‏إظهار الرسائل ذات التسميات بين التأثّر والتأثير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بين التأثّر والتأثير. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 13 مارس 2016

في تقدير الممارسة الفكرية لمارسل موس



تراث الأنثروبولوجيا الفرنسية
في تقدير الممارسة الفكرية لمارسل موس

بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لرحيل مارسل موس


تقدم "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" هذا الملف البحثي عن مارسل موس من منطلق الوعي بأهمية تاريخ النظرية الاجتماعية من خلال إسهامات الرواد الأوائل، كما قامت سابقاً مع إيميل دوركهايم، فأعمالهم تظل مُلهمة في تحليل الظواهر الاجتماعية عامة والدينية خاصة، سواء من حيث الأسس العلمية والمنهجية العامة أو من حيث المجالات البحثية المطروقة.

احتوى هذا الملف، تقديم المنسق: يونس الوكيلي الواقعة الاجتماعية الكلية؛ البناء والترابط الجزئي وإعادة التركيب: نايوكي كاسوغا [دراسة] موس والدين؛ إرث موس عند ليفي شتروس وباتاي: فرانسوا غوتيي [دراسة] الأسس الأخلاقية للعلاقات الاقتصادية؛ مقاربة منظور مارسيل موس: دافيد غرايبر [دراسة] مقاربة أخرى للأمّة؛ مارسيل موس: برونو كارسنتي [دراسة] المقدس؛ بنيته ووظائفه: عبد الهادي الحلحولي [عرض كتاب] أنتثروبولجيا الهدية وأنساق التبادل: يوسف بن موسى [عرض كتاب] سوسيولوجيا الصلاة: محمد الحاج سالم [عرض كتاب] نحو فهم أنثروبولوجي لشعيرة الأضحية: مصطفى العوزي [عرض كتاب] الجماعة والسحر: يونس الوكيلي [عرض كتاب] الملاحظة الإثنوغرافية: محمد طلحة [عرض كتاب] السوسيولوجيا؛ موضوعها ومنهجها: بول فوكوني ومارسيل موس [دراسة] حول بعض أشكال التصنيف البدائية: إميل دوركهايم ومارسيل موس [دراسة] تقنيات الجسد: مارسيل موس [دراسة]




السبت، 18 أبريل 2015

السقف؛ نحو قراءة نسقية: فيليب سولليرز

      
ترجمة: محمد العرابي           
               

«لا شيء يكون مغلقاً أمام من يُقرُ ببساطة بالشروط المادية للفكر».

