‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات لباحثين عرب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات لباحثين عرب. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 25 مارس 2016

حاشية عن الإستيطيقيّة الأيروسية لدى جورج باتاي: محمد بن حمّودة




يستهل جورج باتاي الكتاب الذي اجتزأنا منه النص الذي بين أيدينا (الحاشية قراءة لـ "الإيروسيّة: إقرار الحياة حتى الموت" لجورج باتاي ترجمة محمد علي اليوسفي) بما يلي: «يمكن القول عن الإيروسيّة إنها إقرار الحياة حتى الموت». وهذا الإفراط في الالتزام يقوم دليلاً أكيداً على الطبيعة الإستطيقيّة  للإيروسيّة. إذ من البين أن للإيروسية صلة عضويّة بالآخر الألوهيّ كما حدّث عنه إتيان سوريو. على النقيض من الدور الذي يضطلع به "الغير" (Autrui)، يجزم سوريو أن الآخر الألوهيّ لا يمكن أن ينبثق دون أن يربك نظام حساسية الأفراد. وإن شئنا الدقّة فسنجد أن تماثلهما حاصل أساساً على مستوى اشتراكهما في استحداث المباشرة على مستوى التأثّرية. فعالم الألوهيّ هو، كما يذكر باتاي ذلك في الفقرة السادسة من كتابه الموسوم "نظرية الدين"، هو عالم العدوى، ثم إن عدواه خطيرة ولا حدّ لها لأنّها تقوم على نسف كلّ الحدود. وإذا كانت الإنسانية، لا الحيوانية هي الذي تحِنُّ إلى عالم الألوهيّ، فذلك لأن الإنسانية ترفض وضع الكمون (L’immanence) ولا تقبل أن تكون من جملة العالم. ولذلك ينتهي باتاي إلى صياغة نقيضة الوجود الإنساني كما يلي:

«ولو كان الإنسان يستسلم للمحايثة بلا تحفظ لكان من شأنه أن يخفق في الإنسانية، لن يكملها إلاّ ليفقدها ومع مرور الزمن تعود الحياة إلى الحميمية الخالية من التيقظ كما لدى الحيوانات. أما المشكلة الملحة التي تطرحها استحالة الوجود الإنساني من دون أن يكون الإنسان شيئاً، واستحالة إفلاته من حدود الأشياء من دون العودة إلى النوم الحيواني، فإنها تجد حلها المحدود في الاحتفال بالعيد.»(1)*

“The Unveiling” by Conor Harrington
من منظور باتاي الحفل، بوصفه إحدى تجليات وفاعليات الإيروسيّة، يسمح للإنسان بأن يتخلّص من الثبات الحيواني دون أن يتشيّأ مع ذلك وينتهي إلى المصادرة على برّانية الطّبيعة. ولذلك كان أوّل الاقتضاءات الملازمة للإيروسيّة هو مواجهة الرّعب اللازم لتقرير الوجود: رعب الجملة المحسوسة وما يلازمها من ذوبان، منتظم للشخصيّة. ومعلوم أن الجملة المحسوسة لا ناموس لها إلاّ قانون الأكثر والأقلّ. ولذلك جزم بلانشو أن «الأكثر (Le trop) هو التجربة»(2). ذلك أن الذّوبان المذكور يرضي احتياجات نفسيّة مباشرة، ويرضي علاوة على ذلك نوعاً من البناء المعماريّ الرّوحي الذي تستنكف من منظوره الذّات أن ترتاح في الوحدة الموحّدة وتطلب، في القابل، الوحدة المسرفة في التّأكيد. وبسبب من إسرافها التوكيديّ تحديداً تتلاءم خبرة الأكثر مع إحساس بالثّراء والثروة والتّبذير الكريم والذي يحيل على شتّى التوافقات والمنطلقة باستمرار من البصر إلى السّمع، ومن الذهن إلى الإحساس التي تجعل ملكات الجسد وكأنّها تتبادل الأصداء لتجربة خسوف الجسد وطرق انطلاقه. وهو ما يقوم دليلاً على أن التجربة الإيروسيّة، من حيث أنّها تجربة حسّية، هي دائماً تجربة-حدّ و ذلك لتعارضها الجذريّ مع المطلب الأوّل للرّأي، ألا وهو «الراحة في الوحدة». هكذا تمسكاً بفرط المعلومية الملازمة لخبرة الأكثر تذعن-الإيروسية لاستحالة تذويت اللذّة (L’impossibilité de subjectiver la jouissance) ولتعارضها مع خبرة العبْر ذاتية. وفعلاً، فلفرط  تمسّك باتاي بالعلاقة الإستطيقية مع الوجود، فإنّه لم يكن لكتاباته من غرض آخر تتأمّله وتُمحِّصُه خارج مسألتي اللاّانقسام والتّعدّد، عُنْصُرَيْ النّظرة الإستطيقيّة للعالم. ومنه اختلاف اقتصاد الموت ضمن التجربة الإيروسيّة عنه ضمن التجربة النّظريّة. فإذا كان الموت كما ورد ذكره في نصّ هيغل عن فرط المعلومية غايته موت الذات بإزاء الطبيعة، فإن خبرة الموت كما يبلورها نص باتاي هي، على النّقيض من ذلك موت بإزاء الذات. وعلى هذا الأساس كان بالإمكان القول إن شرط الإيروسيّة الأوّل هو رفض الانفصالية والتمسّك بالتعدّد على اعتبار أنه التجلّي غير المنفصل. وهو ما يحيل على القول بمصادرة مناقضة للمصادرة الفلسفية المقابلة لها: فإذا كانت الفلسفة تعتبر أنّ السيادة، من حيث أنّها كمال، هي من باب المعاني لا من باب المباشر(3)، فإنّ الخبرة الحسيّة عموماً، والإيروسيّة خصوصاً، تنطلق من المصادرة المناقضة. ومنه توكيدها لإمكانية خبرة سيادية لا تقول ببرّانية الطبيعة. وفي ذلك كان باتاي يستعيد لحسابه التمييز النيتشويّ الخطير بين السيادة (Souveraineté) والسيطرة (Maîtrise  ) [ومنه عقم كل الحديث الذي تردّد عن صلة نيتشه بالنازية. وإذا كان لا بدّ من التجنّي على فيلسوف لتبرير "الجحيم الاجتماعي"، من حيث هو كذلك، فإن اتهام تصور السيد الهيغلي أقرب لنوعٍ من الصلاحية، وهو المؤمن بقيم السّيطرة ومرتهن باعتراف الآخرين به]. وحين ننظر للمسألة فقط من زاوية النظر والتي تعنينا -سواء ضمن الكتاب برمّته، أو في حدود ما تسمح به علاقة التلاصق (La Contiguïté) الذي نقيمها مع نص باتاي من خلال الحاشية التي نحن بصددها-فإننا سنلاحظ أنه في وقت أراد فيه أن يعالج كل القضايا ضمن الشرط الإستطيقي (La condition esthétique)(2)، فإن هيغل جعل من الشرط التّاريخي الأفق الذي تُسْتَمَدُّ منه البداهة الأسمى. بل إن إقباله على الفلسفة وتوثينه لقدرة العقل على فهم العالم والوجود، يُمَثِّل في جزء منه ردّ فعل على الرعب الملازم لتقرير الوجود كما خبره هو شخصياً وكما أخبر عنه في أكثر من موضع.

