ترجمة حسين عجة
«الطفل الذي
عُثر عليه دللَ على أنه محكوم بغرائز شريرة، منذ سنوات عمره الأولى، إذ قام بسرقة
الفلاحين الفقراء، الذين كانوا قد تبنوه. وكلّما وُجّه إليه اللوم، كلّما أصرَّ
على فعله؛ لقد هرب من سجن الأطفال، الذي كان لا بدّ من وضعه فيه، وأصبح يسرق وينهب
براحته، بالإضافة إلى ذلك، عَهَّر نفسه. لقد كان يعيش في البؤس، من الشحاذة،
والاختلاسات، كما كان يُضاجع الجميع ويخون كلّ واحد، بيد أنه لم يكن ثمة ما يُهبط
حماسه: إنها اللحظة التي ينتقيها لكي ينذر نفسه، طواعية، للشر؛ أي اللحظة التي
يقرّر فيها بأنه سيفعل ما هو أسوأ ومهما كانت الظروف، وذلك بعد إدراكه بأن الجرم
الأكبر لا يكمن في فعل الشرّ، وإنما بالكشف عنه؛ لقد كتب من السجن أعمالاً كانت
بمثابة مرافعة دفاعية عن الشر، ومن ثم فهي خاضعة لسلطة القانون. غير أنه سيخرجُ،
للسبب ذاته بالتحديد، من السفالة، البؤس والسجن. وها إن كتبه تُطبع، وتتم قراءته،
وسيضعُ أحد المخرجين من حملة وسام الشرف إحدى مسرحياته على الخشبة. كذلك أسقط رئيس
الجمهورية عقوبة الحكم الذي كان عليه دفعها، بسبب الجنح التي ارتكبها مؤخراً، وتفاخره
في كتبه من اقترافها؛ وحينما قُدمت إليه احدى ضحاياه الأخيرة قالت له: «إنهم
يخلعون عليك الآن لقب المجد، ياسيدي. لتحمل نفسك مشقة الاستمرار وحسب»(1).
يواصل سارتر: «ستقولون إنه لا يمكن تصديق هذه القصة: ومع ذلك، هذا ما حدث لـ جينيه».
ليس ثمة ما يمكن عمله أفضل من ذلك، بغية إثارة الدهشة حيال
شخص ومؤلف يوميات لصّ (Journal du voleur). فـ جان بول سارتر يكرّس لهما، اليوم، عملاً طويلاً، لكني
أسارع للقول إنه واحد من الأعمال النادرة الجديرة بالاهتمام. كلّ شيء يتمظهر لكي
يجعل من ذلك العمل نصباً تذكارياً: سمعته أولاً والفطنة المفرطة التي يُدلّل
عليها، وكذلك الجدة والأهمية المذهلة لموضوعه، لكن أيضاً العدوانية الخانقة،
والحركة المتواترة التي تزيد الضغينة من قوتها، وتجعل من الصعب على المرء أحياناً
المراهنة عليها. يترك كتاب سارتر، في نهايته، انطباعاً بوقوع كارثة مُلتبسة
وذات طبيعة مخادعة بشكل عام، غير أنه يُسقط الضوء على موقف الإنسان الحالي، الذي
يرفض كلّ شيء، والخارج عن القانون.
![]() |
| Leonor Fini, "Portrait de Jean Genet II" (1950). |
بتيقنه من هيمنته الثقافية التي لا تتمتع بممارستها، في
زمن التفكك والانتظار، إلاّ بمعنى ضعيف، حتى من وجهة نظره هو، يقدّم لنا سارتر
"القديس جينيه" (Saint Genet)، باعتباره كتاباً كتبه في النهاية لكي يعبر فيه عن نفسه. إن
عيوبه واضحة أكثر من أي وقت آخر: لم يدع من قبل أبداً أفكاره تتلجلج أكثر مما هي
عليه في هذا الكتاب، كما أنه لم يكن يرغب بغلق نفسه أكثر على انتشائياته السرية،
المُعطاة بالصدفة، التي تخترق الحياة وتنيرها: المراهنة على رسم الرعب، بمحاباة
تدين ذلك المزاج. فالضيق هو، في واحد من جوانبه، أثر لسير يُبعد المرء عن الدروب
المحدّدة. من جانب آخر، أظن بأن التصلب الذي يقصي لحظات السعادة الساذجة غير
مُبرر، لكن اللحظة التي تحدّدها السذاجة هي نقيض اليقظة (éveil). بهذا المعنى، وبالرغم من دهشتي
أحياناً، وحتى ضحكي، لا أرفض عدوى الاشتراطات المُرّةِ، التي تُبعد العقل عن إغواء
الراحة. وفي النهاية، ينبغي علي القول إني غير
معجب، عبر تطورات كتاب القديس جينيه، إلاّ بهياج البطلان (nullité)، ونفي القيم (négation de valeurs) الأكثر جاذبية، التي لم يكفّ الرسم عن التأكيد عبرها على القول
إن ما يتوافق مع السفالة هو المضي بها إلى حدّ اكتمالها. من جانب جان جينيه، يجعلنا سرد تلك القذارات، حينما يتحدث عن
اللذّة التي يعثر عليها فيها، منذهلين، أمّا من جانب الفيلسوف؟... يتعلق الأمر،
كما يبدو لي –وهو صحيح، من جانب منه على الأقل- بإدارة المرء ظهره للممكن (au possible) لكي ينفتح، دون لذّة، على المستحيل (l’impossible sans plaisir).
لا أرى في تلك الدراسة، التي لا نهاية لها، واحداً من
الكتب الأشد ثراءً في عصرنا وحسب، وإنما أيضاً تحفة سارتر، الذي لم يكتب
أبداً ما هو أكثر منها إشراقاً، حيث لا يفلت أي شيء من قوة الغبار العاديّ للفكر.
لقد كانت كتب جينيه المُرعبة نقطة انطلاقته المحبذة: أتاحت له استخدام قيمة
الصدمة بكاملها، وكذلك الصخب ذا العواقب المحسوبة. كما طرحَ، عبر موضوع دراسته،
الرهان الأكثر التهاباً. كان من الواجب علي قول هذا، ذلك لأن القديس جينيه
لم يقدّم نفسه أبداً كعمل فلسفي هام. لقد تحدث عنه سارتر بطريقة تجعلنا على
حق إذا ما أخطأنا، فهو يقول لنا إن جينيه «يسمح بنشر أعماله الكاملة علناً
مع مقدمة بيوغرافية ونقدية، كتلك التي وضعت لأعمال باسكال وفولتير،
في منشورات "كتاب فرنسا العظام"»(2)... سأتجنب الحديث عن النيّة التي
جعلت سارتر يضعُ كاتباً، مهما كان تفرّده وتمتعه، الذي لا شك فيه، بموهبة؛
كاتب مُقلقٌ من الجانب الإنساني، على نفس صعيد مجد الكتاب الكبار: قد يكون جينيه
ضحية لسحر ما؛ كما أنه تخلى عن الهالة التي أحاطها به التفاخر الأدبي (snobisme littéraire)، فـ جينيه وحده جدير
باهتمام أكبر. سوف لن أصرّ على ذلك. وفي مطلق الأحوال، سيكون أمراً غير مبررٍ
النظر لدراسة سارتر الضخمة باعتبارها مجرّد مقدمة. وإذا ما افترضنا بأن هذا
العمل الأدبي لا يتناغم مع مقصده البعيد، فذلك لا يُقلل من شأنه كونه الاستقصاء
الأكبر حريّة، والأكثر مغامرة، الذي كرّسه الفيلسوف لمشكلة الشرّ (problème du Mal).

