‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات فلسفية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات فلسفية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 27 مايو 2015

المسيح: جورج باتاي

ترجمة: محمد عيد إبراهيم


المسيح المصلوب هو التسامي الأعظم للرموز كافّةً ـ حتى في عصرنا!
فريدريك نيتشه، 1885/ 1886

Jacques-André Boiffard
أودّ الآنَ أن أقارنَ، لا بين خيرٍ وشرٍّ، بل بين "الذروة الأخلاقية"، المختلفة عن الخير، و"الانهيار"، الذي لا نفع فيه مع الشرّ بل تقرّرُ ضرورته، على النقيضِ، أنماطَ الخير. 
تنسجمُ الذروة مع الإفراط، مع وفرةِ القوَى. وتستجلبُ أقصَى كثافةٍ تراجيدية. كما تتعلّق بإنفاقاتِ الطاقةِ غير القياسية والتعدّي على سلامةِ الكائناتِ الفردية. ولهذا فهي أقربُ إلى الشرّ منها إلى الخير. 
يهِبُ الانهيارُ -المنسجمُ مع لحظاتِ الإنهاكِ والتعب- القيمةَ كاملةً لاهتماماتِ الحفاظِ على الفرد وإغنائه. من هنا تتأَتّى قوانينُ الفضيلة.    

ولنبدأ، سأُبيّن كَم أن ذروةَ المسيحِ على الصليبِ هي تعبيرٌ جدّ مبهمٍ عن الشرّ. 

حافظَ المسيحيون على قتلِ يسوعَ المسيحِ كجماعةٍ تودّ أن تتأَبّط شراً. 
فهي أكبر خطيئة ارتُكبت. 
كما تحوزُ طبيعةً لا محدودة. فلم يكن المجرمون الممثّلين الوحيدين بهذهِ الدراما، لأن الخطأ قد انحدرَ إلى البشريةِ كافّةً. كلّما ارتكبَ امرؤ شراً [يتطلّب الأمر من كلّ منا أن يرتكبَ شراً]، فهو يضعُ المسيحَ على الصليب.
صلبَ جلاّدو بيلاطسَ(*) المسيحَ، مع أنهم أعدموا الربّ الذي سَمّروه على الصليبِ كتضحية. فالجريمةُ هي مُعامِلُ هذه التضحيةِ، وهي الجريمةُ التي يرتكبها الخطاةُ منذ آدم بلا حدود. ثمةَ اشمئزازٌ مكتوم في حياةِ البشر [كلّ ما هو ملطّخٌ ومستحيلٌ نحمله في أماكنهِ السرية، لنبرئ شرّه المكثّفَ في عفنه] يتضمّن خيراً مدنّساً يُتوّجهُ النجاحُ، ولا نتخيّل شيئاً أقرب منه.  

إن قتلَ المسيحِ يجرحُ كينونةَ الربّ. 
لكأنّ المخلوقاتِ لم تستطع التواصلَ مع خالقِها إلاّ عبر جرحٍ يمزّقُ الكمالَ. 
الجرحُ مقصودٌ ومرغوبٌ من جهةِ الربّ.  
ولم يُذنب البشرُ الذين فعلوه بدرجةٍ أقلّ. 
من جهةٍ أخرى -وليسَت الأقلّ غرابةً- فالذنبُ جرحٌ يمزّقُ كمالَ كلّ كائنٍ مذنب.
هكذا يلتمّ الربّ [الجريحُ بذنبٍ بشريّ] والبشريةُ [الجريحةُ بذنبها مع توقيرِ الربّ]، في شملٍ، وإن كان مؤلماً، لكن يبدو أنه غرضهما جميعاً. 
لو احتفظت البشريةُ بكمالها ولم تخطئ، لثابرَ الربّ من جهةٍ والبشريةُ من جهةٍ أخرى في عزلتهما الموقّرة. ليلُ الموتِ حيث ينزفُ الخالقُ والمخلوقاتُ ممزِّقاً كلٌّ منهما الآخرَ ومن الجهاتِ كافّةً، قد تحدّوه بأقصَى حدٍّ من العار: وهو المطلوبُ من تعاونهما. 

الاثنين، 18 مايو 2015

دُمُوعُ أَيْرُوسْ: جُورْجْ بَاطَايْ

  ترجمة: رشيد وحتي                              


إضاءة من المترجم: يعتبر دُمُوعُ أَيْرُوسْ [1961] آخر كتاب ينشره جورج باطاي في حياته، استكمالا لكتاب الأيروسية [1957]. لهذا جاءً شذريا وأكثر تكثيفًا من سابقيه، وأشمل في تناول جوانب وعصور كان قد أهملها مشروعه السابق، وبالتالي تناول تاريخ البشرية كاملا من ما قبل التاريخ حتى الفترة المعاصرة، أنثروپولوجيًّا [طُقُوسِيًّا]، أدبيًّا، فنيًّا، اقتصاديًّا وسياسيا. للكتاب أيضا طابع سجالي [خصوصا في الفصل الـمترجَم]، حيث قارَعَ باطاي أسَاسًا السرياليين [متهما إياهم بنزعة هِيـــِلِيَّةٍ جَدِيدَةٍ].

