقسمة ثنائية بمقتضاها «يجب أن ينظر إلى الإلهي كاختزال لمفهوم المقدس»(31). والمشكلة تكمن في أن هذا المفهوم الأخير لا يمكن أن ينظر إليه كشيء يمكن اختزاله في العقل»(32). هذا الانزلاق من مفهوم إلى آخر [من المقدس إلى العقل] سيكون من نتائجه وضعهما كليهما معاً، ضمن "العالم المتعالي" هذا فيما من الواضح أن «المقدس هو تحديداً نقيض المتعالي(33)، و [أنه] بشكل أكثر تحديداً محايثة(34)»(35).

الخميس، 26 نوفمبر 2015

سيادة الشرّ؛ جورج باطاي... والبراءة الآثمة للأدب: فيليب جورون



ترجمة ميلود خيزار
                                                               

Death and the Maiden, by Hans Baldung Grien
  في "الأدب والشّر"، الصّادر عام 1957 متناولاً مجموعة مقالات نشرت بداية بمجلة "نقد"، يكوّن جورج باطاي (1897-1962) فكرة موجعة وواخزة متعلّقة بحرّية "كيان" كلّ إنسان في مواجهته للضّغوط التي «تفرضها  حرية الآخرين».
  هذا الخط الفكري، المتداول على نطاق واسع من قِبل الفلسفة، والشّهوي من نواح كثيرة، لم يكفّ عن توجيه حياته وأعماله.
  هذه الحريّة التي أُريدَ لها أن تكون في حالة فلتان، بفهمها على أنّها سيادة، هي في مركز هذه الاختلافات الفلسفيّة، هذه التجاوزات السّوسيولوجيّة، هذه التّأشيرات الأنثروبولوجية وبالطّبع، هذه الإفضاءات الأدبيّة التي لا تتردّد في ممارسة "الخلاعة"، و الأدب "البُرازيّ" والفساد للدّلالة على جوهر الرّابطة الاجتماعيّة التي تستنزف أفعالها في متخيّلات عديدة الأشكال، والأكثر فضائحية منها.
   ثلاثة منظورات ترتسم بقراءة هذه الدّراسة، والتي تسمح باستيعابها وفق مراحل تحليليّة عديدة. للوهلة الأولى، يتعلّق الأمر تحديداً بمساهمة نقدية أدبيّة تطبيقيّة على عدد من أعمال وسِير لكتّاب يتمثّلون إشكاليّة الحريّة هذه في مواجهتها المستمرّة للشّر، بهذا التّجسيد المبتكر بكلّ عناية لـ "نحن- ذاتنا" مصطدماً بمبادئ أخلاقية تشدّه وتضمن له هكذا بعض الصّلابة. تهتم الدراسة بثمانية كتاب جسّدوا، حسب باطاي، هذه الحرية المذنبة: اميلي برونتي، شارل بودلير، جول ميشلي، وليم بليك، دوناتيان دو ساد، مارسيل بروست، فرانز كافكا وجان جينيه. وفي خطوة تالية يتعلّق الأمر بمقالة عاكسة للإنتاج الأدبي الخاصّ لمؤلفه، والذي نُشر جزء منه خُفية وبأسماء مستعارة عديدة(1). ثمّ وفي مقال ثالث، والذي يُعدّ بالنّسبة إليه فرصة لاستكشاف فورة الواقع في الخيال، يفحص عقد العلاقة المقامة بين فكرة وجود شرّ جنسي وبين فكرة أدب سيادي، لإظهار التّنامي السّوسيولوجي للعمل الأدبي المنخرط تحت هذا السّجلّ، بعيداً عن هذه المتاهات السّيكولوجية والتي من شأنها أن تدعم تواصلاً ممكناً بين المؤلّف والمتلقي.
  بدايةً سأمتنع عن تناول البُعدين الأوّلين للمقال موضوع البحث: البُعد المرئي، للتّحليل النّقدي الممارس على الأعمال المعنيّة أو للتّعليقات التي تناولتها؛ والبُعد الخفيّ، للتأمّل الأدبيّ والشّخصي. سأكتفي فقط بالبُعد الثّالث والذي هو ليس أقلّ أهميّة: ذلك الذي يكثّف بشكل ما كلّ سّوسيولوجيا باطاي بمجموعة مفاهيم- مفاتيح تُحيل إلى بعضها البعض. بالفعل، كدراسته المتعلّقة بالإيروسيّة المنشورة في العام ذاته(2)، يجب أن تُفهم، و بالّدرجة ذاتها، دراستُه "الأدب و الشرّ" في ضوء "خطوط القوّة"، ولكن أيضا "الشّقوق والكسور" [المعرفيّة أو الموضوعاتية] التي شكّلت الجهاز النّقدي لسوسيولوجيا باطاي في النّصف الثّاني من حياته.
  يقدّم المؤلف لملاحظته على الغلاف الخلفي [أوّل اتّصال بالقارئ الذي يتعامل مع الكتاب – الشّيء] بمثابة إدراج أو تحذير لتحديد مساحة الفرق بين الحيوان والإنسان، انطلاقاً من شرط مراعاة هذا الأخير لتوجيهات القواعد التي توفّر منهج السّلوك والمحظورات التي تشكّل جملة مثبّطات(3).
   إذا كانت هذه الأخيرة تفرض نفسها في المقام الأوّل كحدود يسعى ضمنها الاجتماعي إلى تنظيم نفسه وبالتّالي تفادي الوقوع في التّلاشي الفادح لمسألة استمراره، إلّا أنّها تظلّ غامضة، لأنّها تحيل إلى واجب الإنسان في تخطّيها وانتهاكها وسلوك مسارات محظورة. بحيث لا يعكس هذا الانتهاك جهلاً لدى من يموت بل نوعاً من الشّجاعة. هكذا، وكما يؤكّد باطاي في دعوة الإدراج، «الشّجاعة الضّرورية للانتهاك هي بالنّسبة للإنسان إنجازٌ» نعثر عليه في الحياة بشكل عامّ، وفي التّجربة الاحتفاليّة(4)، في الثّورة السّياسية والنّشاط الإيروسي والضّحك والإحراج، والقتل ولكن في الأدب أيضاً، وبخاصّة في الشّعر، الذي يمارس باستمرار دائريّة الإعجاب والتخلّي في اختراع الشرّ، يعني عند مشارف اكتشافه ونداء مسالكه الصّعبة. الشرّ هو، أساساً، تحدٍّ إزاء الموت الذي يجذب ويمدّد الحياة للقطع مع كلّ شيء.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2015