Andre Masson, Removal
         بنفس الحركة الواثقة والعقلانية يستبعدُ الإنسانُ السويُّ، الإنسانُ المثقف دفعةً واحدةً الموتَ والكتابةَ والتصوفَ والحيوانَ غير المدجَّن، والفجورَ. وبشكل عام، يؤسِّس الإنسان الرصينُ والعاقلُ حياته على الوعي بانقطاع يضمن وجوده الخاصَّ داخل مجتمع مدنَّس، تحظى فيه بالمقابل مفاهيمُ الفرد والموضوع بتوصيفات التقديس. من جهاز إلى آخر، ومن شيء إلى آخر، يلحقُ الشَّرخ الهويةَ المنفصلةَ، الإيمانَ بالحرية، امتلاكَ الذَّات، مصادرةَ الشيء غير العضوي، التشظي في إطار العائلة والشخص. لنمعن النظر مثلا، في المشهد الحضري الذي نجد أنفسنا من الآن فصاعدا محاصرين داخله: إنه عبارةٌ عن أكوام منْ علب متراكبة أو متحركة فوق عجلات لا تزيد الانفصال الجسدي إلا تفاقماً، مقدمةً إيَّاه في شكل إخراجيٍّ يمعمِّم العزلة. والمكان الذي سيشهد نهايتنا، أي المقبرةُ، يَصل بهذه المنظومة إلى غايتهاـ ولا شيء يصدمنا أكثرَ من نَبش القبور، وانتهاك الموتى. وهذا ما أدركته الحركات الثورية، حين عمدت من بين أوّل أعمالها، إلى المساس بهذه المحاكاة الساخرة للخلود اللصيقة بهالة الموت: هكذا عرَض الشعب في إسبانيا عظام رجال الدين؛ فيما تمَّت في بكين إعادةُ تعميد وتسمية أكوام البقايا البشرية الغربية، باعتبارها رموزاً للاستعمار. وهذه الأعمال لا يمكنها إلا أن تَصدم وعياً منظماً، ومدجناً، وتقوِّض الاطمئنان الذي اختار الإنسان الغربي أن يتحصَّن داخله. كما أنها تؤدي إلى نوع من التدنيس الجذري الذي يُعيد مساءلة واقعٍ عُدَّ غير قابل للمساءلة، ومن ثم تحويله إلى مشهد وإلى خيال وإلى تميمة تُقدم إذن محرومة من المعنى.
     إن العبور من المنقطع (الخاص بعالم حامل للدلالة مشكَّل من أفراد وأشياء) إلى المتصل (المتجلي من خلال الموت، والعنف والثورة) يستعيد اللعبة الأساسية للمنع (l’interdit) والانتهاك (la transgression). فتاريخيا اعتبرت كل من الحيوانية والتضحية والنزعات الدينية الباطنية، وما سمي بـ الجنون أو بـ الإيروسية [بيد أن هذه الكلمات لم تعد من قاموسنا]، وأخيراً الاستعمال اللامتناهيَ للغة [الأدب] وإن كان ذلك يحتاج مزيد إيضاح، اعتبرت حتى وقتنا الحالي مؤشرا على الأمكنة المثالية لهذا العبور المتواصل والغامض.
    ونقر بمساهمة جورج باطاي في إعادة التناول والدراسة المنهجية للروابط الموجودة بين هذه الحركات. بهذا المعنى تختطُّ مؤلفات الإيروسية والنصيب الملعون (الحصاد التطبيقي لمؤلف: التجربة الداخلية) مساراً فكرياً لم يكتمل بَعد، مساراً سريعاً ومُحرقا لاقتصاده نفسه. «ألمح في مجموع هذه الحركات، يكتب باطاي، تشنُّجاً يعرِّض الحركة الشاملة للكائنات للخطر»: نعرف بأنَّا مدعوُّون لأن نصبح هذا التشنُّج الشمولي، ومع ذلك يبقى لنا جانبٌ نتمكن من خلاله ليس من احتوائه أو رؤيته، ولكن من تحديد مداه الحقيقي. ونظراً لوجودنا، من دون شك، في عالم يُحتضر، وباعتبارنا هذا التكرار المُنحطّ الذي يحتضر: فما زال في جُعبة الموت الكثيرَ ليُخبرنا به، هنا، والآن، في هذا الزمن الشائخ، المُتخم والمسدود.
    يعتبر كتاب الإيروسية كتاباً واضحاً. ولكنه أيضا كتابٌ مِلحاحٌ وتكراري، بحيث لا تعلن أطروحته عن نفسها، على ما يبدو، بسبب بساطته البالغة. ينبغي ألا يُنظر إليه فقط، بكيفية سطحية، على أنه مجرد مرافعة لصالح الانتهاك أو الخرق. ولتشكيل الرؤية العامة المقترحة هنا من طرف باطاي، ينبغي الانطلاق من المعطى الأساسي للعلاقة منع/خرق، بإعطاء الكلمتين نفس القيمة، مع التنويه بكل ما يقتضيه ذلك من وضوح بأن هذا الزوج لا يكتسب دلالته إلا في علاقة أحد طرفيه بالآخر. بيد أن الصعوبة تكمن فيما يلي: مع نزوع كلمة انتهاك لمحو وإقصاء كلمة منع [في مجتمع فقد المنع كل قيمة لديه] يصبح من الواجب البدء بإعادة الاعتبار للمنع، وهذا في مستوى اقتصر على جورج باطاي وحده، لكنه سيغدو منذ اللحظة ـ في وقت يتزامن فيه التراخي والانقباض الذي تتعرض له ثقافتناـ الميدانَ الذي سيجري فيه بالنسبة لنا مصير الفكر اليقظ. وهذا المستوى، في كتابة باطاي، هو مستوى التقابل الظاهري خطاب/صمت ولما يمكن فهمه من الكلمات الملتبسة لـ التجربة الداخلية. نقطة واحدة تظل في حاجة إلى تفصيل.ـ وستبقى ربما كذلك.ـ وكل الجهد ينبغي أن يتوجه صوب هذه النقطة أو بالأحرى نحو هذا «السقف من الهيكل، ومن سيفتح عينيه جيداً من علو هذا السقف، دون أن تكدِّر رؤيته حبّةٌ من الخوف، سوف يرى العلاقة بينها من كل الزوايا المتقابلة». ومفهوم السقف لا تختزله النقطة المثالية التي يحددها بروتون «كنقطة الفكر التي نكفُّ فيها عن النظر إلى الحياة والموت...الخ. في تناقضهما» بالمعنى الذي لا يجعل المسألة متعلقة في هذه اللحظة بفكر أو برؤية، بل وبشكل أكثر مادية، بـ  فضاء وبالأخص بعلاقات، لأن الفرق جوهري بين الصيغتين [وهذا ما يمكننا دون شك، من فهم كيف يوجد كل من باطاي وبروتون على النقيض من هيغل]. وبالفعل لن تعود المسألة هي مجرد: ماذا يمكننا أن نراه من موقعنا على السقف؟ ولكن أيضا: ما هذا السقف في حد ذاته؟  واستطراداً: كيف يُعقل أن أحداً من حيث المبدأ لم يشغل نفسه بالتفكير بوجود سقف؟

الخميس، 9 أبريل 2015

شهر ماي 1984: آخر حوارات ميشيل فوكو

ترجمة: سعيـد بوخليـط (المغرب)

