‏إظهار الرسائل ذات التسميات ميشال فوكو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ميشال فوكو. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 1 فبراير 2016

فوكو- دولوز؛ صديقان- عدوان: روجي بول دروا



 ترجمة: سعيد بوخليط

تقديم
يوم 5 نوفمبر2015، أُدرجت مؤلفات ميشيل فوكو، ضمن مراجع ''مكتبة لابلياد''. قبل عشرين سنة، وبالضبط يوم 4 نوفمبر1997، توفي جيل دولوز في باريس. فيلسوفان،أحب أحدهما الثاني، قبل أن يختلفا.
أي ثنائي هذا! لم يعرف له، تاريخ الفلسفة، مثيلاً. في الغالب، يسير المفكرون، على نحو متلازم، لكنهم قد يشكلون ثنائياً حسب طريقة أستاذ-تلميذ [أبيقور- لوكريس، لوك- فولتير، فرويد-لاكان] أو سواء مترادفان، الأب الروحي ثم الابن- القاتل للأب [أفلاطون- أرسطو، ديكارت- سبينوزا، هيجل- ماركس]. بعض أنواع التآلف، تجمع أصدقاء منصهرين مثل، مونتين- لابويتي، ماركس- إنجلز. غير أنه، مع ميشيل فوكو- جيل دولوز، سنجدنا أمام أمر ثان: بؤرة ثنائية فكرية فريدة، تمازج للقرب والبعد، الانجذاب والتنافر، الائتلاف والافتراق.
لقد قرأ الفيلسوفان، أحدهما الثاني بتركيز، فأُعجب أحدهما بالآخر. ترافقا، بل مدح أحدهما الثاني، واستمرا لفترة طويلة، متفقان جوهرياً حول كل شيء، على الأقل حول ماهو سياسي. ليس الأمر مؤكداً…، مادامت علاقتهما اتصفت بالتعقد، محكومة أيضاً بالتباين، وسوء الفهم ثم الصمت. رغم كل ذلك، لم تحدث بينهما أبداً قطيعة نهائية، ولا تصادمات جلية. مع اتساع المسافة الزمانية، وكذا العمل، الذي يحيط بآثارهما، ربما استوعبنا بشكل أفضل، ما يمثل غرابة لدى هذين الصديقين-العدوين، اللذين بصما مرحلتهما، ولا زالا يجسدان حتى الآن، جانباً من عهدنا.

ابتسامة نيتشه
ما يجمع بينهما؟ يبلغان عملياً، نفس السن: ولد دولوز شهر يناير1925، وفوكو شهر أكتوبر1926. ينحدر الاثنان، من وسط بورجوازي قروي، يعيش في بحبوحة، مع بيت أسري حاضر دائماً- منطقة "بواتو" (Poitou) بالنسبة لـ فوكو، و"الليموزين" (Limousin) عند دولوز- ثم مشاجرات علنية لا مفر منها.
سواء فوكو أو دولوز، اكتشفا نفسيهما منذ عهد مبكر جداً، أنهما مختلفان ومتمردان، يسكن رأسيهما، شيطان سريع، إلى أقصى بعد. يرفضان: الانتساب إلى مكان، وظيفة، خطاب- جاهز، أو هوية ما. في المقابل، يتطلعان صوب: الحركة، المدارات، التجارب وكذا اللا-متوقع. لا يفصحان عن ذلك، فوراً بتلك المصطلحات، لكن ذلك حقاً ما يحركهما ويوجه قصدهما، بالتالي حدث بينهما الود، عند أول لقاء بينهما.

الاثنين، 6 يوليو 2015

فوكو والأدب: جاري جوتينج

ترجمة: أمير زكي

»حلمتُ أن أكون بلانشو«.

