‏إظهار الرسائل ذات التسميات رولان بارت. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رولان بارت. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 5 أبريل 2016

بارت بقلم بارت: رولان بارت


ترجمة لطفي السيد

حاولت أن أبحث عن كلمات تقدّم هذا المفكر المراوغ والمستفز فلم أجد أبلغ أو أدق أو أعمق من كلمات هذا الميتادور الفرنسي الذي حاول أن يروض الكثير من الثيران المعرفية [مشروعات فكرية، شخصيات أدبية وفكرية، أجناس أدبية، مراحل فكرية، نظريات نقدية...] ونجح في الكثير من جولاته:
«لا ترهق نفسك بالبحث عن حقيقة أصلية وراء ما أكتبه. لا تحاول أن تقيدني بمعنى محدّد لا أودّ تقبله. أنا مثل البصلة، لا قلب لي ولا منتهى. مجرد أغلفة فحسب. أنا مثل اللذة، وقتية تماماً ومبددة. ليس لي هوية محدّدة، ولا جوهر ثابت. أنا، من أكون؟ استعصاء على التحديد، روغان لا نهائي وانتهاك لكل التخوم والحدود. لست موضوعاً للاستهلاك بل ساحة للإنتاج. أنا إشارة حرّة. ودال عائم بلا مدلول، أشير فقط إلى ذاتي المتلونة. أستعصي على التعريف لأنني أومض بحرية لا نهائية. مركز لأراء شتى وتأويلات متعدّدة، نقطة متلاشية، متقلب دائماً.»
كما يقول في"بارت بقلم بارت" في شذرة الصفة:
«يمقتُ كلَ صورةٍ عنه، يعاني أن يكون متعينًا، يعتبرُ أن كمالَ أي علاقة إنسانية يكمنُ في هذا الفراغ من الصورة: يُلغي فيما بينه، من واحدةٍ لأخرى، الصفاتِ؛ ثمة علاقةٌ تتوصفُ من جانبِ الصورة، من جانب الهيمنة، من الموت.
(في المغرب، لم تكنْ لديهم أي صورة بشكلٍ واضحٍ عني؛ الجهدُ الذي كنتُ أبذلَهُ، في طيبةٍ غربيةٍ، لأكون هذا أو ذاك، بقي بلا مردود: فلا هذا ولا ذاك قد بعثني في شكل صفةٍ جميلةٍ؛ لم يخطرْ لهم أن يعلقوا عليّ، كانوا يرفضون، عن غيرِ قصدٍ، أن يغذوا ويتملقوا متخيَّلي. في البداية، هذا الصمم في العلاقة الإنسانية كان به شيءٌ ما منهِك؛ لكنه تدريجيًا ظهر بوصفه نعمةً من الحضارة، أو بالفعل، بوصفه الشكلَ الجدلي للحوار الغرامي).»

