‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاكمات الأدب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاكمات الأدب. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 21 مارس 2016

الأدب الفاحش: إميل زولا



ترجمة حسين عجة

لوحة لـ إميل زولا، رسمها إدوارد مانيه
منذ وقت قريب، شهدنا حالة غريبة تماماً. لقد استولت نوبة تقوى عل باريس، وأنا أتكلّم عن نوبة حادّة، أي واحدة من تلك الأزمات المربكة، الناتجة عن جهل الجمهور وغبائه. حينما يعلن المرض عن نفسه، يصاب به من هم أكثر ذكاءً؛ لكنّهم لا يموتون جميعهم منه، وإنّما يستسلم الجمع للعدوى. كان ذلك ما يشبه تقليعة دامت أسبوعين. ففي هذه المرّة، اكتشفت الصحافة فجأة ما تطلق عليه، ضمن استنكارها له، تسمية الأدب الفاحش.
إنّ القصة طريفة للغاية، وسأحكيها مطوّلاً. تأسّست صحيفة، باسم "جيل بلاس" (Gil Blasولم تكن تبيع، في بداياتها، نسخاً كثيرة. وكنت أسأل، أحياناً، مدراء تحرير الصحف المنافسة عن حظوظ القادم الجديد من النجاح؛ وكان أولئك المدراء يردّون عليّ بهزّ أكتافهم مع ابتسامة ازدراء، لأنّهم ما كانوا يخشون شيئاً، فتلك الصحيفة ما كانت تباع. ثم رأيت فجأةً أنوف المدراء تستطيل: صارت "جيل بلاس" تباع، فهي قد اتّخذت لنفسها تخصّصاً يتمثّل في الكتابات اليومية الخفيفة، التي جلبت لها جمهوراً بعينه، أعني الجمهور الواسع، إذا شئنا، من الرجال وخاصة من السيدات اللواتي لا يمقتن الخلاعة اللطيفة. من هنا، وخلال عدّة أسابيع، انطلق غضب الصحافة الفاضلة.
لا أريد الدفاع عن "جيل بلاس"، لكن يبدو لي من السهل تحليل حالتها. فهي لم تتأسس، بالتأكيد، من أجل إفساد أخلاق الأمّة. لكنّها ببساطة أكبر جسّت نبض جمهورها؛ والصحافة الجديدة تعرف جيّداً تلك المرحلة المتردّدة، التي لا يتحقق فيها النجاح، فتجرّب كلّ شيء، حتّى يستجيب الجمهور. والحال، لقد غامرت "جيل بلاس" هكذا بنشر عدد من المقالات الفاحشة، وشعرت بأن الجمهور يعضّ على الطعم، ومن حينها لم تستأ من ذلك النجاح، لذا بقيت تقدّم للقرّاء الحلوى التي تلائم مذاقهم.
صاح الزملاء المستنكرون أنّ تلك مضاربة قذرة، ومدرسة للانحراف. يا إلهي! بودّي معرفة صحيفة ترفض تلبية ما يطلبه منها المشتركون فيها. ألا تشكل الصحافة، في أزمنة الركوع هذه أمام الجمهور، تملّقاً ضخماً للقرّاء؟ ففي السياسة، كما في الأدب أو الفنّ، أين هي تلك الصحيفة التي تقف وسط الطريق، وتعلن مقاومتها لذلك التيّار الواسع من الحماقة والقذارة الإنسانية؟ فما دام لكلّ أشكال الجنون وجميع الشهوات جرائدها، لم لا يكون إذن للخلاعة جريدتها؟ من بين زملاء المهنة الذين غطّوا وجوههم، هناك من عملوا أكثر على إفساد الجمهور. فالإطراء عل الأرستقراطية الغبية، وتشجيع السرقات المالية ومطامح البرجوازية أو إدمان الشعب على الخمور، كلّ ذلك يشكّل كارثة أكبر من الإطراء عل دعابة يتداولها الجمع. إنهم يتصرّفون كما لو أنّ الأخلاق تكمن في عوراتنا فحسب.