تقديـم:
Michel Foucault par Ivan Korsario
لقد مرت الآن ثلاثون سنة، على وفاة ميشيل فوكو، كان ذلك يوم25 يونيو1984، كم مدهش عدد المباريات والدراسات وكذا المجلات المتخصصة والمؤلفات، التي خلدت الذكرى. طبعاً، يندرج الفيلسوف ضمن مؤلف المقرّر المدرسي لأقسام الباكلوريا، بنفس درجة سبينوزا وكانط وكيركجورد، ثم حسب بعض نتائج تجمعات التصنيفات الثقافية، يعتبر فوكو المفكر الفرنسي الأكثر حضوراً ودراسة. مع تمتعه بامتياز، فعوض أن يخفت صوته مع مرور الوقت، يمضي الآن فوكو، أبعد مما كان عليه الحال قبل ثلاثين سنة. يكمن، السبب بلا شك، في دروسه بكوليج دو فرانس، الصادرة بعد وفاته، التي وسّعت كثيراً مشروعه، منتقلاً بين الحقول الأكثر تنوعاً: الطب، الأدب، القانون، الدراسات السوسيولوجية للاختلاف الجنسي ثم الهندسة.
لكن بكل تأكيد، من خلال كون فكر فوكو يفرض نفسه، كمفتاح لقراءة الزمن الحاضر. فإذا كان الأخير، فسيفساء  ضخمة  بتنظيماته السياسية والقانونية والاقتصادية ومؤسساته، المتعلقة بالسلطة والعلوم والمعارف وبناه العقلية الماسكة بالأشخاص، ثم يتناولون بواسطتها ذواتهم، فسيكون فوكو الصانع الذي لا يكلّ، مشتغلاً خلفها، مفككاً، ومعيداً تأليف خيوطها، مبيناً "جينيالوجيتها"، بالتالي، جعلها مرئية.
هل فوكو أمريكي؟ ثلاثون سنة مرت على وفاة المفكر، صاحب الاسم الأكثر انتشاراً في العالم. الفيلسوف، الذي تلاءمت عنده الدراسات الثقافية والمزعجة، فانصهرت، وعبر المصفاة التي يعود فكره إلينا، استطاع  المرور إلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي.
غير أن المكتبة الوطنية الفرنسية، بمساعدة خواص أغنياء، يهتمون بالفنون والآداب، تمكنت من إتمام عملية شراء أرشيفات استثنائية، بمبلغ 3.8 مليون: من بين أشياء أخرى، سنقف على3700 ورقة لمجموعة مسودات [حيث الجزء الأخير من تاريخ الجنسانية: اعترافات الجسد]، ثم 29 مذكرة، ليوميات فوكو الفكرية. جملة وثائق، وُجدت في بيته لحظة وفاته: فهل يمكننا المداعبة بتعجرف، قائلين، بأنه تراث، لن يكون قط في حوزة جامعة كاليفورنيا في بركلي!!
عاد ميشيل فوكو من أمريكا، مواصلاً مساءلة القضايا المهيكلة لـ"الليبرالية المتقدمة''، بمعنى حينما تدعي الأخيرة إبطالها، أو تحريرنا: نظام، مراقبة، جنسانية، هوية المبرر الذي من أجله يظل درسه جوهرياً كي نفهم عالمنا.
منذ أيام فقط، وكأن الأمر بمثابة هدية للاحتفال بذكرى ميلاده، فقد منح أقرباء فوكو لهذا المنبر الإعلامي [المقصود  لبيراسيون]، بعض الأشرطة التي تحوي آخر حوار للفيلسوف.
لقاء أجري مع فوكو يوم 29 ماي 1984، من طرف أندريه سكالا وجيل باربيديت، أياماً قليلة قبل دخوله المستشفى، حيث توفي يوم 25 يونيو نتيجة مضاعفات إصابته بداء السيدا.
استجابته لإجراء هذا الحوار الأخير، رغم حالة الإنهاك التي كان يعانيها، تمثل حتماً، عربوناً للصداقة التي يكنها لـ جيل دولوز،لأن أندريه سكالا أحد محاوريه، كان من  أقرباء دولوز. لم، تتأتى لـ فوكو، إعادة قراءة الحوار، بل عهد به إلى رفيقه دانييل ديفيز، كي يسهر على تنقيحه وإخراجه في صيغة مقبولة. الأخير، أورد فقرات منه بين طيات عمله المعنون بـ:[أقوال وكتابات]. الصادر عشر سنوات بعد ذلك. أيضاً، مقاطع منه نشرتها صفحات المجلات الأدبية يوم 28 يونيو1984، تحية لذاكرة الفيلسوف.