Michel Foucault by Gerard Fromanger
رأينا كيف أراد فوكو كتابة كتب من أجل التهرّب من أي هوية ثابتة، أن يصير شخصاً مختلفاً باستمرار، وبالتالي لا يكون في الحقيقة شخصاً بعينه. في النهاية، سيكون علينا أن نسأل لم سعى لمثل هذا؟ ولكن دعونا الآن نفهم المشروع بشكل أفضل.
سيقترح أحد القراء المتشكّكين أن مجهود فوكو للهرب من الهوية عن طريق الكتابة هو مشروع مستحيل، طالما أنه باتخاذه مهنة الكتابة بالتحديد وصل إلى هوية مميزة ومحدّدة تماماً: متعلقة بكونه مؤلِّفاً. ألم يكن ميشيل فوكو مؤلِّفاً شهيراً ومهماً ومازال كذلك في الحقيقة؟ أليست هذه هويته؟
إجابة فوكو على هذا الاعتراض ستكون عنوان واحد من مقالاته المعروفة: "ما المؤلِّف؟". هل كونك مؤلِّفاً يعني أن تملك هوية (طبيعة محدّدة، أن تكون شخصاً أو شخصيّة)، مثلما أن تكون بطلاً أو كاذباً أو عاشقاً على سبيل المثال؟ هل الكتابة تجعلني نوعاً معيناً من الشخصيات؟
دعونا نبدأ بالتعريف الشائع للمؤلِّف: هو الشخص الذي يكتب الكتب. أو لنكون أكثر دقّة، لأن المؤلِّف يمكن أن يكتب فقط القصص أو المقالات التي لا يتم جمعها أبداً في كتاب، دعونا نقول إن المؤلِّف هو شخص يكتب نصاً. ولكننا نكتشف على الفور أن هذا ليس دقيقاً تماماً أيضاً. النص هو أي شيء مكتوب على إطلاقه، هذا يتضمّن قوائم التسوّق، والملاحظات التي تكتب في الفصول الدراسية، والرسائل الإلكترونية المكتوبة لشركة التليفونات التي تستفسر عن الفواتير. أن تكتب مثل هذه الأشياء، التي نكتبها جميعاً، لا يجعل الإنسان مؤلِّفاً. وكما يشير فوكو، فحتى عندما نسعى لجمع "كل شيء" لمؤلف عظيم كـ نيتشه على سبيل المثال، فنحن لا نُضَمِّن مثل هذه النصوص. أنواع معينة فقط من النصوص تعتبر "عملاً" خاصاً للمؤلِّف.
تعريفنا يحتوي على ضعف آخر، فمن الممكن أن يقوم شخص ما –حرفياً– بكتابة نص، حتى من "النوع المناسب"، ولا يكون هو مؤلِّفه. يتضح هذا المثال إن أُملىَ النص على سكرتير، ولكنه ينطبق أيضاً، وإن كان بشكل أكثر تعقيداً، في حالات أخرى: على سبيل المثال عندما يكتب نجم سينمائي سيرته الذاتية "بمساعدة كذا"، أو "كما سردها على كذا"؛ أو عندما "يكتب" سياسي عموداً صحفياً أو يلقى خطبة أنتجها فريق من المساعدين؛ أو عندما يكون عالم ما هو "المؤلف الأول" على ورقة بحثية أنتجت في معمله، ولكنه في الحقيقة لم يكتب بنفسه كلمة واحدة فيها. في مثل تلك الحالات يصير واضحاً أن كونك مؤلِّفاً لا يتعلق فقط بأن تكون السبب أو المُنتِج الحرفي لنوع ما من النصوص، وفقاً لافتراض تعريفنا البسيط، إنما هو متعلق بالأحرى بأن يتم اعتبارك "مسئولاً" عن النص. كما يشير فوكو، فإن الثقافات المختلفة لديها معايير مختلفة في إضفاء هذه المسئولية. في العالم القديم على سبيل المثال كانت كل النصوص الطبية مقبولة على أن لديها مستوى محدّد من السلطة وكانت معروفة على أنها أعمال لكاتب مرجعي كـ أبوقراط. من جهة أخرى، كانت هناك فترات يتم فيها تدوير النصوص الأدبية (كالأشعار والقصص) بدون مؤلِّف معروف ولا تعتبر نصوصاً علينا أن نفرض عليها مؤلِّفاً بعينه (قارن ذلك بالنكات في ثقافتنا).