الثلاثاء، 15 مارس 2016

محاكمة "مدام بوفاري": ابتهال يونس




تتعدّد الأنظمة الشمولية التي عرفتها البشرية وتنوّع عبر الزمان والمكان، لكن تظلّ هناك عناصر ثابتة تتكرّر في كل تجربة دكتاتورية. وتكون الثقافةُ والإبداع أولى ضحاياها. أهمّ هذه العناصر تأليه الحاكم الفرد ليصبح من حقه وحده اتخاذ كافة القرارات، لأنه يعتبر نفسه مبعوث العناية الإلهية لتحقيق السعادة والرخاء لشعبه، فهو خير من يعلم وأصلح من يقرّر. يستند هذا الحاكم الفرد في حكمه على أعمدة راسخة هي المؤسسات العسكرية والدينية والاقتصادية. وتكون الإدارة الحكومية والشرطة ووسائل الإعلام أدوات ممارسته للسلطة. لذا تسيطر الصحف الرسمية على وسائل الإعلام من أجل السيطرة على الرأي العام وتحويله إلى طفل يحتاج لمن يرعاه ويقرّر له مصيره وحياته في أدقّ تفاصيلها. وبما أن الحاكم الفرد يعرف مصلحة شعبه أفضل من هذا الشعب نفسه ويمارس عليه سلطة أبوية صارمة، فلابدّ من إسكات الأصوات "المثيرة للفوضى" التي تخرج عن الخط الرسمي وتشوّه الصورة الجميلة التي يطرحها النظام نفسه. من هنا تنبع حتمية القوانين المقيدة للحريات وخاصةً حرية الرأي والتعبير، فيواجه المبدع اتهامين لا ثالث لهما: محاولة قلب نظام الحكم وهو اتهام يحرمه من المثول أمام القضاء ويحوّله إلى المحاكم العسكرية، والتطاول عل المقدسات وهو اتهام يضعه تحت رحمة محاكم التفتيش. ويجد المبدع نفسه أمام اختيارين: القطيعة مع النظام القائم أو تقديم التنازلات لهذا النظام حتى يجد لنفسه مكاناً فيه. وينتج عن ذلك نوعان من الإنتاج الفني عامة والأدبي خاصة: الإبداع رفيع المستوى الذي يحاربه النظام، وإنتاج أدبى تجاري سطحى، لكنه يحظى بالنجاح والذيوع لتطابقه مع رغبات النظام وأهدافه. لكن محاربة النظام لإبداع الأدبي الرفيع لم تمنع كثيراً من الكتّاب من التعبير عن رأيهم من خلال أعمالهم متحملين تبعات إبداعهم ولو أدى بهم  ذلك إلى المثول أمام القضاء. من أشهر الأمثلة عل ذلك جوستاف فلوبير، الذي حوكم على روايته "مدام بوفاري" في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أثناء فترة حكم نابليون الثالث.
تُعدّ هذه الفترة ق فرنسا (1848-1870) من أكثر الفترات كبتاً للحريات، إذ انتخب الأمير لويس نابليون بونابرت (ابن شقيق نابليون بونابرت) رئيساً للجمهورية الثانية عام 1848. وفور وصوله إلى الحكم شرع "الأمير/الرئيس" في إصدار قوانين، "محافظة" أهمها قانون التعليم الصادر في مارس 1850 الذي سمح للكنيسة بممارسة العملية التعليمية في مدارسها بعيداً عن رقابة الدولة. وفي العام نفسه صدر القانون الانتخابي الذي جعل حق الانتخاب مشروطاً بالإقامة ثلاث سنوات متواصلة في مكان ثابت، وذلك لاستبعاد الطبقات الفقيرة التي تتنقل من مكان إلى آخر بحثاً عن عمل والتي يمكنها التصويت لصالح اليسار. وقد أدى ذلك إلى استبعاد جزء كبير من المعارضة من العملية الانتخابية. أمّا قانون الصحافة، الذي صدر في العام نفسه كذلك، ففد فرض وضع طوابع على الصحف المرسلة بالبريد، ممّا أدى إلى ارتفاع ثمن الصحف، وذلك من أجل حرمان العمّال من قراءة الصحف الاشتراكية. كما فرض على كل صحيفة دفع مبلغ معين على سبيل التأمين عند إنشائها، الأمر الذي أصبح يمثل عائقاً أمام صحف المعارضة التي لم يكن يملك أصحابها القدرة عل تحمّل تلك التبعات المالية الباهظة.