تحدث فوكو في هذا الحوار، عن قضايا الذات والجنسانية وأسلوب الوجود. بعض فقرات الشريط المسموع لا نلتقطها جيداً، مقارنة مع ثانية، نسمع معها الفيلسوف ضاحكاً وأحياناً يسعل.

الجمعة، 27 مارس 2015

جاك ديريدا.. إرثه، بعد عشر سنوات من وفاته!: جون بيرنبوم

ترجمة : سعيـد بوخليـط (المغرب)

JACQUES DERRIDA, par Luca Del Baldo
قبل عشر سنوات، رحل عنا فيلسوف "التفكيك". سنحاول، من خلال هذه المقالة، البحث في الإرث الذهني، لمفكر يرتاب من الورثة.
جاك ديريدا، مسكون أكثر بهاجس البقاء، من الموت. قلقه ذاك، هيمن عليه كلياً، سواء في تجربته اليومية، وكذا نصوصه الفلسفية، يقول بهذا الخصوص :«مختلف المفاهيم التي ساعدتني على الاشتغال، لاسيما مفهومي الأثر والطيف، كانا مرتبطان، بـ"البقاء الأصلي''، باعتباره بعداً بنيوياً».
سنة 2004، حين اكتشف إصابته بداء السرطان، ستنشر له جريدة "لوموند"، حواراً أخيراً لمنظر التفكيك الشهير، بحيث منحه طابع وصية. ديريدا الذي كان يبلغ 74عاماً، أدرك جيداً أن بقاءه أضحى مسألة وقت، فبدا أكثر انشغال، بإرثه الفكري: «أترك هنا، قطعة ورق، ثم أذهب كي أموت: يستحيل الخروج من هذه البنية، إنها الصيغة الثابتة لحياتي. خلال كل مرة، أسمح معها برحيل شيء ما، فإني أحيا موتي داخل الكتابة. اختبار في حده الأقصى: إننا ننزع الملكية، دون أن نعلم إلى من انتهى الشيء الذي تركناه، من سيرثه؟ كيف سيتحقق ذلك؟ بل، هل سيكون له ورثة؟».
عشر سنوات مرت على رحيل جاك ديريدا، وبالضبط يوم9 أكتوبر2004. حدث، يطرح ثانية التساؤل بكيفية عاجلة، وبالتالي فهو الذي نسف لبنة وراء لبنة، يقينيات الفلسفة، ثم ألهم بكتاباته المحللين النفسانيين والقانونيين والمهندسين والسينمائيين - نستحضر فقط فيلم "DeconstructingHarry" لصاحبه وودي ألن- هو ''اليهودي الجزائري الصغير'' المجسد للفكر في عيون العالم قاطبة. ديريدا، المثير الذي حظي داخل أمريكا بوضع لايعيشه أصلاً سوى نجوم السينما، هو الذي خصصت له جريدة "لوموند"، ملفاً خاصاً تضمن عشرات الصفحات، لحظة موته، مما شكل واقعة استثنائية. ديريدا، الذي يبدو حالياً، أنه اهتدى ثانية، إلى وضع التطهير.  
بالنسبة لأغلب الفلاسفة الذين استفسرناهم، لم يعد ديريدا يستشهد به، بذات الزخم، كما كان على قيد الحياة. أيضاً، هو أقل مقروئية، قياساً لوجوه أخرى يرتبط بها اسمه بكيفية فورية، ولنبدأ بـ دولوز وفوكو: «حينما تشغل مكانة مهمة جداً كما الحال مع جاك، فبالضرورة ستعيش انحداراً بعد ذلك. الوضع ذاته، عاينته لدى سارتر، حينما كنت طالبا»، يتذكر جون لوك نانسي أحد أقرب أقربائه. ثم يضيف، ماتيو –بوت- بونيفيل، البالغ من العمر 35 سنة، لحظة وفاة الفيلسوف: «يعتبر هذا المفعول للتطهير، كلاسيكيا.ً حين وفاة فوكوأيضاً، انتظرنا عشر سنوات، كي نتمكن من إعادة الاستشهاد به، لأن مختلف القضايا التي ألهبها، تم التخفيف منها بعدم مناقشتها. لكن ديريدا، أحدث بغضاً نادراً من نوعه، لاسيما في فرنسا، فلم يظفر قط بمنصب جامعي. زيادة على ذلك، الكوليج الدولي للفلسفة الذي أسسه ديريدا سنة 1983، كي يسائل هوامش المؤسسة الفلسفية، بجعلها منفتحة على التدريس الثانوي وكذا الأجنبي، ثم الحقول غير الفلسفية. بالتالي، الكوليج الذي جسد كل شيء، غير كونه مدرسة مكرسة لفكر ديريدا، يمثل اليوم موضوع تهديدات جسيمة من لدن وزارة البحث».