من منطلق الاعتبارين السابقين –هذا المتعلق بأنواع النصوص الذي يمكن أن يكون لها مؤلِّفين، وذاك المتعلق بنوع من المسئولية على النص التي تجعل من شخص ما مؤلفه– يستنتج فوكو أنه علينا -لتوخي الدقة- ألا نتحدث عن "المؤلِّف" ولكن عن "وظيفة المؤلِّف". أن تكون مؤلِّفاً لا يعني فحسب أن تكون لديك علاقة واقعية مع نص ما (على سبيل المثال، أن تكون علّة إنتاجه)؛ إنما هو يتعلق بالأحرى بإكمال دور ثقافي واجتماعي معين بالعلاقة مع النص. التأليف هو بناء اجتماعي، ليس من النوع الطبيعي، ويتنوع باختلاف الثقافات والأزمان.
أكد فوكو بشكل أكبر على فكرة أن وظيفة المؤلِّف، كما تعمل في نص ما، لا تتطابق مع ذات مفردة (شخص) تكون هي مؤلِّفة النص. أي أن أي نص "له مؤلِّف"، هو مجموع من الذوات تكمل وظيفة المؤلِّف. بالتالي، في الرواية التي تعتمد على ضمير الأنا، تختلف الأنا التي تسرد عن الشخص الذي كتب الكلمات التي تعرضها الأنا في الحقيقة، ولكن كل منهما لديه الحق في الزعم بأن يكون "المؤلِّف". المثال الكلاسيكي لذلك هو عمل بروست "في البحث عن الزمن المفقود"، بتفاعله المعقد بين "مارسيل"، الصوت السارد، وبروست نفسه. يجد فوكو الجمعية نفسها في إحدى الأطروحات الرياضية، التي علينا أن نميز فيها بين الأنا الموجودة في المقدمة، التي تشكر زوجها على دعمه، والأنا التي تثبت النظرية في النص الرئيسي والتي تكتب "أنا أفترض" أو "أنا أستنتج". بالطبع هناك مؤلِّف واحد بالمعنى الواضح متعلق بالشخص الذي كتب كلمات النص. ولكن كمؤلِّف يتخذ هذا الشخص أدواراً متنوعة، ويعبر عن اختلاف الذوات: «وظيفة المؤلف تعمل لتؤثر على شتات هؤلاء... الذوات المتتاليين» [What Is an Author?” EW I, 216]
نرى بالفعل أن دور المؤلِّف يمكنه أيضاً أن يجذب شخصاً مثل فوكو، لا يريد أن يكون ذو هوية واحدة أو ثابتة. ولكن هناك طرقاً أعمق يمكن للكتابة بها أن تبعدني عن نفسي. لنرى ذلك علينا أن نعود إلى نموذجنا الشائع المبدئي عن المؤلِّف كشخص يكتب النص. رأينا حتى الآن تعقيدات متعلقة بهوية المؤلِّف. ولكن هناك أيضاً صعوبات تواجه فكرتنا الشائعة عن كون المؤلِّف (بغض النظر عن كيفية فهمه) ينتج (يسبب) النصوص التي يكتبها. صاغ فوكو هذه المشكلة بشكل دقيق في كتاب "الكلمات والأشياء". يقول إن نيتشه أظهر لنا أهمية التساؤل الدائم عن "من الذي يتحدث؟" في النص (من الذي يدّعي –من الموقف التاريخي، وبأي مصالح محددة– السلطة لأن يتم الاستماع إليه؟). ولكن فوكو يستمر بأن مالارميه أجاب على هذا التساؤل، على الأقل فيما يتعلق بالأدب ويقول: إنها «الكلمة نفسها» [Order of Things, 305]. هل هناك معان يعتمد بها النص على الكلمة، على اللغة نفسها، أكثر من المؤلِّف كما يشير مالارميه؟
بالطبع هناك معان موجودة. كل لغة تجسد بنية مفهومية ثرية تملي دوماً كيف أتكلّم، وحتى ما الذي أقوله. الإنجليزية الشكسبيرية تعتبر أداة ممتازة لمناقشة رياضة الصيد بالصقور [Falconry] ولكن ليس كرة القدم. حقيقة أن مسرحيات شكسبير تحتوي على معالجات تلقائية ومعقدة عن الصيد بالصقور راجعة إلى ما تحتويه الإنجليزية الإليزابيثية من جهة واهتمام شكسبير بالموضوع من جهة أخرى. إن عاد شكسبير إلى الحياة وحضر نهائي كأس العالم بين ألمانيا وإنجلترا، سيتعثر كثيراً في تقديم وصف دقيق للمبارة، رغم كونه أديباً بهذه العظمة. وصفنا لمباراة كرة قدم سيكون أفضل كثيراً من شكسبير، وليس سبب ذلك هو قدرتنا الأدبية وإنما بسبب اللغة المتاحة لنا.

