‏إظهار الرسائل ذات التسميات موريس بلانشو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات موريس بلانشو. إظهار كافة الرسائل

السبت، 23 يناير 2016

ملاحظات عن الانتهاك: موريس بلانشو



ترجمة: محمد عيد إبراهيم
       

الأرض: السديم/ كاوس(1) 
Eros by Paul Klee
لو علّمتنا آلهة الإغريق أن غِشيان المحارم مسموح، لتبدّت مسؤولة عن تحديد خطّ العزل في مكان آخر، وهو ما بين الأرض والسديم: خطّ العزل الذي ليس لأحد أن يعبره من دون إنتاج مسوخٍ. وتبدو صعوبة التفكير فيما يعزل هذين المصطلحين في أن أحدهما لا يمثّل نفسه فقط، بل يُقيّد فعلياً تلك الفجوة، المسافة التي ليس لنا أن نتخطّاها. كيف يتّحد المرء، عبر الانفصال، مع اللا- وحدة؟ أنّى للـ "الحدّ" أن يرتبط مع اللا- حدّ وفقاً للفصل الصحيح مع غياب الحدّ؟ قد نتصوّر السديم، ضمن هذه اللاعلاقة بين المصطلحين، مرتين، بالتطابق مع الإفراط الذي يميّزه: فأن نتّحد مع السديم هو أن ندعم الهاوية لنستعيد الانضمام إلى الهاوية بابتعادنا عنها. فهل يحقّ للرغبة أن تفعل هذا؟ يصعُب أن نقارن لأن إيروس(2) لم يُصنّف نوعياً بعد. فالمتّحدات تخالف الوحدة وتنقصها علاقة موحِّدة، تحرفُها عن الرغبة. لكن، أهي مسألة وِحدة؟ فالسديم، بعيدٌ عن تصوّر العدَم الجميل، ثابتٌ عند الراحة، يتكاثر تبعاً لضراوة العنف الوحشيّ من دون بدء أو نهاية: إنه توالد فراغ متكرّر، توالد انقطاع، تعدّد خارج الوحدة. بأيّ مسلك إذن تصبح الرواية السردية المهجورة بالنسبة لنا هي الحدث الذي يمرّ من خلاله ما قد يرمز (بالنسبة لنا) أنه التحريم الأساس؟ فالحقد المهتاج يدفع الأرض (بقوّة الحدّ الصارم) إلى قِرانٍ مع السديم؛ لكن هذه الضراوة -العنف الوحشيّ، عميق الغور- كان من قبل سمةً شنيعة تميّز ما ينتمي إلى السديم. ولذلك فإن الحقد السديميّ -لأنه نتيجة لها محلّ هنا- أو "التنافر" (الإثارة التي تكرّر نفسها بالطريق الخطأ) مع اللامحدود يغوي (يُلهي) الحدّ لاستجلابه أو يخسر نفسه بالسديم من دون أصل. لا يصبح التنافر، التكرار الخلفيّ، الذي يمتدّ بعيداً وراء أيّ مبدأ عدوانيّ، بأيّة حال، هو الأول في علاقته مع إيروس. فهو ينتمي بنسب لا ينبع منه شيء، رغماً عن أنه لا يكفّ عن التكاثر، في العمق الغائر، بما لا يملك الحقّ في اسم "الوجود". أما التنافر فيسبق الدافع دون أن يكون أصلياً، أو له علاقة بالحياة، الحبّ، التدمير، والموت، كما نحبّ أن نسمّي الأخير. التنافر: كلمة مزدوجة، منقسمة، بها قد نخطئ الرؤية لشكل "الصراع" الأول، لأن التنافر ينقسم فقط بأثرٍ من التكرار، الذي يتولّد بينما لا يولّد شيئاً: جيلٌ من دون توليد.

