‏إظهار الرسائل ذات التسميات جاك دريدا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جاك دريدا. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 3 مايو 2016

ما الشِّعْر؟: جاك درّيدا



ترجمة شوقي عبد الأمير

جاك دريدا
للإجابة عن مثل هذا السؤال -بكلمتين، أليس كذلك؟- يُطلَبُ إليك معرفةُ كيفية التخلي عن المعرفة. إن معرفةَ ذلك وعدم نسيانه، يسرِّح جيوش الثقافة. ولكن ما تضحِّى به أثناء ذلك وأنت تعبرُ الشارع، عليك ألاَّ تنساه أبداً في خضمِّ جهلك العلمي.
من يجرؤ على أن يسألني ذلك؟ وحتى لو لم يَبْدُ شيء من ذلك، لأن الاختفاء هو قانونُهُ فإن الإجابة منصوص عليها. أنا إملاءٌ -يقول الشِّعْر- احفظني عن ظهر قلب، انسخْ واسْهَرْ وحافظْ عليَّ، انظر إليَّ إملاءً تحت النظر: شريط صوتيٌّ –استَيْقِظْ- أثر نور، صورةُ عيد في حِداد.
ومن المنصوص عليه أن يكون الجوابُ شعريّاً. ولذا فهو مدعوٌّ لمخاطبة شخصٍ ما، وخاصةً أنت ككائنٍ ضائعٍ في الغفلةِ أو الخَفاء، بين المدينة والطبيعة، سرٍّ مُقْتَسَم، هو في آن معاً عامٌ وخاصٌ، قَطْعاً هذا وذاك، مُبَرّأٌ من الخارج والداخل، لا هذا ولا ذاك، الحيوان المُلْقى على الطريق، مُطْلق، مُتَوَحِّد، ملفوف على شكل كرة قرب الذات. ويمكن له أن يتعرَّضَ للسحق أو الدهس، بالضبط لهذا السبب، أي لأنه أشبه بالقنفذ.
و إذا ما أجبتَ بشكل مختلف -حسب الحالة- آخذاً بعين الاعتبار المكانَ والزمان الممنوحَين لك مع هذا الطلب «طبعاً أنت تتكلم الإيطالية»، وبواسطته بالذات، ووفْقَ هذا الحساب ولكن أيضاً في رحابة رحلة خارج الذات، يُغامر بها المرءُ نحو لغة الآخرَ سعياً وراء ترجمة مستحيلة أو مرفوضة بالضرورة ولكن مرغوبة ومشتهاة مثل موت؛ تُرى ما علاقة هذا كله، هذا الذي انتهيتَ سلفاً من الهذيان به، ما علاقَتُهُ، مذ ذاك -بالشِّعْر؟ وما علاقته بالشِّعريِّ بالأحرى، لأنك تزمع الحديثَ عن "تجربة"، كلمة أخرى مرادفة لكلمة رحلة، وهي هنا نزهة راجلة محتَملة لمسيرة ما، المقطع الشعريُّ الذي يدور ولكنه لا يفضي أبداً إلى الخطاب، ولا إلى الذات، ولا يقتصر أبداً على الشِّعر المكتوب والمنطوق وحتى المُغَنَّى.
وإليكم على الفور الجواب في كلمتين -لكي لا ننسى.
1- اقتصاد الذاكرة: ينبغي للقصيدة أن تكون موجزة، بواسطة نزعة إضمارية أيّاً ما كان المدى الموضوعي أو الظاهري. وذلك هو اللاوعي العلمي للتكثيف وللانسحاب.
2-  القلب: ليس هو القلب في وسط جُمل تَمُرُّ بلا مجازفة بين الطرقات وتسمحُ بترجمتها بكل اللغات. ليس هو بكل بساطة قلب أرشيف تخطيط القلب، موضوعة المعارف والتقنيات والفلسفات والخطابات البيو -أخلاقية- قانونية. وقد لا يكون قلبَ الكُتبِ المقدسة أو قلْباً بأشكال، بل ولا حتى قلب هايدغر. كلاَّ، إن تاريخ "قلب" مغلَّق شِعْريّاً في مصطلح «الحفظ عن ظهر قلب»، مصطلحِ لغتي أنا أو مصطلح لغة أخرى.. إنها الرحلة نفسها ولكن طرق متعددة.