الخميس، 28 يناير 2016

من الأخلاق إلى فائض الأخلاق: فرج الحوار




ترجمة محمد العرابي                                             

                                                                
«وحدها "شُعبةٌ ملعونة" كانت من نصيب؟، من حظي؟، في حياة إنسانية، بالمعنى الأكثر امتلاء (...) "الشُّعبةُ الملعونة"، هي تلك الخاصة باللعب، وبالمصادفة، وبالخطر. إنها أيضاً تلك الخاصة بالسيادة»
جورج باتاي، الأدب والشر، ص 25.


1-   العقل والإلهي
   توجد مسألة الشرّ في قلب أعمال جورج باتاي. وقد نجد أثر هذه المسألة مبثوثاً في أعمال روائية، مثلما في
Olivier de Sagazan Peinture
دراسات للكاتب. ومن المفيد أن نضيف في هذا المعنى أنه فضلاً عن مجموع المقالات الموسومة بـ "الأدب والشر" فقد عالج جورج باتاي إشكالية الشر في سلسلة من المحاضرات والمقالات، نذكر أهمها: "الشرُّ في الأفلاطونية وفي السادية"(1)، "ساد والأخلاق"(2)، "نقاش حول الخطيئة"(3)، "المقدس في القرن العشرين"(4)، "أخلاق ميلِّر"(5)، وأخيراً "في العلاقة بين الإلهي والشر"(6).
   في أصل التعارض خير / شر يوجد، حسب باتاي، التعارض مادة / نفس، حتى لو «لم نصرح عامة بأن المادة هي الشر وأن النفس هي الخير»(7). لكن من الصحيح بالمقابل أن «الديانات الكبرى تتفق على إعطاء المادة معنى الشرّ والنفس معنى الخير »(8). هذا التعارض الذي يعتبره البعض ساذجاً يتحكم فيه مفهوم أفلاطون الذي عرضه في مؤلفه عن الأخلاق، والذي يفيد ما يلي: «إن الخير ليس هو النفْس، ولا هو الفكرة، ولا العقل، إنه سلطة العقل؛ وعليه، فسيكون الشرّ هو العقل الخاضع للمادة، وهو إذا تعلق الأمر بالأخلاق، العقلُ الخاضع للأهواء. وبذلك نشهد بداية الشرّ مع رجحان كفة الأهواء على العقل»(9).
   وفي مقابل هذا المبدأ الأفلاطوني الذي بموجبه يكمن الشرّ «في تحكم الأهواء في العقل»(10)، تضع الأخلاق السادية [نسبة إلى ساد] المبدأ الشرطيَّ المتمثلَ في أن الشرَّ يكمن «في تحكم العقل في الأهواء»(11). وعلى هذا الأساس يُدين كاتب "الفلسفة في صالون السيّدات". ويعتبر هذا العمل «عموماً تمجيداً للقتل»(12)، ولقسوة عقوبة الإعدام بدعوى «استحالة أن يتمكن القانون من الحصول على نفس الامتياز [الذي للأهواء]، لأن القانون، البارد من ذاته، لا يستطيع أن يكون مشرعاً على الأهواء التي يمكنها أن تبرر للإنسان الفعل الوحشي للقتل»(13).
   التعارض غير القابل للاختزال لهذين المبدأين هو أصل المأزق الّذي يواجهه الإنسان بدون هوادة والمتمثل في ما يلي: «إن السيادة، أي الكلمة الأخيرة، تنتمي إلى العقل –الذي يمكِّن من تصور الزمن الآتي–أو تنتمي إلى الأهواء– التي ليس لها من أفق آخر سوى اللحظة الراهنة»(14).
   في الرؤية الدينية، «الخير هو الله (...) والأخلاق هي حُكمه»، أمّا في الرؤية المناقضة، فإن الأخلاق تتحكم فيها "القيمة العقلية للفعل" وحدها. لكن إذا أدرك الموتُ الله، فإن الأخلاق ستجد نفسها حتماً قد جرّدت من مبرر وجودها، و«القواعد الأخلاقية التي نخضع لها» تفقد معناها. حينها لا يتبقى لنا إلا أن نقبل بالمبدأ العقلي القبلي، بأن الإنسان مرغم على «اصطناع الخير غايته حالة من الأشياء المستحبة» لاسيما وأن «كل الناس متفقون على حقيقة أن هذه الحالة تستحق أن يُسعى وراءها»(15). فقط علينا أن نقبل فضلاً عن ذلك بأن هذه الفرضية، التي تجعل «البحث عن توافق لاحق ومشترك» و«البحث عن اللذة الراهنة والخاصة» يدخلان في تنافس بينهما، لن تكون مضمونة من طرف الجميع. وسيكون هناك دائماً شخص «لا تتوفر فيه فضيلة الصبر»(16)، ولن يتم إدانته، وليس مقبولا أن يتم معاقبته على خلفية موقفه.
   هاهنا يكمن الدليل على «أن الخير لا يمكن أن يكون حافزاً للتصرف وفقاً للعقل، لأن العقل ليس له من شيء في ذاته يمكنه أن يتجاوز الموافقة»(17)، ولا أن يستدعي "العقل الإلهي". وعليه فإن كان الله مات، فقد دفع هذا إلى افتراض أن موته راجع «إلى كونه كائناً من عقل»(18). بكلمات أدق: موت الله راجع بشكل رئيسي إلى كون «سيادته أعلنت عن التحكم في الأهواء بواسطة العقل. وجعلها اللحظة خاضعةً وتابعةً للمستقبل. فيما العقل في ذاته كان هو الهوى الأصيل، والمستقبل، واللحظة الحقيقية»(19). فضلاً عن ذلك فإن مفهوم الله المرتكز على المبدأ القائل بأن «العقل إلهي، وبأن «الجوهر الإلهي عقلاني»(20) يصبح للأسباب التي سبقت، غير مقبول بالكامل.
   معنى ذلك أن الحجة الإلهية لا يمكن أن تدرك نفسها بطريقة أخرى إلاّ باعتبارها كياناً عقلياً. الفرضية القائمة حول إله لا يعتبر تجسيداً للعقل هي أكثر عبثية من القول بأنه «نتيجة خارقة للجهل الإنساني»(21). إنّ هذا الجهل الأساسي هو الّذي يمنع من التعرف، «في غمرة الليل، على الكتلة الصامتة، المتهدِّدة، وغير المفهومة»(22)، أي بعبارة أخرى ما يسميه باتاي في مكان آخر "الشّعبةُ الملعونة". وعليه، فإن الإله الذي كان في الأصل يتطابق مع "أخلاق العقاب"، يعطى معنى لغير المفهوم بمطابقته مع المنع. فقط غير المفهوم يبقى شاملاً، تماماً ككلب مسعور يضع صاحبه «طوقاً حول رقبته»(23).
   إذا كان علينا إذن أن نقبل بأن الإله ليس «شيئاً بدون الأخلاق»، فيتوجب علينا أن نقبل أيضاً «أن الحديث عن أخلاق بدون عقاب قائم على توافق الهوى غير المبرر مع العقل، ليس حديثاً عن الأخلاق، ولكن عن حساب»(24). والخلاصة التي تنتج عن كل ما سبق تتمثّل في ما يلي: «إن الأخلاق لا تبدأ إلا إذا تم تغيير وجه العقل نفسه، على شاكلة غضب من ألوهية، ومن هوى غير مبررَين لكنهما خاضعان مع ذلك لقوانينه»(25).
   في هذه الحالة، سيغدو ممكناً القبول بأن «احتدام الأهواء سيكون هو الخير، الذي لا يمكن أبداً أن يكون تابعاً لبرودة القوانين النفعية، وبأن القوانين قد وضعت لتخدم الإنسان»(26). بالاستناد إلى هذه الأطروحة، يقدم باتاي الحجة التالية: «منذ اللحظة التي لا يعود فيها العقل إلهياً، لا يعود هناك ثمة إله»(27)، ومنذ اللحظة التي لا يعود هناك ثمة إله، يصبح كل شيء ممكناً.
   في محاضرة تعالج نفس المسألة [أخلاق أفلاطونية وأخلاق سادية]، يدقق باتاي بهذا الخصوص: «إذا نجحنا في فك الارتباط بين الأخلاق والإلهي، وبالضبط لو نجحنا في فك ارتباط العقل مع الإلهي، فإن التوافق العميق يكون قد رسا، ويكون الغضب الأخلاقي قد تم التخلص منه بشكل حاسم». النتيجة الحتمية لهذه «الوضعية المفتوحة بشكل كامل، والجديدة بشكل كامل» هي أن الناس سيفقدون المعنى والغاية اللّذين من أجلهما يتصرفون. «لا نعود نعرف حقيقة الأمر، يضيف باتاي، حينما نقول بأن شيئاً ما هو خير ما دمنا لا نعرف على أي أساس نعد الخير خيراً»(28).
   بحسب باتاي، هذا الالتباس يعود إلى «القسمة الأساسية والأصلية لمبدأين»(29) هما: النفس والمادة. وتفسيره: «ما دامت هذه القسمة قائمة فستكون دائماً هناك، مهما قلنا، أفضلية للنفس على المادة، وستحظى النفس بكل الأفضلية القابلة للإدراك، بما في ذلك الإلهي من جهة والعقل من جهة أخرى»(30). يتعلق الأمر من وجهة نظره، بقسمة ثنائية بمقتضاها «يجب أن ينظر إلى الإلهي كاختزال لمفهوم المقدس»(31). والمشكلة تكمن في أن هذا المفهوم الأخير لا يمكن أن ينظر إليه كشيء يمكن اختزاله في العقل»(32). هذا الانزلاق من مفهوم إلى آخر [من المقدس إلى العقل] سيكون من نتائجه وضعهما كليهما معاً، ضمن "العالم المتعالي" هذا فيما من الواضح أن «المقدس هو تحديداً نقيض المتعالي(33)، و [أنه] بشكل أكثر تحديداً محايثة(34)»(35).