الأربعاء، 3 يونيو 2015

ميشال فوكو كما أتخيله: موريس بلانشو

ترجمة إدريس هواري



Michel Foucault, by Hélène Builly
في البداية بعض الكلمات الخاصة. لم تكن لي علاقة مباشرة مع فوكو، لم ألتق به إلاّ مرّة واحدة، ربما في يونيو أو يوليو، في باحة السوربون، في خضم أحداث ماي 68 [قيل لي إنه لم يكن موجوداً] حيث وجهت له بعض الكلمات، كان يجهل حينها من يتحدث إليه [رغم ما قاله المشنعون بماي، كانت لحظة جميلة بمكان أي فرد الحديث مع الآخر المجهول، وغير معروف، شخص بين الأشخاص، حيث تستقبل بدون أية سمة تميزك سوى وجودك كشخص]. صحيح أنه طيلة هذه الأحداث الرائعة كنت أتساءل دائماً: لماذا فوكو ليس موجوداً هنا؟ حيث أعيد له قوته الجذابة، متأمّلاً مكانه الفارغ الذي كان عليه شغله. فقدّم لي جواباً على شكل ملاحظة لم تكن تقنعني: إنه لا يحب الظهور، أو إنه في الخارج. لكن بالضبط مجموعة من الأجانب وحتى البعيدين منهم، مثل اليابانيين، كانوا حاضرين. هكذا ربما ضيعنا فرصة اللقاء.
غير أن كتابه الأول الذي جلب له الشهرة قُدم لي وهو لا يزال مخطوطاً بدون اسم. إن كايوا (R. CAILLOIS) هو الذي كان يحتفظ به، فاقترحه على مجموعة منا. أشدّد على دور كايوا، لأنني أعتقد أنه بقي مجهولاً. وكايوا نفسه لم يكن معترفاً به من طرف المختصين الرسميين. فهو يهتم بأشياء كثيرة: فهو محافظ ومبدع بشكل هامشي، لم ينتم إلى جماعة (SOCIETE) الممسكين بسلطة المعرفة المعترف بها. لكن الحاصل هو أنه صنع لنفسه أسلوباً بالغ الجمال، وفي بعض الأحيان مبالغ فيه حتى يُخيَّلُ إليك أنه أصبح ساهراً –ساهراً صعب المراس- على ما هو متعارف عليه من ألفاظ اللغة الفرنسية. إن أسلوب فوكو بجماله ودقته، وهما قيمتان كما هو واضح متناقضتان، تركته محتاراً. ألا يعرف أن هل هذا الأسلوب الباروكي يقضي على المعرفة المتفردة التي بعلاماتها المختلفة الفلسفية والسوسيولوجية والتاريخية تحيره وتقض مضجعه. ربما لاحظ في فوكو آخره الذي يسرق منه ميراثه. لا أحد يرغب أن يرى نفسه غريباً في مرآة، لا يميز من خلالها ذلك الشخص الذي يضاعفه والذي يجب أن يكونه.
إن الكتاب الأول لـ فوكو [لنفترض أنه الأول] رفع من قيمة العلاقة التي يجب تصحيحها فيما بعد مع الآداب. إن لفظ "الحمق" مصدر لغموض، لأن فوكو لا يعالج الحمق إلاّ بطريقة غير مباشرة، فما يهمه هي سلطة العزل التي في يوم من الأيام السعيدة أو الحزينة، وبقرار إداري بسيط بدأ العمل بتقسيم المجتمع ليس إلى أناس خيرين وأشرار لكن إلى عقلاء وخرقاء. وسيسمح هذا بالوقوف على العقل والعلاقات الغامضة التي تربط –وهي هنا السلطة الملكية- مع ما هو أساسي والذي يجعلها تعترف أنها لا تسود لوحدها.