السبت، 12 مارس 2016

الرب، الهاتف المحمول وصوت ماوراء القبر: جاك ديريدا



ترجمة سعيد بوخليط

تقديم
 خلال ندوة نظمت سنة 1997، تأمّل جاك ديريدا، في العلاقة بين عودة الديني، والوسائل التقنية الحديثة للتواصل. ديريدا، الذي توفي سنة 2004، طبع بقوة الفكر المعاصر، لاسيما داخل الولايات المتحدة الأمريكية. في نصه، المعنون بـ: "إلاّ الصحافيين!"، وهو عمل لم ينشر سابقاً، صدر هذا الأسبوع لدى دار النشر "غاليلي"، يتساءل من خلاله ديريدا، عن الكيفية التي ساهمت بها وسائل التواصل الحديثة في هذه «العودة المثيرة للديني».
 كتب ديريدا بعض، ما يلي
*****
إن الأكثر جِدّة، وقوة، بخصوص ما نحن بصدد التكلم عنه، ليس مقدار إنتاج الصور وذيوعها، لكنّه الصوت. إذا نظرنا إلى الأخير، باعتباره وسيطاً لتأثر ذاتي، وعنصراً للحضور المطلق، بالتالي إمكانية الاحتفاظ بصوت شخص ما، قد مات أو غاب كلياً، وإمكانية تسجيله. أريد القول، بأن إعادة إنتاج ونقل صوت الميت أو الحي- الغائب، عكست إمكانية خارقة وغير مسبوقة. ما يتأتى لنا، عبر الصوت الذي أُنتج ثانية، انطلاقاً من إنتاجه الأصلي، وسَمه طابع من الأصالة والحضور، لا تعادله بهذا الخصوص، أي صورة بتاتاً.
القوة التليفزيونية، هي صوتية، على الأقلّ حسب كونها اتصالاً لاسلكياً. طبعاً، لا يساورنا كثيراً من الشك، ونحن بصدد إعادة تركيب اصطناعية وتألفية، لصوت مقارنة مع صورة. نعلم بوجود أصوات مختلقة، لكننا لا نرتاب في صوت، بقدر من السهولة والبساطة، مثلما نفعل نحو الصور. هذا يعود إذن، إلى قيمة الحضور الفعلي، التي يتيحها لنا طيف الصوت الذي أنتج ثانية، عند مستوى، وحسب بنية، لن يدركها قط، الافتراض المرئي.لأن التأثر الذاتي، الظاهراتي، يحيلنا على قرب حي وكذا المنبع الباعث والمنتج، وهو ما لا تصنعه الكاميرا، الملتقطة لصورة ما. تسجيل صوت، ينتج ثانية، منتوجاً. هنا، "الصورة" الصوتية، بمثابة إنتاج حي، وليست بشيء-تمثيلي. بهذا المعنى، ليست حتى بصورة، بل إعادة خلق للشيء ذاته، للمنتوج نفسه. أنا متأثر دائماً، حينما أستمع لصوت شخص ميت، شعور لا ينتابني في المقابل، عندما أرى صورة فوتوغرافية، أو صورة شخص متوفى، ثم سأكون أقلّ انتباهاً لذات الإمكانية مع يوميات الهاتف. لكن تخيلوا، أنّكم بصدد الاستماع على جهاز لتسجيل المكالمات الهاتفية، صوت شخص تتصلون به وقد توفي للتو لحظتها، أو ببساطة أصابته في غضون ذلك، الحبسة الكلامية. أمرٌ قابل للحدوث، كما تعلمون…، أفترض أنها تجربة مشتركة بيننا.
تتجلى هنا، إعادة إنتاج، بقدر كونها، خلقاً جديداً للحياة من طرفها ذاتها، ثم وُثق الإنتاج كمصدر، وليس كصورة. إنها صورة، لكنها تنمحي كصورة، وتمثيل يقدم نفسه باعتباره، تمثيلاً خالصاً. يمكننا، التوثيق للحياة، وتحويلها ذاتها إلى طيف، في إطار تأثرها الذاتي. ندرك ذلك، عندما يتكلّم شخص ما، فإنه يعلن عن نفسه. لكن شخصاً ثانياً، يتوخى أن  يُرى، فلا تتم بالضرورة رؤيته. مع الصوت، يفترض أن التأثير الذاتي نفسه، قد سُجل وأذيع. افتراض، يشكل الحبكة الجوهرية لإصغائنا. أتكلّم هنا، عن الصوت وليس ما هو مجهور عموماً، عن الغناء مثلاً وليس الموسيقى عموماً. هي نقطة بالمطلق جوهرية، فيما يتعلق بعودة الديني، في كل مكان، حيث يمرّ عبر الصوت.
 بوسعي أيضا التأثّر آنياً، بالكلام المسجل لميت أو ميتة. يمكن، أن يلامسني هنا والآن، صوت صادر من وراء القبر. اللازم، هو الاستماع هنا والآن، حسب ما رمّمه التأثّر الذاتي، في إطار الحاضر، لذاك الآخر الميت، متكلماً أو مغنياً: مثل حاضر ثان حي.
لكن، يمكنني أيضاً، بفضل آلة للاتصال اللاسلكي، قادرة على إعادة الإنتاج، مخاطبة نفسي، فأتكلّم، وأجيب الآخر، المتجسد من خلال حضوره [إذن موت أو حياة، انطلاقاً من هذا، لا يصنع الفارق إلا قليلاً]. معجزة التكنولوجيا، بحيث بوسعي كذلك، التضرع بواسطة هذه الآلات التي تكرّر، كما هي أصلاً، الكلمات والقواعد اللغوية، واللغات، والسلوكات المرموزة، ثم الشعائر، وسط فضاءات وفي خضم لحظات، هنا والآن، اعتبرها بالمطلق متفردة و: يستحيل استبدالها.