   رولان بارت الفيلسوف والمنظر والناقد الفرنسي وربما الروائي كما يقول في كتابه هذا "بارت بقلم بارت": «يجب النظر لكل هذا  وكأنه روي من قبل شخصية روائية.»، كان قد ولد في 12 نوڤمبر 1915 وتوفي في 25 مارس 1980 إثر حادث مأساوي. رولان بارت هذا الإنسان/القرد العاري كان قد تنقل بين حقول معرفية ونظريات أدبية ونقدية عدة فهو قد انتقل من البنيوية إلى ما بعد البنيوية ليشكل تياراً فكرياً -مع مجايليه من الفلاسفة والنقاد والكتاب، فوكو، لاكان، دريدا، چيل دولوز وغيرهم الكثير، فيما أطلق عليه ما بعد الحداثة.
    في كتابه هذا "بارت بقلم بارت" يقسم الكتاب إلى قسمين: القسم الأول وهو كما أسماه "المتخيل الصوري" حيث يستعرض فيه مجموعة من صوره الفوتوغرافية التي تمثل مراحل مختلفة من حياته (ولا سيما مرحلة الطفولة والشباب أو المرحلة غير المنتجة أو غير الإبداعية كما أسماها). وفي هذا القسم يكون بارت ذاتاً مرئية (هو من في الصورة أو مركزها) وذاتاً رائية (حيث ينظر لهذه الصور ويكتب، كما يقول، ما يتخيله عنها).
    إلا أن الذات الرائية تنظر للذات المرئية فتجد نفسها في حالة انفصال واغتراب عنها (حتى لو كان الرائي والمرئي رولان بارت نفسه).
   هل التأمل يُحدث حالة من الاغتراب؟
  في القسم الثاني، يقوم رولان بارت بتفكيك ذاته/ عاداته/ قراءاته/ ثقافته/ فلاسفته وكتابه ومنظريه، حتى يراها جيداً، يفهمها جيداً، يعيها جيداً؟ إنه يفترشها كالبائع في السوق –ليس لبيعها- ولكن لتفكيكها قطعة قطعة، كطريقته في الكتابة: الشذرات؛ وحتى يتسنى له رؤيتها جيداً في الهواء الطلق وفي نور الشمس. ولكن حتى لو كانت الرؤية تحت أكبر وأسطع مصباح في الكون وهي الشمس، هل سيستطيع رؤيتها وفهمها جيداً؟ إن بارت في هذا الكتاب يقدّم شكلاً جديداً في كتابة رواية السيرة الذاتية [auto-fiction]  وليس في  كتابة السيرة الذاتية [autobiographie] إنها رواية عن عقل متمرّد، يحاول -بنبشه في عقله و بتبصره لجسده ومعاينته لمجتمعه الصغير أو الكبير وبقفزه بين أشجار الثقافة والحياة- أن يقدّم شهادة روائية يقوم فيها السرد على الفوتوغرافيا وطبوغرافيا الصفحة وعلى الخطاب المتعدّد في ضمائره النحوية ومستوياته اللغوية والفكرية والفلسفية وعلى الخيال وعلى ما نظن أنه واقعي أو حقيقي؛ لذا علينا أن ننتبه  لها وقراءتها بوعي منفتح ويقظ.



مقتطفات من الكتاب


نحوَ الكتابةِ
الأشجارُ حروفُ هجاءٍ، هكذا كان يقول
 الإغريقُ. من بين كل الأشجار- الحروف، النخيلُ
 الأكثرُ جمالًا. الكتابةُ، الجذلةُ والمتميزةُ
 كرشقِ  أشجارِ النخيلِ، لها أثرٌ عظيمٌ: التداعي.
في الشمال، شجرةُ صنوبرِ وحيدةٌ
 تنتصبُ فوقَ تلةٍ قاحلةٍ.
 تنامُ؛ الثلجُ والجليدُ
 يلفونَها بمعطفهما الأبيض.
 تحلمُ بنخلةٍ جميلةٍ،
هناك في بلدِ الشمس،
 التي هي آسفةٌ، كدرةٍ، وحيدةٍ،
 على جرفِ النار.
هنري هايني


(1) فاعل/ تفاعلي
فيما يكتبُ، هناك نصانِ: النصُ الأولُ تفاعلي، يحرّكه سخطٌ، مخاوفُ، ردودٌ داخلية متسرّعة، بارانويات صغيرة، دفاعات، مشاهد. النصُ الثاني فاعلٌ، تحرّكه اللذةُ. ولكن أثناء الكتابة، التنقيح، الامتثال لحبكة الأسلوب، يصبحُ النصُ الأول هو نفسه فاعلًا؛ ومنذئذ يفقدُ إهابَهُ التفاعلي الذي لم يعدْ موجودًا إلاّ من خلال لويحات (بين أقواس صغيرة).

(2) الصفةُ
يمقتُ كلَّ صورةٍ عنه، يعاني من أن يكون متعينًا، يعتبرُ أن كمالَ أي علاقة إنسانية يكمنُ في هذا الفراغ من الصورة: يُلغي فيما بينه، من واحدةٍ  لأخرى، الصفاتِ؛  ثمة علاقةٌ تتوصفُ من  جانبِ الصورة، من جانب الهيمنة، من الموت.
   (في المغرب، لم تكنْ لديهم أي صورة بشكلٍ واضحٍ عني؛ الجهدُ الذي كنتُ أبذلَهُ، في طيبةٍ غربيةٍ، لأكون هذا أو ذاك، بقي بلا مردود: فلا هذا ولا ذاك قد بعثني في شكل صفةٍ جميلةٍ؛ لم يخطرْ لهم  أن يعلقوا عليّ، كانوا يرفضون، عن غيرِ قصدٍ، أن يغذوا ويتملقوا متخيَّلي. في البداية، هذا الصمم في العلاقة الإنسانية كان به شيءٌ ما منهِك؛ لكنه تدريجيًا ظهر بوصفه نعمةً من الحضارة، أو بالفعل، بوصفه الشكلَ الجدلي للحوار الغرامي).

