‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 6 أغسطس 2015

سعادة العيش في جهنّم

ترجمة: ليليان حاتم
من ملف في "لو نوفيل أوبسرفاتور"

ENFER BY ELIZBETH PROUVOST
دخلت روايات جورج باتاي وأعماله القصصية مجموعة "لاپلياد" الرائعة حديثاً (2004)، فهذا الكاتب كان يرغب في التمتع بالشهرة الشائنة فقط ولا يحبّذ الانتماء سوى إلى "نخبة مشاهير دنيئة". سنراعي الآراء الكاشفة عن قدرة عصره على تقبّل الذين يعارضون ميله إلى تلك النخبة في الفسق اليومي والإباحية الصحية ورفضهم التأمّل في الجثة الضخمة المخيفة التي من صنع الرب، والتي يظنون أنهم ابتعدوا عنها إلى الأبد فيما يلازم الجسد أعمال باتاي بأكملها. لم يؤمن مؤلف "الجزء المحرّم" بالنضال الفكري من أجل تحرير كاذب للتقاليد، بل تحظّر أعماله الكف عن الحظر وتؤكد أن التمتع نتيجة العقبات، فكان وصف بقاء الإروتيكية بـ«إقرار الحياة حتى في الموت» وفق التحديد المشهور لعام 1957.
يليق تشبيه المفكر الأكبر باتاي بالكتاب المقدس المغلف بالجلد وإن يكن من نوع مستحدث. نجد فيه حقاً نوعاً من "الكاثوليكي العكسي" كما قال فلوبير عن ساد. لكن ليس هذا فحسب، فـ باتاي المؤلف ليس ذلك الأسقف الشيطاني الذي تقزمه الشائعة في الغالب. ليس ذلك المتزمت اللواطي الذي تبوّل بطلاته الشقراوات المنتشيات في وجه الأموات. قصص باتاي الخيالية الموجزة الدنيئة ليست كتباً لقراء الروايات بل هي عدوى حمى. جاء في رواية "التجربة الداخلية": «أؤلف للذين ما أن يشرعوا في قراءة روايتي يسقطون فيها كما في حفرة». روايته طقوس قاسية يبرز فيها شذوذ جارح وهمجية آتية من عمق العصور في ظل فولكلور زمنه التجديفي. نثمل باستمرار في روايات باتاي، في الاستكشاف الهلع لـ«نواحي المؤخرة السبخة» وفي تجربة الانحراف عامة، فنتعرّق ونصيح متألمين ونستمني. ليست مصادفة أن يتمكن ميشال فوكو من الكتابة ذات يوم أن جلّ ما بقي للقيام به والتفكير فيه وقوله يعود إلى باتاي وسيبقى كذلك لفترة طويلة.
"قصة العين"، "السيدة إدواردا" و"أمي"، قلّما نُشرت جميع النصوص المجموعة هنا عوض نشرها في جدية في حياة باتاي. حتى رواية "زرقة السماء" المعروفة جداً والتي ألفها عام 1935 وكان في الثامنة والثلاثين، لم تُطبع كاملة إلا بعد مرور عشرين عاماً على تأليفها. لعجز باتاي حقاً عن نشر ملخص الاستسلام للأسوأ من دون عوائق، اذ اعتبرته باريس مناضلاً يسارياً متشدداً ضد الفاشية. "زرقة السماء" حيث ينفجر كل عمل سياسي مثير للسخرية في كل صفحة، في تهلل كئيب يتعدى الألم النفسي المبرح. لكن وضع باتاي كموظف وخشيته الرقابة لا يوضحان ازدواجيته حيال النشر، اذ حمل العديد من نصوصه اسماً مستعاراً مثل لورد أوش في رواية "قصة العين" وبيار أنجيليك في "السيدة إدواردا" التي تمثل الرب في ملامح مومس في ماخور. لا بد أن باتاي حفظ الدرس النيتشوي، فعلى كل رجل عميق التفكير أن يضع قناعاً. لكن ذلك الدرس تضاعف لديه في الغفلية المنشودة في العربدة وفي الاهتمام بالاحتراق بدلاً من الاستمرار وفي رفض تكديس الأموال بواسطة اسمه.

