‏إظهار الرسائل ذات التسميات شارل بودلير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شارل بودلير. إظهار كافة الرسائل

السبت، 23 أبريل 2016

شارل بودلير: أمي



ترجمة: سعيد بوخليط

الرسالة الأولى: باريس، الخميس 09 يونيو1857
أطمئنك، بأن لا يساورك أي قلق بشأني، بل أنتِ من يشغل بالي، وبشكل قوي. بالتأكيد، ليست الرسالة التي بعثتيها إليَّ المفعمة كلياً بالحزن، من ستهدئ روعي. إذا استسلمتِ له، فستصابين بالسقم، وسيكون الأمر بمثابة أسوأ المصائب، ثم بالنسبة إليَّ، أكثر أنواع القلق التي يستحيل عليَّ مقاومتها. أريد منكِ،  ليس فقط أن تبحثي عن وسائل للترفيه، لكن أريد أكثر ظفركِ بمتع جديدة. أتبين جيداً أن السيدة أورفيلا  (Orfila)، تعتبر امرأة حصيفة.
Charles Baudelaire's Macabre by Mihajlo Stojanovski
أمّا عن صمتي، فلا تحاولي معرفة السبب في موضع آخر، سوى مع هذه الكآبة، التي تستحوذ عليَّ أحياناً وتمنعني ليس فقط من الانكباب على أيّ عمل، بل وحتى القيام بأبسط الواجبات، فأشعر جراء ذلك بخزي كبير. أيضاً، أريد أن أكتب خلال الآن ذاته هذه الرسالة، وأعيد إليك كتابك عن قداس الصلاة ومعه مجموعة أشعاري.
لم يكتمل كتاب الصلاة تماماً، فحتّى أكثر العمال ذكاء، أزعجهم كثيراً، تصحيح بعض التفاصيل الصغيرة. هذا آلمني قليلاً، لكن اطمئني.
أما بخصوص القصائد [صدرت منذ خمسة عشر يوماً]، فقد توخيت أولاً عدم الكشف عنها، لكن عندما فكرت في الأمر ملياً، بدا إليَّ، بما أنكِ سمعت، أحاديث عن هذه المجموعة، على الأقلّ من خلال الملخصات التي سأرسلها لك، بالتالي سيكون خجلي أكثر حمقاً من احتشامك المتطرّف. لقد أبقيت لنفسي ستة عشر نسخة، مكتوبة  على ورق عادي، ثم أربعة أخرى دُونت على ورق رفيع، احتفظت لكِ بواحدة منها، وإذا لم تصلك بعد، فلأني ارتأيت إرسالها في شكل مجلد– تعلمين بأني لم أعتبر قط الأدب والفنون كمطاردين لغاية غريبة عن المزاج وتكفيني جمالية المفهوم والأسلوب. غير أن هذا الكتاب المعنون بـ: "أزهار الشر"، الذي يقول كل شيء، اكتسته مثلما ستلاحظين جمالية كئيبة وباردة، وقد أنجزته بجنون وصبر. إضافة إلى هذا، يكمن الدليل على قيمته الايجابية، في كلّ الشرّ الذي تضمنه. عمل، يبعث لدى الأشخاص هيجاناً، بل ذعرت بدوري من الرعب الذي استلهمته، فحذفت منه الثلث مع توالي تعديلات مسودّاته. لقد استنكروا لدي كل شيء، فكر الإبداع وكذا معرفة اللغة الفرنسية. أسخر من كل هؤلاء الأغبياء، وأعلم بأن هذا العمل بمميزاته وهفواته، سيرسم طريقاً في ذاكرة الجمهور المثقف، بجانب أفضل قصائد فيكتور هوغو وتيوفيل غوتيه بل وحتى بايرون (Bayron).  فقط توصية واحدة: بما أنك تعيشين مع أسرة الآنسة "إيمون" فلا تتركي هذه المجموعة الشعرية ملقاة بين أفرادها. أمّا بخصوص الكاهن، الذي تستضيفينه، بالتأكيد بوسعك تقديمها له. سيحكم علي بأني آثم، ولن يجرؤ على التصريح لكِ بهذا. لقد أشاعوا اللغط الذي سيلاحقني، بيد أنه لن يكون شيئاً. إن، حكومة على كاهلها انتخابات باريس المرعبة، لاتمتلك وقتاً لملاحقة مجنون. 
ألف اعتذار، نتيجة كل هذه التصرفات الصبيانية للخيلاء. لقد فكرت حقاً، في التوجه إلى منطقة "هونفلور" (Honfleur)، لكنّي لم أمتلك شجاعة إخبارك. أتوخى مداواة  كسلي بالكيّ، وأن أفعل ذلك مرّة وإلى الأبد على شاطئ البحر، بعمل عنيد، بعيداً عن كلّ اشتغال تافه، سواء بالانكباب على جزئي الثالث المخصص لـ ادغار بو، أو مسرحيتي الأولى التي يلزمني حقا تأليفها طوعاً أم كرهاً. لكن لدي أعمال، يلزمني القيام بها، لايمكنها أن تتم داخل فضاء لاتوجد فيه خزانات، ودون جهاز للطبع ومتحف. يجب، قبل كل شيء، أن أفرغ من نصوص: تطلعات إيستيتيقية وقصائد ليلية ثم اعترافات متناول للأفيون. 
القصائد الليلية بالنسبة للمجلة  المعنونة بـ"عالمين''، أمّا آكل الأفيون فهي ترجمة جديدة لكاتب رائع غير معروف في باريس، خصصتها لصحيفة ''لومونيتور'' .