*****


Gustave Moreau, Léda
كَانَ لِلْفَنِّ التَّشْكِيلِيِّ، بِدَايَةً مِنْ هُنَا، مَعْنَى إِمْكَانِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ ذَاهِبَةٍ، وِفْقَ وِجْهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَبْعَدَ مِمَّا هِيَ عَلَيْهِ فِي الْآدَابِ. لَيْسَ أَبْعَدَ مِنْ نِتَاجَاتِ سَادْ الْأَدَبِيَّةِ — لَكِنَّ سَادَ لَمْ يَكُنْ، فِي مَرْحَلَةٍ أُوْلَى، إِلَّا مَعْرُوفًا لَدَى الْقِلَّةِ..: بَعْضُ أَصْحَابِ الْحُظْوَةِ فَقَطْ كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ قِرَاءَةَ نُسَخٍ نَادِرَةٍ كَانَتْ تَرُوجُ.










حَتَّى لَوْ بَقِيَ دُولَاكْرْوَا، فِي الْـمُجْمَلِ، وَفِيًّا لِـمَبَادِئِ الْفَنِّ التَّشْكِيلِيِّ الْـمِثَالِيِّ، فَقَدْ كَانَ يَنْزَعُ نَحْوَ فَنٍّ تَشْكِيلِيٍّ جَدِيدٍ، وَرَبَطَ فَنَّهُ، عَلَى مُسْتَوَى الْأَيْرُوسِيَّةِ، بِتَمَثُّلِ الْـمَوْتِ.





وَكَانَ مَانِي سَبَّاقًا، بِانْزِيَّاحِهِ، قَطْعِيًّا، عَنْ مَبَادِئِ الْفَنِّ التَّشْكِيلِيِّ الْـمُتَوَاضَعِ عَلَيْهَا، إِذْ تَمَثَّلَ فِي لَوَحَاتِهِ مَا يَرَاهُ، لَا مَا كَانَ مُتَوَجِّبًا عَلَيْهِ أَنْ يَرَاهُ. كَانَ خِيَارُهُ يَقُودُهُ، فَوْقَ ذَلِكَ، فِي طَرِيقِ رُؤْيَةٍ فَجَّةٍ، فَظَّةٍ، لَمْ تُشَوِّهْهَا الِعَادَاتُ الرَّاسِخَةُ. لِـمُتَجَرِّدَاتِ مَانِي اخْشِوْشَانٌ لَا يَحْجُبُهُ لِبَاسُ الْعَادَةِ - الْـمُحْبِطُ - وَلَا لِبَاسُ الْـمُوَاضَعَاتِ - الْـمُلْغِي. نَفْسُ الشَّيْءِ يَنْسَحِبُ عَلَى فَتَيَاتِ الْـمَوَاخِيرِ، كَمَا أَرَادَ دُوـَا، فِي مَحْفُورَاتِهِ ذَاتِ النُّسْخَةِ الْفَرِيدَةِ، التَّأْكِيدَ عَلَى فَظَاعَتِهَا..1

السبت، 2 مايو 2015

من التضحية الدينية إلى الأيروسية: جورج باتاي

ترجمة محمد عيد إبراهيم

         يُساء فهم المسيحية والطبيعة المقدّسة للانتهاك
Saturno Buttò, sacrifice
ناقشتُ في المقدّمةِ التماثلَ الذي أدركه الإنسانُ في العصورِ القديمةِ بين فعلِ الحبّ والتضحية. لقد أحسّوا بمباشريةِ التضحية أقوى مما نفعل، فلم ننجز تضحيةً من قبل. إن تضحية العوامّ تذكرةٌ، لكنها قد لا تُخلف انطباعاً عميقاً على إحساسنا. ومهما ألحّ علينا رمز الصليب، نكتشف أن العوامّ غيرُ معرّفين بيُسرٍ مع التضحية الدموية.
تتمثّل الصعوبة الأساسية في أن المسيحية تكتشف بُغض الخروج على القانون عامةً. بدقّة، فإن الأناجيل تدعم الخروج على القانون الملتزم بالرسالة حين تُغيَّب روحُها. وساعتها نخرج على القانون لأن شرعيته محلّ استفهام، لا على الرغم من شرعيته. فقد تبدّلت سمة الانتهاك أساساً في فكرة التضحية على الصليب. وتُعدّ هذه التضحية طبعاً جريمة قتل، جريمة دموية أيضاً. انتهاكٌ بمعنى أنها خطيئة قطعاً، وكلّ خطيئة هي في الواقع مميتة. لكن في الانتهاك -كما وصّفتهُ خطيئةً، إن كان ثمة خطيئة، وتكفيراً، إن كان ثمة تكفير- عاقبةٌ لفعل حازم مقصود. والطبيعة المقصودة للفعل هي ما تُصعّب علينا فهم هذا المسلك البدائيّ؛ فتفكيرنا منتهَك. كما تُصيبنا بالارتباك فكرة انتهاك القانون، عن قصدٍ، والذي يبدو مقدّساً. لكن خطيئة الصَلب ينقضها الكاهنُ المحتفلُ بتضحيةِ العوامّ. ويقع الخطأ في عَمَى مُبدعي المأثُرة حيث يلازمنا التفكيرُ في أنهم لو عرفوا لما ارتكبوها. وبدقّة، ففي الكنيسة يرنّمون بـ "فيلكس كولبا*" ـ الخطأ السعيد! ثمة وجهة نظر تتقبّل ضرورة القصد. فالطقس الدينيّ المُحاكي منسجمٌ مع أعماق الفكر البشريّ البدائيّ لكنه يصطدم بتدوين زائف لدى منطق الشعور المسيحيّ. وسوء فهم قداسة الانتهاك هو أحد أسس المسيحية، حتى لو وصل الإنسان -في ظلّ الوعود إلى ذراها- للمفارقات غير الواردة والتي تُحرّرهم، فتعفو عن القيود كافّةً.   