الثلاثاء، 31 مارس 2015

جورج باتاي والمُنفر: شاكر عبد الحميد

الدكتور شاكر عبد الحميد
 بعد فرويد بسنوات عشر كان جورج باتاي الفيلسوف الفرنسي يتحدث في سياق السيريالية الفرنسية عمّا سماه: "الذي لا شكل له" (informe/ Formless)، أي كل ما يفتقر للشكل الدال أو المعنى، وكذلك كل ما يتعلق بالعملية الجمالية، الأخلاقية المادية (الفيزيقية) التي تنطوي على إنقاص من القيمة وجلب للأشياء الموجودة في منزلة أدنى في العالم، ووضعها في دائرة الضوء، وذلك من خلال النزع عنها لكل تلك الدلالات النبيلة الراقية السامية الموجودة في العالم. ولم يكن هذا التفريغ أو الإفراغ للدلالة متعلقاً بشيء في ذاته، بل، بعملية نشطة في جوهرها، نوع من الأداء المماثل للعنف المتضمن في الكلمات البذيئة الفاحشة (هكذا اعتبر باتاي رائحة الحذاء مثلاً أفضل من صورة شخصية جميلة).
وهنا يكون المبعد أو المنفر هو ما يشير لدى باتاي-وقبل أن تقول كريستيفا ذلك بعدّة عقود، إلى الخبرات الخاصة بالعالم الخارجي التي تستثير الاشمئزاز أو الصدمة لدى الفرد، والفن المقزز هو نوع من الأداء يسعى من أجل استثارة استجابة انفعالية تعمل على نزع الغموض والسحر عن الموضوع أو الحدث من خلال الذهاب إلى قلبه وجوهره، حقيقته البيولوجية والوجودية الداخلية، ومن ثم فإن هذا يقوض الوهم/ الهذاء الخاص بتاريخ الفن حول نقاء الموضوعات، نقاء الانفعالات الخاصة بها، ومن ثم قد يمكننا هنا، دراستها وفهمها موضوعياً.
بعد باتاي بحوالي خمسين سنة ربطت جوليا كريستيفا من منظور فلسفي ولغوي وأدبي وتحليلي نفسي في كتابها " قوى الرعب" بين المبعد المنفر والتافه والنفاية لدى باتاي فقالت عنه إنه إنقاص وانتقاص من الناحية الجسمية والذي من تجلياته: السوائل الجسدية، الجروح المفتوحة والقيء والوحل والقذارة وما هو لزج ودم الحيض واللعاب الفطري والعفن، كما أنها قالت أيضاً إن المنفر هو حالة مهجنة أقل درجة، توجد عند الحواف أو الحدود الخارجية للحياة والموت، ليست ذاتاً ولا موضوعاً، بل قد توجد، قبل أن تتكون الذات أو الشخصية الإنسانية كما هو الحال في السوائل التي تحيط بالجنين قبل ولادته، وقد توجد أيضاً بعد أن يتوقف الكائن عن الوجود ويصبح موضوعاً (كما هو بالنسبة لجثث الموتى أو أعضاء الجسم المبتورة)، ومثله مثل الناقص (informe) لدي باتاي، فإن المعنى يتصدّع أيضاً وينهار فيما يتعلق بتصدع فيها يتعلق بالمنفر ذلك الذي يوجد مستتراً بين الذوات. فيما بين الذوات الفردية والفكر العقلاني والثقافي، هامشي ومألوف، غائب لكنه حاضر دائماً كحالة أو عملية لا شعورية وغريبة.