الأربعاء، 24 سبتمبر 2014

جورج باتاي (1896-1962)؛ وعشرون عامًا بعد رحيله: زينب عبد العزيز

العدد 243 لجوان 1987 من مجلة "Magazine Littéraire"
أفردت مجلة "مجازين ليترير" "Magazine Littéraire" الشهرية الصادرة في يونيو 1987 جزءاً خاصاً عن الأديب الفرنسي الراحل جورج باتاي، وذلك بمناسبة ظهور أهم وأحدث كتاب عن حياته وأعماله، والكتاب بقلم ميشيل سوريا (Michel Surya) الذي تخصص تقريباً في الكتابة عن جورج باتاي ومؤلفاته، ويتضمن هذا الجزء من المجلة عدّة مقالات وأبحاث بقلم بعض كبار النقاد والأدباء الذي ساهموا في الاحتفال بمناسبة مرور عشرين عاماً على وفاة باتاي.
وتتناول هذه الأبحاث المتعددة مختلف الملامح التي تميّز جورج باتاي وأعماله. مثل المكانة المميزة للصور والرموز في كتابته. وتجربته مع الشعر، وقيمة مؤلفاته في المجال الاقتصادي، وموقفه المعادي للسريالية، ومساهمته الفعالة في المجلات الأدبية، كما تناولت بعض هذه المقالات والأبحاث موقفه من بعض معاصريه مثل الأديب جان بول سارتر والفيلسوف لاكان (Lacan) والأديب روجيه كايوا (Roger Caillois). وتنتهي هذه الأبحاث بمقال عن المكانة الحالية لجورج باتاي في المجال الأدبي.

الجمعة، 5 سبتمبر 2014

الأثر الروسي في الإيروسية الفرنسية: أندريه مَرطينَف

ترجمة: نوفل نيوف

الباحثة الروسية أوكسانا تيموفيّفنا
وصفه مارتِن هايدِغِر بـ «أكبر العقول النيِّرة في فرنسا». فإذا أخذنا بالحسبان ما لدى الفيلسوف هايدِغِر من غرور مَرَضيّ وغيرة تجاه "زملاء الكار"، عرفنا أنّ قيمة هذا الإطراء كبيرة. فمَن هو سعيد الحظّ هذا الذي استحقّ إطراء هايدِغِر؟ إنّه الكاتب والمفكّر الفرنسي الشهير جورج باطاي (1897- 1962).
وقد كرَّست الباحثة الروسية أوكسانا تيموفيِّفنا المتخصِّصة بالفلسفة الفرنسية كتابها: ("مدخل إلى الفلسفة الإيروسية عند جورج باطاي"، موسكو، 2009) لإعادة بناء صورة العالم عند واحد من مؤسّسي ما بعد الحداثة.
تقوم الفلسفة الإيروسية في العادة، خلال تاريخها الطويل، على المقابلة بين قطبين هما: الروحيّ (الإيروسيّ الخاصّ)، والجسدي (الجنسيّ). ووَفقاً لهذا التقليد الذي يعود بجذوره إلى الفلسفة القديمة (أفلاطون)، وسكولائية القرون الوسطى (توما الأكويني)، كان الجدل يُحسَم لصالح الروحيّ. ورغم أنّ بعض فلاسفة عصر الأنوار (هيلفيتسي وديدرو)، أو مَن جاء بعدهم من الفلاسفة المادِّيين (الذين قلّدوهما، أصلاً) كانوا، بالعكس، يؤكِّدون على الجسديّ (الفيزيقيّ)، فإنهم كانوا أقلية.