المقارنة القديمة بين التضحية والوصال الإيروسيّ
صار الانسجامُ الذي أدركه الإنسانُ القديم عديمَ النفعِ من إخفاقه أن يعي طبيعة هذا الانتهاك. إن لم يكن الانتهاك أساسياً فليس بين التضحية وفعل الحبّ مشترك. وإن كان الانتهاك قصدياً فالتضحيةُ فعلٌ مدروسٌ غرضهُ التغييرُ المفاجئ في الضحية. أن يُعدّ المخلوقُ للموتِ. ويُحصَر قبلها في استقلاله الفردانيّ ووجوده المنقطع، كما قلتُ بالمقدّمة. لكن هذا الكائن يُستعاد بالموتِ في وصاله مع كلّ كائن آخر، نحو غياب الشخوص المنفصلة. وفعلُ العنفِ الذي يَحرِمُ المخلوقَ من تفرّدهِ المحدود مانحاً إياه الطبيعةَ اللانهائيةَ واللامحدودةَ للأشياءِ المقدّسة، يترافقُ مع منطقهِ العميقِ القصديّ. فهو قصديٌّ كفعلِ امرئٍ يرقدُ عارياً، يشتهي ويريدُ أن يَخرِقَ ضحيتَه. يسلخُ العاشقُ المعشوقةَ من هُويّتها، ليسَ أقلّ مما يفعلُ كاهنٌ مبقّعٌ بالدمِ مع ضحيتهِ البشريةِ أو الحيوانية. تُسلَب المرأةُ بين يدَيْ مهاجمها من كينونتها. بحيائِها تُضيِّعُ العائقَ الصُلبَ الذي كان يفصلُها سابقاً عن الآخرين مما كان يجعلها منيعةً. فتُطرَح بوَحشيةٍ مفتوحةً لعنفِ الدافعِ الجنسيّ فترتخي أعضاءُ التكاثر؛ تُطرَح مفتوحةً للعنفِ غير المشخّص الذي يسحقُها من دونه. 

الخميس، 23 أبريل 2015

الضحك: جورج باتاي

ترجمة: محمد عيد إبراهيم

1) علينا أن نميّزَ:
- يربط التواصلُ بين كائنَين (ضحكةُ طفل لأمه، المداعبة، إلخ).
Yue Minjun : L'ombre du fou rire
- التواصل، عبر الموت، بما هو وراءنا (أساساً في التضحية) - لا مع العدم، لا يزال أقلّ مع الكائن الخارق، لكن مع حقيقةٍ لا نهائية (تلك التي أدعوها أحياناً المستحيل، وتعني: ما ندركه [نفهمه] بأيّة حال، ما لا نستطيع بلوغه من دون حلحلةِ أنفسنا، ما يُدعَى بخنوعٍ أنهُ الربّ). لو احتجنا فبمقدورنا أن نحدّدَ هذه الحقيقةَ (نربطها مؤقتاً بعنصرٍ محدّد) على مستوىً اجتماعيّ أعلى (أعلى من الفرد بمقياس تكوين الكائنات) أنها المقدّس، الربّ أو الحقيقة المخلوقة. أو يبقى أيضاً بحالة غير محدّدة (في ضحكٍ مألوف، ضحكٍ لا نهائيّ، أو نشوةٍ يذوبُ بها الشكلُ المقدّسُ كالسكّرِ بالماء).

تمضي هذه الحقيقة ما وراء الطبيعة (القابلةِ للتعريفِ إنسانياً) بقدرِ ما هي مُعرَّفةٌ، لا بقدرِ ما تملكُ من تحديدِ فوقَ طبيعيّ.
الاستقلال (مع احترامِ الطبيعة)، صعبُ البلوغ في حالةٍ منتهية، يؤدّي دورَه حين ننكرُ تلك الحالةَ (من دونها لا نتصوّرها)؛ فهي مَحقٌ لشخصٍ يريدها لنفسه أو نفسها. ولا يمكن أن تكونَ حالةً بل لحظةً (لحظةَ ضحكٍ أو نشوةٍ لا نهائيين...). يقعُ المَحقُ –مؤقّتاً- في زمنيةِ تنويرٍ شبيهٍ بالتواصل. 


2) ارتباط القطيعة في الضحك بالتواصل والمعرفة (في الضحك، عذابُ المضحِّي، اللذّة الإيروسية، الشِعر والنشوة)