السبت، 5 مارس 2016

محاكمة رواية "يولسيس" لجيمس جويس



ترجمة بدر الديب

يعتبر حكم القاضي وولسى في القضية التي نظرتها المحاكم الأمريكية للفصل في تهمة الفحش التي أدت إلى
James Joyce by Delphine Lebourgeois
مصادرة رواية "يولسيس" للكاتب الايرلندي جيمس جويس علامة بارزة في تاريخ حرية التعبير في الولايات المتحدة، كما أنه يعد وثيقة هامة في تاريخ الرقابة على الكتب وتعديل مفاهيم الرقباء الذين اخضعوا الأعمال الأدبية قروناً طويلة لحساسيات مرهفة إلى حدّ المرض أو لمعايير تشبه معايير المراهقين والبشر غير الأسوياء. ولهذا قمنا بترجمته. ويحمل الحكم ثلاث دلالات هامة، فهو يقدّم تعريفاً للفحش يغيّر مفاهيم الرقابة ويضع معياراً موضوعياً لقياس ذلك. ولكنه إلى جانب ذلك يؤكد على أهمية النقد الفني والهدف الذي يحاوله الفنان ثم يوضح ضرورة أن يكون الحكم على الكتب منصرفاً إلى قيمتها الفنية والأدبية وما تحققه فعلاً.
 وقد أسقط الحكم في جانبه القانوني ضرورة اللجوء إلى المحاكمة بالمحلفين التي تكاد أن تكون أمراً متعذراً، كما أسقط إقامة الحكم على مجموعة ألفاظ يستخدمها الرجال والنساء في كثير من لحظات حياتهم. وجعل الحكم القانوني له دلالة أدبية تعتبر جزءاً من مساهمة رجال القانون في تذوق الأدب والإبداع.
وليس القصد بنشر هذه الوثيقة، الحديث عن أهمية كتاب "يولسيس". هذا أمر أصبح محققاً- أو الحديث عن أسلوب جويس الذي هو موضوع دراسات مطولة ولكن المقصود هو إعطاء نموذج من الأحكام القانونية التي أصبحت أهميتها تاريخية في مسار الفكر والأدب.
ب. د
******

نص وحيثيات الحكم التاريخي الصادر عن المحكمة الجزئية
 بالولايات المتحدة في 6 ديسمبر 1933

من المبجل جون م - وولسى [ برفع الحظر عن "يولسيس" المحكمة الجزئية بالولايات المتحدة المنطقة الجنوبية من نيويورك [المدعى الإساءة ]
رأي رقم: a 11 0-sq
ضد كتاب بعنوان "يولسيس"
شركة راندوم هاوس.
المدعى
بناء عل دفوع مضادة للحكم الصادر بالمصادرة للإساءة للآداب العامة والمدعم بشروط -محددة فيما بعد- رفعته الولايات المتحدة ضد الكتاب المعنون "يولسيس" لمؤلفه جيمس جويس وذلك بناء عل الفقرة 305  من قانون الجمارك لعام 1930  القسم 19 من قانون الولايات المتحدة فقرة 1305 عل أساس أن الكتاب مسيء للآداب العامة بالمعنى المحدّد في هذه الفقرة وعل ذلك لا يجوز استيراده إلى الولايات المتحدة بل يكون عرضة للضبط والحجز والتغريم والمصادرة والإتلاف.
النائب العام للولايات المتحدة. عنه المحاميان صمويل س. كولمان ونيكولاس أطلس يطلب تأييد الحكم الصادر بالمصادرة ومعارضة الدفع بطلب الحكم برفع تهمة الإساءة إلى الآداب العامة.
والسادة جرنيباوم وولف ارنست عنه المحاميان موريس ل. ارنست والكسندر لندى المحاميان عن المدعى بالحق شركة "راندوم هاوس" لتأييد الدفع للحكم برفع تهمة الإساءة للأخلاق العامة وضد الدفع بحكم التغريم والمصادرة.
من (القاضي) وولسي. ج:
الدفع للمطالبة بحكم يرفع تهمة الإساءة إلى الآداب العامة يعتبر مقبولاً وعليه بالطبع فإن دفع الحكومة للمطالبة بحكم بالمصادرة والإتلاف يعد مرفوضاً.
ويصدر بهذا الحكم التالي برفع التهمة دون تكاليف.