إنّ إبداع جورج باطاي يتعدّى حدود الأطر المعتادة. فالإيروسية، حسب مؤلِّف كتاب "الزُّرقة السماوية"، هي السمة الأساسية التي تميِّز الإنسان عن الحيوان. صحيح أنّ جورج باطاي يرينا ظهور الإيروسية نفسَه على نحوٍ شديد التناقض: «لقد عرف إنسان النياندرتال الموتَ منذ كان يغطِّيه الشعر كالوحش. وعلى هذه المعرفة ظهرت الإيروسية التي تميِّز حياة الإنسان الجنسية من حياة الحيوان الغريزية البهيمية». كما أنّ الإيروسية تتّصف عند الفيلسوف باطاي بمنظومة محدّدة من المحرّمات التي تتناقض مع الطبيعة الهدّامة، القاتلة، وبذلك تختلف الإيروسية عن حياة الغريزة البهيمية عند الحيوانات.
إن المحرّمات (التابوهات) تشكِّل الثقافة التي تناقض الطبيعة أيضاً. ذلك أنّ «نفي الطبيعة، حسب رأي باطاي، يعني نفي الحيوانيّ الذي يؤلِّف دعامة سلبية الإنسان»، كما تقول تيموفيِّفا. وفي المحصّلة، كما ترى الباحثة، «فإنّ الجسد الخاص هو تحديداً ما يصبح، بهذه الطريقة، موضوع النفي. ومن هذا النفي (الكاذب، الموهوم)، حسب باطاي، يبدأ تاريخ الإنسان، على كلّ حال». ولذلك فإنّ مفاهيم مثل "الرغبة"، و"التغاير"، تتجاور في قاموس الفلسفة الإيروسية عند باطاي وتقف جنباً إلى جنب مع مفاهيم "الفقد"، و"السيادة"، و"السرّي". على أنّ هذه مفارقة من نوع خاص أيضاً.
نظنّ أنّ هناك خصوصية لافتة أخرى بعدُ، تتّصف بها أيضاً فلسفة باطاي وسيرته على حدٍّ سواء، هي "الأثر الروسيّ".
إذ تلفت أوكسانا تيموفيِّفا انتباه القراء إلى أنّ التجربة الاشتراكية التي أجريت في الاتحاد السوفيتي كانت في نظر الفيلسوف "قفزة إلى الموت" بالنسبة للوعي الفرديّ الغربي، فيما كانت روسيا تبدو له "ثقباً" من نوع خاص. أمّا إذا ما تركنا جانباً مثل هذه الآراء، فإنّ علينا أن ننوِّه بوجود خطوط متوازية معينة بين إبداع جورج باطاي ونثر الأديب الروسي أندريه بلاطونَف. والباحثة تيموفيِّفا تشير في كتابها أيضاً إلى هذه الخطوط المتوازية.
إلا أنّ هذا ليس كلّ شيء. ذلك أنّه كان للمفكّر باطاي في بداية عشرينات القرن العشرين لقاءات كثيرة في باريس مع ليف شِستوف (فيلسوف روسيّ هاجر بعد الثورة). وتحت تأثير شِستوف تحديداً شرع باطاي يقرأ باهتمام كلاً من دَستويِفسكي، وكِركيغور، وباسكال، وأفلاطون. زِد على ذلك أنّ باطاي قام بمساهمة كبيرة في ترجمة كتاب شِستوف "الخير في تعاليم الكونت تولستوي وفريدرك نيتشه" إلى الفرنسية (صدر في باريس سنة 1925).
وهناك "أثر" آخر: فقد تعرّف باطاي في سنة 1931 إلى الكاتب والشخصية الاجتماعية بوريس سوفارِن، فانضمَّ إلى "الحلقة الشيوعية الديمقراطية" التي أسسها سوفارِن (انحلّت بعد بضع سنوات). وفي سنة 1931 أيضاً شارك باطاي في حلقة البحث (سيمينار) التي أقامها ألكساندر كويْري (كويْرانسكي) في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا. وتتحدّث أوكسانا تيموفيِّفا عن هذا الموضوع في كتابها أيضاً.
ثمّ إنّ "الأثر" الروسي (بل الأوكراني، للدقّة) موجود كذلك في الحياة الشخصية لـ باطاي صاحب كتاب "المستحيل". إذ تزوّج باطاي في عام 1946 من الأميرة ديانا كوتشوبي دي بوغارنه وأنجبا من ذلك الزواج ابنتهما جولي.

