نص المحاضرة التي ألقتها الروائية توني
موريسون في ستوكهولم عام 1993، احتفالاً بتسلمها جائزة نوبل. أبرز ما في المحاضرة
هو الحديث عن عشق اللغة، من خلال أمثولة شعبية زنجية، تنتهي معها إلى أن اللغة
الحقيقية لا تخفي معها غنيمة عنصرية مهما كان مستعملوها يشيعون ذلك بين جنباتها.
******
![]() |
| توني موريسون |
«كان يا ما كان هناك امرأة
عجوز. عمياء لكن حكيمة». أو كان رجلاً عجوزاً؟ هادياً، ربما. أو عصبة أطفال
متململين بهدوء. سمعت هذه الحكاية، أو أخرى مثلها بالضبط، في سياق ثقافات عديدة.
«كان يا ما كان هناك امرأة
عجوز. عمياء. حكيمة».
في الرواية عرفت امرأة
كانت ابنة عبيد، سوداء أمريكية، تحيا بمفردها في منزل صغير خارج البلدة. مكانتها
كحكيمة دون نظير لا خلاف عليها. بين ناسها هي القانون وانتهاكه معاً. كان التكريم
الذي أولوها به والرعب الذي أقاموه من حولها يصل وراء الحي إلى أماكن جد بعيدة،
إلى المدينة حيث تكون نباهة المتنبئين الريفيين مصدر تسلية كبيرة.
ذات يوم زار المرأةَ بعضُ
شباب كانوا يميلون إلى دحض استبصارها وفضح دجلها الذي يعتقدونه فيها. خطتهم بسيطة:
يدخلون منزلها يسألونها السؤال الوحيد الذي سيهدي بجوابه فحسب إلى اختلافها عنهم،
الاختلاف الذي سيعتبرونه كعماها: انعدام أهلية تاماً. يقفون وراءها، ويقول أحدهم «أيتها
العجوز، إني أمسك في يدي طائراً. فقولي لي حيّ هو أم ميت».
لم ترد، فكرر السؤال: «هل
الطائر الذي أمسكه حيّ أم ميت؟»
لم ترد حتى الآن. فهي
عمياء غير قادرة أن ترى زوارها، ناهيك عما في أيديهم. لا تعرف لهم لوناً أو جنساً
أو موطناً. تعرف فقط حافزهم.
صمتُ المرأة العجوز يطول
جداً، وقد تعب الشباب من حبسة الضحك.
تتحدث أخيراً بصوت رفيق
لكنه صارم. تقول «لا أعرف، إن كان الطائر الذي تمسكونه حياً أو ميتاً، لكن ما
أعرفه بالتأكيد أنه في أيديكم. هو في أيديكم».
يمكن لجوابها أن يؤخذ على
محمل: إن كان ميتاً، فقد وجدتموه هكذا أو أنكم قتلتموه. وإن كان حياً فقتله سيحلّ
من بعد. أن يكون على قيد الحياة، فهذا قراركم. ومهما تكن القضية فهي مسؤوليتكم.
ولاستعراض قوتهم أمام
عجزها، أنّبت زوارها الشباب، أخبرتهم أنهم مسؤولون ليس عن فعلة الاستهزاء بل أيضاً
عن حزمة الحياة القليلة التي ضحوا بها في سبيل إنجاز مقصدهم. فكان أن أبدلت
العمياء اهتمامهم بعيداً عن ادعاءات القوة إلى الآلة التي تُمارَس القوة من خلالها.
إن تأمل ما يشير إليه
الطائر باليد (فضلاً عن هيكله الهش) هو الجذاب عندي على الدوام، بل يستدعي خصوصاً
الآن تفكيري عما أؤديه من عمل جلبني إلى هذه الصحبة. لذلك آثرت أن أدلّ على اللغة
بهذا الطائر، وعلى الكاتبة المتمرسة بهذه المرأة. فهي قلقة على اللغة التي تحلم
بها، الممنوحة لها عند الميلاد، الملموسة، المطروحة للخدمة، حتى التي تمسك عنها
لأغراض محددة شائنة.
لأنها كاتبة تفكر في اللغة
جزئياً كنظام، وجزئياً كشيء يسيطر عليه المرء، لكن في الأغلب كوسيط، فعلٍ بنتائجه.
لذلك كان سؤال الأطفال للمرأة «هل هو حيّ أم ميت؟» غير مصطنع لأنها تفكر في اللغة
كشيء قابل للموت، للانمحاء، منذر للخطر بالتأكيد ويمكن تعويضه بجهود الإرادة فقط.
تعتقد لو كان الطائر بأيدي
زوارها ميتاً، فالقيّمون عليه مسؤولون عن الجثة. بالنسبة لها، ليست اللغة الميتة
ما لم يعد يتحدث به المرء أو يكتبه، بل لأن محتواها صلد فيعجبها ركودها الخاص. مثل
اللغة الرسمية، مراقِبة ومراقَبة. متحجرة في واجباتها الحاكمة، ليس بها رغبة أو
غرض غير الحفاظ على المجال الحرّ لنرجسيتها المخدرة، لاحتكارها وهيمنتها.