الثلاثاء، 1 مارس 2016

دفاعاً عن حرية القراءة: هنري ميللر




ترجمة وتقديم: محمد عيد إبراهيم

Henry Miller Portrait by Fabrizio Cassetta
 يعدّ عام1957 عاماً أسود بالنسبة للكاتب الأمريكيّ الأشهر هنري ميللر، حيث صودر فيه كتابه "سكسوس" (Sexus)، وهو جزء من ثلاثيته الفادحة "الصَلْب الوردي"، ويسرد ميللر في ذلك الكتاب ترجمة لمواقف من حياته، مواقف معراة من كلّ شيء، مع أنه يبثها من نفسه الكثير ومن محصوله المعرفيّ الذائب في النصّ الكثير، ولا يُعدّ الكتاب في النهاية غير مؤلّف باهر ودرس في الكتابة الإبداعية، مهما تخلّلها من مواقف فاضحة وكلمات فادحة، ففي سيرة كلّ منا المثيل من أمور وأحداث ومعتقدات ومرويات تخص أجزاء حميمة من حياته. وقد كتب الروائيّ رداً مبهراً بعث به إلى هيئة المحكمة التي صادرت الكتاب في أوسلو بالنرويج، يدافع فيه عن نفسه بصفته مصنّف الكتاب/ السيرة. كما يتضمّن ردّه الثقافيّ إهانة لكلّ ما يمثّل ديكتاتورية الأدب والحياة بشكل أوسع. فلنقرأ ما قال ميللر، درساً بليغاً كرّره التاريخ، وقد يتكرّر مرات ومرات:

في 10 مايو 1957، طلب المحامي العام في النرويج مصادرة كتاب "سكسوس" من ثلاثية "الصَلب الوردي" (The Rosy Crucifixion) لمؤلفه ذائع الصيت عالمياً، هنري ميللر، بدعوى أنه "أدب مكشوف".
فيما يزيد علي ثمانية أشهر كان الجزء الأول من الطبعة الدانماركية للكتاب متاحاً بالسوق النرويجية، وبيع منه عدد معقول بأغلب المكتبات ذات المكانة. ثم صودرت النسخ كلياً من تسع مكتبات، واتُّخذت الإجراءات ضد اثنين من أصحاب المكتبات اختيراً عشوائياً. أُدين صاحبا المكتبتين يوم 17 يونيو 1958، لعرضهما للبيع علناً أو سعيهما لنشر "أدب مكشوف". ثم استؤنف الحكم بالمحكمة العليا.
يمثل تصرفي هكذا بموقف الدفاع شيئاً من متعتي الخاصة وامتيازاً لشخصي. ومن ناتج اختلاطي الرسميّ بالقضية، حزتُ على قياس شخصيّ معين عبر وسائل التطبيق، مع ذلك المؤلف النابغة دافئ القلب والإنسان الأليف الذكي، هنري ميللر.
وضعت هذا الخطاب (المنتج بالأثر) بنفسي، ما يشكّل جاذبية الغيرة لـ هنري ميللر، موجهاً إياه إلى مجلس قضاء المحاكم النرويجية العليا، بقصد الدفاع عن برج قلعة الحرية والديمقراطية والإنسانية، دفاعاً عن حرية القراءة
***********