السبت، 30 مايو 2015

رولان بارت في ذكرى ميلاده المئوية

ترجمة: سعيد بوخليط



تخلد، الذكرى المئوية لولادة رولان بارت (1915-1980)، وفق أفضل ما يمكن التكهن به، مع السيرة الذاتية، المؤثرة والدافئة،
التي أنجزتها الباحثة: تيفايين سامويول.
رولان بارت الذي عانى المرض منذ فترة مبكرة، فاستشرف بأن أيامه قد صارت معدودة، بالتالي، بدأ يحذر تلك الكتب السميكة: «لماذا لا أتوخى إرادياً، إنتاج أدب موجز؟»، متسائلاً عبر رسالة تعود إلى شهر1951، وكان على وشك، أن يصدر في سن السابعة والثلاثين، عمله الأول: الدرجة الصفر في الكتابة (1953).
راكم بارت، دراساته ومساره الأكاديمي، على الهامش بحيث لم يكن يثمن قط الجامعة، ولا إطاراتها التقليدية ولا مناهجها المكرسة: «كان بالتأكيد، من ألهمنا جانباً من زعزعة، صيغة معينة للمعرفة الجامعية، التي لم تكن سوى  لا- معرفة»، يلخص الفيلسوف ميشيل فوكو، عبر أثير الراديو، في حوار مع جاك شانسيل سنة 1975.
أخيراً، لم يتمسك بارت قط بالمسار البيوغرافي، مفضلاً رسماً ذاتياً في صيغة شذرات، متوخياً أن يأخذ بعين الاعتبار، كل سرد متسلسل تاريخياً ويواصل، مثل ''حكي بذيء''.
ما إن نطرح هذا الارتياب الثلاثي، نحو الكتب الضخمة والمعارف الجامعية، وكذا المشروع البيوغرافي، حتى تتجلى الخلاصات التالية: كل الذين تعلموا القراءة مع رولان بارت، من خلال مثلاً "ميثولوجياته" أو "شذرات خطاب عاشق"، ثم جميع الذين لسبب كهذا، يحبونه بشعور صادق وغيور، كيف باستطاعتهم التراجع أمام سيرة ذاتية ضخمة، كتبت تحت فوهات مدافع الجامعة، وكذا شعائر الاحتفال بالذكرى؟ كيف يمكنهم المعاندة، أمام 700 صفحة، مخلدة لمئوية بارت؟.
بيد أن المفاجأة مدهشة: لقد هيأت  تيفايين سامويول، عملاً جذاباً ومضيافاً، نلج إليه والسعادة تغمرنا، قبل أن يطوينا نهائياً. فضاء رحب، يخلق لديك الرغبة كي تأخذ وقتاً كافياً، وأنت تداعب هذه الفكرة أو تتذوق ذاك الإحساس، ثم تستمتع باللحظة المعاشة. جميل،أن يكون العمل مهيباً، فلا شيء ثقيلاً أو مرعباً، يشعرك على الفور بالارتياح، كما لو حلقت مسافراً نحو الكوخ الصغير، الذي استحضره بارت أواخر حياته، كوخ الشباب وقد سماه مازجاً بين اللاتينية والباسكية بـ ''غوكوكيسيم''، حتى يصف عذوبة المكان، يقول: «وأنا طفل، انسحبت من نفسي، إلى كوخ في سطح، عند طبقة عليا لدرج، منفتح على حديقة: هناك أقرأ وأكتب، ألصق إعلانات صغيرة، وأمارس أشياء عدة».
ينغمس الكوخ، وسط ضياء جنوب-غرب فرنسا، حيث قضى بارت طفولته، ضياء بقي مرتبطاً به خلال كل مراحل حياته، لأنه أشعره في مأمن ضد الامتثال والفظاظة، ولكون بارت عاش متعلقاً بأمه المحورية جداً في حياته، التي ألهمته كثيراً، واستمرت حاضرة معه حتى بعد اختفائها.
دافع الوضوح، هيكل كلية حياته في جانبيها الحسي والعقلي، إنها واحدة. يضيء الأدب، ويستضيء منه، في ذات الوقت، مخضعاً النصوص الكبرى وكذا الوجود المألوف، إلى نفس الفعل التفسيري. ذلك هو هاجس، من كان عنوانه الأخير: الغرفة المضاءة (1980). كتاب، جاء فترة قليلة بعد وفاة الأم.