في الضحك، على نحو خاصّ، ثمة معرفةٌ ممنوحَة للموضوع الشائعِ (وهي تتنوّعُ وِفقاً للأفرادِ محلّ السؤال، الأزمنة والأجناس، لكن لا تأتي الاختلافاتُ في الدرجة، بل فقط في الطبيعة). هذا الموضوع معروفٌ دائماً، لكن عادةً من الخارج. وقد يتطلّبُ تحليلاً صعباً لو جرّبنا معرفتَه الداخليةَ. 
النظامُ الممنوحُ معزولٌ نسبياً، يُدرَك كنظامٍ معزول، مما يمنحه ظرفاً حادثاً يجعلني أدركُ أنهُ مرتبطٌ كلٌّ بآخر (معرّف أو غير معرّف)، ومثلُ هذا التغيير يضحكني من وَقعِ شَرطين: 1/ أنه مفاجئ؛ 2/ أنه لا ينطوي على أيّ كبت.
أتعرّف على عابرٍ كصديق لي...
قد يسقط إلى الأرض كحقيبةٍ: فهو معزولٌ عن نظامِ الأشياءِ بالسقوط...
يدرك أمّه (أو أيّ شخصٍ آخر)، قد يخضع لعَدوَى - يفهم الطفلُ أنها تحبه، فيتحرّك من نظامٍ خارجَه إلى آخرَ شخصيٍّ. 
يأتي الضحكُ بالدغدغة من السابق، فهو الاتصال الحادّ - قطيعة من نظام شخصيّ (بقدرِ ما هو معزولٌ ضِمنه)- وهو عنصرٌ مؤكّد. 
على أيّ حال من المزاح، ثمة نظامٌ ممنوحٌ كأعزلَ يسيلُ، يسقط فجأةً في آخر.
ليس التدهور في الإحساس الصارم ضرورياً. لكن لو عجّلنا بالسقوط، فهو يفيد من جهة المفاجأة؛ بينما معاملة موقف الطفل، مفاجأة التغيّر (سقوط النظامِ الراشدِ -الذي للكبار- في نظامٍ صِبيانيّ) يوجَد دائماً في الضحك. الضحكُ غامرٌ، عموماً، حتى ضحكة الاعتراف في الطفل -التي تستدعي السطر التالي من فرجيل(*) على بالي: ابدأ، يا صغيري، التعرّفَ على ضحكةِ أمك. وفجأةً، يسقطُ ما يسيطر على الطفل في مجاله. وليس هذا تفويضاً بل اندماجٌ. ولا مسألةَ ترحيبٍ بانتصارِ إنسانٍ على أنماط متدهورة، بل حميميةٌ لتواصلٍ عبرها. يأتي الضحك، أساساً، من التواصل. 

الخميس، 15 يناير 2015

لغة الأزهار: جورج باتاي


لوحة لأندريه ماسون من وحي مؤلفات جورج باتاي
عبثاً نرى، في مظهر الأشياء، العلاماتِ البائنةَ التي تسمح للعناصرِ المنوّعة أن تتميّز كلّ عن سواها. إن ما يصدمُ عينَي المرء لا يقرّر معرفةَ العلاقاتِ بين الغاياتِ المنوّعة فقط، بل حالةَ العقل القاطعةَ المفترَضَةَ وعصيّةَ التفسير. فيكشف منظرُ زهرةٍ، وهو حقيقيّ، مثولَ هذا الجزء المحدّد من نبات، لكن يستحيلُ التوقّفُ عند الرصدِ السطحيّ؛ فواقعياً، يستثيرُ منظرُ هذه الزهرة في العقلِ انفعالاتٍ مميّزةً أكثر بكثير، لأن الزهرة تعبّر عن قرار نباتيٍّ مبهَم. بماذا يكشف الترتيبُ ولونُ التوَيج، بماذا تفشي الآثارُ المتّسخةُ لحبّ اللّقاحِ أو طزاجةِ الأعضاء الأنثوية بما نعجزُ أغلبَ الظنّ عن التعبيرِ عنه بنحوٍ كافّ لغوياً؛ فمن العبثِ (كما يحدثُ عامةً) تجاهلُ هذا المثولِ الحقيقيّ عصيّ التفسيرِ ورفضُ محاولاتٍ معينة (بعبثٍ صبيانيّ) للتأويل الرمزيّ. 

ستكون لمعظم التجاورات من لغة الأزهار سمة طارئة وسطحية، قد نتوقّعها قبلما نستشير القائمة التقليدية. لو تقبّلت الهندباء النمو، الأَثَرةَ النرجسيةَ، ولذوعةَ الزهرة الموجعةَ، فسنرى السبب في يُسرٍ أيضاً. لا يتضّح بالموازنةِ هنا التبصّرُ بمعنى الأزهار السريّ، وقد يتبيّن المرءُ الميزاتِ المشهورةَ أو الخرافةَ المقبولة. قد يبحث المرء عبثاً، بالإضافةِ، عن التماثلاتِ التي تنقل بشكل لافتٍ فهماً خفياً للأشياءِ هنا محلّ السؤال. في الحقيقة، ما يهمّ قليلاً أن زهرةَ الحمامة(*) رمزُ الحزن، زهرةَ التنّين(**) رمزُ الرغبة، وزنابقَ الماء رمزُ اللامبالاة... ومن المناسبِ إدراكُ أن مثلَ هذا التقريبِ قد يتكرّرُ في أيّ وقت، وأنه قد يفي بإضفاء أهميةٍ أصلية إلى تأويلاتٍ أبسط، كمَن يربط الوردةَ أو القربيون(***) بالحبّ. ولا ترمزُ هاتين الزهرتين وحدهما، من دون ريب، للحبّ البشريّ ـ وإن كان التوافق منضبطاً أكثر (كما يقول صاحبُ القربيون: "أنتِ التي أيقظتِ حبي"، فيضطربَ بتبليغهِ هذه الزهرةَ الظليلة)، وهو مع الأزهار عامةً، وليس لأيّ زهرةٍ محدّدة، فُتنَت بأن تتّسمَ بميزةِ الغرابة في كشفِ مثولِ الحبّ. 
يبدو هذا التأويلُ غيرَ مفاجئ: فالحبّ في الحقيقة قد يُطرَح من البدايةِ كوظيفةٍ طبيعية للزهرة. لهذا فإن سِمتَه الرمزيةَ وافيةٌ، حتى هنا، كميزةٍ مستقلّةٍ، لا من مظهَرٍ يصدم الحساسيةَ البشريةَ في غموض. وقد يكون ذا قيمةٍ موضوعيةٍ محضة. قد يربطُ الناس بين بريق الأزهار وانفعالاتهم الغرامية، فهو، من الجانبين، بمثابة الظاهرةِ التي تسبق الإخصابَ. من ناحيةٍ أخرى، قد يعزّز الدورُ الممنوح للرموز بتأويلات التحليلِ النفسيّ، تفسيراً من ذلك النمط. وهو نمط في الحقيقة، دائماً، تقريباً، من التوازي العرَضيّ يعلّلُ أصلَ استبدالاتِ الأحلام. ضمنَ أشياءٍ أخرى، نرى القيمةَ المعطاةَ لتشيرَ أو تستوعبَ الأهدافَ معروفةٌ على نحوٍ لائق.   
هكذا ينبذ المرءُ سريعاً الرأي القائلَ بأن الأشكالَ السطحيةَ، إن كانت مغويةً أو مفزعةً، فهي تكشفُ حلولاً معينةً مصيريةً للظواهرِ كافّةً، تلك التي تضخّمها الحلولُ البشرية. وهنالك سببٌ معقول لصرفِ النظر عن إمكان استبدالِ الكلمة بـ المظهر كعنصر للتحليل الفلسفيّ. سيكون من اليسيرِ تبيانُ أن الكلمةَ تسمحُ للمرءِ بتأملِ سماتِ الأشياء التي تقرّر موقفاً نسبياً، بمعنىً آخر الميزات التي تجيزُ فعلاً خارجياً. مع أن المظهر قد يعرِضُ هذه القيمَ الفاصلةَ للأشياء...  