تراجيف هرشت
محامي المحكمة العليا
كاليفورنيا
27  فبراير 1959
السيد تراجيف هرشت،
أوسلو، النرويج.
عزيزي السيد هرشت:
رداً على خطابكم المؤرخ في 19 يناير، حين طلبت مني تصريحاً قد يُستخدم في المحكمة العليا التي ستنعقد خلال مارس أو إبريل هذا العام… وجدت من الصعب التصريح أكثر مما فعلتُ بخطابي السابق المؤرخ في 19 سبتمبر 1957، لدى نظر القضية ضدّ كتابي "سكسوس" بالمحاكم الابتدائية في أوسلو. مع ذلك، أجد بعض التفاعلات التي أثق بشكل كبير في أخذها اقتراحاً بالموضوع.
عند قراءتي قرار محكمة مدينة أوسلو الذي أرسلته منذ شهور، اختلطت مشاعري. اضطررت للضحك مكركراً (مرة للترجمة غير اللائقة، وأساساً لطبيعة وعدد الجزئيات المرصودة) فأنا واثق أن كتابي لن يَضِير أحداً. لقد كنتُ آخذ العالَم على سَجيّته، كما أنظر لمن يضعون القوانين وينفّذونها على ما هم عليه. وقد اعتبرتُ القرار عادلاً وشريفاً كأيّ نظرية للمدعو إقليدس.
ما لم أدركه ولا تشابهَ عليّ، هو ذلك الجهد المبذول من قِبل المحكمة لاستدعاء تفسير باطنيّ من خطاب القانون القاسيّ (وهي مَهَمّة مستحيلة)، لذلك أوضح «لأن القوانين موضوعة للبشر لا البشر هم الموضوعين للقوانين، أرى أن أفراداً بعينهم قد وضعوا القانون، ويمكنهم رؤية الأشياء فقط من خلال عينَيْ القانون.«
وقد أعترف إني فشلت في التأثّر بذوي المكانة، المغرورين غالباً والمنافقين، بآراء وردت على ألسنة معلّمين أو متعلمي أدب أو أخصائيي نفسية وطلبة طب إلخ. لكن كيف تمثلت هويتي لدى هؤلاء محدودي البصيرة والخالصين غالباً من الفكاهة، فلمن أوجّه سِهامي مرارا؟
بعد قراءة هذا الأثر المطوّل اليوم، أعي سُخف هذه الإجراءات قاطبةً. (كم كنتُ محظوظاً أنهم لم يتّهموني بأنني "شاذ" أو "مفسِد"، بل كمن يجعل الجنس بريئاً ببساطة ودافئ المتعة!) وعادة يسألون لماذا، هل لديه الكثير ليمنحه وهو يطرح هذه المشاعر المقلقة الخلافية المتعلقة بالجنس؟

الثلاثاء، 16 فبراير 2016

الكاتب سجيناً: جوزيف برودسكي



ترجمة محمد عيد إبراهيم





السجن في الأساس مكان محدود لنزيل مخترع بفائض من الزمن، وكلٌ من المكان والزمان ملموس. بصورة طبيعية، نرى هذه الحالة (التي تعكس صدى لموقف الإنسان في الكون) هي ما جعلت السجن استعارة كاملة للميتافيزيقا المسيحية بالإضافة لكونه مولداً للأدب. يشير هذا بالنظر إلى الأدب وبحس معين أنه الصواب، حيث يعتبر الأدب في المقام الأول ترجمة لحقائق استعارية تدخل اللغة المحلية.
مثل هذه الترجمة يمكن إحرازها بدون السجن، ربما بدقة أكبر. منذ القديس بطرس فصاعداً، تعتمد التقاليد المسيحية عموماً وبتصميم ملحوظ على السجن كوسيلة انتقال للوحي. بينما تعتمد الثقافة والأدب الآن على قوانين ومبادئ أخرى (لو صح هذا الكلام) أكثر من اعتمادها على المسيحية فيما تبذل أقصى جهدها للحاق براشد كبير (أو صغير، في حالة الصينيين) تأمل دون شك في توليد عدد من الكتّاب على غرار فيلون وديستويفسكي أثناء هذه العملية.
في سجون القرن العشرين يتم سجن الكتّاب عملياً داخل البلاد. يمكنك أن تسمّي لغة لا أن تذكر بلداً (النرويج، ربما؟) الذي يعفي كُتّابه من هذه المسألة. يحدث هذا في بعض اللغات والبلدان بصورة أفضل بالطبع، وبصورة أسوأ لآخرين.
لكن يبدو أن روسيا تفوقهم جميعاً، فهي منذ الاتحاد السوفييتي إمبراطورية كثيفة السكان. وبإعلان وفاتها، انتقلت جاذبية هذه المشكلة إلى خارج أوربا، إلى الأطراف الجنوبية والشرقية من آسيا، إلى إفريقيا، وحتى الأرخبيلات جنوب المحيط الهادي. ويالها من أخبار سيئة، لأن هذه البلدان مناطق كثيفة السكان للغاية. وبرفضها للتميز، تبدو الجغرافيا شغوفة للّحاق بالتاريخ.
ربما التاريخ هو الذي سيلاحق الجغرافيا. فالكاتب يجد نفسه فجأة وراء القضبان مُتّهماً بمقولات سياسية، العلامة الأكيدة على التاريخ. (غياب هذه المفاهيم هو بالتأكيد السمة الرئيسة للجغرافيا). قد يسعى الكاتب ليريح نفسه بهذا التأويل من ورطته، التي تكتسب الآن منحى التقليد النبيل. عموماً، فلن يبقيه هذا التأويل طويلاً في الزنزانة كونه لا يعرف حدّاً لراحته، أو بدقة أكبر لانعدام راحته. ليس مهما أيّ جرس تاريخي يقرعه السجن، فهو يوقظك دائماً في السادسة صباحاً على حقيقة بغيضة من طرفك.