***

السبت، 28 نوفمبر 2015

مملكة الكارثة: أليوشا وولد لاسوفسكي



ترجمة : الحسن علاج

ALL THAT FALLS, by Willy Kautz
وحده لغز الإبداع يكشف، بالنسبة لـ موريس بلانشو (Maurice Blanchot)1 عن «عزلة جوهرية» ويجعل من الأدب مكاناً لاختبار مهمة أبدية. تتوارى العزلة ضمن التفكير في عمل موريس بلانشو. فهي من بين كلّ الشرودات تعتبر في ذات الوقت تسكعاً ومنفىً، تحطيماً وانكماشاً، اختباراً للفراغ والعوز، للتخلي والانطواء على الذات. كل شيء يبدأ لدى بلانشو بالوحدة، كل شيء يبدأ حينما تقتحم «صلابة الصوت المتوحد» التي تعتبر الأقوال، الصرخات، الهمهمات، «الهدير اللامدرك» [لوتريامون] (Lautréamont)2 [وساد] (Sade) 3، 1963 للصمت التراجيدي. تقوم العزلة هنا بكسر انطواءات السريرة. هناك، تغيّبك العزلة كقوة في الوقت نفسه مؤثرة -تضع الموضوع خارج ذاته- ومضمرة، صدى لقول بعيد. تتشكل العزلة «مثل عنفها الخاص للإقصاء، رفض ساطع للمحتمل، خارج صيرورة لمعانها» ["ليس ثمة انفجار..."، 1978]. لا توجد على الأرجح واحدة من شخصيات بلانشو لا يكون بإمكانها تكرار ما قالته امرأة لعشيقها في "عميناداب"4 " Aminadab " ـ 1942 ـ : «تعطيني نظراتك على الدوام الانطباع أني مفقودة بالنسبة إليك.»
العزلة هي الهاوية والمنخس، التجربة الأكثر شيوعاً والتي من المتعذر القبض عليها. إن ما يبعث على الضجر -كالانزعاج حيث يصارع "طوماس الغامض" (Thomas L’obscur)5(1941): «إلى حدود الساعة كان يصارع في عزلة تضغط عليه»- ثم ما يقتضيه الذعر العاجل للتفكير والعيش: «كف عن ثرثرتك، صرخت. أنا بحاجة إلى أن أكون وحيداً.» [الاجترار الأبدي للكلام6، 1951] فعبر العزلة يعبر الرفض عن كل محاولة لإيجاد السكينة في تأمّل شارد مشارك، في انصهار محسوس وروحي حيث الإنسان يشكل شيئاً واحداً مع الواقع المكتنف: «سوف لن يكون ما كان يعرف أبداً. تلك هي العزلة.» [ الانتظار ، النسيان7، 1962]
في صلب هذا التجاوز الداخلي الذي يحث الحماسة السردية لعمل موريس بلانشو، بيد أنه يميز أيضاً هذا العمل كعمل نقدي، تقوم العزلة بتقليص الفارق الذي لا يتوقف عن الكلام عن باعث الانتظار: «على الدوام ينتظر وحيداً وعلى الدوام مفصولاً بواسطة الانتظار الذي ما كان ليتركه وحيداً» [الانتظار، النسيان، 1962]. إن عدم اتفاق المتعارضات يفترض تضحية: [تضحية] عدم اتفاق الكائن البشري مع ذاته. لأن الأمر يتعلق بوضع مسافة، بإعادة ابتكار الانفصال، بالاعتراف بالقوة الطاردة للعزلة، الدخيل الأكبر. يعبر بلانشو عن دوار التفضية (l’espacement): «حينما أكون وحيداً، فإني لن أكون وحيداً» [الفضاء الأدبي8، 1955]. "جوهرية"، لو شئنا ذلك، تضع العزلة حداً يمكن لـ "طوماس الغامض"، من خلاله، أن يعتبر على السواء غامضاً وشفافاً. يعتبر الكلام على انفراد، منذ الآن، ذا معنى، بما أنه عبر هراء الكلام المتوحد يتصادم المعنى الأخير وينكشف، الذي يتجلى في الإنكار. تمنح القطيعة مع كل الروابط "طوماس" القدرة على الإحساس في صلب كل الأشياء، كي يشعر أنه مقصي من الكل. إننا ندرك أن عمل بلانشو يتأكد في التوتر الدائم للمتناقضات، الذي يرتقي إلى الضرورة القصوى، إلى قمة القسوة التأملية، المكسوة باللمعان الجليدي للعزلة الذي، من عمق هذا اللمعان، يضيء كل الأشياء في حقيقتها. «لم أكن وحيداً، كنت كائناً ما...». (Le Très – Haut , 1948)9وهكذا يقدّم هنري سورجيه (Henri Sorge)10، نفسه بوصفه سارداً وبطلاً لهذه الرواية السياسية.
مكان الأدب. العزلة تقلق، شأنها في ذلك شأن الصمت؛ فهي تجبر اللغة على العودة إلى الصمت والتناقض. إنها شرط لسطوع الفن، تكون المكان والمسألة الملتزمين بالأدب، امتثال لاجترار الكلام. «كتاب مغرق في اللاشخصية من أجل أن يكتب من طرف الكثيرين»، كتب بلانشو إلى صديقه الكاتب لوي رونيه دي لافوريه (Louis- René des Foret)11، في يوم السبت من سنة 1964. لأن الأدب يضع اللسان في أقصى نقطة عن ذاته، من أجل أن ينضم، عبره، إلى التمزق، تبدّد العلامات والصمت المفارق الذي يشكل كلام الكاتب: «يكون العمل وحيداً: لا يعني هذا أن التعبير عنه يظل متعذراً، ما يظل متعذراً على القارئ. على أن من يقرأه يساهم في تأكيد عزلة العمل، كمن يكتبه ينتمي إلى خطر تلك العزلة» [الفضاء الأدبي، 1955].

