ترجمة
حسين عجة
![]() |
| لوحة لـ إميل زولا، رسمها إدوارد مانيه |
منذ وقت قريب، شهدنا حالة غريبة تماماً. لقد استولت
نوبة تقوى عل باريس، وأنا أتكلّم عن نوبة حادّة، أي واحدة من تلك الأزمات المربكة،
الناتجة عن جهل الجمهور وغبائه. حينما يعلن المرض عن نفسه، يصاب به من هم أكثر ذكاءً؛
لكنّهم لا يموتون جميعهم منه، وإنّما يستسلم الجمع للعدوى. كان ذلك ما يشبه تقليعة
دامت أسبوعين. ففي هذه المرّة، اكتشفت الصحافة فجأة ما تطلق عليه، ضمن استنكارها
له، تسمية الأدب الفاحش.
إنّ القصة طريفة للغاية، وسأحكيها مطوّلاً. تأسّست
صحيفة، باسم "جيل بلاس" (Gil Blas)، ولم
تكن تبيع، في بداياتها، نسخاً كثيرة. وكنت أسأل، أحياناً، مدراء تحرير الصحف
المنافسة عن حظوظ القادم الجديد من النجاح؛ وكان أولئك المدراء يردّون عليّ بهزّ أكتافهم
مع ابتسامة ازدراء، لأنّهم ما كانوا يخشون شيئاً، فتلك الصحيفة ما كانت تباع. ثم رأيت
فجأةً أنوف المدراء تستطيل: صارت "جيل بلاس" تباع، فهي قد اتّخذت لنفسها
تخصّصاً يتمثّل في الكتابات اليومية الخفيفة، التي جلبت لها جمهوراً بعينه، أعني
الجمهور الواسع، إذا شئنا، من الرجال وخاصة من السيدات اللواتي لا يمقتن الخلاعة
اللطيفة. من هنا، وخلال عدّة أسابيع، انطلق غضب الصحافة الفاضلة.
لا أريد الدفاع عن "جيل بلاس"، لكن يبدو
لي من السهل تحليل حالتها. فهي لم تتأسس، بالتأكيد، من أجل إفساد أخلاق الأمّة. لكنّها
ببساطة أكبر جسّت نبض جمهورها؛ والصحافة الجديدة تعرف جيّداً تلك المرحلة المتردّدة،
التي لا يتحقق فيها النجاح، فتجرّب كلّ شيء، حتّى يستجيب الجمهور. والحال، لقد
غامرت "جيل بلاس" هكذا بنشر عدد من المقالات الفاحشة، وشعرت بأن الجمهور
يعضّ على الطعم، ومن حينها لم تستأ من ذلك النجاح، لذا بقيت تقدّم للقرّاء الحلوى
التي تلائم مذاقهم.
صاح الزملاء المستنكرون أنّ تلك مضاربة قذرة،
ومدرسة للانحراف. يا إلهي! بودّي معرفة صحيفة ترفض تلبية ما يطلبه منها المشتركون
فيها. ألا تشكل الصحافة، في أزمنة الركوع هذه أمام الجمهور، تملّقاً ضخماً للقرّاء؟
ففي السياسة، كما في الأدب أو الفنّ، أين هي تلك الصحيفة التي تقف وسط الطريق، وتعلن مقاومتها لذلك التيّار الواسع من الحماقة
والقذارة الإنسانية؟ فما دام لكلّ أشكال الجنون وجميع الشهوات جرائدها، لم لا يكون
إذن للخلاعة جريدتها؟ من بين زملاء المهنة الذين غطّوا وجوههم، هناك من عملوا أكثر
على إفساد الجمهور. فالإطراء عل الأرستقراطية الغبية، وتشجيع السرقات المالية
ومطامح البرجوازية أو إدمان الشعب على الخمور، كلّ ذلك يشكّل كارثة أكبر من الإطراء
عل دعابة يتداولها الجمع. إنهم يتصرّفون كما لو أنّ الأخلاق تكمن في عوراتنا فحسب.