الأحد، 28 ديسمبر 2014

فان غوغ بروميثيوس: جورج باتاي


ترجمة: رويدة سالم
مراجعة: محمد أسليم

كيف تبدو وجوه طاغية بقوة إقناع مطمئنة؟ كيف تتألق فجأة أشكال منبثقة من حقل الفوضى ذات الإمكانات اللامحدودة تألقاً لا يترك أي مجال للشكّ؟ يبدو هذا للأغلبية مستقلاًّ عن تصاعد صخب الحشود. لا وجود لأية حقيقة يمكن تقبّلها بهدوء. إن معنى لوحة فنية لا يمكن بأي حال أن يعتمد، بالنسبة لشخص استوقفته هذه اللوحة يوماً في تأمّل مطوّل، على تقبّل شخص آخر لها.

من المؤكد أن وجهة النظر هذه هي نفي لكلّ ما يمكن أن ينبثق بديهياًّ أمام لوحات معروضة؛ فكل زائر يبحث عن الحكم الذي ينتظره الآخرون أكثر من بحثه عمّا يحبّه هو. ولكن لا معنى للإصرار على البؤس الذي يغرق فيه كل شخص يشاهد أو يقرأ. بعيداً عن هذه الحدود السخيفة للحياة التي ترسمها العادات الحالية لصالح الهرج عديم القيمة، كالهرج الذي تثيره لوحات الفنان فان غوغ واسمه، يمكن فتح عالم لا ينتمي لهذا أو ذاك، عالم يُبعد الحشود بمكر، وهو عالمنا نحن، عالم كائن إنسانيّ قادر على التخلّص بحركة سعيدة من معطفه الشتوي المغبر الثقيل عندما يحلّ الربيع.

لن يستطيع مثل هذا الكائن الذي تخلّص من معطفه وانساق مع الحشود ببراءة - أكثر مما انساق معها باحتقار- أن يشاهد لوحات فان غوغ التراجيدية، دون أن تثير فيه مشاعر الرعب، وهي لوحات تشبه الكثير من العلامات المؤلمة التي تصوّرُ الأثر الملموس لحياة هذا الفنان، ولكن هذا الكائن نفسه يستطيع في المقابل أن يشعر بالعظمة التي يمثّلها فان غوغ ليس في حد ذاته، فهو لا شيء، إنه لا زال يرزح تحت ثقل البؤس العام في كل لحظة - ليس في ذاته فقط، ولكن أيضا في ما يحمله في عريه، والآمال اللامتناهية للكائن البشري الذي يريد أن يحيا وأن يخلّص الأرض إن لزم الأمر من سلطة من قد لا يشبهه؛ وهو مشبع بهذه العظمة المقبلة كليّاً، تحوّل الرعب الذي كان يشعر به في داخله إلى رعب هزلي - هزلي حتى في الأذن والبيت المغلق وانتحار «فانسون»: ألم يجعل هذا الرسام من التراجيديا الإنسانية الموضوع الوحيد لحياته كلّها، سواء حينما يبكي أو يضحك أو يحبّ أو خاصة حينما يناضل.

