‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاضرات نوبل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاضرات نوبل. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 23 أكتوبر 2015

طائر في يدي، حيّ هو أم ميت؟: توني موريسون

ترجمة: محمد عيد إبراهيم


نص المحاضرة التي ألقتها الروائية توني موريسون في ستوكهولم عام 1993، احتفالاً بتسلمها جائزة نوبل. أبرز ما في المحاضرة هو الحديث عن عشق اللغة، من خلال أمثولة شعبية زنجية، تنتهي معها إلى أن اللغة الحقيقية لا تخفي معها غنيمة عنصرية مهما كان مستعملوها يشيعون ذلك بين جنباتها.
******
  
توني موريسون
«كان يا ما كان هناك امرأة عجوز. عمياء لكن حكيمة». أو كان رجلاً عجوزاً؟ هادياً، ربما. أو عصبة أطفال متململين بهدوء. سمعت هذه الحكاية، أو أخرى مثلها بالضبط، في سياق ثقافات عديدة.
«كان يا ما كان هناك امرأة عجوز. عمياء. حكيمة».
في الرواية عرفت امرأة كانت ابنة عبيد، سوداء أمريكية، تحيا بمفردها في منزل صغير خارج البلدة. مكانتها كحكيمة دون نظير لا خلاف عليها. بين ناسها هي القانون وانتهاكه معاً. كان التكريم الذي أولوها به والرعب الذي أقاموه من حولها يصل وراء الحي إلى أماكن جد بعيدة، إلى المدينة حيث تكون نباهة المتنبئين الريفيين مصدر تسلية كبيرة.
ذات يوم زار المرأةَ بعضُ شباب كانوا يميلون إلى دحض استبصارها وفضح دجلها الذي يعتقدونه فيها. خطتهم بسيطة: يدخلون منزلها يسألونها السؤال الوحيد الذي سيهدي بجوابه فحسب إلى اختلافها عنهم، الاختلاف الذي سيعتبرونه كعماها: انعدام أهلية تاماً. يقفون وراءها، ويقول أحدهم «أيتها العجوز، إني أمسك في يدي طائراً. فقولي لي حيّ هو أم ميت».
لم ترد، فكرر السؤال: «هل الطائر الذي أمسكه حيّ أم ميت؟»
لم ترد حتى الآن. فهي عمياء غير قادرة أن ترى زوارها، ناهيك عما في أيديهم. لا تعرف لهم لوناً أو جنساً أو موطناً. تعرف فقط حافزهم.
صمتُ المرأة العجوز يطول جداً، وقد تعب الشباب من حبسة الضحك.
تتحدث أخيراً بصوت رفيق لكنه صارم. تقول «لا أعرف، إن كان الطائر الذي تمسكونه حياً أو ميتاً، لكن ما أعرفه بالتأكيد أنه في أيديكم. هو في أيديكم».
يمكن لجوابها أن يؤخذ على محمل: إن كان ميتاً، فقد وجدتموه هكذا أو أنكم قتلتموه. وإن كان حياً فقتله سيحلّ من بعد. أن يكون على قيد الحياة، فهذا قراركم. ومهما تكن القضية فهي مسؤوليتكم.
ولاستعراض قوتهم أمام عجزها، أنّبت زوارها الشباب، أخبرتهم أنهم مسؤولون ليس عن فعلة الاستهزاء بل أيضاً عن حزمة الحياة القليلة التي ضحوا بها في سبيل إنجاز مقصدهم. فكان أن أبدلت العمياء اهتمامهم بعيداً عن ادعاءات القوة إلى الآلة التي تُمارَس القوة من خلالها.
إن تأمل ما يشير إليه الطائر باليد (فضلاً عن هيكله الهش) هو الجذاب عندي على الدوام، بل يستدعي خصوصاً الآن تفكيري عما أؤديه من عمل جلبني إلى هذه الصحبة. لذلك آثرت أن أدلّ على اللغة بهذا الطائر، وعلى الكاتبة المتمرسة بهذه المرأة. فهي قلقة على اللغة التي تحلم بها، الممنوحة لها عند الميلاد، الملموسة، المطروحة للخدمة، حتى التي تمسك عنها لأغراض محددة شائنة.
لأنها كاتبة تفكر في اللغة جزئياً كنظام، وجزئياً كشيء يسيطر عليه المرء، لكن في الأغلب كوسيط، فعلٍ بنتائجه. لذلك كان سؤال الأطفال للمرأة «هل هو حيّ أم ميت؟» غير مصطنع لأنها تفكر في اللغة كشيء قابل للموت، للانمحاء، منذر للخطر بالتأكيد ويمكن تعويضه بجهود الإرادة فقط.
تعتقد لو كان الطائر بأيدي زوارها ميتاً، فالقيّمون عليه مسؤولون عن الجثة. بالنسبة لها، ليست اللغة الميتة ما لم يعد يتحدث به المرء أو يكتبه، بل لأن محتواها صلد فيعجبها ركودها الخاص. مثل اللغة الرسمية، مراقِبة ومراقَبة. متحجرة في واجباتها الحاكمة، ليس بها رغبة أو غرض غير الحفاظ على المجال الحرّ لنرجسيتها المخدرة، لاحتكارها وهيمنتها.

