ترجمة: سعيد
بوخليط
تقديم: ألبير كامو (1913-1960)، ولد في الجزائر الفرنسية، يتيم الأب، بحيث تربى وسط أفراد عائلة أمه
بالجزائر. أصبح كاتباً مسرحياً
وصحافياً، ساعياً إلى انتقاد الكولونيالية. انتقل، للاستقرار في باريس سنة 1940، بعد إصداره لروايته
"الغريب" (1942)، سيشرف على جريدة "combat"، صحيفة المقاومة السرية .بعد الحرب، ونجاح روايته "الطاعون" (1947)، وطد وضعه باعتباره مفكراً ملتزماً. تعرض لحادثة سير سنة (1960) أودت بحياته، ثلاث سنوات بعد حصوله على جائزة
نوبل.
*****
كامو، روائي لأقسام الباكالوريا؟ أية حماقة! إذ، يحكي كامو عن
هاته المغامرة، فإنه يبعث
برسالة كونية.
عندما، شرع في كتابة روايته "الغريب"، كان
كامو يبلغ من العمر 25
سنة.
حين أتمّها، وصل إلى27 سنة، ثم أصدرها وقد قارب الثامنة والعشرين. لقد، أخرج تحفة رائعة .لم يكن، يدرك ما أنجزه.
مامعنى، التحفة؟ إنها، حيز لسلسلة من الإسقاطات، لم تستنفدها قط الرواية، بل تضاعف
ممكناتها وتكشف عن حمولة لا تنضب.
التحفة، مثل فندق إسباني، نصادف داخله على كل ما نستحضره: يعني الحديث عن مختلف
البلاهات، التي نجازف
بالعثور عليها هناك!
صار هذا العمل، وصفة بيداغوجية داخل المدارس. غير أن أسوأ، ما يتعرض له عمل رائع، جعله مجرد قناة
لمجموعة مقاربات. لأنه، ماذا يمكننا قوله بصدده؟: «هو قصة رجل أبيض، ارتكب جريمة قتل في حق شخص ثان
أسمر، لأن الشمس لمعت على نصل سكينه. القاتل، توفيت أمه، مع ذلك لم يحزن قط لموتها، بل ذهب
إلى السينما لمشاهدة فيلم صحبة "فيرنانديل". ثم، انتهى إلى منصة الإعدام، لكنه لا يبدو قط أنه حزين لمصيره». حبكة أقلّ، أسلوب أبيض،
قح وممحّص. عمل، سيشكل لا محالة، كابوساً بالنسبة للطالب...
الرواية، التي كتبها ابن عامل زراعي أبيض، قدمت عائلته
من فرنسا حوالي 1830، ستغدو كذلك حجة لقراءة
أخرى عقيمة:
تلك التي فرضتها الحرب الباردة، وأرادت بأن أمثال كامو وجاك ديريدا أو جيرمين تيليون،
من خلال طموحهم إلى عدم دخول فرنسا
والجزائر في قتال، سعياً إلى قلب الصفحة
المقيتة للاستعمار، قدموا ضمنياً خدمة دنيئة، للأخير.
سارتر وأتباعه، غذوا فكراً واطئاً كهذا، جسد استقلالاً لكل
فكر، وأضر بـ كامو، بكيفية لا حدّ لها.
كامو، المتحرّر مطلقاً، توخى إبطالاً للدول
والحدود، وانمحاء للأناشيد والرايات، ونهاية للجيوش والشرطة. لماذا بربك ستتم محاربة، هذا المناصر للراية السوداء
منذ شبابه وحتى آخر نصوصه، لأنه أضاف دولة إلى الدول، وحدوداً إلى الحدود، وأناشيد إلى الأناشيد، وأعلاماً إلى الأعلام، وجيوشاً إلى الجيوش، ثم بوليساً إلى البوليس؟
كامو، الفوضوي والبرغماتي، أراد حلاً فيدرالياً: لم يغفر له اليعقوبيون
المتعطشون للدم والدولة والسكاكين والرعب، كونه فضل الذكاء والعقل على الحرب الأهلية.
إذن، صارت رواية "الغريب"، مجرّد
حكاية عن الأبيض الصغير، الذي ذبح ببرودة دون أن يوخزه ضميره، عربياً على شاطئ
أدكن، نتيجة الشمس الجزائرية.