السبت، 7 يونيو 2014

مفهوم الالتزام/ في السجال بين "سارتر" و"باتاي": فرج الحوار

رسم Paul Clodel Cochard
سنحاول في مداخلتنا(*) هذه أن نتناول مفهوم "الالتزام" عبر السجال الذي دار بين اثنين من أبرز كتاب فترة ما بين الحربين في فرنسا، هما جان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) وجورج باتاي (Georges Bataille). ولبّ الخلاف بين هذين المفكرين يتمثل في كون الأول يعتقد أن "النثر هو نفعي في جوهره". وهو لذلك "يُعرّف الناثر بكونه ذاك الذي يصرف الكلام على وجوه شتى، ويتمثل دوره في التعيين والتعليل والرفض والتساؤل والتوسل والإقناع والإيحاء والشتم". فإن حاد عن هذا النهج أضحى يتكلم فيما لا جدوى منه(1). أما جورج باتاي فيرى أن الكلام، والأدب بصورة خاصة، إذا اقترن بالمنفعة، فقد ارتهن نفسه لخدمة ما لا جدوى له فيه، ووقع بذلك في الاستلاب، فمن جوهر الأدب، في نظر باتاي، "أن لا يخضع لسيد أبدا" (NON SEVIAM)، فهو يدين بالمبدإ الشيطاني الذي يرفض أن يكون في خدمة أحد آخر غير نفسه لأنه شيطاني التوجه بالضرورة(2).
يتعين على الكاتب – وهو الناثر، كما ينص على ذلك جان بول سارتر، الذي يعفي الشاعر من ربقة الالتزام لأسباب يطول شرحها في هذا المقام(3) – أن يمسك بالقلم إلا إذا عاين في العالم حوله خللا أو قصورا يعرض الحرية، وهي في نظره قوام الوجود، للخطر. ويذهب سارتر، تماهيا مع برايس باران (Brice Parain)، أن "الكلمات هي مسدسات محشوة بالذخيرة"، وأن الكاتب متى تكلم أطلق النار"(4). ويضيف سارتر أن على الناثر، إذا ما عزم على إطلاق النار، أن يقوم بذلك على طريقة الجنود وليس على طريقة الأطفال(5). وقد كان سارتر واعيا تمام الوعي أن الكلام أعجز من أن يكف الشطط المتأصل في الكائن البشري، ذلك الذي يُخرج القسوة في حلة الرّحمة فيهوِّن على الإنسان الجرائم الفظيعة التي عجزت دونها تعاليم الأرض والسماء. لذلك قرر أنّ "على الكاتب أن يتخلى عن قلمه في وقت ما وأن يحمل السلاح" للذود عن الديمقراطية والحرية(6).
كان سارتر إذن يدرك جيدا أن ليس بإمكان الكتاب أن يُغير العالم، ولكن هذا الوعي بقصور الكتابة لم يمنعه من اعتبارها فعلا أساسيا، بل مركزيا بالنسبة للروائي تحديدا، "هذا الإنسان الحر الذي يتوجه إلى أناس أحرار بالضرورة سواء أتناول في أدبه الأهواء الفردية أم هاجم النظام الاجتماعي برمته". وسبب ذلك في نظره أن الحرية هي الموضوع اليتيم الذي يتعين على الناثر أن يعالجه. وهو ملزم بمقاومة الاستبداد والفاشية لأن "كل محاولة لاستعباد قرائه تهدد فنه مباشرة"، فضلا عن حياته(7). ويخلص سارتر من ذلك إلى أن إرادة الحرية هو هدف كل من يمسك بالقلم. وعليه، فإن الناثر حالما ينخرط في عالم الكتابة، يصبح بخياره أو رغما عنه، كاتبا ملتزما(8).
أن يقترن فعل الكتابة بالحرية بصورة عضوية يعني أن الكاتب يتوجه بالضرورة إلى "قارئ عالمي"، أو بعبارة أخرى "إلى الإنسانية قاطبة"(9). وفي هذا الإطار، تكمن وظيفته أساسا في "تنقية" الحرية من شوائب الأهواء والعرق والطبقة والوطن التي علقت بها ليرقى بها إلى مستوى القيم الإنسانية المشتركة(10). إن مجرد أن يمسك الكاتب بالقلم يجعل منه "ضميرا خارج الزمان والمكان"، ويتحول بذلك إلى تجسيد حي "للإنسان الكوني"(11). وفي هذا الإطار يصبح الأدب تجسيدا للحراك الذي يتسنى به للإنسان أن ينعتق في كل لحظة من ربقة التاريخ، أي أن يمارس فعل الحرية(12). ويقرر سارتر في هذا السياق أن كل محاولة من الناثر النأي بفكره وأدبه عن الهموم الاجتماعية والتأنق في الظواهر الشكلانية والتقنية، حرصا منه على استقلالية الأدب، إنما تخدم في حقيقتها مصالح التوجهات المحافظة صلب المجتمع(13).
 الحرية هي جوهر الكتابة وهدفها الأسمى، لا يُقبل الكاتب على الورق إلا ممتطيا صهوتها، لينازل "الشر القاهر الذي ينخر العالم دون أن يقدر على إفنائه تماما"(14). والشر هو الظلم والاستبداد اللذين يستهدفان الحرية، وهو أيضا في المجتمع الطبقي المعادي جوهريا لقيم العدالة والمساواة والانعتاق. ووظيفة الأدب هو أن يدفع بالإنسانية نحو أفق "الخير" المتمثل في إقامة مجتمع تزول فيه الفوارق الطبقية(15). أن تكون الكتابة "منازلة" أو "مبارزة" يعني أولا أن "الكلام في نظر الكاتب الملتزم هو في مقام الفعل الذي يغير العالم عندما يعري فيه نواقصه. ويقرر سارتر في هذا المقام أن تسبق الكشفَ إرادةُ التغيير"(16). وهكذا ينتفي، حسب سارتر، التعارض الظاهر القائم بين الكلام والفعل. ورغم إقراره أن الكتابة لا يمكن أبدا أن تتساوى بالفعل، وأن الكاتب لايؤثر في قرائه بصورة مباشرة، فقد قرر، على عكس ذلك، أن الروائي يتوجه، عبر كتبه، إلى نوازع الحرية في قرائه فيستثيرها ويحفزها على الحركة. ويخلص سارتر من ذلك إلى أن الأثر الكتابي هو شرط أساسي لفعل التغيير(17) وأن الكتابة هي ضرب من الفعل الحربي، خاصة وأن الكاتب، أسوة بالجندي، يسعى لإقامة "المدينة الفاضلة". ويعتبر سارتر هذا الفعل فعل انعتاق لأنه ينخرط في مسار التاريخ، باعتبار أن هذا الأخير يتقدم ضرورة نحو الأفضل.
هذا التصور "الساذج"، في نظر جورج باتاي، لفعل الكتابة يقوم على مسلّمة لا تختلف في جوهرها عن المسلمات الغيبية، مفادها أن مفاهيم "الخير" و"الشر" و"التاريخ" "والحرية"، وما في معناها، هي مفاهيم ثابتة، ومشتركة بين البشر جميعا، فضلا عن طبيعتها النفعية البديهية التي تحولها إلى قيم أصيلة في سلم القيم التي يتعين على الأدب، حسب جورج باتاي، أن يستهدفها بصورة مباشرة، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من منظومة النظام، وأن النظام – أي نظام – هو عدو موضوعي للحرية التي يقوم عليها فعل الكتابة. وقد قصر جورج باتاي همه، في رده على جان بول سارتر، على شرح سوء الفهم الأزلي حول دور الكاتب ومعنى فعل الكتابة. وفي هذا الاتجاه، يقر باتاي أنه، وإن كان ليس ضد العقل والنظام الذي يفرزه بصورة مبدئية، إذا ما تأكدت الضرورة إلى ذلك، فهو يعتبر أن أجمل ما في الوجود وأعظمه أثرا على الإنسان هو ما يفيض عن الحاجة النفعية، ذلك الذي يدمر إذ يخلب اللب حتى ليكاد يكون فوق طاقة الاحتمال(18).
وبناء على العلاقة العضوية التي تربط الحقيقة بالفظاعة والكدر، يقرر باتاي أن "الحياة هي الرغبة في كل ما يمكن التعلق به بدون حدود"(19). وموضوع الرغبة هذا لا يتوافق في الغالب مع الاتجاه الذي يقرره الذوق العام، كما هو الشأن مثلا مع المسألة الجنسية (Erotisme) التي جعل منها باتاي قضية مركزية يمكن من خلالها النفاذ إلى حقيقة الإنسان التي لا تكون، على حد تعبير موريس بلانشو" (Maurice Blanchot) إلا "فاضحة"(20). وفي هذا الإطار يعبر باتاي عن ضيقه بطغيان النزعة الإنتاجية في تصور فعل الكتابة الأدبية على حساب ما يعتبره هو جوهر هذا الفعل، والذي يختزله في مصطلح مركزي لديه هو "المخاطرة" أو "المجازفة" (La mise en jeu)، يقرر من خلاله أن اللذة تقدر كميا (volume) وأن المجازفة يجب أن تقدر باعتبار قوتها وشدتها (intensité).