الكتابة والشرّ: آرثر ر. باولدرل

ترجمة محمد العرابي                                                 
                                                                

الكتاب يتحدثون عن النتانة (1)
كل كلمة هي شرَك (2)

تمهيد وأطروحة
Troy Henriksen - Devil Blues
   التأملات أدناه مدينة بوجودها للبحث الذي استمدت منه عنوانها: أي البحث عن تقارب، أو حتى بالأحرى: البحث عن قراءة يمكن أن نقول عنها إجمالية، لأنطولوجيا جورج باتاي الصادرة لأول مرة في نسخة أصلية بالفرنسية في 1957، بعنوان "الأدب والشر"، ومن جهة أخرى إلى مجموع الدراسات المكونة لكتاب جاك دريدا: "الكتابة والاختلاف"، الصادر في نسخته الفرنسية أيضاً، عشر سنوات بعد ذلك.
   عنواني – الذي يتضمن الموضوع والمضمون الأصليين لمقاصدي – يحِلُّ كما نرى، الكتابة مكان الأدب والشر مكان الاختلاف: وهي مناورة للاستبدال تستفيد، على الصعيد الطباعي والدلالي باستثمارها علاقات استبدالية [بارادغماتية] استراتيجية بين الأدب والكتابة من جهة، وبين الشر والاختلاف من جهة أخرى، من تجاورهما التركيبي وتُمثِّل إذن قلباً للعبارة يتَّبع منطقاً تكميلياً أو بدقة أكبر: تقوم إمكانيتها في ذاتها على منطق التكملة. وهذا الشكل يَخلُق ذاته عن طريق خطاب فلسفي وبالاعتماد على هذا الأخير [وإذن ليس في إطار الخطاب الأدبي أوالأخلاقي – أي فيما يسمح بالتفكير فيه، بل وفي ما يفترض صبغة أخرى ويقود كذلك إلى نتائج مغايرة]؛ وهذا ما يفسر أن الفلسفة، المهملة هنا تقريباً، لها أحقيتها في أن تكون الكلمة الخامسة تقريباً باعتبارها تتوسط الكلمات الأربع السالفة أو على الأصح المضمرة فيها تبعاً لتأملاتي – وعلى هذا، فكلمة "فلسفة" توجد هنا بالمعنى الذي هي عليه عند باتاي، الكاتب، الذي أجرى حوله الفيلسوف دريدا أبحاثه مقتفياً خطواته على هامش الفلسفة.

أدب                                    شر

كتابة                                    اختلاف
______________________________
كتابة                                     شر
            فلسفة
                (أدب)                                (اختلاف)               
  