الخميس، 19 نوفمبر 2015

مقاطع في الكتابة والغياب: موريس بلانشو

ترجمة بسام الحجار


بعد فوات الأوان (*)
Labyrinth by snugsomeone
كتب مالارميه لمؤلِّف ناشئ كان طلب منه نصاً بمثابة مقدمة لكتاب له أو دعم: «أنا أمقتُ المقدمات حتَّى تلك التي يكتبها المؤلِّفون أنفسهم فكيف بي وأنا أرى إلى تلك التي يضيفها آخرون. يا عزيزي، إن كتاباً حقيقياً ليس في حاجة لتقديم، إنّه يصدر عن حبٍّ من أوَّل نظرة، كما بين المرأة والعشيق ودونما حاجة لطرف ثالث، هذا الزوج...»
ولقد كتبت في منحىً آخر تماماً: "Noli me legere". حظر على القراءة يعني استبعاداً للمؤلف. «لن تقرأني» «فأنا لا أدوم كنص للقراءة إلا بمقدار الاستنفاد الذي يستلب منك كيانك ببطء أثناء الكتابة». «أبداً لن تعرف ماذا كتبت حتّى ولو لم تكتب إلا لكي تعرف«.
قبل الأثر، الأثر الفني، الأثر الكتابي أو الأثر الكلامي، ما من فنان، ما من كاتب أو ذات متكلمة، مادام النتاج هو الذي ينتج المنتج وذلك بخلقه أو إظهاره عن طريق البرهان عليه [وهذا ما يعلمنا إياه هيغل و(...) على نحو مبسّط: الفعل سابق على الكائن الذي لا يصنع ذاته إلاّ بصنع- ماذا؟ قد يكون أي شيء: إنَّ الحكم على أهمية أي شيء يتعلق بالزمن، بما يحدث، بما لا يحدث: ما يُسمَّى العوامل التاريخية، التاريخ، دون أن يعني ذلك البحث في التاريخ عن الحكم النهائي]. ولكن، إذا كان الأثر المكتوب ينتج ويبرهن على الكاتب، فهو حين يتم إنجازه لا يشهد إلاّ على تحلل هذا الأخير، على تلاشيه وعلى تغيبه ولكي نعبِّر بطريقة أكثر فجاجة، على موته، الذي، بأية حال لا يمكن أن يُحَط بصورة نهائية: إنه موت لا يفضي إلى أي عيان.
هكذا، قبل الأثر، لا يكون الكاتب موجوداً: كما لو أن وجوده خاضع لكفالة ويطلق عليه اسم "مؤلف"! والأصح إنه "ممثل"، تلك الشخصية الزائلة التي تولد وتموت كل مساء لأنها بالغت في إظهار نفسها للعيان، مقتولةً بالاستعراض الذي يجعلها بيِّنةً، أي مجرَّدةً من كل ما هو خاص أو كامن في حميمية ما.
من الـ "ليس بعد" إلى "لم يعد"، ذاك هو المسار الذي من شأنه أن يكون مسار من يطلق عليه اسم كاتب، ليس فقط زمنه المعلَّق أبداً، بل ما يجعله كائناً في صيرورة انقطاع.
هل تنبَّه أحد إلى أن فاليري في تخيله لطوبى  (Utopie) "السيد تست" كان، بمعزل عن رغبته، الأكثر رومانسية بين البشر؟ فهو يكتب في ملاحظاته بسذاجة: "أنا (Ego) -كنت أحلم بكائن يمتلك أعظم المواهب- لكي لا يفعل بها شيئاً، لكونه على يقين [كيف؟] من امتلاكه إياها. لقد أخبرت مالارميه بهذا في يوم أحد عند "ألكي دورسي". والحال، من يكون هذا الكائن، أكان موسيقياً أم فيلسوفاً أم كاتباً أم فناناً أم سلطاناً، الذي يقدر على كل شيء ولا يفعل شيئاً؟ إنه بالضبط العبقريةُ الرومانسية، إنه "الأنا" المتفوِّق على ذاته وعلى خلقه بحيث يمتنع، بخيلاء، عن الظهور، إنه إذن "إله" من شأنه أن يرفض كونه خالقاً، إنّه "الكلي- القدرة" اللامتناهي والذي لا يتنازل أو يقبل بأن يحدَّه أثر مهما كانت طبيعته حتى ولو كان متسامياً [أنظر: دوشان]. أو أنه ينبغي أن يستشعر الخارق في أكثر الأشياء عادية: ما من تحفة (chef-d’oeuvre) [ما أفقر ما أردأ مثل هذا "التزعم" (chef)، القبول بأن يكون الشيء هو الأكبر، هو الأسمى]. ولكل، إذا كان "تست" (teste) يخون نفسه فبسبب سر الابتذال، أي بسبب ما يظهره بوصفه غير مرئي. [أنا لا أنتوي الانتقاص من، فاليري بتبيان السذاجة المراهقة، في مشروعه المركزي، وبخاصة إذا كان يمكن أن تضاف إلى تلك السذاجة ضرورة الحذر الشديد: لا يمكن "للعبقرية" إلا أن تختفي، أن تتلاشى: ألا تترك أثراً، وألا تقدم على ما من شأنه أن يظهرها متفوقة فيما تفعله وحتى فيما هي عليه. المجهول الإلهي، الإله الخفي، الذي لا يختبئ لكي يضاعف خطوة من يعثر عليه في النهاية، بل لأنه يخجل من كونه إلهاً أو من كونه يعرف أنه إله – أو أكثر من ذلك، فالإله لا يمكن إلا أن يكون مجهولاً من ذاته وإلا لخلعنا عليه "ذاتاً" على صورتنا. ولست أعرف إذا كان فرويد وهو غير مؤمن، قد فكر في أنه جعل اللاشعور إلهاً له].
بعد هذين القوسين أعود إلى الصعوبة. إذا كان المكتوب (l’écrit)، اللاشخصي دائماً، يفسد ويطرد ويلغيا الكاتب بما هو كذلك، أو في الأقل الإنسان أو الذات الكاتبة [سيقول آخرون إنه يغنيه وإنه يجعله أكبر مما كان، وإنه يبدعه -حسب المفهوم التقليدي للمؤلف- أو إنه لا غاية له سوى أن يتيح له تمرين عقله — فاليري من جديد]، بلى، إذا كان الأثر الأدبي، في عمليته، مهما كانت صغيرة، على هذه الدرجة من القدرة على التدمير بحيث يستدرج المنفذ إلى معادل للانتحار، كيف يستطيع إذن أن يرتد [آه، يا أورفيوس أيها المذنب] نحو ذاك الذي يعتقد أنه يطلعه إلى الضوء ويقومه ويستسيغه ويرى نفسه فيه لكي يصح، في النهاية، قارئه المفضل وشارحه الرئيسي أو ببساطة التابع الموهوب الذي يعطيه تفسيره الخاص أو يفرضه، ويحل اللغز، ويكشف الشر ويقطع بشيء من السلطة [فالأمر هنا يتعلق بالمؤلف] السلسلة التأويلية، لأنه يدعي كونه المؤول المنشود، الأوَّل أو الأخير؟
Noli me legere [لن تقرأني]. ألهذه الاستحالة قيمة جمالية، وأخلاقية وانطولوجية؟ ينبغي أن نرى إليها عن كثب. إنها دعوة لَبِقة، تحذير مستهجن، وحظر كان دائماً قابلاً للانتهاك. «الرجاء عدم . . .» فإذا كان الأثر ينتمي إلى "اوريديسيوس"، فإن الطلب -البالغ التواضع- بعدم الالتفات والنظر إليه [أو قراءته]، يكون مقلقاً له [أي الأثر] وهو الذي يعلم أن "القانون" سيعمل على إخفائه [أو في الأقل على إيضاحه بحيث يمزجه بضوء ما] بقدر ما يكون مغرياً في عيني الفنان الذي تقتصر رغبته على أن يطمئن إلى وجود جميل ما يتبعه، وليس مجرد خيال لا طائل تحته أو عدم مكسو بكلمات نافلة. حتى مالارميه، الأكثر يسراً والأكثر تكتماً بين الشعراء يعطي بعض الملاحظات حول طريقة قراءة "ضربة نرد" وكافكا نفسه يقرأ قصصه لأخواته، وأحياناً أمام جمهور متفاوت، الأمر الذي لا يعني، في الحقيقة، أنه يقرأها لنفسه بوصفها كتابات -توكيد كتابي- بل يقبل بخطورة أن يعيرها صوته، وأن يستبدل الحكاية [أي لغز ما ينبغي أن يقرأ] بالبداهة الحيوية والشفهية لإلقاء ولحضور يفرضان، تبعاً لذلك، معنى الحكاية أو أي معنى ما .