الأحد، 29 نوفمبر 2015

خنجر في ظهري، لُعبة الكلمة!: مهدي موسوي



مهدي موسوي وفاطمة اختصاري


ترجمة: محمد عيد إبراهيم

الملائكُ تنتحرُ 1

 أتسمَحين أن أنطقَ اسمَكِ؟
أنسلخَ عن عواطفِ رجُلٍ سالفةٍ؟
أتسمَحين، هل، أن أحبّ، أرفعَ روحي
لأطويها ضمنَ راحَتَيكِ المُبلّلتَين بالعَرَق؟
لأعودَ طفلاً، من جديدٍ، صارخاً من غيرِ عُذرٍ،
أرمي  الأحجارَ، ثانيةً، على سِربٍ من الطيرِ.
أتشكّلُ قصيدةً، من جديدٍ، بركنِ غرفتي العَبوسِ، 
أم، لا! أتّصلَ بكِ هاتفياً.
أُقعي هناكَ مع فستانِ زفافكِ وهو مُبلّلٌ،
لا يزالُ ينتظرني أن أُجري المكالمةَ.
أما فصولُ حياتكِ الأولى،
فأنّى لي أن أقُصّ آخرَ الحكايةِ؟
لقد عُدتِ، من جديدٍ، إليّ، لكي أحبكِ،
وأنا، يا حبيبي، لم يعد لي الحقّ أن أنسَحِبَ! 


الملائكُ تنتحرُ 2

 جنبَ النافذةِ، ثمةَ مَن يَرقُب حياتَه وهي تنفَضُّ.
الزّهو يُرِيني سُلطانَه.
أهوَ المَحاقُ؟ شمسُ منتَصفِ النهارِ، كئيبةٌ،
توفِد مواساتِها للسماءِ.
أرثي لنفسي قليلاً، لو وَهَبَتني
عبثيةُ عالمكَ الفرصةَ.
يقمَعني الزمانُ تحتَ قدمَيهِ،
ودائماً، يرهنُ دَوري للآخرين.
رفعَ الولدُ الشَفرةَ، شَقّرُسغَه،
بينما واصلَ أبوهُ إطعامَ طفلهِ المتَخيَّلِ.
ثم وقعَ الزلزالُ، فانفتَحَت عيناي
لتريا مَن كانَ يهزّني في المنامِ.