نستنتج مما تقدم أن باتاي، خلافا لسارتر، يجرد فعل الكتابة من التوظيف النفعي، الذي يحول الأدب إلى مجرد أداة في خدمة أهداف منافية له جوهريا، ويقصر دوره على ضرورة "خلط الأوراق"، كما قرر ذلك، متحدثا عن تجربته الخاصة، في الحديث الذي أجرته معه مادلين شازال (Madeleine Chapsal). ويعني باتاي بخلط الأوراق ربطه في كتاباته، "بصورة مشاكسة وصادمة وفاضحة، الفكر الديني في أعمق تعبيراته بالضحك"(21)، وهو ما يفضي حتميا، حسب رأيه، إلى فتح عالم النظام والتناسق (أي النظام القائم) على الهوامش والتخوم التي يتجاهلها عادة أو يزدريها. وفي هذا السياق يتنزل حديث باتاي عن البطل السادي، لا باعتباره مثالا يحتذى، ولكن لأنه يجسد بكل وضوح قيمة فعل المجازفة كشرط أساسي لفعل الكتابة. ويوضح باتاي موقفه هذا بقوله: "لسنا معنيين بالضرورة للقيام بالقفزة التي أنجزها ساد على وجه الخصوص في وصفه لهذه الشخصيات المتوحشة. ولكن، إن لم يكن من الضروري أن نتصرف كهذه الكائنات، فإن التجاوز الذي يفترضه سلوك هؤلاء الوحوش هو الطريقة الوحيدة لتقدير عرض الهوة"(22) التي تفصلنا عنهم، أي بين ما هو كائن فعلا وما هو كائن افتراضا.
من هذا المنطلق بالذات قام باتاي بنقد الصورة الرومانسية للكاتب الملتزم، كما رسمها له سارتر في كتابه الذي أشرنا إليه آنفا، مقررا أن الأدب ليس في خدمة "الخير"، ولا يتعين عليه أن يشعر أنه مضطر للاضطلاع بهذه المهمة، حتى ولو رغب في ذلك، لأن هذا الدور يتعارض مع جوهر فعل الكتابة. فربط الأدب بالخير – وأي خير هو المقصود هنا؟ - يحيد به عن وظيفته الفطرية ويحوله إلى مجرد دولاب من دواليب آلة العمل والإنتاج. ذلك لأن "جوهر الأدب، يضيف باتاي، أقر الكاتب بذلك أم لم يقره، يتجلى في التبذير، وفي انعدام الهدف المحدد، ويتجلى في الهوى الذي ينخر الكائن، لا غاية له خارج ذاته، كل همه أن ينخر"(23).
وحتى لو افترضنا جدلا أن على الأدب أن يضطلع بمهمة الدفاع عن مثال ما، فإن هذا الأخير لا يمكن أن يتماهي مع المنظومة الأخلاقية القائمة بسبب "التنافر بين الأدب والتصور الساذج للأخلاق"(24). ويفسر باتاي هذا التنافر أولا باستحالة فعل الكتابة بدون الحرية، وثانيا بسبب النزعة الحركية، كما نظَّر لها سارتر، الرامية إلى جعل الأدب خادما طيعا "لمشاريع المجتمع النفعي". عندما يقع "الكاتب الحق" في هذه الخطيئة فإنه يجرد أعماله، على افتراض أنها أدت الوظيفة التي أُنجزت من أجلها، من "حقيقتها المطلقة"(25). ويفسر باتاي رفضه القاطع لربط الأدب بأغراض نفعية، كما هو الشأن لدى سارتر، بكون "الأدب، أسوة بالحلم، هو تعبير عن الرغبة – أو موضوع الرغبة – وهو يفترض تبعا لذلك غياب الإكراه"(26).
إن ما يرفضه باتاي رفضا باتا، في نظرية الالتزام كما قررها سارتر، هو حطها من شأن الكتابة عندما جعلت منها فعلا تعويضيا، تقتصر وظيفته على إنتاج المعنى. ويعتبر باتاي أن الكتاب الذين يمارسون فعل الكتابة وفقا للمقولة السارترية، هم من "الكذابين والعميان"(27). ويقرر، بناء على هذا، أن "من حق الكاتب أن يقتصر على الصمت كخيار وحيد، أو أن يجنح إلى هذا الانعتاق العاصف الذي يتمثل في إضافة شيء ما إلى النظرة المحيرة، تلك التي تسحر وترعب – وهي تلك التي تتجلى للإنسان في نفسه على الدوام"(28).
يبرر باتاي رفضه للفعل الأدبي كفعل حركي من منطلقات عملية بحتة تقوم على حقيقة، بديهية لديه، مفادها أن "التنديد اللفظي"(29) هو فعل عبثي. ويذهب باتاي أبعد من ذلك عندما يقرر، متلاعبا بالمقولة الماركسية الشهيرة، أن "الفعل هو، من كل أنواع الأفيون، ذلك الذي يؤدي إلى أعمق حالات النوم"(30). ويفضي باتاي من كل هذا إلى نتيجة أولية عبر عنها بقوله إن "الحديث الذي لا يصاحبه فعل يسبب النتانة"(31)، في إشارة منه إلى الموت. وفي نقده للأسس التي تقوم عليها نظرية الالتزام لدى ساتر، أضاف باتاي أن صاحب "الوجود والعدم" تناسى أن الالتزام لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن الحرية، ونظر "لالتزام يقوم على الإكراه"(32).
قد يتبادر إلى الذهن، بناء على ما تقدم، أن جورج باتاي يناهض مفهوم الالتزام في أساسه لارتباطه بمفهوم الحركة والهدف اللذين يقوم عليهما صرح النظام النفعي. والحقيقة أن باتاي، رغم رفضه المبدئي لكل أنواع التوظيف التي من شأنها أن تشوه طبيعة الأدب، لا يمانع في أن يضطلع الكاتب بمهمة تعليمية، تتمثل في "ضرورة أن يأخذ الكاتب على نفسه أمر البرهنة على أن الإنسان سيظل على الدوام محل إبهام"(33).
وبناء على هذه النتيجة يرى باتاي أن دراسة أعمال الماركيز دي ساد أمر ضروري لأنها تصلح الإنسان مع الهول الذي يكون جزءا لا يتجزأ من ذاته. وأهمية ساد تكمن بالتحديد في كونه "كان على يقين أنه قام، على الصعيد المعرفي، باكتشاف حاسم عندما أقام الدليل على أن الجريمة هي مصدر التذاذ للإنسان، تشبع فيه نوازعه ورغائبه الأكثر قوة"(34). فإن كان للأدب من وظيفة، يشترك فيها مع الفلسفة، فإنها تتمثل في إماطة اللثام عن هذا الجانب المظلم أو الملعون (part maudite) في الإنسان. وأهمية الماركيز دي ساد بالذات أنه "يمنحنا فرصة الوقوع في هاوية الرعب، هاوية يجب علينا أن ندركها جيدا"(35).
ويفضي باتاي، من كل ما تقدم، وعلى النقيض تماما من سارتر، إلى أن الأدب يكتسب معناه وقيمته من كونه أولا "فعل أساسي أو لا يكون"، وأنه بصفته هذه مرتبط ارتباطا عضويا بالشر، بل بأشد أشكال الشر حدة. وفي هذه العلاقة بالذات تكمن قيمته المطلقة"(36). فإن كان من ضرورة للالتزام، فإنه لا يجب أن يخرج عن هذا الإطار، ولا أن يتعدى مهمة التدليل على أنه "يوجد داخل كل إنسان قطرة من أريال (Ariel) وقطرة من كاليبان (Caliban إضافة إلى قدر منعدم الشكل والهوية (...)، نمثله للتبسيط بالفحم الذي يمكن أن ينقلب حجرا كريما في حالة ما ثابر أريال أو استقال"(37). بهذه الصورة مثل باتاي لتلازم مبدأي الشر والخير في الذات البشرية، ليفضي من ذلك إلى أن مقدار "الفحم" فيها، الذي يرمز إلى ما أسماه "جزءها الملعون"، يقع خارج نطاق العقل، وبالتالي خارج إرادة الإنسان. هذا الجانب المظلم من الذات الإنسانية تفصح عنه تخوم الجنس والموت والجنون الخارجة عن كل الحدود.  
فرج الحوار