السبت، 8 أغسطس 2015

الرؤية النقدية عند موريس بلانشو: جورج بولي

ترجمة : سعيد بوخليط

موريس بلانشو
عندما نعاين تقريباً كل الأدب الخيالي [يختلف في الواقع أقل مما نفترض]، سيبدو أن النقد الحالي، يبتغي  من جهة الانغماس في  الوعي بالذات. ومن جهة ثانية، يرتهن لفعل يقوم على التماثل والتطابق مع الآخر.
نجد ثانية، لدى جميع النقاد تقريباً، نفس هاجس الوعي بالذات، أكثر شفافية وعمقاً، ينفذون عبره إلى أقصى الحركة التي يسبرون بها أغوار وعي مغاير لوعيهم، وربما مناقض كذلك، يعكس لديهم الرغبة في الوصول إلى ما وراء الوعي الداخلي، حيث يتواصل استكشافهم داخل فضاء يتشكل بالجسد والأشياء والمادة. فضاء، لا يتم بلوغه، بل، الدخول بفضل توسط أصحاب المقام، إذا جاز لنا القول.
أن تنتقد، يعني تفكر وتفكر في ذاتك. لكن أيضاً، لحساب الكتاب الذي تقرأه، سواء دراسة أو رواية أو قصيدة. هكذا، تجد نفسك في خضم علاقة فعلية مع تجليات ملموسة للكائن.
تتناول الذاتية والموضوعية، الذات والأشياء، هذا ما يكتشفه ويمارسه الناقد تناوبياً، وبكيفية غير مختلفة جداً عن منافسه الشاعر أو الروائي.
ألا تقوم إمكانية للذهاب أبعد؟ ألا يمكننا الادعاء، أن الناقد  المستلهم لتجربة اختبرها سابقاً شخص ثان، سيلقى نفسه بين ثنايا حيز أكثر امتيازاً من هذا الآخر؟ إذا كان هدف كل نشاط أدبي، التوفيق بين نزوعات متناقضة ظاهرياً. ألا تتبلور أبداً من فرصة، كي تتصالح لدى الناقد بدلاً من المبدع؟.
غالباً، ما يتجلى بالنسبة للكاتب وقد بقي عمله في نهاية المطاف مبعثراً، ملاذ أخير يتميز بالاستمرار والبقاء: أقصد تدخل الناقد، الذي بإعادة تناوله للعمل، يمططه ويتممه، مما يضفي عليه وإن متأخراً، وحدة لم تكن متوقعة.
كيفما الأمر، فإن ما يسترعي الانتباه، رؤية أغلب النقاد يركزون طموحهم صوب فعل للفكر يتناول ذاته والوجود، حضور الذات للذات، ثم حضورها تجاه مختلف أشكال مثول العالم.
مع ذلك، هل الرغبة في الانصهار واقعية؟ هل حقاً ممكن، ما حلم به على التوالي: ريفير (Riviére) ودوبو (DuBos) وريمون (Raymond)  وبيغان (Béguin) وباشلار (Bachelard) وروسي (Rousset) وريشار (Richard)، بخصوص العلاقة الحميمية بين الفكر والموضوع، ومن ثم هذا التداخل الملغي لأي مسافة؟ يصعب، مثلاً، تصور فكر غير فكر جان بيير ريشار يريد أن يكون أقل تفكراً، ووفق نوعية مجهود نظري يهتدي بالناقد كي يمتثل أكثر، مكتفياً بقبول إيحاءات المادة.
نقول، تتوخى القضية الجوهرية لقسم من النقد، العثور في الأدب وبواسطة الأدب، على هذه الواقعة واللحظة المنفردتين للوجود. يمحو الفكر والوجود كل تباعد، ثم ترتعد الذات والموضوع، وهما يلاحظان تقاربهما.
غير أن النقد الحديث، قد يكون أيضاً نقيضاً لهذا التوفيق. فمن يتوق إلى الحميمية، يضمرغالباً كذلك تجربة ثاقبة عن الغياب. إذا سعت أسماء كـ ريمون وباشلار وريشار، تحقيق تماثل مزدوج بين الناقد والكاتب، ثم الأدب والوجود. فهناك نموذج نقدي آخر، يتشابه بنوع من الغرابة مع الاتجاه الأول، لكن بإشارة مناقضة تستهدف مع كل سطر تقريباً دحض كل تماثل والإقرار فقط بحضور لـ: المسافة.
المقصود بهذا المعنى، نقد موريس بلانشو. ناقد، مثل السابقين، يوجهه هدف واحد يكمن في تحقيق ”مقاربة” نهائية، لكنه يمضي من خلال إبعاد دائم لموضوعه، فيبدو كأنه مجبر كي يتابع بغير توقف سبيله، دون أن يدنو بخطوة من حيز الالتئام، رغم تطلعه إليه وطموحه نحوه.
هكذا، يبدأ كل شيء عند بلانشو، بالغياب: «عندما أتكلم، فإني لا أنفي فقط وجود ما أقوله. لكن، أيضاً كينونة صاحب القول: إذا أوحى كلامي، بلا-وجود الكائن، فإنه يثبت بهذا الإظهار، تبلوره  بناء على انتفاء صانعه، وقدرته على الابتعاد عن ذاته، ويصير كائناً آخر غير كيانه. إذن، لكي تبدأ اللغة الحقيقية، ينبغي على الحياة التي ستحمل هذه اللغة، تأكيد تجربة عدمها». تجربة، عدمي ولا وجودي.
ما إن أتكلم وأفكر وأتملى، حتى أتبين أني لست أنا أو لن أكون قطعاً كذلك. كلامي، ينتزع مني الوجود. إنه الكوجيطو المفارق، الذي وضعه بلانشو، محل الكوجيطو الديكارتي: إذا فكرت، فلن أكون أبداً. وبدل الأنا، أقامت الكلمات نوعاً من اللا-ذات،واحتل مكاني شبحي الخاص، فابتعدت لانهائياً عن ذاتي: «أول حركة سلب جوهري ومصيري، بحيث أنفصل عن ذاتي أبدياً، مع عجزي عن  الانخراط في أي شيء، ثم أفسح المجال لذاك الصمت الأصلي، منساباً بيني وما سيقع لي. صمت الوعي، الذي يحدث معه خلال كل لحظة من لحظاتي، معنى سلبني إياه».