الأربعاء، 17 سبتمبر 2014

جدل السيادة والعبودية: ألكسندر كوجيف

ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي

ألكسندر كوجيف
الإنسان وعي بالذات. إنه واع بذاته، واع بحقيقته وبكرامته الإنسانيتين. وهو بهذا يختلف اختلافا جوهريا عن الحيوان الذي لا يتخطّى مستوى مجرد الإحساس بالذات. والإنسان يعي ذاته في اللحظة التي يقول فيها -لأول مرة- أنا. وإن فهم الإنسان بفهم "أصله" يعني فهم أصل الأنا الذي يكشف عنه الكلام.
والحال أن تحليل الفكر أو العقل أو الفهم، الخ، وبصفة عامة، تحليل السلوك المعرفي التأمّلي المنفعل لكائن أو "لذات عارفة" لا يكشف لنا أبدا لماذا ولا كيف تنشأ كلمة "أنا"، وبالتالي لماذا وكيف ينشأ الوعي بالذات، وأقصد حقيقة الواقع البشري. فالإنسان المتأمّل "ينغمس" فيما يتأمّله. والذات العارفة تضيع في الموضوع المعروف. لذا فإن التأمّل يكشف عن الموضوع لا عن الذات. الموضوع، لا الذات، هو الذي ينكشف لنفسه في عملية المعرفة وعن طريقها. والأفضل أن نقول إنه ينكشف كعملية معرفة. إن الإنسان الذي ينغمس في الموضوع الذي يتأمّله لا يستطيع أن "يعود إلى ذاته" إلا عن طريق رغبة كرغبة الأكل على سبيل المثال. فرغبة موجود (واع) هي التي تجعل من هذا الموجود "أنا" وتكشف عنه كذلك عندما تدفعه أن يقول "أنا". الرغبة هي تحول الوجود المنكشف لذاته بواسطة ذاته في المعرفة (الصادقة) إلى موضوع ينكشف لذات بواسطة ذات متميزة عن الموضوع ومعارضة له. فالإنسان يتشكّل وينكشف -لنفسه وللآخرين- في رغبته وعن طريقها. والأفضل أن نقول إنه، كرغبة وكرغبته هو، يتكوّن وينكشف كأنا، كالأنا المخالف اختلافا جوهريا للاأنا والمعارض له معارضة جذرية. الأنا (الإنساني) هو أنا الرغبة. إنه أنا راغب.
وبناء على ذلك فإن الوجود الإنساني، الوجود الواعي بذاته يقتضي الرغبة ويفترضها. وبالتالي، فإن حقيقة الواقع البشري لا يمكن أن تتشكل وتستمر إلا داخل واقع بيولوجي وحياة حيوانية. ولكن إذا كانت الرغبة الحيوانية هي الشرط اللازم لوجود الوعي بالذات، فإنها ليست شرطا كافيا لذلك الوجود. فالرغبة وحدها لا تشكّل إلا الإحساس بالذات.
وخلافا للمعرفة، التي تجعل الإنسان سجين اطمئنان سلبي فإن الرغبة تجعله يخرج عن ذلك الاطمئنان فتدفعه إلى العمل. وبما أن العمل هو وليد الرغبة فهو يرمي إلى إشباعها وهو لا يمكن أن يرضيها إلا عن طريق النفي والقضاء على موضوع الرغبة أو تحويله على الأقل: فلكي أشبع جوعي مثلا، يكون علي أن أقضي على الطعام، أو أن أحوّله على كل حال. وهكذا فإن كل عمل هو سلب ونفي. وبدل أن يدع المعطى كما هو فإنه يقضي عليه، وهو إن لم يقض عليه في وجوده ففي صورته على الأقل. وكل نفي -سالب للمعطى لا بد وأن يكون فعالا. غير أن العمل السالب النافي لا يكون مجرد عمل هدام. ذلك أن العمل الذي يصدر عن رغبة ما إذا كان يقضي على واقع موضوعي ليشبع تلك الرغبة، فإنه يخلق مكانها واقعا ذاتيا وذلك في فعل ذلك الهدم ذاته وعن طريقه. فالكائن الحي الذي يأكل مثلا يبني ذاته ويحافظ عليها وذلك بأن يقضي على واقع مغاير له، وبأن يحول حقيقة مغايرة ويجعلها حقيقته هو عن طريق "تمثل" حقيقة غريبة خارجية وجعلها حقيقة باطنية. وبصفة عامة، فإن أنا الرغبة هو عبارة عن خواء لا يكتسب محتوى حقيقيا إلا عن طريق فعل النفي الذي يشبع الرغبة بالقضاء على ما ليس أنا، وذلك بتحويله و "تمثله". وهذا المحتوى الحقيقي للأنا الذي يتشكل عن طريق عملية النفي يكون تابعا للمحتوى الحقيقي للاأنا ومتوقفا عليه. لذا فإن كان موضوع الرغبة هو لا -أنا "طبيعي"، فإن الأنا سيكون هو نفسه "طبيعيا". إن الأنا الذي ينتج عن عملية الإشباع الفعالة لتلك الرغبة سيكون من طبيعة الأشياء التي تقع عليها الرغبة: سيكون إذن أنا شيئيا، أنا حيا فحسب، أنا حيوان. وهذا الأنا الطبيعي الذي يتولد عن الموضوع الطبيعي، لا يمكنه أن ينكشف لذاته وللآخرين إلا كإحساس بالذات، وهو لا يبلغ قط مستوى الوعي بالذات.
لكي يكون هناك وعي بالذات، ينبغي أن تقع الرغبة على موضوع غير طبيعي، أي على شيء يتجاوز الواقع المعطى. والحال أن الشيء الوحيد الذي يتجاوز هذا الواقع المعطى هو الرغبة ذاتها. ذلك أن الرغبة، إذا نظرنا إليها من حيث هي رغبة، أعني قبل إشباعها، لا تكون إلا عدما. إنها ليست إلا خواء لا حقيقة له. وبما أن الرغبة هي انكشاف لخواء، بما أنها حضور لغياب واقع فهي إذن تتميز عن الشيء المرغوب فيه وتختلف عنه. إنها إذن ليست شيئا. وهي ليست كائنا حقيقيا ساكنا، إنها ليست معطى يظل أبدا هو هو. وبناء على ذلك فإن الرغبة التي تنصب على رغبة أخرى، إذا نظرنا إليها من حيث هي رغبة، فإنها ستخلق عن طريق فعل النفي والتمثل الذي يشبعها، أنا يخالف في جوهره (الأنا) الحيواني. وهذا الأنا الذي (يتغذى) على الرغبات، سيكون هو ذاته رغبة تولدت عن إشباع رغبة. وبما أن الرغبة تتحقق كفعل ينفي المعطى، فإن وجود هذا الأنا سيكون عبارة عن فعل. لن يكون هذا الأنا إذن كالأنا الحيواني، ساكنا دائما هو هو بل إنه سيكون "سلبيا-نافيا". وبعبارة