‏إظهار الرسائل ذات التسميات إيهاب حسن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إيهاب حسن. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 27 أبريل 2016

تخليق الإحساس؛ تجارب في الخطاب ما بعد الحداثيّ: إيهاب حسن



ترجمة محمد عيد إبراهيم


فاتحة
تخليقُ الإحساس: قد يتّخذ المرءُ هذا العنوان، بإحساسهِ الأقوى، كاستفهامٍ عما يعنيه أن يكونَ إنساناً. لكني أرتدّ سريعاً إلى عنواني الفرعيّ، بغطرسةٍ كافية، لأشيرَ إلى تجاربَ معرفيةٍ عن الخطابٍ، في لحظتنا ما بعد الحداثية.
إيهاب حسن
لكن نَصّيّ نفسَه جزءٌ من تلك اللحظة. فكيف أتبصّر، إذن، في أزمة المعنى، ومعانيّ قد "تَبَصّرت"، ولا تزالُ، تخلقُ إحساساً بأزمةِ الإحساس في عصرنا؟ ولأني براجماتيّ بعضَ الوقت، أودّ ببساطةٍ أن أروي سبعَ حكاياتٍ مفيدة. سرودٌ فكرية جديرة بالتصديق عن وضعنا. كلّ منها جزئيّ، غيرُ حاسم بعد، جُمّعَت معاً لتخليق إحساسٍ عن مأزقِ المعرفة في زماننا. وهي طريقةٌ إجمالية لفهم شذراتِنا، ثقافتِنا جميعاً في عيّنات.
في النهاية، بخاتمة موجزة، أستدعي بعضَ المعتقداتِ الشخصية، فهي تحملُ، أيضاً، نظرياتِنا وتطبيقاتِنا. دونَ هذه المعتقداتِ، ليس لنا أن نخلقَ إحساساً، نجمّعَ عيّناتٍ. فالتفكيكُ هو ما أقصد هنا بتواضعٍ لكي أستكشفَ.

1
أستهلّ بعلم الأحياء. فمنذ ملايين السنين، كان مخّ الإنسانِ الأول قد تفجّر في تطوّرٍ ـ تطوّر منفَجر! ولا نعرف على وجهِ الدقّة كيف وصلَ هذا الحدَث العجيب، برغمِ تحرّر العين واليد، وكان للّسانِ أن يفعلَ الكثير به. انتخابٌ داخليّ وخارجيّ، ظروفُ التكيّف في غاباتٍ عُشبية، فاستسلمَ المخّ البشريّ نوعاً، ممّا خوّلَ له عشرةَ نقاطِ اشتباكٍ عصبية، متراسلةٍ مع عددٍ من الحالاتِ الذهنية بدرجةٍ أكبر من إجماليّ الجزيئات الأساسيةِ في الكون. من هنا، سمحَ المخّ بالحلمِ واللغةِ والخيال، سمحَ بالثقافةِ كلّها التي نعرفها ـ بدأ المخّ يستأسدُ على المورِّثاتِ في حكايةِ التطوّر.
مع ذلك، لا تزال تلك الحكايةُ القديمة تعيش في مِهادِ المخّ(1)، نظامهِ الحوفيّ(2)، جذع المخّ البدئيّ(3). يحبّ علماءُ الأحياء الاجتماعيون(4) تذكيرنا بهذا، لاستدعاء موروثاتنا نفسِها. لا يزالُ تخليقُ الإحساس، إذن، مذعناً لأوامر تطوّرنا المرجعية، كما يعرف الحداثيون وما بعد الحداثيين. يسلّم علماءُ الأحياء الاجتماعيون بأن المخّ البشريّ يتعلّم التوافقَ مع أحوالِ وجوده. والمتعلّم العموميّ، الحيوانُ ذو المخّ الكبير، يحملُ «نطاقاً واسعاً من الذكرياتِ، وهو بعضٌ مما يملكه فحسبُ من احتماليةٍ متدنية لإثباتِ أنه نافع»، يتعلّم، كما يقول إدوارد أو. ويلسون(5) "فهمَ التاريخ"، وهو مما يمنحهُ «القدرةَ على التعميم من نمطٍ عام إلى آخر ومجاورة الأنماط» بوسائلَ تثبتُ أنها حاسمةٌ بتكيّفٍ ما. ويفيد التعلّم كمنبّهٍ للتطوّر، للقيادة، في بعض الحالات، نحو ذكاءٍ أسمى.
لكن أنّى للمخّ، وهو عضو شرسٌ للبقاء، أن ينجزَ نهاياتِه المحدّدةَ؟ سندور هنا إلى أسئلةٍ غيرِ منتَهَكَة تربطُ علاقةَ المخّ بالعقل. بمثل هذه الأسئلة، يفضّل أخصائيو الأعصاب البقاءَ صامتين، مع أن بعضاً من مُبرَّزيهم، وايلدر بنفيلد(6)، جون إيكلز(7)، روجر سبيري(8) ـ يتلطّفون أحياناً بالحدسِ. يتساءل بنفيلد، مثلاً، عن «المجازفة بالضحك الأجوف من علماء الفيزياء»،إن كانت لـ «آلية المخّ الأسمى» أن تزوّد العقل بشكل "متغيّر" غريب من الطاقة، «فلم يعد في حاجة لتوصيلها (كهربياً) عبر محور الجهاز العصبيّ». واهتمّ سبيري بثنائية كلّ من إيكلز وبنفيلد، وسمّى نفسه "أخصائيّ ذهنٍ"، لا مثالياً ولا مادياً. مع ذلك، مثل إيكلز، يدرك سبيري أن تجربةَ وحدةِ الوعي «مزوّدة بالعقلِ لا بآليّة عصبية».
عموماً قد تنحلّ معضلةُ العقل ذات يوم، ويتّفق فلاسفةُ الأعصابِ على أن العقل والمخّ متراتبان إلى حدّ مذهل، إن لم يكونا متعسّفين، في البنية ـ فليس ثمة ما بعد حداثيّ. يبدأ التوحّد في مِهاد المخّ، مستمراً في قِشرة الدماغ؛ لكن للعقلِ في النهاية الأمرَ.
قد يثبتُ العقل، طبعاً، أنه مجنون، أما المخّ، كما يقترح آرثر كوستلر(9) حزيناً، فعضو مريضٌ بالتطوّر، آلةُ إبادةٍ قصوى، كمُبيدٍ بيولوجيّ. لكني هنا أُوالي آينشتاين، الذي آمنَ بأن «سرّ العالم في شموليته». هذه ملاحظةٌ لافتة، فعلٌ حقيقيّ، يؤكّد كفاءةَ العقل للعالم فالعقلُ جزءٌ منه (بعيدٌ عنه). لو كانت "المعرفة هي المصير" (برونوفسكيّ(10))؛ لو استطاع «العقل التطوّري الإجماليّ في كوكبنا... أن يفسّرَ النزعة التطوّريةَ نحو الذكاء» (ساجان(11))؛ لو «تتحكّم معرفةُ العالمِ الأقدمُ للطبيعة بأحداثها المنتظمةِ في المحيطِ الحيويّ مئات الملايين من السنين... فلن تعودَ مطلوبة» (سبيري)؛ لو رجّع العقلُ صدى الكونِ بغموضٍ (آينشتاين)؛ ولو لم تحدث نكبة نووية، ولم تكن نهائية، للجنس البشريّ ـ لو كان هذا كلّه، لما رجمنا الغيب عندئذٍ بأن "تخليقَ الإحساس" هو الآمرُ المنطقيّ للتطوّر، ولكان مصيرنا الهشّ والشحنةُ المعرفيةُ بين النجوم". 