الأربعاء، 22 أكتوبر 2014

إصبع القدم الكبير: جورج باتاي



إصبع القدم الكبير هو أكثر جزء إنسانيّ بالجسم الإنسانيّ، حيث لا يتميّز عنصر آخر من هذا الجسم عن العنصر المماثل للقرد شبيه الإنسان (الشمبانزيّ، الغوريلاّ، أو إنسان الغاب). يعود هذا لحقيقة أن القرد يسكن الشجر، بينما يتحرّك الإنسان بالأرض دون أن يتشبّث بالأغصان، فقد صار بنفسه شجرة، وبمعنىً آخر، رفع نفسه منتصباً في الهواء كالشجرة، كما أنه الأجمل لياقةً في انتصابه. بالإضافة، تتأسّس وظيفة قدم الإنسان في أنها تمنحه وظيفةً ثابتةً للانتصاب الذي يتباهى به الإنسان (وضِعَ إصبع القدم الكبير، وقد كفّ عن التعلّق بالأغصان، للأرض، كأصابع أية قدم أخرى، على الكوكب نفسه).    
لكن أياً كان الدور الذي لعبه الإنسان في الانتصاب مع قدمه، برأسه الخفيف، بمعنىً آخر رأسه المرفوع للسماوات، وكلّ ما هو سماوِيٌّ، فهي تراه بصقةً، بذريعة أن قدمه تغوص في الوحل.    
مع أن الدم يدفقُ ضمنَ الجسم بمقاديرَ متعادلةٍ من أعلى لأسفل ومن أسفل لأعلى، نجد محاباةً لصالح ما يرفعُ نفسَه، وتبدو حياة الإنسان خطأً كأنها لارتفاع. إن تقسيم الكون إلى جحيم تحت أرضيّ وجنان تامّة طاهرة لَمفهومٌ يتعذّر محوه، فالوحلُ والظلمةُ قاعدتا الشرّ بينما النورُ والفضاءُ العلويّ قاعدتا الخير: بأقدامهم في الوحلِ وأرؤسهم أكثر أو أقلّ في النور، يتخيّل الناس في عنادٍ مداً وجزراً يرفعهم دائماً، وما من عودة، إلى فضاء طاهر. وتستلزم حياة الإنسان، في الحقيقة، رغبته أن يرى نفسه في حركة آيبة ذاهبة من الرفض إلى المثال، ومن المثال إلى الرفض ـ رغبة تتّجه في يُسرٍ ضدّ عضو خسيس كالقدم.  
تخضع القدم البشرية عموماً لعذابات خيالية تشوّهها، وتجعلها كَسِيحةً. وقدَرُها أن تُصابَ في خبَلٍ بالمِسمار والجَسأة والوَكْعة(*)، ولو وضع المرء بحُسبانه تقلّباتِ العبارة التي تختفي الآن، في أقصى فُحشٍ مقزّز: كتعبيرُ القرويّ "يداها متّسختان كقدمَيها"، لأدرك أنه في القرن السابع عشر، فلم يعد حقيقياً ذلك الوعي الجمعيّ الكليّ.  

الأربعاء، 1 أكتوبر 2014

المقدّس: جورج باتاي


حانت اللحظة لتحديد العنصر الحاسم نحو ما يتوجّه له البحث الغامض والملتبس، عبر انعطافات إبداع الأشكال أو الابتكارات اللفظية. لم يهجس "المطلب" الكبير، طبعاً، لمنح الفقراء اسم "الروح العصرية" ببساطة "كأس" كأنه "الجميل"؛ ليبعد نفسه بالريبة، بريبة مدّعاة أحياناً، من الطرق المفضية إلى "الحقيقيّ"، فتتبدّى عن "الخيّر" مشاعر مريبة، ماضية من تواضع عميق إلى حِنقٍ مُهين، من توكيد إلى نفي قاطع على حدّ سواء. أما شروط البحث، من جانب آخر، فملتبسة وتنحلّ سمة الهدف غير المحدودة كي تتحقّق. يحمل العذاب الطويل والعنف الحادّ وحدهما شهادةً على أهمية جوهرية للحياة لأجل هذا "المطلب" وغايته عصيّة التحديد.  

الخميس، 11 سبتمبر 2014

الشَرَج الشمسيّ: جورج باتاي


ورقة بخط يد جورج باتاي تحمل مقطع من الشرج الشمسي
واضح أن العالمَ محضُ محاكاةٍ، بمعنىً آخر، كلّ ما هو مرئيٌّ محاكاةٌ لآخر، أو هو الشيء ذاته بشكل مخادع. 
منذ أن بدأت الجُمل "تدور" في العقول وِقفاً على استنباطها، ينتهي الجهد بتماثله الكليّ، بمعونةٍ من فعلِ الربطِ تربطُ الجُملةُ شيئاً بآخر؛ وتتّصل الأشياء كلها مرئيةً لو اكتشف المرء بلمحة واحدة وإجمالاً تقفّيه آثار خيط آريادني(*) الذي يقود الفكرة في متاهتها.  
لكن فعل ربط التعابير ليس أقلّ توتّراً من وِصال الأجسام. وحين أصرخ "أنا الشمس"، ينتج انتصاب كليّ، ففعل يكون ليس غير عربة لسُعار شهوانيّ.

يعي كلّ امرئ أن الحياة محاكاة ولهذا يعوزها التأويل.
ولهذا فالرصاص محاكاة للذهب.
الهواء محاكاة للماء.
العقل محاكاة لخطّ الاستواء.
الجِماع محاكاة للجريمة.

وقد نقدّم الذهب، الماء، خطّ الاستواء، أو الجِماع، كمبدأ الأشياء.    
وإن كان مبدأ الأشياء لا يماثل أرضية الكوكب الذي يبدو أنه القاعدة، بل يماثل الحركة الدائرية التي يصفها الكوكب حول مركز متحرّك، لأمكن قبول السيارة، الساعة، أو آلة الخياطة كمبدأ مولّد للحركة على التساوي.
هاتان الحركتان البدئيتان في تعاقب وحركة جنسية، وقد نعبّر عن دمجهما بعجلات ومكابس القاطرة.
هاتان الحركتان متحوّلتان بالتبادل، أحدهما ضمن الآخر.
ولهذا يلحظ المرء أن الأرض، بدورانها، تحضّ الإنس والحيوان على الجِماع، و(لأن النتيجة كالسبب فهي التي تستحثّه) فإن الإنس والحيوان هما ما يجعلان الأرض تدور بما يمارسانه من جِماع.  
إنه الدمج أو التحوّل الآليّ لمثل هذه الحركات التي كان ينشُدها الخيميائيون كحجر الفلاسفة.
وذلك عبر استعمال هذا الدمج القيّم بصورته السحرية التي قد تحدّد للمرء الوضعية الآنية للإنس وسط العناصر.