الثلاثاء، 23 يونيو 2015

نقد النقد.. موريس بلانشو: تزفيتان تودوروف

ترجمة: زياد العوده

تزفيتان تودوروف
إن مؤلَّفات بلانشو الناقد على درجةٍ عالية من التألُّق بحيث تُفضي إلى طرحِ إشكالٍ معيّن؛ فجملُه الرائقة والحافلة بالأسرار في آنٍ واحدٍ تمارسُ جاذبية لاجدال عليها. ومع ذلك، فإن أثرها النهائي يصيبُ المرءَ بالشلَل: إن كلَّ محاولةٍ لتفسير بلانشو بلغةٍ غير لغته يبدو أنها مضروبة بحظر غير مُعلن؛ ويبدو أن الاختيار الذي يجد المرء نفسه مسوقاً إليه هو التالي: الإعجاب الصامت [الذهول] أو المحاكاة [التفسير المسهب، أو الانتحال]. إن عدداً من مجلّة "نقد"، للعام 1966، مكرّساً لمؤلفات بلانشو يمثّلُ جيداً للتنويع الثاني [باستثناء حالتين هما يوليه ودومان]؛ فـ بلانشو أيضاً هو الذي يبدو أنه يكتبُ بريشة ميشيل فوكو: «الغياب الذي لا يُقهر»، و«الفراغ الذي يستخدمه كمكان»، و«قانون لا قانون العالم»، و«الحضور الواقعيّ القصيّ تماماً، والوامض، وغير المرئي»، (الصفحات: 526-527)، أو، بريشة فرانسواز كولان: «الصمت الكلام، والذاكرة نسيان، والحقيقة ضلال»، (الصفحة: 562)، أو بريشة جان بفيفر: «إن اللامكان هو بشكل من الأشكال نهاية هذا الفضاء الذي لا نهاية له»، (الصفحة: 577). إن البعض يعلنون ذلك بصراحة: أخشى ألا يكون هذا التعليق أكثر من نوع من شرح مسهب [...]؛ فمن الصعب أن يتكلم المرء على بلانشو من غير أن يقع تحت تأثير سحر غريب، ومن غير أن يأسره صوت الكاتب نفيه»، (ج. ستاروبينسكي، الصفحة: 513). «إن كلّ شيء ينبغي أن يُقال هنا بصورة "الاحتمال"، كما يفعل بلانشو نفسه"، (ا، ليفيناس، الصفحة: 514). شرح مسهب أو صمت: يبدو أن هذا هو حظٌ كلّ أولئك الذين يحاولون أن يفهموا بلانشو. وتزكّي عبارة جميلة لـ روجيه لايورث الموقف الثاني في الوقت الذي تمارس فيه الموقف الأوّل.
«إذا ما تساءلنا، بعد أن نُغلق كتبَ بلانشو كافة: «وأخيراً فعما تكلّمنا مؤلَّفات بلانشو؟»، فإننا سنشعر حقاً بأنه من المتعذّر أن نجيب، وأنه ما من جواب على هذا السؤال. إن كلمة ما تتحدّثُ، ولكنها لا تقولُ شيئاً، وكلّ ما تفعلُه هو أن تتحدث كلام فراغ، ولكنه ليس كلاماً من الفراغ. إنه لا يدلّ على شيء، بل يشير، وهكذا، فمن خلال هذا الكلام ذاته يغدو المجهول مكشوفاً، ويظلُّ مجهولاً. (الصفحات 589-590).
بعد هذه الإيعازات الصريحة والضمنية، يشعر المرء مسبقاً بأنه مخطىء إذا ما حاول أن يحطّم «السحر الغريب، وأن يسعى لمعرفة ما يقوله بلانشو بالضبط عن الأدب وعن النقد. ومع ذلك؛ فاللغة ملك عام؛ فالكلمات والتراكيب النحوية لها معنى يتضمن شيئاً فردياً. يقالُ إن الشعر غير قابل للترجمة، غير أن الفكر ليس كذلك، والحق أنه لا بدّ أن يكون هناك فكرٌ لـ بلانشو، ضمن آلاف الصفحات النقدية التي نشرت تحت اسمه. ولسوف أقبل، والحالة هذه، القيام بدور الخادم القبيح، وتقديم ترجمة لذلك الكلام الذي لا يقول شيئاً مستخدماً عباراتي:
إن تفكير بلانشو على الأدب ينشأ من تفسير لبعض جمل مالارميه التي يذكّر بها على امتداد مؤلفاته كلّها.
لقد كتب مالارميه: «حالة مضاعفة للكلام، حالة خام أو فوريّة في هذا الموضع، وجوهرية في موضع آخر»، ويفسّر بلانشو قائلاً:
«فمن جهة، هناك الكلام المفيد، الأداة والوسيلة، ولغة الفعل، والعمل، والمنطق والمعرفة، واللغة التي تنقل البلاغ فوراً، وتختفي، شأن كلّ أداة جيدة، في انتظام الاستعمال، ومن جهة الأخرى، كلام القصيدة والأدب، وحيث لا يعود التكلّم وسيلة انتقالية، تابعة واستعمالية، بل يسعى إلى الاكتمال من خلال تجربة خاصة. (الكتاب الآتي، 1959، الصفحة 247).