الجمعة، 22 مايو 2015

جاك دريدا.. أن نترك له الكلمة الأخيرة: دافيد رابوان

ترجمة الحسن علاج
    

jacques derrida by christina marceline
يعود جاك دريدا ( Jacques  Derrida) مرة أخرى إلى وفاة موريس بلانشو (Maurice Blanchot). ثم إنه يقدم شهادة يشيد فيها بذلك الذي يظل بالنسبة إليه «الصديق، المفكر، الكاتب» مستشهداً ومعلقاً على مقاطعَ من ثلاثة من كتبه.
ستعمل دور نشر غاليلي (Galilée) هذا الشهر [أكتوبر 2003] على إصدار نصين لـ جاك دريدا حول موريس بلانشو. أولاً، الشهادة التي ألقيت بمناسبة وفاة الكاتب، التي سيتم ضمها إلى نصوص أخرى ذات صلة بالشهادة [منها بعض النصوص التي تم ضمها باللغة الإنجليزية] ضمن كتاب مجلد بعنوان: "كل مرة يكون العالم وحيداً". ثم إعادة إصدار لأنحاء، مجموعة نصوص خصصها جاك دريدا لـ موريس بلانشو بين 1976 و1980. ففي هذه المجموعة توجد، بخاصة، استعادة الحلقة الدراسية ليال (Yale) "[ بقاء"، مصحوبة بملاحظة طويلة للمترجم على هامش النص] والتي ارتضى دريدا إدراجها في العمل المشترك تفكيك ونقد، [ظهر في سنة 1979 واعتبر فيما وراء الأطلنطي مثل "بيان لمدرسة بال"]. كما تتضمن إعادة الإصدار هذه نصاً غير منشور، تحت عنوان "موريس بلانشو مات"، محاضرة ألقيت في ندوة "موريس بلانشو" نظمت في مارس 2003 بجامعة باريس السابعة، ومنها ننشر هذا الموجز.
 دافيد رابوان ( David Rabouin)
*****

بعد يومين من الترميد الذي جئت بخصوصه، وإذا كان لا يزال بوسع المرء القول، [كنت] حاضراً، فاغرَ الفم، منقطع النَّفس، حتى لما كان الأمر يتطلب المخاطرة بالكلام في ذلك، كنت "مقيداً"، بندوة حول "الدابة والملك"، هيدغر  (Heidegger) وروبانسون كروزوي (Robinson cruso)، حيث، ولأسباب ليست لها أي أهمية، لم أتوقف عن الكلام عن الاختلاف بين الدفن والترميد، بين المدفونين والمرمَّدين، استيهامات الكائن المدفون حياً وكل الاستيهامات المرتبطة بالنار والرماد..
كنت أعرف لزمن طويل، أيضاً منذ زمن طويل أنني كنت أتذكر، وبطريقة جدّ مُداهمة هذه السنوات الأخيرة، بطريقة أيضاً أكثر تهديداً منذ بضعة أسابيع، أن موريس بلانشو كان يحتضر. بموت أقرب بكثير من أي وقت مضى. كنت أعرف في السابق، على الأقل ما قيل لي حديثاً، أنه اختار الترميد. من بلانشو محتضراً، منذ زمن طويل كان بمقدوري القول مثلما يمكن قراءة ذلك في الإنسان الأخير، تبعاَ لزمنية يبدو أنها تتحدى كل معاني عبارة معنى: «اقتنعت أولاً أنني عرفته ميتاً، ثم محتضِراً» (ص12)