أخرى فإن وجود هذا الأنا سيكون عبارة عن صيرورة. والصورة العامة لهذا الوجود لن تكون هي المكان وإنما هي الزمان. ويعني استمرار هذا الأنا في الوجود "ألا يكون ما هو عليه (من حيث هو كائن ساكن معطى، كائن طبيعي وخصائص فطرية) وأن يكون (أي أن يصير) ما ليس هو" سيكون هذا الأنا إذن من صنع ذاته: سيصبح (في المستقبل) ما صار عليه (في الحاضر) عن طريق عملية سلب ما كان عليه (في الماضي). على أساس أن عملية السلب هاته قد تحددت بما سيصير إليه. إن هذا الأنا إذن هو، في وجوده صيرورة ترمي إلى قصد وغاية، وهو تطور هادف وتقدم واع يتم عن طواعية. إنه عملية تجاوز للمعطى الذي يقدم له والذي يكونه هو ذاته. هذا الأنا هو فرد (بشري) حر (في مقابل الواقع المعطى) تاريخي (بالنسبة لذاته). هذا الأنا، وهذا الأنا وحده، هو الذي ينكشف لذاته وللآخرين كوعي بالذات.
إن الرغبة البشرية يجب أن تنصب على رغبة أخرى. ولكي تكون هناك رغبة بشرية ينبغي أن يكون هناك أولا وقبل كل شيء تعدد للرغبات (الحيوانية). وبعبارة أخرى، لكي يمكن للوعي بالذات أن يتولد عن الإحساس بالذات، لكي تتمكن الحقيقة البشرية من أن تتشكل داخل الواقع الحيواني ينبغي لهذا الواقع أن يكون متعددا. لا يمكن للإنسان أن يظهر على وجه الأرض إلا وسط القطيع. لذا فإن الواقع البشري لا يمكن أن يكون إلا واقعا اجتماعيا. ولكن، لكي يصير القطيع مجتمعا لا يكفي أن يكون هناك تعدد في الرغبات، بل ينبغي أن تنصب رغبات كل فرد من أفراد القطيع على رغبات الأفراد الآخرين أو على الأقل أن يكون في استطاعتها ذلك.
إذا كان الواقع البشري واقعا اجتماعيا فإن المجتمع لا يكون إنسانيا إلا بمقدار ما يكون مجموعة من الرغبات التي تنصب على بعضها البعض بما هي رغبات. إن الرغبة الإنسانية، أو على الأصح الرغبة المولدة للإنسان، الرغبة التي تشكل فردا حرا، تاريخيا، واعيا بفرديته وحريته وتاريخه شاعرا بتجذره التاريخي، إن هاته الرغبة الإنسانية تختلف عن الرغبة الحيوانية (التي تشكل كائنا طبيعيا، يكتفي بأن يحيا ولا يتخطى مستوى الإحساس بالذات) لكونها لا تنصب على موضوع واقعي، حقيقي، معطى وإنما على رغبة أخرى. ذلك هو الأمر مثلا فيما يتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة: فالرغبة لا تكون إنسانية إلا إذا لم يرغب الواحد منهما في جسم الآخر وإنما أن تنصب رغبته على رغبة الآخر، أي إلا إذا أراد أحدهما أن "يمتلك" الرغبة بما هي رغبة، وأعني إذا ما أراد أن يكون "مرغوبا فيه" "محبوبا" والأفضل أن نقول "معترفا به" في قيمته كإنسان، وفي واقعه كفرد بشري. وبالمثل فإن الرغبة التي تنصب على موضوع طبيعي لا تكون رغبة بشرية إلا بمقدار ما تكون رغبة شخص آخر قد "توسطتها" وانصبت على الموضوع نفسه. فمن طبيعة الإنسان أن يرغب فيما يرغب فيه الآخرون، لأنهم يرغبون فيه. وهكذا فقد يمكن لموضوع عديم الفائدة من الناحية البيولوجية (مثل الوسام والعلم الوطني للخصم) أن يصبح موضع رغبة لأنه يكون موضع رغبات أخرى. إن مثل هاته الرغبة لا يمكن أن تكون إلا رغبة إنسانية. والواقع البشري بما هو واقع مخالف للواقع الحيواني لا ينشأ إلا عن طريق الفعل الذي يشبع مثل هاته الرغبات: إن تاريخ البشر هو تاريخ الرغبات التي تنصب على بعضها البعض.
ولكن إذا ما أبعدنا هذا الاختلاف جانبا، فإن الرغبة الإنسانية تماثل الرغبة الحيوانية. فالرغبة الإنسانية تسعى، هي الأخرى لأن تشبع عن طريق عملية سلب بل تحويل وتمثل. إن الإنسان يتغذى على الرغبات مثلما يتغذى الحيوان على الأشياء الواقعية. والأنا البشري، الذي يتحقق بالإشباع الفعلي للرغبات البشرية، يكون هو الآخر، تابعا لما يتغذى عليه متوقفا على غذائه مثلما يتوقف جسم الحيوان على مأكله.
لكي يكون الإنسان إنسانا حقا، لكي يختلف الإنسان اختلافا جوهريا حقيقيا عن الحيوان، ينبغي لرغبته الإنسانية أن تنتصر بالفعل على رغبته الحيوانية. والحال أن كل رغبة هي رغبة في قيمة، والقيمة العليا بالنسبة للحيوان هي حياته الحيوانية. إن كل رغبات الحيوانات هي في النهاية تابعة لرغبتها في أن تحافظ على بقائها. بناء على ذلك فإن رغبة الإنسان ينبغي أن تفوق الرغبة في البقاء. وبعبارة أخرى فإن الإنسان لا يكون إنسانا إلا إذا خاطر بحياته (الحيوانية) من أجل رغبته الإنسانية. ففي هاته المخاطرة وبفعلها ينشأ الواقع البشري وينكشف كواقع. في هاته المخاطرة وبفعلها يكون على الواقع البشري أن يظهر ويثبت ذاته ويتأكد من حقيقته ويقدم دلائله كواقع يخالف الواقع الحيواني الطبيعي ويتميز عنه. لذا فإن الحديث عن "أصل" الوعي بالذات، لا بد وأن يرتبط بالحديث عن المخاطرة بالحياة (من أجل هدف غير حيوي).