تلك هي "الآثار" الروسية في الإيروسية الفرنسية.

الاثنين، 23 ديسمبر 2013

في يدي العالم ميت شمعة قديمة مطفأة: يقظان التقي

"القدسي" أو "الملائكية الأخرى" وقصائد أخرى لجورج باطاي تقديم الشاعر برنار نويل، صدر في ترجمة الى العربية لمحمد بنيس عن دار "توبقال" المغربية للنشر.
هو الشعر باعتباره القمر الفلسفي أو الشمس الفلسفية، والثقافة بتناقضاتها الداخلية وأشكال تكوراتها الذاتية وتأويلاتها والباطن والظاهر والسابق والتالي من الأفكار والتحولات.
جورج باطاي قامة شعرية ونقدية شاهقة له موقعه الخاص والاستثنائي والصعب وهو ابن اللغة والأفكار البعيدة، شأنه شأن لغته بمنهجية أفكار مقارنة صعبة على الكثيرين وعلى أساتذة الشعر لتعددية مستوياتها ولشحناتها التي تتغذى ذاتياً وثقافياً ووجودياً وتلك الالة، أو الهيولى بطاقة هائلة التي تغلف الشعر وتتولى تغذيته.
هو شعر كثيف له تقنيته وتوجهاته كما له قيمة النسبية المادية على نحو التسريحات البعيدة في كنية اللغة وجسدها ولذائذها الحسية كمادية فكرية حسية وحيث لا يمكن وضع حدود بين الشاعر وقصيدته وفي مضامينها الفلسفية وأطرها الفكرية.
وصفه مارتن هايدغر بـ"أكبر العقول النيّرة في فرنسا" وهو من "زملاء الكار" والفلسفة الإيروسية الفرنسية وواحد من مؤسسي ما بعد الحداثة في تلك الصورة المقابلة بين قطبي الروحي.0الإيروسي الخاص) والجسدي (الجنسي) وفي العودة الى جذور الفلسفة القديمة الأفلاطونية وسكولائية القرون الوسطى (توما الاكويني) جورج باطاي لا يقف عند منظومة محددة من المحرمات التي تتناقض مع الطبيعة الهدامة والقاتلة لغة متحررة من نوع خاص تارة قفزة الى الموت وطوراً بخطوط متوازية فكرية أخرى متعددة الأثر في قراءات دستويفسكي وكيركيجورد وباسكال وأفلاطون وتعاليم تولستوي وفريديرك نيتشه وبوريس سوفارف (الشيوعية الديموقراطية) والمدرسة التطبيقية عند كوبرانسكي.
برنار نويل قدم للديوان بعنوان جدلي إشكالي "خير الشر"، مقدماً الشعر والاعتراض على الشعر، والشعر باعتباره ملوثاً وفاحشاً ومشوّهاً للتركيبات العادية، أي "كراهية الشعر" أو "المستحيل"، كطريقة مؤدية الى الشعر الحقيقي، أو العنف لتمزيق "الشعر الجميل". في كل ذلك يقول برنار نويل فيما يشبه المرافعة الكبرى عن شعر باطاي: إن ما يلوث الشعر، بالنسبة لباطاي، هو الشعر نفسه في الحدود التي تقبل فيها بأن يُرضي نفسه بجمالياته، ولذلك يرى باطاي أن يلوث هذا التلويث ليبلغ "الشعر الحقيقي". وتعاني اللغة هنا، بطبيعة الحال، من كونها لا تتوفر إلا على كلمة لتعيين المشاريع المتناقضة، لكنها بهذه المعاناة، وبشرط أن يكون المتكلم بها واعياً بالعجز، تصل الى حالة من الإخفاق حيث أنها وهي تمسك بالمستحيل، تستخرج منه طاقة مضاعفة... لحظة الحقيقة هذه تسمح بأن يتدفق القلق، وبأن يكشف بداخلنا عن تصدع فيه بتعدد المعنى واليقين.. ولا شك أنه تمنح لنا على هذه الحافة وحدها فرصة تأمل هذه الجملة لباطاي: "من لا يموت من أجل ألا يكون إلا إنساناً لن يكون أبداً إلا إنساناً".
ويضيف نويل: "إن الشعر المتمرد على الشعر الذي يكتبه باطاي مرتبط بالتجربة الداخلية ومن المحتمل ألا يكتب من دونها. فالصوفية المادية لباطاي تحتاج الى القبض على الحالات التي تستدعيها، الى القبض عليها في صيغ مضمومة بعضها الى بعض، مكثفة، مكسرة، لها بطبيعة الحال هيئة القصيدة، بين صوفية القصيدة بالمعنى المتناقض نفسه بين الشعر وكراهية الشعر، لا يستعير منها كلمة الصوفية إلا من أجل أن يشعره معناها... كل شيء يهتز عند حافة المادية، على حافة قبر، خلف عبارة الأكاذيب الممجدة(...) وبمجرد أن يدرك الكائن الخراب يختفي العري في الوقت نفسه التي تندثر الوسائل التي أدت الى انبثاقة"(...).
إذاً هي السلبية المدهشة والهيئة اللغوية باعتبارها الحدس بخراب يظل انتظاره سرياً حتى تنفصل عنه العديد من الأشياء، تضيع لتتواصل فيما بينها، أي نوعاً من الفوضى الفيزيائية التي تقود مصادفة الى تركيب حقيقي بالشعر حقيقي يتجاوز بمرجعيته الأولى وبفظاعة الى شعرية فاحشة وليس غريباً أن يكون الجنس أول التحقيقات السريالية من تلك الايروسية المتفجرة الى حدة السوية والظرفية.