رجل في خطر.
يجب التساؤل لماذا حافظ لفظ "الحمق" حتى عند فوكو على كل هذه القدرة على التساؤل. ففي مناسبتين يؤاخذ نفسه لكونه أعجب بفكرة وجود عمق للحمق، مما يشكل تجربة أساسية خارج التاريخ، ويكون الشعراء [والفنانون] شهوداً أو ضحايا أو أبطالاً. لكن إذا كان هذا خطأ فإنه كان لصالحه. إذ بفضله [وفضل نيتشه] وعى عدم محبته لمقولة الحمق، وسيتعقبه في الخطاب، والمعنى المستتر، والأسرار المغرية أي المعاني الثنائية أو الثلاثية التي لا يمكن القضاء عليها، إلا بالحط من المعنى نفسه، وكذا الألفاظ والمدلول وحتى الدليل.
وهنا أقول إن فوكو الذي صرح يوماً بتحد "متفائل محظوظ" كان يشعر بخطر يحدق به، وبدون أن يتباهى بما كان يعرفه، كان له حس حاد بالأخطار التي نتعرض لها. فتساءل لمعرفة ما يهددنا، ومع من يجب أن نؤجل الحرب. ومن هنا أهمية مقولة الاستراتيجية بالنسبة إليه. وعليه لو أراد اللعب بالفكر، وسمح بذلك القدر والحظ، لكان رجل دولة [مستشاراً سياسياً] أو حتى كاتباً -هذا اللفظ الذي كان يتحاشى استعماله بقدر من الحشمة والوقار- أو فيلسوفاً خالصاً أو عاملاً غير مؤهل، أي ذاتاً لا تعرف من هي ولا كيف هي.
على كلّ حال، إنه رجل يسير وحيداً، محتاطاً من امتيازات العمق، رافضاً شراكات الماهية، باحثاً عن إمكانية وجود خطب السطح التي تنعكس عليه، لكن بدون سراب وغير بعيد، كما أعتقد، عن البحث عن الحقيقة والمخاطر [وكم هي كثيرة] التي تهدد هذا العمل، وكذا علاقاته الملتوية بعُدّة السلط المختلفة.

الخميس، 9 أبريل 2015

شهر ماي 1984: آخر حوارات ميشيل فوكو

ترجمة: سعيـد بوخليـط (المغرب)