الطائر الصغير ليس طائراً ولا صغيراً

 أتسَمّرُ كالصّخرةِ، كي أتحدّى التَهشيمَ.
قد جَرفَتني الروافعُ بعيداً، الآنَ.
إلى معبودٍ لم نعُد نَعبدهُ.
كلّ علّةٍ تُفضي إلى عكسِها.
نأسَى على ماضٍ تبدّدَ، ننتظر
غداً على غِرارِ حَفرياتٍ.
عَفافي يدمّرني؛ وأصحابي والبلدَ؛
وإن دمّروني الآنَ، فلي أبياتُ شِعري.
مِلفٌّ منبوذٌ بأرشيفي أنا؛
فتعالْ اقرأني بعيداً عن هذا النصّ المَرصوفِ.
لم يكُن مطراً، معَ أن وَجهي مُبلّلٌ.
ولا عبءَ مطلوبٍ، بل خِنجرٌ في ظَهري.
كفاكَ التماسَ الأسماءِ، هي لُعبةُ الكِلمةِ الخؤونِ!
قابيلُ أيضاً، صاحبي، حملَ اسمَ "أخي".
من المَهدِ فصاعداً، والألمُ حليفُكَ.
صاحبُكَ الأوحدُ الوحيدُ، الألمُ حليفُكَ.
واستَحلتَ شاعراً، لقَطيعٍ من الأدنياءِ.
استَحلتَ شاعراً، ولا شِعرَ غيرُ الألم.

الثلاثاء، 24 نوفمبر 2015

المُبَشّرون بالمنفَى: أشرف فياض




إلى منفييّ كنيسةِ المهد



صوتُ الصّمَمِ قريبٌ جداً
يجلدُ جدرانَ التاريخِ المطليةَ بالجوعِ
نحنُ الأقوى
فليَستَسلمْ كلّ المَوجودينَ لدَيكُم
نحنُ الأقوَى
سنُسلّطُ صوتَ الأبواقِ عليكُم
تَحمِينا الجدرانُ
وتَحمِينا نبضاتُ القلبِ المُشبَعِ وطناً
كنا أطفالاً
نقذفُ أحجاراً.. كي نجني وطناً
وكبُرنا
صِرنا نقذفُ أجساداً
أحلاماً.. وقلوباً
ونُغنّي
هذا الوطنُ الغائبُ عَن وعي التاريخِ
سوفَ يُفِيقُ
ومريمُ أيضاً.. سوفَ تعودُ لتُقذَفَ
لكن القَذفَ الآنَ يكونُ بإفكِ المَعدِنِ
والنارِ

***

المنفَى يتَحَضّرُ لاستقبالِ البعضِ
في المنفَى سِلمٌ وهدوءٌ
تَجِدون الجنةَ في المنفَى
الجنةُ في عَبَقِ اللّوزِ ورائحةِ اللّيمونِ
الجنةُ في حَبّاتِ ترابٍ تفهَمُ لُغَتي
تدركُ كم أعشَقُها
الجنةُ في رائحةِ الحقلِ البائرِ
في أصواتِ ثَكالَى يندُبنَ الزوجَ
وفقدَ الابنِ
الجنةُ في قلبِ الأمِ وعينِ الطفلِ المُتَيتّم
الجنةُ
أن أَطلِي بدِمائي جدرانَ البيتِ
أن تُقرَعَ أجراسُ المَهدِ
وتُقامُ صلاةُ الجمعةِ تحتَ سماءِ الحريةِ
الجنةُ في قلبي
أحملُها للمنفَى

الأحد، 1 نوفمبر 2015

استخدام الحياة: أحمد ناجي (الفصل الخامس)

أحمد ناجي

لا يعني هذا أنه لم تكن هناك أيام جميلة في القَاهرةِ، كان هناك أيام ساحرة تتوزع على مدار السنة؛ بعضها في الصيف الطويل، والكثير منها في الشتاء القصير، وجميعها تشترك في أنها أيام عطلة أو تعطل. يقولون إن المدينة لا تنام، تنفجر من مخارجها. المدينة تتمحور. المدينة تتشعب. المدينة تنسكب وتندلع. النمل يجري في كل مكان، مصانع، شركات، مطاعم، مقاهي، مساجد، كنائس. بشر يبيعون ويشترون ويتبولون وعجلة الإنتاج دائماً تسير رغم الزحام. هكذا يبدو المشهد من فوق إذا كنت نسرًا محلقًا، لكن إذا كنت شابًّا أو فأرًا صغيرًا يلف عجلة الإنتاج فأنت في الحقيقية لا تتحرك من مكانك. تذهب إلى العمل وتنجزه، تتقاضى راتبًا قد يكون معقولاً كذلك. لكنك لا تحس أبداً بالنتيجة وإذا حدثت فهي لا تحرك شيئاً. سواء تعمل أو لا تعمل فالعجلة ستسير والتيار سيحملك.