مع هذه المناورة الشكلية، أو التي تظهر للوهلة الأولى أنها كذلك، يكون الخيط الناقل للمحتوى الذي يفرضه علي عنوان الكتابة والشر [بعنوانه الحافّ بمناطق الظل، بنسخته السالبة أو الموجبة، التي تشير شئنا أم أبينا: إلى الكتابة والاختلاف] قد تم تحديده سلفاً. يتمثل هدفي في أن أبين كيف أن باتاي، ومن بعده دريدا [من بعده، وليس من قبله]، يضعان مفاهيم الأدب، والكتابة، والاختلاف، والشر، في علاقة ببعضها البعض، وكذا طريقتهما المختلفة لإدراك علاقة الأنا بالآخر [هذه التنويعات المختلفة، بما فيها الانقسامات إلى فروع ثنائية متجانسة- متنافرة أو عقلانية-لاعقلانية] بحيث أن الانطلاق من هذه  النقطة بالذات، لا يجعل مفهومنا عن الفلسفة [المنظور الشكلي أو الخارجي، تقريباً] فقط، بل وحتى فهمنا للأخلاق [المنظور العملي أو الداخلي] معنيين بهذه العلاقة ويشكلان موضوعاً لتغيُّر جوهري؛ داخل هذا السياق ينصرف تفكيري الأساس نحو الأولى بينما يبدو الثاني ضمنياً ولن يحظى بالدراسة المفصلة – لضيق الحيز من جهة، ولكن بالأساس لأني لا أحمل صفة فيلسوف للأخلاق أو أني لا أعتبر نفسي كذلك مطلقاً.
     هناك، من جهة، الأطروحة المشار إليها والتي من خلالها يطوِّر كل من باتاي ودريدا في إطار أفكارهما عن الفلسفة والأدب، وعن الكتابة والاختلاف، استعمالاً جديداً ومخالفاً للاستعمال التقليدي لهذه المفاهيم والتصورات المعدَّلة بوضوح عن علاقاتها، مما يؤدي في الوقت نفسه بهذه التصورات إلى إحداث تغيير أكثر جذرية لفهمنا للخير وللشر. وهناك من جهة أخرى، الاعتقاد الراسخ الذي بحسبه يعرض باتاي ودريدا على هذا النحو في كتاباتهما بطريقتهما الخاصة ما سجله ميرلو بونتي بل وصاغه في مناسبتين كرغبات فلسفية بمفهوم برنامج عمل، مرة بالانطلاق من الفلسفة، والمرة الأخرى بالانطلاق من الأدب، فترة قصيرة بعد صدور كتاب "الأدب والشر" لـ باتاي [مصادفة لافتة للنظر، وإن كانت، من خلال كل ما نعرفه، تبقى زمنية محضة]. فمن وجهة نظر ميرلو بونتي، ينبغي علينا أن ننقِّح تصوراً للفلسفة يتأسس على «فكرة قلب العبارة التي تقول إن كل علاقة بالكينونة هي بشكل متزامن فعل الأخذ والتعرُّض للأخذ، الأخذ هو في آن مأخوذ، إنه مُسجَّل ومنقوش في الكائن نفسه الذي يأخذه»(3). تصور للفلسفة من هذا القبيل يريد أن يقول، دائما حسب ميرلوبونتي، بأن الفلسفة «لا يمكن أن تكون أخذاً كاملاً وفعالاً، وليست حيازة عقلية، لأن ما تقبض عليه هو زوال حيازة»(4)، إنها، أي الفلسفة، لا توجد إذن «أعلى من الحياة، في برج عاجي»(5) ولكنها «توجد في الأسفل. إنها تحت التجربة المتزامنة للآخذ وللمأخوذ في كل الحالات. وما تقوله، دلالاتها، لا ينتمي للامرئي المطلق: إنها تجعل الرؤية ممكنة من خلال كلمات. مثلها في ذلك مثل الأدب برمته»(6). وحتى نعطي لهذا الحدث كل ما يستحقه، يتوجب، كما يقول ميرلو بونتي مكان هذا التعليل، أن نحلل الأدب باعتباره «تدويناً في الكائن»(7):
   «الفلسفة، تحديداً كـ "كائن يتكلم فينا"، وكتعبير عن التجربة الخرساء من ذاتها، هي خلْق. خلْقٌ هو في الوقت نفسه إعادة دمج للكائن... إنها إذن خلق بمعنى جذري: خلق هو في نفس الوقت معادلة، والطريقة الوحيدة للحصول على معادلة(...) الكائن هو ما يتطلبه منا الخلق لكي نحظى منه بالتجربة»(8). وهذا هو بالضبط ما يقدمه الأدب حسب باتاي مع الملاحظة التكميلية والتي ليست عديمة الأهمية مع ذلك مقارنة مع ميرلو بونتي، والتي بموجبها يمنح الأدب هذا الشيء ولا يمكنه أن يمنحه إلا إذا اتخذ من الشر موضوعاً له، وإذن إذا صار الأدب في ذاته شريراً من بعض الوجوه، فالسبب يعود، إلى ما يقوم به من وصف للرعب وللفظاعات التي يكون الإنسان قادراً على ارتكابها. وعلى هذا النحو فهو يسمح للإنسان بأن يعيش تجربة نابعة من كيانه وإن رفض القبول بها على الصعيد العقلي المحض باعتبارها تكوِّن حقيقته، والتي يعرف أيضاً مع ذلك أن هذه الحقيقة تشكِّلُه، بحسب كلمات باتاي: تجربة للمستحيل تتطابق مع تجربة الكينونة المبلورة من طرف ميرلوبونتي والتي تأسرنا أكثر مما نقبض عليها ونفهمها، وإذن هي تجربة لنزع الملكية l’expropriation على شكل زهد في الذات. لكن بالتحديد فهذه التجربة التي، بحسب ملاحظتنا التكميلية المنشَّطة من طرف دريدا في مواجهة باتاي، ليست فقط سبق وتكونت، ولكنها أيضاً تحققت في الكتابة، ولا ينبغي لكي تتحقق أن ننتظر حتى تتخذ شكلاً خاصاً من الكتابة، باعتباره أدباً. وتلكم هي الأطروحة في مجملها، التي نتمنى إذن أن ننميها على الشكل التالي [على أنه لا يمكننا مع ذلك إلا أن ندرس هنا إلا جزءاً من هذه الأطروحة]:
    الكتابة تعنى الشر لأنها نوع من التأجيل [اختلاف différance *]، وبهذا المعنى فإنها ترجئ إلى حين الحضور/ المعنى [إنها تكمل عمل الفلسفة إذا كانت الفلسفة كعمل تعني "الرغبة المكبوتة"]، بيد أنها أيضاً تأجيل للشر الذي تدفع إلى قراءته تحت أشكال الفظاعات [لأن الحضور، أي الرغبة المكبوتة أو على الأصح فقدان السيطرة على الرغبات التي لا تعاني من أي تأجيل، لا تنفك عن الشر]. الفلسفة والأدب يتم إذن نقلهما بواسطة الكتابة بل وأكثر من ذلك يتم التقريب بينهما بفضلها: فالفلسفة تمكن من قراءة الشر بالمعنى الذي تكون فيه في الوقت نفسه أدباً – وإذن لا تبقى مجرد فلسفة "خالصة" [عقلية]، ولكنها تغدو مصابة بالعدوى على الدوام بواسطة الرغبة [اللاعقلية] أيّ بواسطة الشر أو العنف.
   هكذا نكون قد تركنا فجأة تمهيدنا وراء ظهورنا ونكون قد وصلنا مسبقا إلى لب الموضوع (in medias res)؛ فلنلاحظ الآن بالتفصيل وبحسب الترتيب التقاليدَ الدلالية للأطروحة التي تمَّ تقديمها على الفور، من أجل اختبار صلابتها، أو على الأقل قابليتها للتصديق. وبشكل أكثر تحديداً، فأنا لا أعطي إذن في الحقيقة إلا هذه المعطيات الأساسية والتي يتأسس عليها التمهيد والتي قادتني الرؤية في شموليتها المنعكسة إلى الأطروحة التي تم وضعها كفرضية تجريبية –أقيم الدليل إذن هنا بعد فوات الأوان (post festum) تقريباً. وبكلمات أخرى، علينا ألا نتوقع أي جديد منذ هذه اللحظة.