العدمية
كل الاتجاهات في الشعر عالقة: الرمزية والتأويلية والعدمية العميقة والسريالية العالية الى ذلك المعنى الفلسفي والتأملي والميتافيزيقي والذهنية العقلانية في مروحة التناقضات والأوضاع الإنسانية الذاتية السابق فيها أقوى من التالي والتأويل أقوى من الظاهر، والصامت أبلغ من الناطق...
لعب شيق وشيطاني يمزج بين إدراك النزعة والأثر الإيروسي والبعد الصوفي على مساحة مستحيلة من الدلالات لصاحب تجربة معنى شعري ولصاحب نظرية في الشعر واعمق بالاحتكاك بالمستحيل.
تقرأ مجموعة كبيرة من القصائد "بدون رأس"، "هالة الموت"، "غياب الندم"، "كوريغيا"، "الصاعقة"، "الغسيل"، "قصائد شيقة"، "يتأوه الذئب"، "يا جمجمة"، "قصائد ملغاة"، "المذنب"، "التجربة الداخلية"، "القبر" وغيرها بكل ذلك العمق الخفي والسحيق وبما يفتح الغرفة الشعرية السوداء على مصراعيها وبجنون الدواخل والرغبات والمشتهيات في أكثر من بناء وقصيدة مرجعية. هي الكاتدرائية شعرية عالية ليست أحياناً في المباشر والمتناول الجاهز بأبجدية لغوي، ولغة غير جاهزة متحررة من الارتباطات الجمالية التقليدية لا بل هو خطر على الشعر نفسه، يمزق طرائقه ويلطخها شيء آخر تماماً، من نوع دمار التركيبات العادية وبفظاظة ولكن: "كل فعل ضد الشعر لا يمكن أن يحدث إلا داخل الشعر" وفي الحدود التي يرضي بها بجمالياته.

قيم مضادة
هو نيتشه الذي انتبه الى الوضع الذي كان يشغله ديونيزوس عند الإغريق، باعتباره ملهماً للعبقرية اليونانية في مجال الإبداع الفني، وهو الذي انتبه الى سيادة القيم الميتافيزيقية المضادة للحياة، وهي قيم استثمرتها المسيحية في العصور الوسطى وأتت الحداثة في تلك الرغبة العنيفة التي لا تعرف حدوداً في الوعي بالزمان الناتج عن إغراقه بالمتع مع فقدان وسائل اقتناعها، أعني الوقت الكافي لإشباع كل متعة على حدة وأمام التعدد اللامتناهي لهذه المتع.
هذا الانشقاق واضح في شعر باطاي في الماهية والجوهر الروحي في جهة والجسد المحتقر من جهة ثانية، وذلك الوعي الماهوي الذي يضيف شعوراً بالعزلة والقلق والانكفاء وأشياء العزلة. أي كارثة ميتافيزيقية في الفصل الحاد بين الأنا والآخر،
بين الذات والعالم، بين النفس والعقل، بين عالم المقدس وعالم "الطبيعة والحقيقة"، بين الذات المادية والموضوع، من "اللوغوس" Logos اليوناني القديم وصياغة القوانين العامة التي تجعل من اللغة ذلك المنطق بالكشف عن الحقيقة، هو الطريق الميتافيزيقي الذي سار فيه هايدغر ودريدا وطريق الجنون الذي سار فيه فوكو مقتفياً آثار باطاي في إشكالية المحظور والقُدسي ودائرة المقدس التي تتسع لتتقاطع مع ما هو مدنس كما تشع دائرة المدنس لتتداخل مع المقدس. ربما الشعر هو ذلك العقل الرمزي عند باطاي، ومضات الكشف الصوفي كي يحرر المقدس من الخطر، أي خطر كان من أولوية الذات، ومثالية المدلولات وجوهرية المعاني وتواطؤ المفهومات وحقيقة التصورات وذاتية الحدود وشفافية العلامات وعليّة التفسيرات وغائيتها.
وكما يقول الفيلسوف بوديارد: "يسهر الإغراء دائماً على تحطيم نظام القدسي بكل رمزيته وسلطته ولكن ليس ابدا في المكان الذي يفترض وجوده فيه".
فقد خرج باطاي ما بين ادراك النزعة الإيروسية والبعد الديني الى حدود جعل من الأول العامل الموضوعي للثاني وجعله يتموضع من القصيدة في منظومة القدسي كالقدر في مجالات متعددة تماماً كما كان التأويل عند ابن رشد وابن حزم والسهروردي هو انحراف النص عن صورته الحقيقية وذلك المجاز اللغوي باختلاف حال المسؤول وصفاء الفهم وتجاوز حدود اللغة نفسها.
تبقى الاشارة الى ترجمة محمد بنيس التي لم تأت هينة على الاطلاق في عمل جريء واستثنائي ومغامر احتاج الى رؤية صبورة وتوقفات واستشارات ومراجعات واحتياطي لغوي مرن ومركبا ايجابياً ومنصتاً جيداً وليبرالياً واعياً في فهم لغتين وجسدين، في ترجمة مستحيلة للكتابة مستحيلة تعامل معها بنيس بكل جدية ورصانة وإلمام بالهوامش والكلمات والعبارات.