الهوامش:
(*) ألقيت هذه المداخلة في إطار ندوة نظمتها كلية الآداب سوسة حول علاقة الأدب بالالتزام بتاريخ 19 أفريل 2014.
(1) جان بول سارتر، ما الأدب؟، دار غاليمار، سلسلة "دراسات"، باريس، 1948، ص: 25.    
(2) جورج باتاي، "رسالة إلى روني شار" (René Char)، ضمن الأعمال الكاملة، دار غاليمار، باريس، 1988، ج. 12، ص: 19. 
(3) ما الأدب؟، مصدر سابق، صص: 24-25.  
(4) ن. م.، ص: 29.  
(5) ن. م.     
(6) ن. م.، ص: 72.    
(7) ن. م.، ص: 71.    
(8) ن. م.، ص: 72.    
(9) ن. م.، ص: 70.     
(10) ن. م.، ص: 75.   
(11) ن. م.، ص: 111.    
(12) ن. م.، صص: 111-112.    
(13) ن. م.، ص: 162.    
(14) ن. م.، ص: 72.    
(15) ن. م.     
(16) ن. م.، ص: 28.  
(17) ن. م.، ص: 163.    
(18)  "رسالة إلى روني شار"، مصدر سابق، ص: 20.  
(19) ن. م.، ص: 22. 
(20) موريس بلانشو، الكتاب القادم، دار غاليمار، سلسلة "دراسات"، باريس، 1959، ص: 262.   
(21) مادلين شازال، خمسة عشر كاتبا، دار غاليمار، باريس، 1951، ص: 18.    
(22) الأعمال الكاملة، ج. 7، ص: 451.   
(23) "رسالة إلى روني شار"، مصدر سابق، ص: 25.  
(24) ن. م.، ص: 22.   
(25) ن. م.، صص: 23-24. 
(26) ن. م.، ص: 22.  
(27) ن. م.، ص: 18.  
(28) ن. م.، ص: 22-23.  
(29) ن. م.، ص: 18.  
(30) ن. م.   
(31) ن. م.، ص: 19.  
(32) ن. م.   
(33) ن. م.   
(34) الأعمال الكاملة، ج. 10، صص 168-169.   
(35) الأعمال الكاملة، ج. 12، ص 455.   
(36) الأعمال الكاملة، ج. 9، ص: 171.
(37) "رسالة إلى روني شار"، مصدر سابق، ص: 16.   