يكون الإنسان إنسانا إذا ما هو خاطر بحياته ليشبع رغبته الإنسانية، أي رغبته التي تنصب على رغبة أخرى. لكن، أن ترغب في رغبة أخرى معناه أن تضع نفسك مكان القيمة التي ترغب فيها تلك الرغبة الأخرى. وإلا لكانت الرغبة منصبة على القيمة ذاتها أي على الموضوع المرغوب فيه لا على الرغبة عينها. أن أرغب في رغبة آخر معناه إذن أن أرغب في أن تكون قيمتي، أو القيمة التي "أمثلها"، هي القيمة التي يرغب فيها الآخر: إنني أريد أن "يعترف" بقيمتي على أنها القيمة التي ينشدها، أريده أن يعترف بي كقيمة مطلقة. بعبارة أخرى، إن كل رغبة بشرية، كل رغبة مولدة للإنسان خالقة للوعي بالذات وللواقع البشري، كل رغبة بشرية هي في نهاية الأمر تابعة للرغبة في "الاعتراف" ومتوقفة عليها. والمخاطرة بالحياة، تلك المخاطرة التي يظهر عن طريقها الواقع البشري، هي مخاطرة تتوقف على تلك الرغبة. وعليه فإن الحديث عن "أصل" الوعي بالذات يعني بالضرورة الحديث عن صراع حتى الموت من أجل الاعتراف.
ولولا هذا الصراع حتى الموت لما كانت هناك قط حياة بشرية على وجه البسيطة. وبالفعل، فإن الوجود البشري لا ينشأ إلا تبعا لرغبة تنصب على رغبة أخرى، أي على رغبة في الاعتراف. لا يمكن للوجود البشري إذن أن يتشكل إلا إذا تواجهت رغبتان على الأقل من هاته الرغبات. وما دام كل واحد من هذين الكائنين اللذين يتوفران على مثل هاته الرغبة مستعدا أن يذهب إلى أقصى حد في السعي وراء إرضاء رغبته، أي أنه مستعد لأن يخاطر بحياته -ويقضي بالتالي على حياة الآخر- كي ينال اعتراف الآخر ويفرض نفسه كقيمة عليا على الآخر -فإن مواجهتهما لا يمكن إلا أن تكون صراعا حتى الموت. ولا ينشأ الواقع البشري ويتكون إلا عن طريق مثل هذا الصراع وبفضله. إن الواقع البشري لا يتحقق ولا ينكشف إلا كواقع معترف به.
ولكن، إذا كان الناس جميعهم -أو على الأصح إذا كانت جميع الكائنات التي هي في طريقها لأن تصبح كائنات بشرية- تنهج السلوك نفسه، فإن الصراع ينبغي أن يؤدي بالضرورة إلى موت أحد الخصمين أو هما معا. فمن المستحيل أن يتنازل أحدهما عن نفسه للآخر، أو أن يتخلى عن الصراع قبل موت الآخر، أو أن يعترف بالآخر عوضا أن ينال اعترافه. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فإن تحقيق الواقع البشري وظهوره سيصبح أمرا متعذرا. والأمر واضح فيما يتعلق بالحالة التي يموت فيها الخصمان معا ما دامت الحياة البشرية -لكونها رغبة وعملا يتوقف على هاته الرغبة- لا يمكن أن تولد وتستمر إلا وسط حياة حيوانية. غير أن التعذر يظل قائما حتى وإن لم يقتل إلا واحد من الخصمين فحسب. إذ ستختفي معه تلك الرغبة الأخرى التي ينبغي أن تنصب عليها الرغبة كي تكون رغبة بشرية. فمادام المنتصر لا يمكن أن يكون محل اعتراف الميّت فإنه لا يمكن أن يتحقق وينكشف في إنسانيته. ولكي يتحقق الوجود البشري وينكشف كوعي بالذات، لا يكفي إذن أن يكون الواقع البشري متعددا بل ينبغي أيضا أن يكون هذا التعدد متفاضلا، أي ينبغي للمجتمع أن يستلزم نوعين من السلوك البشري متمايزين تمام التمايز.
لكي يتشكل الواقع البشري كواقع معترف به، ينبغي أن يبقي الخصمان على قيد الحياة بعد صراعهما. وهذا لا يتم إلا إذا نهجا مسلكين مختلفين أثناء الصراع. فعن طريق أعمال حرة لا يمكن ردها إلى أي شيء ولا يمكن التنبؤ بها واستنباطها، ينبغي لهما أن يتشكلا ككائنين غير متكافئين أثناء الصراع وعن طريقه. إن أحدهما ينبغي أن يهاب الآخر دون أن يكون مفطورا على ذلك، ينبغي له أن يتنازل للآخر، ويرفض المخاطرة بحياته من أجل إرضاء رغبته في الاعتراف. وينبغي له أن يتخلى عن رغبته وأن يرضي رغبة الآخر: ينبغي له أن يعترف بالآخر دون أن يعترف الآخر به. والحال أن الاعتراف على هذا النحو معناه الاعتراف بالآخر كسيد والاعتراف بالذات كعبد لذلك السيد.
وبعبارة أخرى فإن الإنسان في حالة نشأته لا يكون قط إنسانا وكفى. إنه دائما وبالضرورة إما عبد وإما سيد. إذا كان الواقع البشري لا يمكن أن يتكون إلا كواقع اجتماعي، فإن المجتمع لا يكون بشريا -على الأقل في أصله- إلا شريطة أن يستلزم عنصرا للسيادة وآخر للعبودية ويقتضي وجودا يتمتع باستقلال ذاتي وآخر يتوقف عليه ويخضع له. لذا فإن الحديث عن أصل الوعي بالذات يعني بالضرورة الحديث عن استقلال الوعي بالذات وخضوعه، (عن السيادة والعبودية).
إذا كان الوجود البشري لا يتكون إلا من خلال الصراع الذي يؤدي إلى العلاقة بين سيد وعبد، فإن التحقيق التدريجي لهذا الوجود لا يمكن أن يتم هو الآخر إلا بدلالة هاته العلاقة الاجتماعية الأساسية. إذا كان الإنسان لا يختلف عن صيرورته وإذا كان وجوده الإنساني في المكان هو وجوده في الزمان وبما هو زمان، إذا كان الواقع البشري الذي ينكشف ليس في النهاية سوى التاريخ العام، فإن هذا التاريخ ينبغي أن يكون تاريخ تفاعل السيادة والعبودية. الجدل التاريخي هو جدل السيد والعبد. ولكن إذا كان التعارض بين الأطروحة ونقيضها لا يتخذ معناه إلا داخل التصالح عن طريق التركيب، وإذا كان التاريخ بالمعنى القوي للكلمة لا بد وأن يبلغ حدا نهائيا، وإذا كان الإنسان الذي يخضع للصيرورة مرغما على أن يفصح عن الإنسان النهائي، وإذا كانت الرغبة لا بد وأن تحقق إشباعها، وإذا كانت المعرفة الإنسانية لا بد وأن تمتلك قيمة حقيقة نهائية شاملة الصدق- فإن التفاعل بين السيد والعبد ينبغي أن يؤدي في النهاية إلى "إلغائها الجدلي".