الأربعاء، 3 يونيو 2015

ميشال فوكو كما أتخيله: موريس بلانشو

ترجمة إدريس هواري



Michel Foucault, by Hélène Builly
في البداية بعض الكلمات الخاصة. لم تكن لي علاقة مباشرة مع فوكو، لم ألتق به إلاّ مرّة واحدة، ربما في يونيو أو يوليو، في باحة السوربون، في خضم أحداث ماي 68 [قيل لي إنه لم يكن موجوداً] حيث وجهت له بعض الكلمات، كان يجهل حينها من يتحدث إليه [رغم ما قاله المشنعون بماي، كانت لحظة جميلة بمكان أي فرد الحديث مع الآخر المجهول، وغير معروف، شخص بين الأشخاص، حيث تستقبل بدون أية سمة تميزك سوى وجودك كشخص]. صحيح أنه طيلة هذه الأحداث الرائعة كنت أتساءل دائماً: لماذا فوكو ليس موجوداً هنا؟ حيث أعيد له قوته الجذابة، متأمّلاً مكانه الفارغ الذي كان عليه شغله. فقدّم لي جواباً على شكل ملاحظة لم تكن تقنعني: إنه لا يحب الظهور، أو إنه في الخارج. لكن بالضبط مجموعة من الأجانب وحتى البعيدين منهم، مثل اليابانيين، كانوا حاضرين. هكذا ربما ضيعنا فرصة اللقاء.
غير أن كتابه الأول الذي جلب له الشهرة قُدم لي وهو لا يزال مخطوطاً بدون اسم. إن كايوا (R. CAILLOIS) هو الذي كان يحتفظ به، فاقترحه على مجموعة منا. أشدّد على دور كايوا، لأنني أعتقد أنه بقي مجهولاً. وكايوا نفسه لم يكن معترفاً به من طرف المختصين الرسميين. فهو يهتم بأشياء كثيرة: فهو محافظ ومبدع بشكل هامشي، لم ينتم إلى جماعة (SOCIETE) الممسكين بسلطة المعرفة المعترف بها. لكن الحاصل هو أنه صنع لنفسه أسلوباً بالغ الجمال، وفي بعض الأحيان مبالغ فيه حتى يُخيَّلُ إليك أنه أصبح ساهراً –ساهراً صعب المراس- على ما هو متعارف عليه من ألفاظ اللغة الفرنسية. إن أسلوب فوكو بجماله ودقته، وهما قيمتان كما هو واضح متناقضتان، تركته محتاراً. ألا يعرف أن هل هذا الأسلوب الباروكي يقضي على المعرفة المتفردة التي بعلاماتها المختلفة الفلسفية والسوسيولوجية والتاريخية تحيره وتقض مضجعه. ربما لاحظ في فوكو آخره الذي يسرق منه ميراثه. لا أحد يرغب أن يرى نفسه غريباً في مرآة، لا يميز من خلالها ذلك الشخص الذي يضاعفه والذي يجب أن يكونه.
إن الكتاب الأول لـ فوكو [لنفترض أنه الأول] رفع من قيمة العلاقة التي يجب تصحيحها فيما بعد مع الآداب. إن لفظ "الحمق" مصدر لغموض، لأن فوكو لا يعالج الحمق إلاّ بطريقة غير مباشرة، فما يهمه هي سلطة العزل التي في يوم من الأيام السعيدة أو الحزينة، وبقرار إداري بسيط بدأ العمل بتقسيم المجتمع ليس إلى أناس خيرين وأشرار لكن إلى عقلاء وخرقاء. وسيسمح هذا بالوقوف على العقل والعلاقات الغامضة التي تربط –وهي هنا السلطة الملكية- مع ما هو أساسي والذي يجعلها تعترف أنها لا تسود لوحدها.

رجل في خطر.
يجب التساؤل لماذا حافظ لفظ "الحمق" حتى عند فوكو على كل هذه القدرة على التساؤل. ففي مناسبتين يؤاخذ نفسه لكونه أعجب بفكرة وجود عمق للحمق، مما يشكل تجربة أساسية خارج التاريخ، ويكون الشعراء [والفنانون] شهوداً أو ضحايا أو أبطالاً. لكن إذا كان هذا خطأ فإنه كان لصالحه. إذ بفضله [وفضل نيتشه] وعى عدم محبته لمقولة الحمق، وسيتعقبه في الخطاب، والمعنى المستتر، والأسرار المغرية أي المعاني الثنائية أو الثلاثية التي لا يمكن القضاء عليها، إلا بالحط من المعنى نفسه، وكذا الألفاظ والمدلول وحتى الدليل.
وهنا أقول إن فوكو الذي صرح يوماً بتحد "متفائل محظوظ" كان يشعر بخطر يحدق به، وبدون أن يتباهى بما كان يعرفه، كان له حس حاد بالأخطار التي نتعرض لها. فتساءل لمعرفة ما يهددنا، ومع من يجب أن نؤجل الحرب. ومن هنا أهمية مقولة الاستراتيجية بالنسبة إليه. وعليه لو أراد اللعب بالفكر، وسمح بذلك القدر والحظ، لكان رجل دولة [مستشاراً سياسياً] أو حتى كاتباً -هذا اللفظ الذي كان يتحاشى استعماله بقدر من الحشمة والوقار- أو فيلسوفاً خالصاً أو عاملاً غير مؤهل، أي ذاتاً لا تعرف من هي ولا كيف هي.
على كلّ حال، إنه رجل يسير وحيداً، محتاطاً من امتيازات العمق، رافضاً شراكات الماهية، باحثاً عن إمكانية وجود خطب السطح التي تنعكس عليه، لكن بدون سراب وغير بعيد، كما أعتقد، عن البحث عن الحقيقة والمخاطر [وكم هي كثيرة] التي تهدد هذا العمل، وكذا علاقاته الملتوية بعُدّة السلط المختلفة.

