‏إظهار الرسائل ذات التسميات صمويل بيكيت. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صمويل بيكيت. إظهار كافة الرسائل

السبت، 21 نوفمبر 2015

حياة بيكيت: رونان مكدونالد

ترجمة أمير زكي


الفصل الأول من كتاب "مقدمة كامبريدج لصمويل بيكيت" (The Cambridge Introduction to Samuel Beckett)، الذي صدر عام 2006، للكاتب رونان مكدونالد المحاضر في اللغة الإنجليزية بجامعة ريدينج ومدير سابق لمؤسسة بيكيت الدولية.
***



يعتبر صمويل بيكيت موضوعاً صعباً لكاتب السيرة الذاتية، وعلى الرغم من أن أصدقاءه ومعارفه يتحدثون عنه كشخص طيب وكريم، إلاّ أنه كان يحيط خصوصيته بحرص شديد ونادراً ما كان يقبل إجراء الحوارات، ودائماً ما يقول إن عمله يستطيع أن يتحدث عن نفسه. على أية حال فعندما أشار كاتب سيرته الذاتية الرسمي جيمس نولسون إلى تكرار ظهور أيرلندا فى زمن طفولته فى أعماله، وافق بيكيت وقال «إنها تستحوذ علىّ». ثم تحدث عن صور أخرى[1]. فى أعماله النثرية المبكرة مثل "نخسات أكثر منها رفسات" (1934)، و"مورفي" (1938)، العلاقة بين الشخصيات والأحداث وحياة بيكيت الشخصية واضحة جداً[2]. أمّا أعماله فيما بعد الحرب العالمية الثانية فقد أصبحت التلميحات الذاتية فيها أكثر اختفاء وأقل تحديداً، هذا لأن بناءها أصبح منفصلاً عن الواقع المعروف. ولكن مخيلة بيكيت مشبعة بالخبرات الحياتية، حتى لو أصبحت المصادر المباشرة لهذه الخبرات أكثرة ندرة. والحقيقة فالتدقيق في المسودات المتنوعة لدراما بيكيت تظهر ما أطلق عليه أحد النقاد: الرغبة في التحلل من علاقات المعرفة الذاتية، فكلما امتدت المسودة كلما تقلص العالم[3]. أحداث حياة بيكيت تركت آثاراً في شكل عمله، وإن كناّ لا نستطيع أن نقتفى أثر ذلك بالضبط من خلال مضمونه.
على أي حال فالنقد المتعلق بالسيرة الذاتية له خطورته، بيكيت واحد من أهم كتاب القرن العشرين تجريباً وأكثرهم صعوبة. إنه من المغرى -وإن كانت تواجهنا معان مراوغة في عمله- أن نلجأ إلى حقائق مدققة بالإشارة إلى علاقتها بحياته. دارس أعماله بالتالي يستطيع أن يستبدل مهمة التفسير بحواش بسيطة؛ بأن يشرح أصوله ومصادره ودلالاته، سواء من جهة الشخصيات أو الأحداث، أكثر من السؤال عن إمكانيات المعاني داخل منطق النص. ولكن إيجاد مصدر النهر لن يُمكّننا من معرفة مخططه، حتى إن لم يكن هناك انفصال تام بين حياة بيكيت وأعماله فليس فيها أيضاً تطابق تام، وعمله سيظل ينتج معان أعظم من الحواشي الخاصة بالذات والسياق، فلو استطعت إيجاد أى تماسك فى حياة بيكيت فليس من المسموح أن يكون هذا بديلاً عن عدم تماسك وصعوبة نثره ومسرحه.
ربما يبدو من المبالغ فيه أن نعرف أن كاتب المسرح الذى اشتهر بكتاباته عن المعاناة والعزلة قد ولد في اليوم الذي صلب فيه المسيح، ولكننا متأكدين بما يكفى أن صمويل باركلى بيكيت ولد في يوم الجمعة العظيمة 13 أبريل 1906. كان الابن الثاني لـ وليام فرانك بيكيت المقاول الناجح، ولزوجته ماريا المعروفة باسم ماى (نى رو). وشب على المذهب البروتستانتي بقرية فوكسروك الثرية على بعد ثمانية أميال من دبلن. وكان بيل بيكيت رجلاً طيباً ونشيطاً أحبه بيكيت كثيراً، كانا غالباً ما يقومان بنزهات طويلة معاً فى دبلن وويكلو هيلز، طبوغرافيا ومشاهد هذه المناطق يمكن إيجادها طوال أعمال بيكيت بداية من "نخسات أكثر منها رفسات" مروراَ بالثلاثية وحتى أعماله المتأخرة مثل "ذلك الوقت" (1976) و"صحبة" (1980). ووفقاً لصديقه وطبيبه دكتور جيفرى تومسون فمفتاح فهمنا لـ بيكيت يكمن في علاقته بأمه[4]، فقد كانت محبة ومتسلطة، مهتمة وقاسية، وعلاقة الحب والكراهية بين بيكيت وبينها كانت جوهر مشاعره الكثيفة عن القلق والذنب. في حياته المتأخرة كتب عن «حبها المتوحش»[5]، ويبدو أن قراره فيما بعد بأن يستقر تماماً فى فرنسا كان هروباً من أمه بنفس القدر الذي كان يهرب فيه من وطنه الأم. وعلى الرغم من أن بيكيت ادعى أنه لا يحمل مشاعر دينية إلا أنه أكد على أن أمه كانت متدينة جداً[6]. وغالباً فالعديد من الإحالات الكتابية فى أعماله اشتقت من هذا التأثير. وعندما طُلب منه أن يصف طفولته قال بيكيت: «كانت بلا أحداث، يمكنك أن تقول إنها كانت طفولة سعيدة، على الرغم من أن موهبتي في السعادة كانت ضعيفة. أبواي فعلاً كل شيء يجعل الطفل سعيداً، ولكنى كنت وحيداً في معظم الأحيان»[7]. الوحدة، العزلة، الاغتراب، كلها ستصبح ملامح متكررة في أعماله اللاحقة.
كعضو في الأقلية البروتستانتية الأيرلندية في بلد ذي أغلبية كاثوليكية، وجد بيكيت نفسه كدخيل، هذه الخبرة غذت اهتمامه بالأحوال المضطربة والهامشية. وكما قال الناقد الأنجلو-أيرلندى فيفيان ميرسيه متأملاً التشابه بين خلفيته الشخصية وخلفية بيكيت:

«مثال للصبي الأنجلو-أيرلندى الذي يتعلم أنه ليس أيرلندياً تماماً حتى من قبل أن يتكلم، وبعد ذلك يتعلم أنه بعيد عن أن يكون إنجليزياً أيضاً. والضغط عليه لكي يكون إنجليزياً تماماً أو أيرلندياً تماماً يمكن أن يمحو فرديته إلى الأبد. "من أنا؟" هو السؤال الذي ينبغي على كل أنجلو-أيرلندي أن يجيب عليه، حتى لو أخذ ذلك عمره كله كما حدث مع ييتس».[8]

ربما كان تراث الهوية المحبط هذا وهذا البحث عن الذات هو الذي ترك علامته على اهتمام بيكيت اللاحق بعدم التحدد المعذب للذاتية. "من أكون؟" هذا السؤال الذي تكرره وتفكر فيه كل شخصيات بيكيت، ولكن في نفس الوقت فعلينا أن نحرص على أن نمتنع أو نحجم عن جعل بحث بيكيت المعقد والمتنوع في طبيعة الذات مجرد بحث سيرة ذاتية تقليدي، وإن كانت البروتستانتية الأيرلندية قد أثرت على أعماله اللاحقة، فمضمون ومعنى هذه الأعمال ليس مقتصراً على هذا المصدر.