الخميس، 20 أغسطس 2015

خطاب قبول فوكنر لجائزة نوبل للآداب

ترجمة: أمير زكي

خطاب قبول الأمريكي ويليام فوكنر لجائزة نوبل للآداب عام 1949
الحفل الذي ألقيت فيه الكلمة أقيم في ستوكهولم يوم 10 ديسمبر 1950

سيداتي وسادتي،

ويليام فوكنر
أدرك أن هذه الجائزة لم تُمنح لي كشخص، ولكن لأعمالي –عمل عمر في معاناة وكفاح الروح الإنسانية، لا للمجد وبالطبع لا للربح، ولكن لخلق شيء من مواد الروح الإنسانية لم يوجد من قبل. بهذه الطريقة فالجائزة ملكي فقط كمسئولية. لن يكون من الصعب إيجاد تخصيص للجزء المالي فيها لمكافأة غرض ودلالة أصلها. ولكني أود أن أقوم بالشيء نفسه بالنسبة للتقدير أيضاً، عن طريق استخدام هذه اللحظة كذروة لما يمكن أن أكون قد سمعته عن طريق الشباب والشابات الذين وهبوا أنفسهم بالفعل لنفس الألم والمهنة، ومن ضمنهم هذا الشخص الذي سيقف يوماً ما هنا في المكان الذي أقف فيه.
مأساتنا اليوم هي خوف جسدي عام وعالمي طال تكبده إلى الآن وكذلك نستطيع تحمله. لم تعد هناك مشاكل للروح. هناك فقط السؤال: متى سيتم تفجيري بسبب هذا، الشاب -أو الشابة- الذي يكتب اليوم نسي مشاكل القلب الإنساني الذي في عراك مع نفسه، هذا الذي يصنع وحده الكتابة الجيدة، لأن هذا فقط ما يستحق الكتابة عنه، ويستحق الألم والكدح.

عليه أن يتعلم ذلك مرة أخرى. عليه أن يُعلّم نفسه أن أساس كل الأشياء هو أن يكون خائفاً؛ وأن يُعلَم نفسه ذلك معناه أن ينساه للأبد، لا يترك مساحة في عمله لأي شيء إلا لحقائق وتأكيدات قلبه القديمة، حقائق العالم القديمة: - أي قصة تفتقد هذا هي قصة عابرة وميتة لا محالة– الحب والشرف والشفقة والفخر والرحمة والتضحية. وحتى يفعل ذلك فهو يعمل تحت لعنة؛ هو لا يكتب عن الحب بل عن الشهوة، عن الهزائم التي لا يخسر فيها أي أحد أي شيء ذو قيمة، عن انتصارات بلا أمل، والأسوأ من الكل، بلا شفقة أو رحمة. أحزانه لا تؤثر في عظام العالم، لا تترك ندوباً. هو لا يكتب عن القلب ولكن عن الغُدد.
حتى يعيد تعلم هذه الأشياء، سيكتب وكأنه يقف وسط البشر ويشهد نهايتهم. أنا أرفض تقبل نهاية الإنسان. من السهل بما يكفي القول إن الإنسان خالد ببساطة لأنه سيتحمل: فحين تطرق الضربة الأخيرة للقدر وتخفت من على الصخرة الأخيرة التي لا قيمة لها المعلقة الساكنة في المساء الأحمر المحتضر الأخير، حتى في وقتها  سيظل صوتاً واحداً باقياً: صوته الضعيف الذي لا يهدأ، لا يزال يتكلم.