السبت، 9 مايو 2015

التجربة-الحد: موريس بلانشو


ترجمة: جورج أبي صالح
مراجعة: فريق مركز الإنماء القومي                                                                   

1
تأكيد الفكر السالب وشغفه

Gilles Berquet
ليُسمح لي، وأنا أفكّر في جورج باتاي، بالتأمل أمام غياب بدلاً من ادّعاء عرض ما يتعيّن على كلّ واحد أن يقرأه في كتبه. وهذه الكتب بالذات لا تشكّل إطلاقاً جزءاً صغيراً جداً من الحضور الغائب، ومجرّد أثر له. إنها تعبّر عن الأساس وهي أساسية. ليس فقط بجمالها وروعتها وقوتها الأدبية التي لا تضاهيها أية قوة أخرى، إنما بعلاقاتها مع البحث الذي تنمّ عنه. ومن المذهل حتى أن يكون فكر بمثل هذا التحرّر من التماسك الكُتُبي قد استطاع أن يتوكَّد إلى هذا الحدّ، دون أن يفضح نفسه، في أثر تحتفظ القراءة بالقدرة على بلوغه: شرط أن تتناوله ثانيةً في مجمل تعابيره وبإبقائها في الوسط، إلى جانب التجربة الداخلية، والمذنب، والجزء اللعين، الكتب التي نشرها باسم آخر غير اسمه، والتي لا مثيل لقوة حقيقتها: إنني أفكّر أولاً بـ السيدة إدواردا (Madame Edwarda) التي تكلَّمتُ عليها سابقاً مسمّياً إياها بضعف «أجمل رواية في عصرنا».
إن من شأن قراءةٍ كهذه أن تزيل النعوت التي نحاول بواسطتها أن نجعل ما نقرؤه مثيراً للاهتمام. بالتأكيد، إن الجمع بين كلمات الصوفية والشبق والإلحادية يسترعي الانتباه. فالتكلم على كاتب معاصر وكأنه إنسان دخل في حالة انخطاف وتصرَّفَ تصرفاً إلحادياً ومدح الفسق واستبدل المسيحية بالنيتشوية والنيتشوية بالهندوسية بعدما طاف حول السرّيالية [إني أختصر بعض التقارير السليمة النيّة] يعني تقديم الفكر في عرض مسرحي وخلق شخصية خسالية دون أقلِّ اهتمام بدقائق الحقيقة. من أين تأتي هذه الحاجة إلى عدم البحث عن الحقيقة إلاّ على مستوى الطرفة وبواسطة زيف الإثارة؟ بالطبع، إن كلاًّ منا –كما نعرف- مهدَّد بغوليمه (Golem)*، ذلك التمثال الصلصالي الغليظ، صُنونا الزائف الصنم الساخر الذي يجعلنا مرئيين والذي أتيح لنا، ونحن أحياء، أن نحتجّ عليه بكتمان حياتنا؛ لكن، إذا به يديمنا، وقد بتنا أمواتاً: كيف نمنعه من أن يجعل من اختفائنا، ولو كان الأكثر صمتاً، اللحظة التي يتعيَّن علينا فيها، وقد حُكم علينا بالظهور، أن نجيب بسرعة على الاستنطاق العام بالاعتراف بما لم نكُنْه؟ وأحياناً يكون أقرب أصدقائنا، ذوو النيّة السليمة بالتكلّم عنا وحتى لا يتخلّون عنا بسرعة زائدة عند غيابنا، هم الذين يساهمون في هذا التنكير الخيّر أو المؤذي الذي سيرانا فيه الغير من الآن فصاعداً. كلا، لا خلاص للأموات، الذين يموتون بعد أن يكونوا قد كتبوا، وأنا لم أميّز قط في الخلود الأكثر مجداً غير جحيم متكلّف حيث يظهر النقّاد –نحن كلّنا- بمظهر شياطين حقيرين.
لقد فكّرت في هذا طويلاً، ومازلت أفكّر فيه. لا أرى كيف يسعنا أن نستحضر بعبارات صحيحة فكراً بمثل هذا التطرف والحرية، إذا كنّا نكتفي بتكراره. ويصحّ هذا عموماً على كلّ شرح. فالشارح لا يكون أميناً عندما ينسخ بأمانة؛ فما يستشهد به، الكلمات والجُمَل، بفعل كونها مستشهداً بها، تغيّر المعنى وتتجمّد أو بالعكس تأخذ قيمة مفرطة الكبر. فالتعابير القوية جداً التي يجوز لجورج باتاي أن يستعملها تخصّه هو وتحتفظ، تحت سلطته، برزانتها؛ لكن، أن يحدث لنا أن نتكلّم بعده على يأس ورعب وانخطاف ونشوة، فلا يسعنا غير أن نشعر بخَرَقنا وأن نشعر أكثر بريائنا وتزويرنا. لا أقول إن استعمال لغة مختلفة تماماً، مجرّدة من هذه الكلمات الهادية، يقرّبنا أكثر من الحقيقة، لكن القراءة تبقى، على الأقل، سليمة في وفاقها الأكثر براءةً مع فكر مصون.
ضمن هذا المنظور، أعتقد أن عمل الخطاب المصاحب –وهو عمل يجب أن يميل إلى التواضع- سوف يقتصر على اقتراح نقطة يمكننا أن نسمع منها بوجه أفضل ما ستبرزه القراءة وحدها. ومع ذلك، يمكن أن تتغيّر هذه النقطة. لنبحثْ أين نأخذ مكاننا حتى لا تُعتبر التجربة-الحد، تلك التي سمّاها جورج باتاي «التجربة الداخلية» والتي يجذب إثباتها بحثه إلى نقطة ثقلها الأكبر، حتى لا تُعتبر بأنها ظاهرة غريبة، وفرادة عقل خارق، بل تحفظ لنا قوتها الاستجوابية. سوف أذكّر بإيجاز بما هو مقصود.

السبت، 18 أبريل 2015

السقف؛ نحو قراءة نسقية: فيليب سولليرز

      
ترجمة: محمد العرابي           
               

«لا شيء يكون مغلقاً أمام من يُقرُ ببساطة بالشروط المادية للفكر».