أذكر مثلاً بعد حفلة يوسف بزي ذهبت أنا ومود ومونى ومجموعة قليلة من الأصدقاء لشقة مود بجاردن سيتى، أكملنا السهرة حتى الصبَاح في تدخين الحشيش بطرق مُتعددة تبدأ بالدبابيس وتنتهي بالجوينتات، تسابقنا على إنهَاء زُجَاجة فودكا كَاملة. رأيت الموسيقى تتحول إلى قرود مُلتصقة بالسقفِ. كان هناك فتاة ألمانية شقراء تهز ساقها اليسرى على الإيقاع. انتصابات متقطعة في البلبل. شابُ أمريكى فلسطينى لا يتقن العربية ويتحدث كثيراً عن العنصرية. دُخَان، سجَائر، حشيش، ثم دخان.
“كيكو” تلتفت نحوي عيونها غائبة تحت طبقات من اللون الأحمر:
– بسام دخان في عيني.
– سلامة عينك يا بيبي.
أتناول منديلًا ورقيًا، أضعه على عينها ثم أنفخ ببطء. الفتاة الألمانية تشاهد باستغراب، أزيح المنديل ومسام كفي تتشرب نعومة بشرة «كيكو» السمراء. أطبع قبلة خفيفة على شفتيها. الألمانية تتحدث بالإنجليزي:
– هل تعلم أن هناك نوعًا من الفيتِش الجنسي، يدعى فيتش لعق حدقة العين؟
– كيف يحدث هذا؟
مود يتدخل في الحديث:
آه نعم قرأت عن الأمر ذات مرة.
كيكو تبدي اعتراضها وهي تلف ذراعيها حولي:
إيه القرف دا يا بيسو؟
ما الذي يفعله الشباب في مرحلة العشرينات في القاهرة؟
هل يلعق حدقة العين، أم يلعق الكس، أم يمص الزبر، أم يلحس التراب، ويستنشق الحشيش المخلوط بالأدوية المنيمة؟ وإلى متى سوف يظل أي فعل من تلك الأفعال الفيتشية مثيراً ومجدداً، مُنشطاً للحيَاةِ. الجالسون الآن في هذا الغرفة، جربوا الكثير من المخدرات في شبابهم في المرحلةِ الْجَامعية وبعدها، لكن هاهم جزر مُنفصلة في الوقت ذاته لا يجدون معنى لأيامهم غير الاجتماع سوياً، نعيش هنا على امتصاص البهجة من بعضنا البعض.
“مونى مي” واقفة بجوار السماعات، عيونها مُغمضة باتساع كأن روحها مع قرود الموسيقي في السقف، وجسدها تحركه الذبذبات الصوتية المتدفقة من السماعات.
لكن مع الوقت بدا واضحاً كم هى مُملة المخدرات. أو للدقة لا تكفي. وإذا ترك الواحد منّا نفسه يقع حتي النخاع في حب المخدرات، فحياته ستنتهي في أشهر معدودة. هذا ما يقوله العلم والتجربة. نحن الباقين في هذه الغرفة أجبن من أن ننهى حياتنا بهذه الطريقة أو بأي طريقة أخرى، ربما لأننا معلقون بالأمل، مربوطون بالمحبة، بالصداقة.
مقابل كل ما تفعله القاهرة في قاطنيها، لا تمنحهم سوى صداقات حتمية موثقة لا بحرية الاختيار بل بضرورات القدر. يقول القائل «يا ذاهب إلى القاهرة، ستجد فيها مثلك». لا معنى لأن تدخن وحيداً، ولا طعم للطعام إذا لم يكن هناك من تنظر لوجهه تتأمل حركة فمه وهي تلوك المواد الغذائية المسرطنة ببسمة رضا.
المحظوظون في هذه المدينة الذين يتجاوزون مرحلة الكبت الجنسي، يجدون نفسهم في مسافة لا يمثل فيها الجنس إلا فرعاً صغيراً من فروع الصداقة. يتحول الجنس إلى ما يشبه اللبوَنة الدائمة. “كيكو” تداعب ظهري، وأشعر بالإثارة بين فخذي.