إن حذاء مهجوراً، سنّاً عفنة، أنفاً أفطس، طبّاخاً يبصق في حساء أسياده، هي للحبّ في مقام راية معركة أمام استقلال أمة.
إن مظلّة، شخصاً ستينياً، طالباً لاهوتياً، رائحةَ بيض فاسد، عينَي قاضٍ فارغتَين، هي الجذور التي تُقِيتُ الحبّ. 
وكلب يفترس معدة إوزة، سكران يقيء على امرأة، محاسب باكٍ، مرطبان خردل، يمثّل الفوضى التي تخدم عربة الحبّ.

يجد امرؤ نفسَه بين آخرين فيُصيبه التوتّر إذ لا يعرف لِمَ لا يكون من بين الآخرين.
في الفِراش لِصقَ فتاةٍ يحبها، ينسى أنه لا يعرف لِمَ لا يستبدل نفسه بالجسم الذي يلمسه.
من دون أن يعرف، يعاني من عتمة ذهنية تمنعه من الصراخ فهو نفسُه الفتاة التي تنسى وجوده وهي ترجُف بين ذراعيه.
يذهلُ الحبّ، أو الهياج الصبيانيّ، أو خُيلاء امرأة غنيّة قروية، أو إباحية كهنوتية، أو ماس سوبرانو، أفراداً منسيين في شُقق مُغبّرَة. 
يحاولون كثيراً السعي كلٌ لملاقاةِ الآخر؛ لن يجدوا إلا صوراً محاكية، فيكون عليهم أن يروحوا في النوم فارغين كالمرايا.

الفتاة الغائبة الخاملة التي تعلَقُ من دون أحلامٍ بذراعَيّ لم تعد غريبة عني أكثر من الباب أو الشبّاك الذي قد أتطلّع منه أو أعبر.
أستعيد كشف اللامبالاة (سامحاً لها أن تغادرني) حين أروح في النوم، لعجزي أن أحبّ ما يحدث.
يستحيل أن تعرفَ مَن ستُعيد كشفَه حين أحضنُها، فهي تُحرِزُ بعناد نسياناً مكتملاً.  
توصِّفُ الأنظمةُ السيّارةُ التي تتقلّب في الفضاء كأقراص خاطفة، والتي تتحرّك مراكزها أيضاً، في دائرةٍ أكبر بلا حدود، تتحرّك باطّراد بعيداً عن موضعها كي ترتدّ إليه، فتستكمل تعاقبها. 
الحركة شكلٌ من الحبّ، العاجز عن التوقّف عند كائن معيّن، والمارّ خاطفاً من أحد إلى آخر.
لكن النسيان الذي يقرّره بهذه الطريقة ليس غير ذريعة للذكريات.

ينهض امرؤ فظّاً كشبحٍ من كَفَن ثم يسقط بالطريقة ذاتها.
ينهضُ بضعَ ساعاتٍ مِن ثَمّ يسقط ثانية، يحدث الشيء ذاته كلّ يوم؛ فينتظم مثل هذا الجِماع العظيم مع الهواء السماويّ بالتعاقب الأرضيّ حول الشمس.
وهو لهذا يتحرّك عبر حياة أرضية بإيقاع من هذا التعاقب، لكن الرمح الذّكَرِيّ يخترق الأنثويّ منبعثاً كلّه تقريباً، ليُعيدَ الولوج.   

يبدو أن الحبّ والحياة منفصلان، لأن كلّ ما على الأرض يتحطّم منفصلاً بتردّدات أماكن وأزمان متنوّعة.
عموماً، ما من تردّدات غير موحدّة بحركة دائرية مواظِبة؛ وبالطريقة ذاتها فأيّ دوران سيّار على سطح الأرض هو صورة من تحوّلٍ مواظِب. 

تموتُ الكائناتُ فقط لتولَد، بسلوكِ قضيبٍ يترك أجساماً كي يلِجَها.
تشطأُ النباتاتُ باتّجاه الشمس من ثَمّ تنهار باتّجاه الأرض.
تنتصب الأشجار في الأرض بكَمٍّ شاسعٍ من رماحٍ مزهرةٍ ناهضةٍ إلى الشمس.
الأشجار التي تتعفّن، ينتهي مآلها إلى الحَرقِ بالبَرقِ، تُقَشَّر أو تُجَزّ من الجذور. بعودتها إلى الأرض، ترتدّ ثانيةً بشكل آخر. 
لكن جِماعَها متلوّنَ الشكل وظيفةٌ من دورانها الأرضيّ المطّرد.

والصورة الأبسط للحياة العضوية المتّحدة بالدوران هي في المدّ والجزر.
من حركة البحر، جِماعٌ مطّردٌ للأرض مع القمر، فيهلّ الجِماع العضويّ متلوّنُ الشكل للأرض مع الشمس. 