Andre Masson, Removal
         بنفس الحركة الواثقة والعقلانية يستبعدُ الإنسانُ السويُّ، الإنسانُ المثقف دفعةً واحدةً الموتَ والكتابةَ والتصوفَ والحيوانَ غير المدجَّن، والفجورَ. وبشكل عام، يؤسِّس الإنسان الرصينُ والعاقلُ حياته على الوعي بانقطاع يضمن وجوده الخاصَّ داخل مجتمع مدنَّس، تحظى فيه بالمقابل مفاهيمُ الفرد والموضوع بتوصيفات التقديس. من جهاز إلى آخر، ومن شيء إلى آخر، يلحقُ الشَّرخ الهويةَ المنفصلةَ، الإيمانَ بالحرية، امتلاكَ الذَّات، مصادرةَ الشيء غير العضوي، التشظي في إطار العائلة والشخص. لنمعن النظر مثلا، في المشهد الحضري الذي نجد أنفسنا من الآن فصاعدا محاصرين داخله: إنه عبارةٌ عن أكوام منْ علب متراكبة أو متحركة فوق عجلات لا تزيد الانفصال الجسدي إلا تفاقماً، مقدمةً إيَّاه في شكل إخراجيٍّ يمعمِّم العزلة. والمكان الذي سيشهد نهايتنا، أي المقبرةُ، يَصل بهذه المنظومة إلى غايتهاـ ولا شيء يصدمنا أكثرَ من نَبش القبور، وانتهاك الموتى. وهذا ما أدركته الحركات الثورية، حين عمدت من بين أوّل أعمالها، إلى المساس بهذه المحاكاة الساخرة للخلود اللصيقة بهالة الموت: هكذا عرَض الشعب في إسبانيا عظام رجال الدين؛ فيما تمَّت في بكين إعادةُ تعميد وتسمية أكوام البقايا البشرية الغربية، باعتبارها رموزاً للاستعمار. وهذه الأعمال لا يمكنها إلا أن تَصدم وعياً منظماً، ومدجناً، وتقوِّض الاطمئنان الذي اختار الإنسان الغربي أن يتحصَّن داخله. كما أنها تؤدي إلى نوع من التدنيس الجذري الذي يُعيد مساءلة واقعٍ عُدَّ غير قابل للمساءلة، ومن ثم تحويله إلى مشهد وإلى خيال وإلى تميمة تُقدم إذن محرومة من المعنى.
     إن العبور من المنقطع (الخاص بعالم حامل للدلالة مشكَّل من أفراد وأشياء) إلى المتصل (المتجلي من خلال الموت، والعنف والثورة) يستعيد اللعبة الأساسية للمنع (l’interdit) والانتهاك (la transgression). فتاريخيا اعتبرت كل من الحيوانية والتضحية والنزعات الدينية الباطنية، وما سمي بـ الجنون أو بـ الإيروسية [بيد أن هذه الكلمات لم تعد من قاموسنا]، وأخيراً الاستعمال اللامتناهيَ للغة [الأدب] وإن كان ذلك يحتاج مزيد إيضاح، اعتبرت حتى وقتنا الحالي مؤشرا على الأمكنة المثالية لهذا العبور المتواصل والغامض.
    ونقر بمساهمة جورج باطاي في إعادة التناول والدراسة المنهجية للروابط الموجودة بين هذه الحركات. بهذا المعنى تختطُّ مؤلفات الإيروسية والنصيب الملعون (الحصاد التطبيقي لمؤلف: التجربة الداخلية) مساراً فكرياً لم يكتمل بَعد، مساراً سريعاً ومُحرقا لاقتصاده نفسه. «ألمح في مجموع هذه الحركات، يكتب باطاي، تشنُّجاً يعرِّض الحركة الشاملة للكائنات للخطر»: نعرف بأنَّا مدعوُّون لأن نصبح هذا التشنُّج الشمولي، ومع ذلك يبقى لنا جانبٌ نتمكن من خلاله ليس من احتوائه أو رؤيته، ولكن من تحديد مداه الحقيقي. ونظراً لوجودنا، من دون شك، في عالم يُحتضر، وباعتبارنا هذا التكرار المُنحطّ الذي يحتضر: فما زال في جُعبة الموت الكثيرَ ليُخبرنا به، هنا، والآن، في هذا الزمن الشائخ، المُتخم والمسدود.
    يعتبر كتاب الإيروسية كتاباً واضحاً. ولكنه أيضا كتابٌ مِلحاحٌ وتكراري، بحيث لا تعلن أطروحته عن نفسها، على ما يبدو، بسبب بساطته البالغة. ينبغي ألا يُنظر إليه فقط، بكيفية سطحية، على أنه مجرد مرافعة لصالح الانتهاك أو الخرق. ولتشكيل الرؤية العامة المقترحة هنا من طرف باطاي، ينبغي الانطلاق من المعطى الأساسي للعلاقة منع/خرق، بإعطاء الكلمتين نفس القيمة، مع التنويه بكل ما يقتضيه ذلك من وضوح بأن هذا الزوج لا يكتسب دلالته إلا في علاقة أحد طرفيه بالآخر. بيد أن الصعوبة تكمن فيما يلي: مع نزوع كلمة انتهاك لمحو وإقصاء كلمة منع [في مجتمع فقد المنع كل قيمة لديه] يصبح من الواجب البدء بإعادة الاعتبار للمنع، وهذا في مستوى اقتصر على جورج باطاي وحده، لكنه سيغدو منذ اللحظة ـ في وقت يتزامن فيه التراخي والانقباض الذي تتعرض له ثقافتناـ الميدانَ الذي سيجري فيه بالنسبة لنا مصير الفكر اليقظ. وهذا المستوى، في كتابة باطاي، هو مستوى التقابل الظاهري خطاب/صمت ولما يمكن فهمه من الكلمات الملتبسة لـ التجربة الداخلية. نقطة واحدة تظل في حاجة إلى تفصيل.ـ وستبقى ربما كذلك.ـ وكل الجهد ينبغي أن يتوجه صوب هذه النقطة أو بالأحرى نحو هذا «السقف من الهيكل، ومن سيفتح عينيه جيداً من علو هذا السقف، دون أن تكدِّر رؤيته حبّةٌ من الخوف، سوف يرى العلاقة بينها من كل الزوايا المتقابلة». ومفهوم السقف لا تختزله النقطة المثالية التي يحددها بروتون «كنقطة الفكر التي نكفُّ فيها عن النظر إلى الحياة والموت...الخ. في تناقضهما» بالمعنى الذي لا يجعل المسألة متعلقة في هذه اللحظة بفكر أو برؤية، بل وبشكل أكثر مادية، بـ  فضاء وبالأخص بعلاقات، لأن الفرق جوهري بين الصيغتين [وهذا ما يمكننا دون شك، من فهم كيف يوجد كل من باطاي وبروتون على النقيض من هيغل]. وبالفعل لن تعود المسألة هي مجرد: ماذا يمكننا أن نراه من موقعنا على السقف؟ ولكن أيضا: ما هذا السقف في حد ذاته؟  واستطراداً: كيف يُعقل أن أحداً من حيث المبدأ لم يشغل نفسه بالتفكير بوجود سقف؟