مختارات

"أكذب
والكون يتسمّر
عند كذبي المعتوه
تموت الحقيقة
وأنا أصرخ فلتذكب
الحقيقة"

"أنا الميت الأعلى
الظل بلا هوادة
أنا أب
وقبر
السماء".

"أيها الشيء
كم أنت فارغٌ.
مني
أيها الشيء
هل ستكون فارغاً
منك".

ليس العدم
ليس العدم سوى نفسي
ليس الكون سوى قبري
والشمس ليست سوى الموت

عيناي الصاعقة العمياء
قلبي السماء
فيه تنفجر العاصفة

في داخلي
في أعماق هاوية
كون شاسع هو الموت
أقذف الدم
إنه الندى
السيف الذي به سأموت

من مثاب البشر
انظر السماء ذات النجوم!
لها شفافية الدموع
نشيجي فوق ركبتيك
سأرج الليل

ظل اجنحة فوق حقل
قلبي الطفل ضائع
أختي الضاحكة
أنت الموت
قلبي الحسير أنت الموت
بين ذراعي أنت الموت

شربنا أنت الموت
كالريح أنت الموت
كالصعقة الموت

الموت تضحك الموت هي الفرح
وحيدة أنت حياتي
نشيج ضائع
يفصلني عن الموت
وأراك من خلل الدموع
وأتنبأ بموتي

لو كنت لا أحب الموت
الألم
والرغبة فيك
يقتلاني

غيابك
ضيقك
يبعثان في نفسي الغثيان
زمن أحسبه لحب الموت
زمن لأعض يديه

عن نيتشه
تعبيراً عن حالة تعينها كنية هي (الشاحب)، أكتب هذه السطور بغرض التأمل:
أتصور موضوعاً للسحر،
الشعلة
لامعة وخفيفة
تتآكل،
تنعدم
وبهذه الطريقة تكشف عن الفراغ
عن هوية السحر،
هوية ما يسكر
والفراغ؛
أتصور
الفراغ
مطابقاً للشعلة
وأنا أحذف موضوعاً
يكشف عن شعلة
تسكر
وتضيء.

وأصرخ
خارجاً عن الطور
ماذا
لا أمل
وفي قلبي يختفي
جرذ ميت
يموت الجرد
انه مطارد

وفي يدي العالم ميت
شمعة قديمة مطفأة
قبل أن أنام
الداء موت العالم
أنا الداء
أنا موت العالم

الكائن اللامميز ليس شيئاً

قبعة
من اللبد
من الموت
الندى المتجمد
أخت
شهقة
مرحة

بياض
البحر
وشحوب الضوء
يخفيان عظام الميت
غياب
الموت
يضحك
2
جسد
الجريرة
قلب
هذا الهذيان
3
قوانين الطعم
تحاصر
قلعة اشبق
4
كحول
الشعر
هو الصمت
الميت

لمس حزن العالم
كنت أحلم بلمس حزن العالم
على حافة مستنقع غريب زال سحرها
كنت أحلم بماء ثقيل فيه قد أعثر
على الطرق التائهة لفمك العميق

أحسست في يدي بحيوان قذر
هارب ليلاً من غابة كريهة
ورأيت أنه كان الداء الذي كنت به تموت
وأنني أسميه حزن العالم

ضوء مجنون وميض صاعق
ضحك يحرر عريك الطويل
بهاء شاسع
كل ذلك أخيراً يضيئني

ورأيت المك مثل صدقة
تشع في الليل
بالشكل المضيء الطويل
وصيحة قبر لا نهايتك

عند الاحتضار أود لو أحتفظ
بالشيء الذي ستقدمين لي
أضمه في يدي المتجمدة
ثم بالشفتين ألوثه
بلعاب الاحتضار.
مكسو بعرقي
الذي من الدم
شبح اشعث للعجوز
أسنانك
ستجمدها الريح
عند ذاك سأقبلها
ستكونين ميتة

عمق ليلة
يكفن برمله

النجمة الكبرى المجزرة

المصدر: مختارات شعرية لجورج باطاي إلى العربية: في يدي العالم ميت شمعة قديمة مطفأة، يقظان التقي، جريدة المستقبل اللبنانية، الجمعة 09 تموز 2010، العدد 3706، ص20.