الجمعة، 22 مايو 2015

جاك دريدا.. أن نترك له الكلمة الأخيرة: دافيد رابوان

ترجمة الحسن علاج
    

jacques derrida by christina marceline
يعود جاك دريدا ( Jacques  Derrida) مرة أخرى إلى وفاة موريس بلانشو (Maurice Blanchot). ثم إنه يقدم شهادة يشيد فيها بذلك الذي يظل بالنسبة إليه «الصديق، المفكر، الكاتب» مستشهداً ومعلقاً على مقاطعَ من ثلاثة من كتبه.
ستعمل دور نشر غاليلي (Galilée) هذا الشهر [أكتوبر 2003] على إصدار نصين لـ جاك دريدا حول موريس بلانشو. أولاً، الشهادة التي ألقيت بمناسبة وفاة الكاتب، التي سيتم ضمها إلى نصوص أخرى ذات صلة بالشهادة [منها بعض النصوص التي تم ضمها باللغة الإنجليزية] ضمن كتاب مجلد بعنوان: "كل مرة يكون العالم وحيداً". ثم إعادة إصدار لأنحاء، مجموعة نصوص خصصها جاك دريدا لـ موريس بلانشو بين 1976 و1980. ففي هذه المجموعة توجد، بخاصة، استعادة الحلقة الدراسية ليال (Yale) "[ بقاء"، مصحوبة بملاحظة طويلة للمترجم على هامش النص] والتي ارتضى دريدا إدراجها في العمل المشترك تفكيك ونقد، [ظهر في سنة 1979 واعتبر فيما وراء الأطلنطي مثل "بيان لمدرسة بال"]. كما تتضمن إعادة الإصدار هذه نصاً غير منشور، تحت عنوان "موريس بلانشو مات"، محاضرة ألقيت في ندوة "موريس بلانشو" نظمت في مارس 2003 بجامعة باريس السابعة، ومنها ننشر هذا الموجز.
 دافيد رابوان ( David Rabouin)
*****

بعد يومين من الترميد الذي جئت بخصوصه، وإذا كان لا يزال بوسع المرء القول، [كنت] حاضراً، فاغرَ الفم، منقطع النَّفس، حتى لما كان الأمر يتطلب المخاطرة بالكلام في ذلك، كنت "مقيداً"، بندوة حول "الدابة والملك"، هيدغر  (Heidegger) وروبانسون كروزوي (Robinson cruso)، حيث، ولأسباب ليست لها أي أهمية، لم أتوقف عن الكلام عن الاختلاف بين الدفن والترميد، بين المدفونين والمرمَّدين، استيهامات الكائن المدفون حياً وكل الاستيهامات المرتبطة بالنار والرماد..
كنت أعرف لزمن طويل، أيضاً منذ زمن طويل أنني كنت أتذكر، وبطريقة جدّ مُداهمة هذه السنوات الأخيرة، بطريقة أيضاً أكثر تهديداً منذ بضعة أسابيع، أن موريس بلانشو كان يحتضر. بموت أقرب بكثير من أي وقت مضى. كنت أعرف في السابق، على الأقل ما قيل لي حديثاً، أنه اختار الترميد. من بلانشو محتضراً، منذ زمن طويل كان بمقدوري القول مثلما يمكن قراءة ذلك في الإنسان الأخير، تبعاَ لزمنية يبدو أنها تتحدى كل معاني عبارة معنى: «اقتنعت أولاً أنني عرفته ميتاً، ثم محتضِراً» (ص12)