الجمعة، 27 مارس 2015

جاك ديريدا.. إرثه، بعد عشر سنوات من وفاته!: جون بيرنبوم

ترجمة : سعيـد بوخليـط (المغرب)

JACQUES DERRIDA, par Luca Del Baldo
قبل عشر سنوات، رحل عنا فيلسوف "التفكيك". سنحاول، من خلال هذه المقالة، البحث في الإرث الذهني، لمفكر يرتاب من الورثة.
جاك ديريدا، مسكون أكثر بهاجس البقاء، من الموت. قلقه ذاك، هيمن عليه كلياً، سواء في تجربته اليومية، وكذا نصوصه الفلسفية، يقول بهذا الخصوص :«مختلف المفاهيم التي ساعدتني على الاشتغال، لاسيما مفهومي الأثر والطيف، كانا مرتبطان، بـ"البقاء الأصلي''، باعتباره بعداً بنيوياً».
سنة 2004، حين اكتشف إصابته بداء السرطان، ستنشر له جريدة "لوموند"، حواراً أخيراً لمنظر التفكيك الشهير، بحيث منحه طابع وصية. ديريدا الذي كان يبلغ 74عاماً، أدرك جيداً أن بقاءه أضحى مسألة وقت، فبدا أكثر انشغال، بإرثه الفكري: «أترك هنا، قطعة ورق، ثم أذهب كي أموت: يستحيل الخروج من هذه البنية، إنها الصيغة الثابتة لحياتي. خلال كل مرة، أسمح معها برحيل شيء ما، فإني أحيا موتي داخل الكتابة. اختبار في حده الأقصى: إننا ننزع الملكية، دون أن نعلم إلى من انتهى الشيء الذي تركناه، من سيرثه؟ كيف سيتحقق ذلك؟ بل، هل سيكون له ورثة؟».
عشر سنوات مرت على رحيل جاك ديريدا، وبالضبط يوم9 أكتوبر2004. حدث، يطرح ثانية التساؤل بكيفية عاجلة، وبالتالي فهو الذي نسف لبنة وراء لبنة، يقينيات الفلسفة، ثم ألهم بكتاباته المحللين النفسانيين والقانونيين والمهندسين والسينمائيين - نستحضر فقط فيلم "DeconstructingHarry" لصاحبه وودي ألن- هو ''اليهودي الجزائري الصغير'' المجسد للفكر في عيون العالم قاطبة. ديريدا، المثير الذي حظي داخل أمريكا بوضع لايعيشه أصلاً سوى نجوم السينما، هو الذي خصصت له جريدة "لوموند"، ملفاً خاصاً تضمن عشرات الصفحات، لحظة موته، مما شكل واقعة استثنائية. ديريدا، الذي يبدو حالياً، أنه اهتدى ثانية، إلى وضع التطهير.  
بالنسبة لأغلب الفلاسفة الذين استفسرناهم، لم يعد ديريدا يستشهد به، بذات الزخم، كما كان على قيد الحياة. أيضاً، هو أقل مقروئية، قياساً لوجوه أخرى يرتبط بها اسمه بكيفية فورية، ولنبدأ بـ دولوز وفوكو: «حينما تشغل مكانة مهمة جداً كما الحال مع جاك، فبالضرورة ستعيش انحداراً بعد ذلك. الوضع ذاته، عاينته لدى سارتر، حينما كنت طالبا»، يتذكر جون لوك نانسي أحد أقرب أقربائه. ثم يضيف، ماتيو –بوت- بونيفيل، البالغ من العمر 35 سنة، لحظة وفاة الفيلسوف: «يعتبر هذا المفعول للتطهير، كلاسيكيا.ً حين وفاة فوكوأيضاً، انتظرنا عشر سنوات، كي نتمكن من إعادة الاستشهاد به، لأن مختلف القضايا التي ألهبها، تم التخفيف منها بعدم مناقشتها. لكن ديريدا، أحدث بغضاً نادراً من نوعه، لاسيما في فرنسا، فلم يظفر قط بمنصب جامعي. زيادة على ذلك، الكوليج الدولي للفلسفة الذي أسسه ديريدا سنة 1983، كي يسائل هوامش المؤسسة الفلسفية، بجعلها منفتحة على التدريس الثانوي وكذا الأجنبي، ثم الحقول غير الفلسفية. بالتالي، الكوليج الذي جسد كل شيء، غير كونه مدرسة مكرسة لفكر ديريدا، يمثل اليوم موضوع تهديدات جسيمة من لدن وزارة البحث».