الأربعاء، 9 أكتوبر 2013

جورج باطاي وعالم المحرمات: عبد اللّه كرمون

أتاحت لنا دار مينوي التي أعادت مؤخرا نشر كتابين لجورج باطاي فرصة إعادة قراءتهما. سوف نتحدث هذه المرة عن كتاب "الإيروسية" الذي نشر لأول مرة في نهاية خمسينيات القرن الماضي. سنقف على أن إهداءه لميشيل ليريس هو نوع من الاعتراف بفضل هذا الأخير، أو بالأحرى فضل علم الإثنولوجيا عليه، والذي يسعى، على طريقته، إلى الانتماء إلى رحابه.
لم يدّع باطاي السبق في هذا المضمار، كما أنه أشار إلى أن الموضوعات التي يتحدث عنها ليست مجهولة تماما، وإن ما يسعى إليه بخصوصها هو البحث عن تواؤم في الأفكار، بخصوص مناحي حياتية مختلفة منظورا إليها من زاوية الإيروسية.
سنصادف على طول الكتاب أسماء أعلام مثل ليريس، بلانشو، كايوا، الذين يشبههم باطاي، مقتفيا أثارهم في إخضاع الدرس الإثنولوجي إلى المنزع الذاتي في تناول الظواهر المدروسة، رغم عدم انتماء أي واحد من هؤلاء جميعهم إليه بشكل صارم. لأن باطاي يرى، وهو محق في ذلك، أن النفاذ إلى عمق موضوع مدروس لا يتم تماما إلا بإقحام التجربة الذاتية فيه، وتفحصه من خلالها.
قسّم باطاي كتابه إلى قسمين رئيسيين، خصص أولهما لتناول الإيروسية باعتبارها تجربة باطنية وذلك في علاقاتها المتشعبة مع التجارب الحياتية الأخرى كالموت مثلا. ذلك أن مجال الإيروسية هو ميدان العنف والخرق بامتياز. وينطوي القسم الثاني على دراسات متفرقة حول نفس الموضوع، جمعها باطاي وضمها إلى كتابه.
يرى جورج باطاي أن الإيروسية هي النشاط الجنسي للإنسان. ويكون النشاط الجنسي بالتالي إيروسيا متى لم يكن حيوانيا، إلا أن باطاي أكد بأن الانتقال الذي مكن الإنسان من الافتراق عن الحيوان ظلت تفاصيله مجهولة بالنسبة إلينا، فلم نعرف بالضبط متى حدث ذلك وكيف، نعرف فقط أن الإنسان عندما صنع الأدوات غادر بذلك العالم الحيواني بفضل العمل، والذي مكنه بالتأكيد من تحصيل قوت يومه، ومن توفير بعض الكماليات. لكن عالم العمل اتسم بالتعقل ضدا على العالم الذي كان يحيا فيه الإنسان قبل الانخراط في نشاطات الإنتاج، الشيء الذي جرّ معه سلسلة من المحظورات لابد من مراعاتها. من بين ما مسته الممنوعات نجد الحياة الجنسية. إذا كنا نعرف تقريبا، استنادا إلى الدراسات التي تناولت حقبة ما قبل التاريخ، الفترة التي اخترع فيها الإنسان الأدوات، وتمكنا من الإطلاع على الرسومات والتجسيدات التي تعود إلى ذلك الوقت، والتي تدل على كون الطابو المرتبط بالموت كان فارضا نفسه منذ تلك الفترة، فإن الطابو الجنسي لم يكن واردا التأكيد على قدمه، بالرغم من كونه لا يمكن إلا أن يظهر في ظل تلك الظروف التي بدأ الإنسان يتهيأ فيها للدخول إلى عالم منظم تقننه الضوابط والممنوعات التي كان لزاما أن تسيّج عالم العمل وتجنبه الفوضى التي تتأتى من العنف الذي يتجسد في الجنس، كما يتخذ الموت أكثر نتائجه بشاعة.
يرتبط الطابو إذن بما يثير الفزع ويغرينا في الآن نفسه، كان ذلك حالي الجنس والموت، من هنا استرعت انتباه الإنسان، الحركة الفوضوية المدمرة التي يحدثها الموت، ووعى، خلافا للحيوان، وليس دون ألم، بأنه سوف يموت.
دفعه إحساسه المبهم تجاه الموت بأن يلفه بكثير من المحاذير والطقوس. وكان تحريم القتل مظهرا خاصا من مظاهر تحريم العنف. إن الدفن الذي مارسه الإنسان النيودرتالي، إبان العصر الحجري، والذي لم يكن يتخذ بعد الوضعية المستقيمة في وقوفه، راجع في تبرير أولي إلى الحيلولة دون التهام الحيوان للأموات، غير أن السلوك الحذر تجاه الموت، والخوف من انتقال عدواها إلى الأحياء هو ما كان في العمق وراء تلك المراسيم كلها. ألم يشر فرويد نفسه إلى أن المحظور الذي يُضرب على الميت يحميه أيضا من الرغبة التي قد يستشعرها البعض في إرادة أكله؟