تقديـم:
Michel Foucault par Ivan Korsario
لقد مرت الآن ثلاثون سنة، على وفاة ميشيل فوكو، كان ذلك يوم25 يونيو1984، كم مدهش عدد المباريات والدراسات وكذا المجلات المتخصصة والمؤلفات، التي خلدت الذكرى. طبعاً، يندرج الفيلسوف ضمن مؤلف المقرّر المدرسي لأقسام الباكلوريا، بنفس درجة سبينوزا وكانط وكيركجورد، ثم حسب بعض نتائج تجمعات التصنيفات الثقافية، يعتبر فوكو المفكر الفرنسي الأكثر حضوراً ودراسة. مع تمتعه بامتياز، فعوض أن يخفت صوته مع مرور الوقت، يمضي الآن فوكو، أبعد مما كان عليه الحال قبل ثلاثين سنة. يكمن، السبب بلا شك، في دروسه بكوليج دو فرانس، الصادرة بعد وفاته، التي وسّعت كثيراً مشروعه، منتقلاً بين الحقول الأكثر تنوعاً: الطب، الأدب، القانون، الدراسات السوسيولوجية للاختلاف الجنسي ثم الهندسة.
لكن بكل تأكيد، من خلال كون فكر فوكو يفرض نفسه، كمفتاح لقراءة الزمن الحاضر. فإذا كان الأخير، فسيفساء  ضخمة  بتنظيماته السياسية والقانونية والاقتصادية ومؤسساته، المتعلقة بالسلطة والعلوم والمعارف وبناه العقلية الماسكة بالأشخاص، ثم يتناولون بواسطتها ذواتهم، فسيكون فوكو الصانع الذي لا يكلّ، مشتغلاً خلفها، مفككاً، ومعيداً تأليف خيوطها، مبيناً "جينيالوجيتها"، بالتالي، جعلها مرئية.
هل فوكو أمريكي؟ ثلاثون سنة مرت على وفاة المفكر، صاحب الاسم الأكثر انتشاراً في العالم. الفيلسوف، الذي تلاءمت عنده الدراسات الثقافية والمزعجة، فانصهرت، وعبر المصفاة التي يعود فكره إلينا، استطاع  المرور إلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي.
غير أن المكتبة الوطنية الفرنسية، بمساعدة خواص أغنياء، يهتمون بالفنون والآداب، تمكنت من إتمام عملية شراء أرشيفات استثنائية، بمبلغ 3.8 مليون: من بين أشياء أخرى، سنقف على3700 ورقة لمجموعة مسودات [حيث الجزء الأخير من تاريخ الجنسانية: اعترافات الجسد]، ثم 29 مذكرة، ليوميات فوكو الفكرية. جملة وثائق، وُجدت في بيته لحظة وفاته: فهل يمكننا المداعبة بتعجرف، قائلين، بأنه تراث، لن يكون قط في حوزة جامعة كاليفورنيا في بركلي!!
عاد ميشيل فوكو من أمريكا، مواصلاً مساءلة القضايا المهيكلة لـ"الليبرالية المتقدمة''، بمعنى حينما تدعي الأخيرة إبطالها، أو تحريرنا: نظام، مراقبة، جنسانية، هوية المبرر الذي من أجله يظل درسه جوهرياً كي نفهم عالمنا.
منذ أيام فقط، وكأن الأمر بمثابة هدية للاحتفال بذكرى ميلاده، فقد منح أقرباء فوكو لهذا المنبر الإعلامي [المقصود  لبيراسيون]، بعض الأشرطة التي تحوي آخر حوار للفيلسوف.
لقاء أجري مع فوكو يوم 29 ماي 1984، من طرف أندريه سكالا وجيل باربيديت، أياماً قليلة قبل دخوله المستشفى، حيث توفي يوم 25 يونيو نتيجة مضاعفات إصابته بداء السيدا.
استجابته لإجراء هذا الحوار الأخير، رغم حالة الإنهاك التي كان يعانيها، تمثل حتماً، عربوناً للصداقة التي يكنها لـ جيل دولوز،لأن أندريه سكالا أحد محاوريه، كان من  أقرباء دولوز. لم، تتأتى لـ فوكو، إعادة قراءة الحوار، بل عهد به إلى رفيقه دانييل ديفيز، كي يسهر على تنقيحه وإخراجه في صيغة مقبولة. الأخير، أورد فقرات منه بين طيات عمله المعنون بـ:[أقوال وكتابات]. الصادر عشر سنوات بعد ذلك. أيضاً، مقاطع منه نشرتها صفحات المجلات الأدبية يوم 28 يونيو1984، تحية لذاكرة الفيلسوف.
تحدث فوكو في هذا الحوار، عن قضايا الذات والجنسانية وأسلوب الوجود. بعض فقرات الشريط المسموع لا نلتقطها جيداً، مقارنة مع ثانية، نسمع معها الفيلسوف ضاحكاً وأحياناً يسعل.