السبت، 9 مايو 2015

التجربة-الحد: موريس بلانشو


ترجمة: جورج أبي صالح
مراجعة: فريق مركز الإنماء القومي                                                                   

1
تأكيد الفكر السالب وشغفه

Gilles Berquet
ليُسمح لي، وأنا أفكّر في جورج باتاي، بالتأمل أمام غياب بدلاً من ادّعاء عرض ما يتعيّن على كلّ واحد أن يقرأه في كتبه. وهذه الكتب بالذات لا تشكّل إطلاقاً جزءاً صغيراً جداً من الحضور الغائب، ومجرّد أثر له. إنها تعبّر عن الأساس وهي أساسية. ليس فقط بجمالها وروعتها وقوتها الأدبية التي لا تضاهيها أية قوة أخرى، إنما بعلاقاتها مع البحث الذي تنمّ عنه. ومن المذهل حتى أن يكون فكر بمثل هذا التحرّر من التماسك الكُتُبي قد استطاع أن يتوكَّد إلى هذا الحدّ، دون أن يفضح نفسه، في أثر تحتفظ القراءة بالقدرة على بلوغه: شرط أن تتناوله ثانيةً في مجمل تعابيره وبإبقائها في الوسط، إلى جانب التجربة الداخلية، والمذنب، والجزء اللعين، الكتب التي نشرها باسم آخر غير اسمه، والتي لا مثيل لقوة حقيقتها: إنني أفكّر أولاً بـ السيدة إدواردا (Madame Edwarda) التي تكلَّمتُ عليها سابقاً مسمّياً إياها بضعف «أجمل رواية في عصرنا».
إن من شأن قراءةٍ كهذه أن تزيل النعوت التي نحاول بواسطتها أن نجعل ما نقرؤه مثيراً للاهتمام. بالتأكيد، إن الجمع بين كلمات الصوفية والشبق والإلحادية يسترعي الانتباه. فالتكلم على كاتب معاصر وكأنه إنسان دخل في حالة انخطاف وتصرَّفَ تصرفاً إلحادياً ومدح الفسق واستبدل المسيحية بالنيتشوية والنيتشوية بالهندوسية بعدما طاف حول السرّيالية [إني أختصر بعض التقارير السليمة النيّة] يعني تقديم الفكر في عرض مسرحي وخلق شخصية خسالية دون أقلِّ اهتمام بدقائق الحقيقة. من أين تأتي هذه الحاجة إلى عدم البحث عن الحقيقة إلاّ على مستوى الطرفة وبواسطة زيف الإثارة؟ بالطبع، إن كلاًّ منا –كما نعرف- مهدَّد بغوليمه (Golem)*، ذلك التمثال الصلصالي الغليظ، صُنونا الزائف الصنم الساخر الذي يجعلنا مرئيين والذي أتيح لنا، ونحن أحياء، أن نحتجّ عليه بكتمان حياتنا؛ لكن، إذا به يديمنا، وقد بتنا أمواتاً: كيف نمنعه من أن يجعل من اختفائنا، ولو كان الأكثر صمتاً، اللحظة التي يتعيَّن علينا فيها، وقد حُكم علينا بالظهور، أن نجيب بسرعة على الاستنطاق العام بالاعتراف بما لم نكُنْه؟ وأحياناً يكون أقرب أصدقائنا، ذوو النيّة السليمة بالتكلّم عنا وحتى لا يتخلّون عنا بسرعة زائدة عند غيابنا، هم الذين يساهمون في هذا التنكير الخيّر أو المؤذي الذي سيرانا فيه الغير من الآن فصاعداً. كلا، لا خلاص للأموات، الذين يموتون بعد أن يكونوا قد كتبوا، وأنا لم أميّز قط في الخلود الأكثر مجداً غير جحيم متكلّف حيث يظهر النقّاد –نحن كلّنا- بمظهر شياطين حقيرين.
لقد فكّرت في هذا طويلاً، ومازلت أفكّر فيه. لا أرى كيف يسعنا أن نستحضر بعبارات صحيحة فكراً بمثل هذا التطرف والحرية، إذا كنّا نكتفي بتكراره. ويصحّ هذا عموماً على كلّ شرح. فالشارح لا يكون أميناً عندما ينسخ بأمانة؛ فما يستشهد به، الكلمات والجُمَل، بفعل كونها مستشهداً بها، تغيّر المعنى وتتجمّد أو بالعكس تأخذ قيمة مفرطة الكبر. فالتعابير القوية جداً التي يجوز لجورج باتاي أن يستعملها تخصّه هو وتحتفظ، تحت سلطته، برزانتها؛ لكن، أن يحدث لنا أن نتكلّم بعده على يأس ورعب وانخطاف ونشوة، فلا يسعنا غير أن نشعر بخَرَقنا وأن نشعر أكثر بريائنا وتزويرنا. لا أقول إن استعمال لغة مختلفة تماماً، مجرّدة من هذه الكلمات الهادية، يقرّبنا أكثر من الحقيقة، لكن القراءة تبقى، على الأقل، سليمة في وفاقها الأكثر براءةً مع فكر مصون.
ضمن هذا المنظور، أعتقد أن عمل الخطاب المصاحب –وهو عمل يجب أن يميل إلى التواضع- سوف يقتصر على اقتراح نقطة يمكننا أن نسمع منها بوجه أفضل ما ستبرزه القراءة وحدها. ومع ذلك، يمكن أن تتغيّر هذه النقطة. لنبحثْ أين نأخذ مكاننا حتى لا تُعتبر التجربة-الحد، تلك التي سمّاها جورج باتاي «التجربة الداخلية» والتي يجذب إثباتها بحثه إلى نقطة ثقلها الأكبر، حتى لا تُعتبر بأنها ظاهرة غريبة، وفرادة عقل خارق، بل تحفظ لنا قوتها الاستجوابية. سوف أذكّر بإيجاز بما هو مقصود.

الاثنين، 27 أبريل 2015

أن تكتب عند تخوم الفراغ: توماس رينيير

ترجمة: سعيد بوخليط

Maurice Blanchot
قد يظهر عمل بلانشو (Blanchot) مهووساً بسؤال الشر، الخواء وكذا الموت. لكن حينما نقترب منه أكثر، فإن الكاتب يبدو بشكل أقل كمفكر عدمي من كونه أحد النقاد الأكثر دقة للعدمية.
أن يتكلم بلانشو طيلة مشروعه عن الخواء والموت -موضوعات تكون في الآن ذاته مجالاً للتأمل والإضطراب الممتزج بالرعب- ثم يعود باستمرار عبر مجموعة من المبدعين (كافكا، ريلكه، مالارميه، باسكال، تولستوي، جيمس، وكذا آخرين) إلي الأدب في علاقته المتميزة، التي ينسجها مع هذه التيمات: ذلك ما قد يكون كافياً في حقل النقد المعاصر، حتي يتم على الفور إدراجه ضمن المفكرين العدميين. ألم يشر بلانشو في كتابه (l'espace littéraire) إلي ما يلي: «الكاتب هو ذاك الذي يكتب ليتمكن من الموت، وهو أيضاً من يمسك في إطار قدرته علي الكتابة، بعلاقة حدسية مع الموت» [ص 114]. وكذلك: «يهتم الفن بالحقائق بناء علي لامبالاة مطلقة، هذه المساحة اللانهائية تتجسد في الموت» [نفسه ص 198]. قد نستشهد أيضاً بمقطع شبيه ورد في كتابه (le livre à venir) تتعلق برسائل إلى أرتو( Artaud)، حيث عمل من خلال ذلك بلانشو علي تفعيل حركية كتابة جوهرية الخواء: «كيف لمن ليس لديه شيئاً يقوله، أن يكد لكي يبدأ في الكلام والتعبير؟» [ص 54]. يكتب بلانشو مكرراً تقريباً كلام أرتو يمكننا، أخيراً الإشارة بشكل صريح أيضاً، إلي ما قد يظهر بأنه ترك إشكالية الأدب جانباً بشكل مؤقت. يتعلق الأمر بمقطع معنون بـ (scène primitive une) من عمله (l'écriture du désastre) حيث يستحضر الكاتب رؤية طفولية، لا تملك بالتأكيد شيئاً طفولياً حينما يحيل علي «هذه المعرفة المثيرة للتيهان، حيث فقط الخواء هنا، ثم أيضاً الخواء هناك» [ص 117]. كثير من الصياغات، لا تعمل غالباً ببساطتها المضللة إلاّ علي إخفاء المعني.