A. Kojeve. Int. à la lectde Hege . Gallimard, Paris 1968, pp. 11-16.

الجمعة، 5 سبتمبر 2014

الأثر الروسي في الإيروسية الفرنسية: أندريه مَرطينَف

ترجمة: نوفل نيوف

الباحثة الروسية أوكسانا تيموفيّفنا
وصفه مارتِن هايدِغِر بـ «أكبر العقول النيِّرة في فرنسا». فإذا أخذنا بالحسبان ما لدى الفيلسوف هايدِغِر من غرور مَرَضيّ وغيرة تجاه "زملاء الكار"، عرفنا أنّ قيمة هذا الإطراء كبيرة. فمَن هو سعيد الحظّ هذا الذي استحقّ إطراء هايدِغِر؟ إنّه الكاتب والمفكّر الفرنسي الشهير جورج باطاي (1897- 1962).
وقد كرَّست الباحثة الروسية أوكسانا تيموفيِّفنا المتخصِّصة بالفلسفة الفرنسية كتابها: ("مدخل إلى الفلسفة الإيروسية عند جورج باطاي"، موسكو، 2009) لإعادة بناء صورة العالم عند واحد من مؤسّسي ما بعد الحداثة.
تقوم الفلسفة الإيروسية في العادة، خلال تاريخها الطويل، على المقابلة بين قطبين هما: الروحيّ (الإيروسيّ الخاصّ)، والجسدي (الجنسيّ). ووَفقاً لهذا التقليد الذي يعود بجذوره إلى الفلسفة القديمة (أفلاطون)، وسكولائية القرون الوسطى (توما الأكويني)، كان الجدل يُحسَم لصالح الروحيّ. ورغم أنّ بعض فلاسفة عصر الأنوار (هيلفيتسي وديدرو)، أو مَن جاء بعدهم من الفلاسفة المادِّيين (الذين قلّدوهما، أصلاً) كانوا، بالعكس، يؤكِّدون على الجسديّ (الفيزيقيّ)، فإنهم كانوا أقلية.
إنّ إبداع جورج باطاي يتعدّى حدود الأطر المعتادة. فالإيروسية، حسب مؤلِّف كتاب "الزُّرقة السماوية"، هي السمة الأساسية التي تميِّز الإنسان عن الحيوان. صحيح أنّ جورج باطاي يرينا ظهور الإيروسية نفسَه على نحوٍ شديد التناقض: «لقد عرف إنسان النياندرتال الموتَ منذ كان يغطِّيه الشعر كالوحش. وعلى هذه المعرفة ظهرت الإيروسية التي تميِّز حياة الإنسان الجنسية من حياة الحيوان الغريزية البهيمية». كما أنّ الإيروسية تتّصف عند الفيلسوف باطاي بمنظومة محدّدة من المحرّمات التي تتناقض مع الطبيعة الهدّامة، القاتلة، وبذلك تختلف الإيروسية عن حياة الغريزة البهيمية عند الحيوانات.
إن المحرّمات (التابوهات) تشكِّل الثقافة التي تناقض الطبيعة أيضاً. ذلك أنّ «نفي الطبيعة، حسب رأي باطاي، يعني نفي الحيوانيّ الذي يؤلِّف دعامة سلبية الإنسان»، كما تقول تيموفيِّفا. وفي المحصّلة، كما ترى الباحثة، «فإنّ الجسد الخاص هو تحديداً ما يصبح، بهذه الطريقة، موضوع النفي. ومن هذا النفي (الكاذب، الموهوم)، حسب باطاي، يبدأ تاريخ الإنسان، على كلّ حال». ولذلك فإنّ مفاهيم مثل "الرغبة"، و"التغاير"، تتجاور في قاموس الفلسفة الإيروسية عند باطاي وتقف جنباً إلى جنب مع مفاهيم "الفقد"، و"السيادة"، و"السرّي". على أنّ هذه مفارقة من نوع خاص أيضاً.
نظنّ أنّ هناك خصوصية لافتة أخرى بعدُ، تتّصف بها أيضاً فلسفة باطاي وسيرته على حدٍّ سواء، هي "الأثر الروسيّ".
إذ تلفت أوكسانا تيموفيِّفا انتباه القراء إلى أنّ التجربة الاشتراكية التي أجريت في الاتحاد السوفيتي كانت في نظر الفيلسوف "قفزة إلى الموت" بالنسبة للوعي الفرديّ الغربي، فيما كانت روسيا تبدو له "ثقباً" من نوع خاص. أمّا إذا ما تركنا جانباً مثل هذه الآراء، فإنّ علينا أن ننوِّه بوجود خطوط متوازية معينة بين إبداع جورج باطاي ونثر الأديب الروسي أندريه بلاطونَف. والباحثة تيموفيِّفا تشير في كتابها أيضاً إلى هذه الخطوط المتوازية.
إلا أنّ هذا ليس كلّ شيء. ذلك أنّه كان للمفكّر باطاي في بداية عشرينات القرن العشرين لقاءات كثيرة في باريس مع ليف شِستوف (فيلسوف روسيّ هاجر بعد الثورة). وتحت تأثير شِستوف تحديداً شرع باطاي يقرأ باهتمام كلاً من دَستويِفسكي، وكِركيغور، وباسكال، وأفلاطون. زِد على ذلك أنّ باطاي قام بمساهمة كبيرة في ترجمة كتاب شِستوف "الخير في تعاليم الكونت تولستوي وفريدرك نيتشه" إلى الفرنسية (صدر في باريس سنة 1925).
وهناك "أثر" آخر: فقد تعرّف باطاي في سنة 1931 إلى الكاتب والشخصية الاجتماعية بوريس سوفارِن، فانضمَّ إلى "الحلقة الشيوعية الديمقراطية" التي أسسها سوفارِن (انحلّت بعد بضع سنوات). وفي سنة 1931 أيضاً شارك باطاي في حلقة البحث (سيمينار) التي أقامها ألكساندر كويْري (كويْرانسكي) في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا. وتتحدّث أوكسانا تيموفيِّفا عن هذا الموضوع في كتابها أيضاً.
ثمّ إنّ "الأثر" الروسي (بل الأوكراني، للدقّة) موجود كذلك في الحياة الشخصية لـ باطاي صاحب كتاب "المستحيل". إذ تزوّج باطاي في عام 1946 من الأميرة ديانا كوتشوبي دي بوغارنه وأنجبا من ذلك الزواج ابنتهما جولي.

تلك هي "الآثار" الروسية في الإيروسية الفرنسية.