السبت، 7 يونيو 2014

مفهوم الالتزام/ في السجال بين "سارتر" و"باتاي": فرج الحوار

رسم Paul Clodel Cochard
سنحاول في مداخلتنا(*) هذه أن نتناول مفهوم "الالتزام" عبر السجال الذي دار بين اثنين من أبرز كتاب فترة ما بين الحربين في فرنسا، هما جان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) وجورج باتاي (Georges Bataille). ولبّ الخلاف بين هذين المفكرين يتمثل في كون الأول يعتقد أن "النثر هو نفعي في جوهره". وهو لذلك "يُعرّف الناثر بكونه ذاك الذي يصرف الكلام على وجوه شتى، ويتمثل دوره في التعيين والتعليل والرفض والتساؤل والتوسل والإقناع والإيحاء والشتم". فإن حاد عن هذا النهج أضحى يتكلم فيما لا جدوى منه(1). أما جورج باتاي فيرى أن الكلام، والأدب بصورة خاصة، إذا اقترن بالمنفعة، فقد ارتهن نفسه لخدمة ما لا جدوى له فيه، ووقع بذلك في الاستلاب، فمن جوهر الأدب، في نظر باتاي، "أن لا يخضع لسيد أبدا" (NON SEVIAM)، فهو يدين بالمبدإ الشيطاني الذي يرفض أن يكون في خدمة أحد آخر غير نفسه لأنه شيطاني التوجه بالضرورة(2).
يتعين على الكاتب – وهو الناثر، كما ينص على ذلك جان بول سارتر، الذي يعفي الشاعر من ربقة الالتزام لأسباب يطول شرحها في هذا المقام(3) – أن يمسك بالقلم إلا إذا عاين في العالم حوله خللا أو قصورا يعرض الحرية، وهي في نظره قوام الوجود، للخطر. ويذهب سارتر، تماهيا مع برايس باران (Brice Parain)، أن "الكلمات هي مسدسات محشوة بالذخيرة"، وأن الكاتب متى تكلم أطلق النار"(4). ويضيف سارتر أن على الناثر، إذا ما عزم على إطلاق النار، أن يقوم بذلك على طريقة الجنود وليس على طريقة الأطفال(5). وقد كان سارتر واعيا تمام الوعي أن الكلام أعجز من أن يكف الشطط المتأصل في الكائن البشري، ذلك الذي يُخرج القسوة في حلة الرّحمة فيهوِّن على الإنسان الجرائم الفظيعة التي عجزت دونها تعاليم الأرض والسماء. لذلك قرر أنّ "على الكاتب أن يتخلى عن قلمه في وقت ما وأن يحمل السلاح" للذود عن الديمقراطية والحرية(6).
كان سارتر إذن يدرك جيدا أن ليس بإمكان الكتاب أن يُغير العالم، ولكن هذا الوعي بقصور الكتابة لم يمنعه من اعتبارها فعلا أساسيا، بل مركزيا بالنسبة للروائي تحديدا، "هذا الإنسان الحر الذي يتوجه إلى أناس أحرار بالضرورة سواء أتناول في أدبه الأهواء الفردية أم هاجم النظام الاجتماعي برمته". وسبب ذلك في نظره أن الحرية هي الموضوع اليتيم الذي يتعين على الناثر أن يعالجه. وهو ملزم بمقاومة الاستبداد والفاشية لأن "كل محاولة لاستعباد قرائه تهدد فنه مباشرة"، فضلا عن حياته(7). ويخلص سارتر من ذلك إلى أن إرادة الحرية هو هدف كل من يمسك بالقلم. وعليه، فإن الناثر حالما ينخرط في عالم الكتابة، يصبح بخياره أو رغما عنه، كاتبا ملتزما(8).
أن يقترن فعل الكتابة بالحرية بصورة عضوية يعني أن الكاتب يتوجه بالضرورة إلى "قارئ عالمي"، أو بعبارة أخرى "إلى الإنسانية قاطبة"(9). وفي هذا الإطار، تكمن وظيفته أساسا في "تنقية" الحرية من شوائب الأهواء والعرق والطبقة والوطن التي علقت بها ليرقى بها إلى مستوى القيم الإنسانية المشتركة(10). إن مجرد أن يمسك الكاتب بالقلم يجعل منه "ضميرا خارج الزمان والمكان"، ويتحول بذلك إلى تجسيد حي "للإنسان الكوني"(11). وفي هذا الإطار يصبح الأدب تجسيدا للحراك الذي يتسنى به للإنسان أن ينعتق في كل لحظة من ربقة التاريخ، أي أن يمارس فعل الحرية(12). ويقرر سارتر في هذا السياق أن كل محاولة من الناثر النأي بفكره وأدبه عن الهموم الاجتماعية والتأنق في الظواهر الشكلانية والتقنية، حرصا منه على استقلالية الأدب، إنما تخدم في حقيقتها مصالح التوجهات المحافظة صلب المجتمع(13).
 الحرية هي جوهر الكتابة وهدفها الأسمى، لا يُقبل الكاتب على الورق إلا ممتطيا صهوتها، لينازل "الشر القاهر الذي ينخر العالم دون أن يقدر على إفنائه تماما"(14). والشر هو الظلم والاستبداد اللذين يستهدفان الحرية، وهو أيضا في المجتمع الطبقي المعادي جوهريا لقيم العدالة والمساواة والانعتاق. ووظيفة الأدب هو أن يدفع بالإنسانية نحو أفق "الخير" المتمثل في إقامة مجتمع تزول فيه الفوارق الطبقية(15). أن تكون الكتابة "منازلة" أو "مبارزة" يعني أولا أن "الكلام في نظر الكاتب الملتزم هو في مقام الفعل الذي يغير العالم عندما يعري فيه نواقصه. ويقرر سارتر في هذا المقام أن تسبق الكشفَ إرادةُ التغيير"(16). وهكذا ينتفي، حسب سارتر، التعارض الظاهر القائم بين الكلام والفعل. ورغم إقراره أن الكتابة لا يمكن أبدا أن تتساوى بالفعل، وأن الكاتب لايؤثر في قرائه بصورة مباشرة، فقد قرر، على عكس ذلك، أن الروائي يتوجه، عبر كتبه، إلى نوازع الحرية في قرائه فيستثيرها ويحفزها على الحركة. ويخلص سارتر من ذلك إلى أن الأثر الكتابي هو شرط أساسي لفعل التغيير(17) وأن الكتابة هي ضرب من الفعل الحربي، خاصة وأن الكاتب، أسوة بالجندي، يسعى لإقامة "المدينة الفاضلة". ويعتبر سارتر هذا الفعل فعل انعتاق لأنه ينخرط في مسار التاريخ، باعتبار أن هذا الأخير يتقدم ضرورة نحو الأفضل.
هذا التصور "الساذج"، في نظر جورج باتاي، لفعل الكتابة يقوم على مسلّمة لا تختلف في جوهرها عن المسلمات الغيبية، مفادها أن مفاهيم "الخير" و"الشر" و"التاريخ" "والحرية"، وما في معناها، هي مفاهيم ثابتة، ومشتركة بين البشر جميعا، فضلا عن طبيعتها النفعية البديهية التي تحولها إلى قيم أصيلة في سلم القيم التي يتعين على الأدب، حسب جورج باتاي، أن يستهدفها بصورة مباشرة، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من منظومة النظام، وأن النظام – أي نظام – هو عدو موضوعي للحرية التي يقوم عليها فعل الكتابة. وقد قصر جورج باتاي همه، في رده على جان بول سارتر، على شرح سوء الفهم الأزلي حول دور الكاتب ومعنى فعل الكتابة. وفي هذا الاتجاه، يقر باتاي أنه، وإن كان ليس ضد العقل والنظام الذي يفرزه بصورة مبدئية، إذا ما تأكدت الضرورة إلى ذلك، فهو يعتبر أن أجمل ما في الوجود وأعظمه أثرا على الإنسان هو ما يفيض عن الحاجة النفعية، ذلك الذي يدمر إذ يخلب اللب حتى ليكاد يكون فوق طاقة الاحتمال(18).
وبناء على العلاقة العضوية التي تربط الحقيقة بالفظاعة والكدر، يقرر باتاي أن "الحياة هي الرغبة في كل ما يمكن التعلق به بدون حدود"(19). وموضوع الرغبة هذا لا يتوافق في الغالب مع الاتجاه الذي يقرره الذوق العام، كما هو الشأن مثلا مع المسألة الجنسية (Erotisme) التي جعل منها باتاي قضية مركزية يمكن من خلالها النفاذ إلى حقيقة الإنسان التي لا تكون، على حد تعبير موريس بلانشو" (Maurice Blanchot) إلا "فاضحة"(20). وفي هذا الإطار يعبر باتاي عن ضيقه بطغيان النزعة الإنتاجية في تصور فعل الكتابة الأدبية على حساب ما يعتبره هو جوهر هذا الفعل، والذي يختزله في مصطلح مركزي لديه هو "المخاطرة" أو "المجازفة" (La mise en jeu)، يقرر من خلاله أن اللذة تقدر كميا (volume) وأن المجازفة يجب أن تقدر باعتبار قوتها وشدتها (intensité).