الأربعاء، 4 مارس 2015

أدب الصمت: إيهاب حسن




1
تبدو فكرةُ الطليعيين اليومَ بالغةَ البساطة. وقد خسرنا، بتعوّدنا على تحمّلِ الأزمة، حسَّ الثقةِ بالتوجّه. أيّ طريقٍ تلوح؟ فالأدب، يتحوّلُ ضدّ ذاته، ويتوقُ إلى الصمت، يمضي في تلميحاتٍ مقلقةٍ من الانتهاكِ(1) والرؤيوية(2). وإن وجِدَ طليعيٌّ في عصرنا، فقد ينوءُ بالكشفِ عن انتحارٍ. يأتي مصطلحُ "لا أدب" بإزاءَ "لا مادة"، للترميزِ فقط وليس انحرافاً لأشكالٍ، بل لنوايا وطاقةٍ تنقلبُ للخارج. فهل يكونُ المستقبلُ عندئذٍ، وبكاملهِ، شريداً وكارثةً لكلّ مَن يزاولُ الأدبَ؟   
مع أني لا أثقُ في أن الكلمةَ تُنهك إمكاناتِ الروح، إلا أني أعترفُ بأن الكارثةَ تذهب وتعود بترنيماتٍ حاذقة. ولقد زعمَ الصوفيون دائماً أن الكتابةَ هي سبيلٌ للخروج، وأن نهاياتِ الأشياء تؤذِنُ ببداياتِ الجديد ـ مفارقةٌ سلبية، كما ندّعي اليوم، لكنها صيغة للمفارقة برغم ذلك. فالصمتُ في الأدب ليس نذيراً بموتِ الروح، بالضرورة. 
هذه النقطةُ التي توضّح الأدبَ الجديد مختلفةٌ: فمهما كانت الجدّة حقاً فهي تتحاشَى المِعيارَ الاجتماعيّ والتاريخيّ والجماليّ الذي أعطى هُوِيةً للطليعيّ في فتراتٍ أخرى. إن قوةَ المراوغةِ أو الغيابَ، في الأدبِ الجديد، متطرّفةٌ في الواقع؛ فهي تضربُ في الجذورِ والتياراتِ، استعارياً، بصمتٍ رائع. لكن القوةَ نفسها، تتصاعدُ في الجذع والأوراق، لتنفجرَ بصخبٍ بابليٍّ(3) هائل. ما نسمعه أكثرُ هو صرخةُ الانتهاك، صوتُ الرؤيوية. ألمحَ كلٌّ من هنري ميللر(4) وصامويل بيكيت(5) إلى الصمتِ، فهما ثرثاران متسلّطان، وفيما بينهما، صدرَت ملاحظاتٌ كاملة عن الكلامِ الأجوفِ الجديد. وليس اقترانهما بذلك خيالاً طفيفاً. فقد وقفا كمرآةٍ تبدعُ خيالاً عصرياً، ثم انتهيا إلى تأمّل افتراضاتٍ غريبة. وبأسلوبِ الكلام القديم ذاته، صارا اليوم، من أكبرِ الطليعيين.