نشر خاص بالمدونة
          


الخميس، 20 مارس 2014

الجنس والمطلق في رواية "أمي" لجورج باتايّ: إدوار الخراط

إدوار الخرّاط بريشة جمال الجرّاح
جورج باتايّ ناقد وشاعر وروائي فرنسي من ذلك الرعيل الذي تفجّرت به الحياة الأدبية في فرنسا على إثر الحرب العالمية الأولى. من أولئك الثوار، المتمردين، الذين لا يترددون في أن يمضوا بفكرهم، وحياتهم إلى آخر الشوط، مدفوعين بإخلاص كلّي وتفان كلّي، وقد كان قسمة بارزة من قسمات ذلك العالم الذي يموج بالتيارات والمذاهب الأدبية والسياسية الحادّة العنيفة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وحتى وفاته في 1962. وإذن فقد كان معاديا للدادية –لأنها لم تبلغ من التمرّد العقلي ما يريد لها أن تبلغ!- ومعاديا للسيريالية أيضا لأنه يراها عقلية أكثر ممّا ينبغي. وفي هذه الفترة أنشأ مجلة "وثائق" التي التف حولها مع ذلك بعض السورياليين، ثم اتجه إلى السياسة فاعتنق يسارية متطرفة مناهضة للستالينية، وعمل ضدّ الفاشية قبيل الحرب العالمية الثانية، ولكنه ظلّ ثوريا حتى آخر لحظة في حياته، وإن اكتسبت أفكاره دقة ووضوحا وتميّزا.
وقد كتب جورج باتايّ في الاقتصاد، وله في الفلسفة كتابه المعروف "الخبرة الداخلية" وكتاب آخر "منهج للتأمل" كما كتب الشعر والأقصوصة الشعرية "كراهية الشعر" وكتب روايات أبرزها "زرقة السماء" وآخرها رواية "أمي" Ma Mère وهي رواية متميزة نشرت بعد وفاته، وله في النقد كتاب "عن نيتشة" و"الأدب والشرّ" الذي يجمع مقالاته المنشورة في مجلة "نقد" Critique والذي نشره جاليمار.
وينبغي بداءة ذي بدء أن نؤكد السمة الأساسية لهذا الكاتب الثوري الذي كان مع ذلك على ثقافة عريضة عميقة معا، وهذه السمة الأساسية هي أنه –في رأي النقاد جميعا- كاتب الحياة الشبقية érotique ولعله أكثر الكتاب الشبقيين عنفا، وأغناهم إلهاما، وأصفاهم وضوحا ونقاء في القرن العشرين. هو إذن من قبيل الكاتب الانجليزي د. هـ. لورانس، وإن كان أقرب من لورنس إلى نوع من الربط الوثيق بين الجنس والميتافيزيقا.
رواية "أمي" تقع في تلك المنطقة الحيوية التي ما تزال مع ذلك مجهولة في كثير من نواحيها، تلك المنطقة في الإنسان التي توجد بين "الجنس" باعتباره إرادة للعطاء جامحة، وبين "الفكر" باعتباره إرادة للغزو والتملّك لا تحدّها حدود.
وهذه الرواية لا ترى في الحياة الشبقية جانبا معزولا عن الحياة جميعا، بعيدة عن الأفكار الرئيسية التي تتخذها الميتافيزيقا موضوعا لها وتدور حولها، على أي حال، حياة الناس. فالشبقية هنا هي عقدة وبؤرة الحياة، هي تتكشف وتتخذ مجراها في قلب وعي مرهف الحساسية صاف منير. ولعل أقرب ما يوضح لنا هذا المعنى، ما نعرفه عن الصلة الحميمة بين العشق الجسدي والعشق الإلهي في كتابات المتصوفين القدامى، من العرب وغيرهم. ولكن العشق الجسدي عند باتايّ وثيق الصلة بشيء هو أشبه بالحمى الساطعة بين الانكار الكلّي، والإيمان القدسي بالإنسان وحده. إن غياب كلّ شيء عنده إلاّ الإنسان، يفرض عليه فكرة من أفكاره المحورية: إن عربدة الحواس هي نوع من السيادة في عالم لا مملكة فيه ولا ملكوت، فقدان معنى كلّ شيء، بالنسبة إلى المعايير الميتافيزيقية المطلقة الماثلة خارج الإنسان، يعني عنده أن الخبرة الحية المعيشة هي وحدها التسامي المطلق، والخبرة المعيشة عنده لا تنفصل عن الجوانب الكوميدية، المبتذلة، والشاعرية معا في الحياة، ولكن أهم هذه الجوانب هو التجربة الشبقية. وما دام ينتمي إلى المتشككين الذين لا يعرفون في الحياة إلاّ الإنسان، فإن التجربة الجنسية أو الشبقية تقوم عنده مقام القربان عند المؤمنين، إنها تكشف القدسي، وتتصل بالسرّ وتتجاوز حدود الممكن إلى تخوم المستحيل، إلى عتبات المطلق.
هذا القربان، أو هذه الذبيحة التي تقدّم على شكل عربدة حسية، تدور عنده في جو كأنّه طقوس وشعائر العبادة، فإن البذاءة الجنسية ليست ابتذالا للحواس بل هي تكشف بشاعة الفجور المستنفد، ومضض الشهوة التي لا جدوى منها، وغثيان الإشباع الذي تتولد في عقبه الشهوة من جديد، أكثر استشاطة وتوقّدا، أكثر تطلّبا ومغالاة، في نطاق من تصوّر ميتافيزيقي محدّد واضح: ليس هناك من مقدّس إلاّ الإنسان.
وهو يقول: "إنني أفكر، كما تخلع البنت فستانها" أو "إن الفكر في غاية حركته، هو انعدام كلّ حياء، هو البذاءة بعينها".