تأتت الممنوعات المتعلقة بالتناسل والتوالد من كون النشاط الجنسي يعتبر عنفا بالمقارنة مع العمل، كما ذكرنا من قبل، لأن بوسعه أن يربك المجرى العادي والسليم لهذا الأخير، لهذا يمكن أن نجزم بأن الحرية الجنسية قد وضعت لها حدود منذ القدم، هي المحرمات.
من هنا طُرح أيضا منع نكاح الأقرباء الذي سبق لكلود ليفي ستراوس أن درسه من منطلق توزيع النساء، وبالتالي تزويج النساء المتوفرات، وما يترتب عن ذلك من جهة القرابة والنشاط الاقتصادي لمن يقدمون على تبادل النساء.
ركز باطاي على الحمولة الرمزية التي يكتسبها التحريم، وأشار إلى أن الوجه الآخر للمنع هو بالتحديد خرقه، ذلك أن مجرد المنع لا يوقف نهائيا حركة المحظور، لأنه في حالات كثيرة، سواء تعلق الأمر بالجنس أم بالموت أي القتل، فإن استحداث الكفارة يمتص كتعويض الضرر الملحق بكسر حاجز المحرم، كما تسمح الطقوس الإباحية أثناء الاحتفالات بالممارسات الجنسية المحرمة خارج ذلك السياق المحدد، مثلما يصير القتل في إطار الحروب مباحا، أو على الأقل أثناء الأضحية
حاول باطاي عبر تتبعه لمفاصل إيروسية كثيرة، من إيروسية الجسد، وإيروسية القلب مرورا بالإيروسية المقدسة إلى أن يلامس سر العنف الكامن في العملية الجنسية وما يحيط بها، خاصة في اعتباره بأن الإيروسية هي "دين ليس بدين" تماما.
تتضافر ممنوعات كثيرة، متعلقة بدمي الحيض والنفاس، بالغثيان، للتأكيد، مرة أخرى، على مركزية درء شر العنف الكامن في الجنس، في التمزق الذي ينطبق على الولادة، وفي التعفن الذي يعقب الموت.
لكن باطاي لم يكتف بذلك، بل طاف بموضوعات البغاء والبغاء المقدس، متجاوزا إلى التعالي الصوفي، في طلب السمو الإلهي، مقارنا ولع الصوفية وانتشائهم الرباني بالرعشة الجنسية، ذاكرا أمثلة القديسين الذين كاد يتماهى لديهم الأمران، ونموذج سانت تيريز دأفيلا بارز في هذا المضمار.
ليس لنا أن نورد، ولو مختصرا كل العناصر الكثيفة التي ذكرها باطاي، لأن أغلبها عسير على الاختزال. سنشير فقط إلى أنه أفرد مبحثا مهما لدراسة نكاح الأقرباء، انتهج فيه منهج الأنتربولوجيين، مع إضافة مسحته الشخصية لصرامة المقاربة العلمية. كما أفرد دراسة كاملة لانتقاد تقارير كينزي الشهيرة حول التجربة الجنسية للرجال والنساء، مشيرا إلى أن الجهد الهائل المبذول في إنجاز تلك الإحصائيات، التي بنيت عليها تلك التقارير، لا تشفع لها النتائج، لأنها هزيلة، وغير كافية في نظره.
أما ما كتبه عن الماركيز دو ساد، فلن نجد مرافعة أجمل وأقوى منها في سياق الدفاع عن الرجل. ألم ينسب إلى ساد فضيلة إسهامه في تشكيل المعرفة، التي ما فتئ الإنسان يبنيها عن ذاته، أو بالأحرى الوعي الذي يؤسسه رويدا حول أناه.
إن تعدد مضامين الكتاب، رغم كونها تصب جميعها في نفس المسعى تقريبا، يعلي في عين بصرنا الطريقة الذاتية في تناول باطاي لها، إضافة إلى ما للغته وأسلوبه من جمال، ثم أن اللوحات المزينة له لها دور التأكيد على الأفكار كأمثلة مرجّحة، وفرصة ترسيخها في الأذهان.

يبقى القول بأن الجمال هو الذي أحدث، من جهة، القطيعة التامة مع العالم الحيواني المنفر، ضدا، ولو في البدء على التدنيس الذي يساهم في عنف الفعل الجنسي، الذي يستدعي بالتالي كل صنوف التحريم: أورد باطاي نقلا عن كراسات ليوناردو دافينشي أن الجماع والأعضاء التناسلية التي تدخل في ممارسته، تصمها الدمامة، ولو لم تكن هناك وسامة الوجوه، وزينة المشاركين فيها، ثم الاندفاع الجامح، ستفقد الطبيعةُ النوع البشري!