نستنتج مما تقدم أن باتاي، خلافا لسارتر، يجرد فعل الكتابة من التوظيف النفعي، الذي يحول الأدب إلى مجرد أداة في خدمة أهداف منافية له جوهريا، ويقصر دوره على ضرورة "خلط الأوراق"، كما قرر ذلك، متحدثا عن تجربته الخاصة، في الحديث الذي أجرته معه مادلين شازال (Madeleine Chapsal). ويعني باتاي بخلط الأوراق ربطه في كتاباته، "بصورة مشاكسة وصادمة وفاضحة، الفكر الديني في أعمق تعبيراته بالضحك"(21)، وهو ما يفضي حتميا، حسب رأيه، إلى فتح عالم النظام والتناسق (أي النظام القائم) على الهوامش والتخوم التي يتجاهلها عادة أو يزدريها. وفي هذا السياق يتنزل حديث باتاي عن البطل السادي، لا باعتباره مثالا يحتذى، ولكن لأنه يجسد بكل وضوح قيمة فعل المجازفة كشرط أساسي لفعل الكتابة. ويوضح باتاي موقفه هذا بقوله: "لسنا معنيين بالضرورة للقيام بالقفزة التي أنجزها ساد على وجه الخصوص في وصفه لهذه الشخصيات المتوحشة. ولكن، إن لم يكن من الضروري أن نتصرف كهذه الكائنات، فإن التجاوز الذي يفترضه سلوك هؤلاء الوحوش هو الطريقة الوحيدة لتقدير عرض الهوة"(22) التي تفصلنا عنهم، أي بين ما هو كائن فعلا وما هو كائن افتراضا.
من هذا المنطلق بالذات قام باتاي بنقد الصورة الرومانسية للكاتب الملتزم، كما رسمها له سارتر في كتابه الذي أشرنا إليه آنفا، مقررا أن الأدب ليس في خدمة "الخير"، ولا يتعين عليه أن يشعر أنه مضطر للاضطلاع بهذه المهمة، حتى ولو رغب في ذلك، لأن هذا الدور يتعارض مع جوهر فعل الكتابة. فربط الأدب بالخير – وأي خير هو المقصود هنا؟ - يحيد به عن وظيفته الفطرية ويحوله إلى مجرد دولاب من دواليب آلة العمل والإنتاج. ذلك لأن "جوهر الأدب، يضيف باتاي، أقر الكاتب بذلك أم لم يقره، يتجلى في التبذير، وفي انعدام الهدف المحدد، ويتجلى في الهوى الذي ينخر الكائن، لا غاية له خارج ذاته، كل همه أن ينخر"(23).
وحتى لو افترضنا جدلا أن على الأدب أن يضطلع بمهمة الدفاع عن مثال ما، فإن هذا الأخير لا يمكن أن يتماهي مع المنظومة الأخلاقية القائمة بسبب "التنافر بين الأدب والتصور الساذج للأخلاق"(24). ويفسر باتاي هذا التنافر أولا باستحالة فعل الكتابة بدون الحرية، وثانيا بسبب النزعة الحركية، كما نظَّر لها سارتر، الرامية إلى جعل الأدب خادما طيعا "لمشاريع المجتمع النفعي". عندما يقع "الكاتب الحق" في هذه الخطيئة فإنه يجرد أعماله، على افتراض أنها أدت الوظيفة التي أُنجزت من أجلها، من "حقيقتها المطلقة"(25). ويفسر باتاي رفضه القاطع لربط الأدب بأغراض نفعية، كما هو الشأن لدى سارتر، بكون "الأدب، أسوة بالحلم، هو تعبير عن الرغبة – أو موضوع الرغبة – وهو يفترض تبعا لذلك غياب الإكراه"(26).
إن ما يرفضه باتاي رفضا باتا، في نظرية الالتزام كما قررها سارتر، هو حطها من شأن الكتابة عندما جعلت منها فعلا تعويضيا، تقتصر وظيفته على إنتاج المعنى. ويعتبر باتاي أن الكتاب الذين يمارسون فعل الكتابة وفقا للمقولة السارترية، هم من "الكذابين والعميان"(27). ويقرر، بناء على هذا، أن "من حق الكاتب أن يقتصر على الصمت كخيار وحيد، أو أن يجنح إلى هذا الانعتاق العاصف الذي يتمثل في إضافة شيء ما إلى النظرة المحيرة، تلك التي تسحر وترعب – وهي تلك التي تتجلى للإنسان في نفسه على الدوام"(28).
يبرر باتاي رفضه للفعل الأدبي كفعل حركي من منطلقات عملية بحتة تقوم على حقيقة، بديهية لديه، مفادها أن "التنديد اللفظي"(29) هو فعل عبثي. ويذهب باتاي أبعد من ذلك عندما يقرر، متلاعبا بالمقولة الماركسية الشهيرة، أن "الفعل هو، من كل أنواع الأفيون، ذلك الذي يؤدي إلى أعمق حالات النوم"(30). ويفضي باتاي من كل هذا إلى نتيجة أولية عبر عنها بقوله إن "الحديث الذي لا يصاحبه فعل يسبب النتانة"(31)، في إشارة منه إلى الموت. وفي نقده للأسس التي تقوم عليها نظرية الالتزام لدى ساتر، أضاف باتاي أن صاحب "الوجود والعدم" تناسى أن الالتزام لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن الحرية، ونظر "لالتزام يقوم على الإكراه"(32).
قد يتبادر إلى الذهن، بناء على ما تقدم، أن جورج باتاي يناهض مفهوم الالتزام في أساسه لارتباطه بمفهوم الحركة والهدف اللذين يقوم عليهما صرح النظام النفعي. والحقيقة أن باتاي، رغم رفضه المبدئي لكل أنواع التوظيف التي من شأنها أن تشوه طبيعة الأدب، لا يمانع في أن يضطلع الكاتب بمهمة تعليمية، تتمثل في "ضرورة أن يأخذ الكاتب على نفسه أمر البرهنة على أن الإنسان سيظل على الدوام محل إبهام"(33).
وبناء على هذه النتيجة يرى باتاي أن دراسة أعمال الماركيز دي ساد أمر ضروري لأنها تصلح الإنسان مع الهول الذي يكون جزءا لا يتجزأ من ذاته. وأهمية ساد تكمن بالتحديد في كونه "كان على يقين أنه قام، على الصعيد المعرفي، باكتشاف حاسم عندما أقام الدليل على أن الجريمة هي مصدر التذاذ للإنسان، تشبع فيه نوازعه ورغائبه الأكثر قوة"(34). فإن كان للأدب من وظيفة، يشترك فيها مع الفلسفة، فإنها تتمثل في إماطة اللثام عن هذا الجانب المظلم أو الملعون (part maudite) في الإنسان. وأهمية الماركيز دي ساد بالذات أنه "يمنحنا فرصة الوقوع في هاوية الرعب، هاوية يجب علينا أن ندركها جيدا"(35).
ويفضي باتاي، من كل ما تقدم، وعلى النقيض تماما من سارتر، إلى أن الأدب يكتسب معناه وقيمته من كونه أولا "فعل أساسي أو لا يكون"، وأنه بصفته هذه مرتبط ارتباطا عضويا بالشر، بل بأشد أشكال الشر حدة. وفي هذه العلاقة بالذات تكمن قيمته المطلقة"(36). فإن كان من ضرورة للالتزام، فإنه لا يجب أن يخرج عن هذا الإطار، ولا أن يتعدى مهمة التدليل على أنه "يوجد داخل كل إنسان قطرة من أريال (Ariel) وقطرة من كاليبان (Caliban إضافة إلى قدر منعدم الشكل والهوية (...)، نمثله للتبسيط بالفحم الذي يمكن أن ينقلب حجرا كريما في حالة ما ثابر أريال أو استقال"(37). بهذه الصورة مثل باتاي لتلازم مبدأي الشر والخير في الذات البشرية، ليفضي من ذلك إلى أن مقدار "الفحم" فيها، الذي يرمز إلى ما أسماه "جزءها الملعون"، يقع خارج نطاق العقل، وبالتالي خارج إرادة الإنسان. هذا الجانب المظلم من الذات الإنسانية تفصح عنه تخوم الجنس والموت والجنون الخارجة عن كل الحدود.  
فرج الحوار