وفي رواية "أمي" نجد الراوي، فتى في العشرين من عمره بيير، الذي يستيقظ على سماع صوت يناديه، صوت أمه الذي طالما ناداه في ليالي المرض والقلق والخوف، ولكنه صوت ينبعث الآن من داخله، بكل نعومته وشحنته من الحنان والخطر. وموضوع الرواية، كموضوعات المركيز دي ساد، جريء مقتحم لا يبالي بالمواضعات الاجتماعية التي تكاد تبلغ التقديس الورع عند الناس. فالأم هنا، بعد وفاة زوجها تلقّن ابنها دروس الإغراق في الحسية والشبقية، والثمل الفعلي بالخمر، والسكر الجنسي في جموح من العربدة والفجور. ولكنّها تدور مع ذلك في ضوء رقيق رومانتيكي من الحب. إن الأم هنا تلقن بيير وعيا جديدا بإمكانيات لا حدود لها من المتعة والخوف. ودرجة فدرجة، فيعرف الحقيقة المخيفة الباهرة التي لا تطاق: إنها لا تعيش ولا تنبض ولا تهتز إلاّ من أجل المتعة، والسرور، واللذة الحسية، وأن ما فيها من شرّ وخبث إنما يتأتى عن علّة واحدة: إنها تتطلب المزيد من السعادة، بلا توقف. وهو يقبل الحب الذي تعلّمه أمه إياه، حب صديقاته: ريا، وولو، وهانسي، يعرف جنون الحب الشبقي بين أحضانهن، فالحب الذي يقع على حافة الدموع والضحك ليس منفصلا لحظة واحدة عن الشبق عند جورج باتايّ، الصلة بينه وبين الأم، صلة تكاد تشفى من الإثم بالمحارم ولكنها لا تبلغه قط، ولا شكّ أن في هذه الصلة ما يوحي بالطقوس الدينية البدائية التي يمتزج فيها الجنس بالعبادة، والتي تحيي فيها الأم الإلاهة نوعا من العربدة الباخوسية المقدسة.
وإذن فإن التجربة التي يشعلها لنا جورج باتايّ في روايته، هي على النقيض من تجربة "الزهد" والنسك، ولكنها تنتهي إلى نفس المصبّ. فالتنسك أو التزهّد هو الحد الأقصى للعزوف والتجرّد والتنازل، أمّا العربدة الحسيّة فهي الحدّ الأقصى للقبول، والانفجار والإقبال الملهوف على الحياة، والأخذ منها بأيد مليئة، والعطاء لها بملء الجسد والوعي. ولكن الحقيقة الداخلية التي يدور حول محورها كلّ من النسك والعربدة حقيقة واحدة: التسامى من الجزئي إلى الكلّي، الانطلاق من المحدود إلى المطلق، البحث عن المعنى في رفض القوانين الخارجية للعالم وتلمّس القانون الداخلي للحياة الإنسانية.
وجوج باتايّ يقول لنا، في هذا الصدد: "إنني لست فيلسوفا، بل قديسا، ولعلني مجنون... إن منهجي على طرف نقيض من أفكار الخلاص الصوفية، ومن كلّ صوفية".
وإذن فإن فكرة الحب القدسي هي الفكرة التي تلهم هذه الرواية الغريبة الصافية مع ذلك، والجديد فيها أن هناك علاجا روائيا فذّا لموضوع الشبقية الحسية التي ما تزال مع ذلك شبقية العاطفة الرومانتيكية "شبقية القلوب".
وفي الرواية صفحات يمتزج فيها الألم، والمتعة، والفرح والدوار معا، وحوار يصل إلى أستاذية رائعة في إمكان الانصهار بين الحسية والذكاء والفكر معا. بحيث نجد أن المقاييس التقليدية المعروفة في الجنس تتلاشى، وتتكشف أمامنا آفاق وأراض جديدة حقّا في داخل النفس الإنسانية.
هذه إذن هي رؤيا صادقة وجديدة، وتلك حقّا هي علاقة الفنان الأصيل، والفكر الأصيل معا. فإن نقاء جديدا يتضح لنا في هذه الرؤيا التي ينصب فيها الفكر والحس على تطلب اللامتناهى في كلّ شيء، وتلمّس المطلق في كلّ إشارة، وإيماءة، وكلمة. فالأم هنا تكشف عن الإغراق الحسّي العميق الذي لا يكفّ عن تجاوز الحدود الإنسانية إلى أبواب القدسي المطلق الموجود في نطاق الإنسان. فهي نمط من أنماط الأدب العالمي يمكن مقارنته بمخلوقات الإغراء والغواية الشهيرة في الأدب وفي الأسطورة، نحن هنا لسنا بإزاء رسم واقعي للشخصية، بل بإزاء غوص وراء النمط والنموذج الذي يصور فكرة، ومذهبا، وأسطورة، الأم –الإلاهة الباخوسية- هي المخرج من الوحدة الإنسانية، من ضرورة الموت، من فقدان المعنى. هي الضياع عن طريق العطاء والأخذ الحسّي المحكوم بوعي حاد للموقف الإنساني الهش.
في ذلك بالطبع أصداء وجودية واضحة، لكنها فرديّة متميزة خاصة بالكاتب لا بمدرسة ما، والمهم في ذلك كلّه أنه في الحقيقة كشف لرؤيا جديدة وعميقة في قلب مناطق ظلّت حتى الآن مظلمة أو معتمة. ولعلنا نقترب من فهم هذه الرؤيا إذا استمعنا إلى جورج باتايّ يقول: "في هذه الوحدة والوحشة التي أدخل فيها، فإن حدود هذا العالم –إذا ما ظلت الحدود باقية- إنما توحي إلينا بإحساس من الدوّار، إحساس بأنه ليس للعالم حدود. هذه الوحدة هي الله وهذا النور في السماء الذي يطوح بنا، هو نور الموت نفسه."


المصدر: إدوار الخراط، من الصمت إلى التمرد: دراسات ومحاورات في الأدب العالمي، سلسلة كتابات نقدية إصدار الهيئة العامة لقصور الثقافة، وزارة القافة المصرية 1994، صص 355-362