لكن الشكلَ البدئيّ للحبّ الشمسيّ هو غيمةٌ ترقأ فوق عنصرِ السائل.
وقد تصبح الغيمة الحسيّة عاصفةً أحياناً فتسقط عائدة إلى الأرض في شكل المطر، بينما يهشّم البرق طبقات الهواء.
يرقأ المطر للتوّ ثانيةً بشكلِ نباتٍ وطيد. 

رسم لأندريه ماصون رافق نص الشرج الشمسي في النشر الأول
تأتي حياة الحيوان إجمالاً من حركة البحار، وضمن الأجسام، تواظب الحياة هلّتها من مياهٍ مالحة.
يلعبُ البحر، إذن، دور العضو الأنثويّ الذي يسيلُ تحتَ هياج القضيب. 
ويرتهزُ البحر على الدوام.
عناصر صُلبة، مشمولة ومُخمّرة في ماء تفعمه الحيوية من حركة حسيّة، فتقذِفُ في شكل أسماك طائرة.  
الانتصابُ والشمسُ فاضحةٌ، بطريقةِ الجيفة ذاتها وعتمةِ السراديب. 
حياة النبات متّجهةٌ باطّراد إلى الشمس؛ أما كائنات البشر، من جانب آخر، فمع أنها مثيلة القضيب كالأشجار، إلا أنها في تعارض مع الحيوانات الأخرى، وتُشيح بالضرورة أعينها. 
لا تُطِيقُ أعينُ البشر الشمسَ، الجِماعَ، الجيفَ، ولا الغموضَ، لكن بردودِ فعلٍ مختلفة. 

حين يتورّد وجهي بالدم، يحمرُّ فاحشاً. 
يُغرِّرُ في الوقت نفسِه، عبر استبطانات رهيبة، بانتصابٍ دمويٍّ وعطشٍ متطلّبٍ للبذاءة وفسوقٍ جنائيّ.  
ولهذا لا أخشى توكيدَ أن وجهي فضيحة وأن أهوائي يُعبِّر عنها Jesuve المفدَّى(**).   
إن الكون الأرضيّ مغطّىً بالبراكين، وقد تفيدُ كأنها شَرَجه.
مع أن الكونَ لا يأكلُ شيئاً، إلا أنه يقذفُ بعنفٍ مشتملاتِ أحشائه.
وتنطلق هذه المشتملات بضجيجٍ ثم ترتدّ، صارخةً على جانبَيْ المفدَّى، فتُفشي الموت والفزع من كلّ ناحية. 

حركات الأرض الحسيّة، في الحقيقة، غيرُ مُخصِبةٍ كتلك التي للماء، لكنها خاطفة في سرعة بالغة. 
ترتهزُ الأرض أحياناً في سُعار، وينهارُ كلّ شيء على ظهره. 

المفدَّى إذن صورة حركة حسيّة لنهب الأفكار الواردة من العقل، يمنحها قوة اندلاع فاضح. 

وتتراكم هذه القوة المندلعة حتماً في مَن هُم واقعون أسفلها.   
يبدو العمّال الشيوعيون للبرجوازيين بَشِعين قَذِرين كأعضاءٍ جنسيةٍ مُشعِرة، أو أجزاء سفليّة؛ وسيصبحون عاجلاً أو آجلاً اندلاعاً فاضحاً في طبقاتِ أرؤسِ البورجوازيين النبيلةِ عديمةِ الجنس حين تُقطَف. 

لا تمارسُ الكوارث والثورات والبراكين الحبَّ مع النجوم. 
يستعدي الثائر الحسيّ والوقيد البركانيّ السماوات.
كما في حالة الحبّ البركانيّ، يقعان في ما وراء قيودِ الخصوبة.  
إزاء الخصوبة السماوية هناك كوارث أرضية، صورة الحبّ الأرضيّ من دون شرط، الانتصاب من دون إفلات ودون قاعدة، أو فضيحة، أو فزع.

يصرخ الحبّ في حلقي، إذن؛ أنا المفدَّى، المحاكاةَ البذيئةَ للشمسِ العمياءِ الحارقة.
أريد أن أشقّ حلقي وأنا أنتهكُ الفتاةَ التي أستطيع أن أقولَ لها: أنتِ الليل.  
الشمسُ تحبّ الليل حصرياً لتوجّهَ عنفَه المستنيرَ، رُمحَه الخسيسَ، إلى الأرضِ، لكنها تعجز عن الوصول إلى النظرة أو الليل، مع أن الأرضيّ الليليّ يُفسِحُ قِمّتَه على الدوام جهةَ بذاءةِ الشعاع الشمسيّ. 

الشَرَجُ الشمسيّ هو شَرَجُ جسمِها البِكر في الثامنةِ عشرة ولا يُقارَن به أيّ عَماءٍ كافٍ عدا الشمس، وإن كان الشَرَجُ هو الليل.     




Ariadne: ابنة مينوس، ملك كريت، ولها علاقة بالمتاهات، فقد ساعدت ثيسيوس، مؤسس أثينا الأسطوريّ، للتخلص من المونيتور، نصفه إنسان ونصفه ثور. وقيل هي عروس ديونيزيوس. (م)           
** Jesuve: كلمة من اختراع باتاي، بالفرنسية، تحتمل عدّة معانٍ، فهو يلعب على الكلمة: JeSuve (أنا/ بركان)، وهناك من يربطها بالسيد المسيح Jesus، وأميل للأخيرة، حيث يتعلّق معناها هنا بالتضحية والفداء. (م)   

نشر حصري للمدونة