الهوامش:
(*) ألقيت هذه المداخلة في إطار ندوة نظمتها كلية الآداب سوسة حول علاقة الأدب بالالتزام بتاريخ 19 أفريل 2014.
(1) جان بول سارتر، ما الأدب؟، دار غاليمار، سلسلة "دراسات"، باريس، 1948، ص: 25.    
(2) جورج باتاي، "رسالة إلى روني شار" (René Char)، ضمن الأعمال الكاملة، دار غاليمار، باريس، 1988، ج. 12، ص: 19. 
(3) ما الأدب؟، مصدر سابق، صص: 24-25.  
(4) ن. م.، ص: 29.  
(5) ن. م.     
(6) ن. م.، ص: 72.    
(7) ن. م.، ص: 71.    
(8) ن. م.، ص: 72.    
(9) ن. م.، ص: 70.     
(10) ن. م.، ص: 75.   
(11) ن. م.، ص: 111.    
(12) ن. م.، صص: 111-112.    
(13) ن. م.، ص: 162.    
(14) ن. م.، ص: 72.    
(15) ن. م.     
(16) ن. م.، ص: 28.  
(17) ن. م.، ص: 163.    
(18)  "رسالة إلى روني شار"، مصدر سابق، ص: 20.  
(19) ن. م.، ص: 22. 
(20) موريس بلانشو، الكتاب القادم، دار غاليمار، سلسلة "دراسات"، باريس، 1959، ص: 262.   
(21) مادلين شازال، خمسة عشر كاتبا، دار غاليمار، باريس، 1951، ص: 18.    
(22) الأعمال الكاملة، ج. 7، ص: 451.   
(23) "رسالة إلى روني شار"، مصدر سابق، ص: 25.  
(24) ن. م.، ص: 22.   
(25) ن. م.، صص: 23-24. 
(26) ن. م.، ص: 22.  
(27) ن. م.، ص: 18.  
(28) ن. م.، ص: 22-23.  
(29) ن. م.، ص: 18.  
(30) ن. م.   
(31) ن. م.، ص: 19.  
(32) ن. م.   
(33) ن. م.   
(34) الأعمال الكاملة، ج. 10، صص 168-169.   
(35) الأعمال الكاملة، ج. 12، ص 455.   
(36) الأعمال الكاملة، ج. 9، ص: 171.
(37) "رسالة إلى روني شار"، مصدر سابق، ص: 16.   

نشر خاص بالمدونة