أنا أرفض أن أقبل ذلك، أنا أؤمن أن الإنسان ليس فقط سيتحمل: ولكنه سينتصر. إنه خالد، ليس فقط لأنه الوحيد بين المخلوقات الذي لديه صوت لا يهدأ ولكن لأن لديه روحاً، نفساً قادرة على الرحمة والتضحية والتحمل. واجب الشاعر والكاتب هو أن يكتب عن هذه الأشياء. إنه امتيازه ليساعد الإنسان ليتحمل عن طريق تعلية قلبه، بتذكيره بالشجاعة والشرف والأمل والفخر والرحمة والشفقة والتضحية، تلك التي كانت مجد ماضيه. صوت الشاعر لا يحتاج فقط لأن يكون تسجيلاً للإنسان، إنه يمكن أن يكون واحداً من الدعائم، العواميد التي تساعده على أن يتحمل وينتصر.

الجمعة، 14 أغسطس 2015

نص خطاب ماريو بارغاس يوسا في ستوكهولم

ترجمة اسكندر حبش


يشكل النص التالي الذي نترجمه هنا، الخطاب الكامل الذي ألقاه الكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسا يوم السابع من كانون الأول، في ستوكهولم، بمناسبة استلامه جائزة نوبل للآداب التي حازها عن العام 2010. كلمة تشكل «جردة» –إذا جاز القول– لمسيرة أدبية طويلة، حيث يعرج فيها على الكثير من الأمور التي شكلت مساراته المتعددة، والتي جعلته في النهاية يتبوأ منصة نوبل اعترافاً بعمله.
كلمة وثيقة لواحد من أشهر أدباء أميركا اللاتينية، يعرض فيها للعديد من الأفكار التي تستحق أن تقرأ، لعلنا تدخلنا أكثر إلى قلب أدب هذا الكاتب. كلمة أخيرة، هي أن العناوين الفرعية في هذا النص هي من وضع المترجم.



تعلمت القراءة وأنا في عمر الخامسة، في صف الأخ جوستينيانو، في مدرسة «دو لا سال» في كوشامبمبا (بوليفيا). شكل ذلك أهمّ حدث في حياتي. بعد سبعين سنة من حصوله، ما زلت أذكر بوضوح هذا السحر، سحر ترجمة كلمات الكتب إلى صور، ما أغنى وجودي، محطماً حواجز الفضاء والزمن، متيحاً لي أن أجتاز مع القبطان نيمو في غواصته عشرين ألف فرسخ تحت أعماق البحار، أن أناضل إلى جانب دانتانيان وأتوس وبورتوس وأراميس ضد المؤمرات التي كانت تحاك ضد الملكة زمن الداهية ريشوليو، أو أن أتنزه في أحشاء باريس، لأصبح جان فالجان، حاملاً على ظهره جسد ماريوس الهامد.
كانت القراءة تحول الحلم إلى حياة والحياة إلى حلم، واضعة بين يدي الصبي الصغير الذي كنت عليه فضاء الأدب. روت لي أمي أن أولى الأشياء التي كتبتها كانت متواليات للقصص التي قرأتها، لأنني كنت أشعر بالحزن على نهاياتها أو لأنني رغبت، يومها، في تصحيح الخواتيم. ربما كان ذلك ما قمت به طيلة عمري من دون أن أدري: أن أطيل في الزمن –بينما كنت أكبر وأنضج وأشيخ– القصص التي ملأت طفولتي بالحماسة والمغامرات.
تمنيت لو أنّ أمي حاضرة هنا الآن، أمي التي شعرت دائماً بالعاطفة الجياشة والتي كانت تبكي حين تقرأ قصائد أمادو نيرفو وبابلو نيرودا؛ كما جدي بيدرو، صاحب الأنف الطويل والصلعة اللامعة، الذي كان يحتفي بأشعاري، والخال لوتشو الذي شجعني كثيراً على استثمار الجسد والروح في الكتابة، على الرغم من أن الأدب، في تلك الحقبة وفي تلك المنطقة، لم يثر الكثير من عشاقه. طيلة حياتي وجدت إلى جانبي أناساً يحبونني ويشجعونني وينقلون لي إيمانهم حين ينتابني الشك. بفضلهم، وبدون شك، بفضل عنادي أيضاً والقليل من الحظ، استطعت أن أخص جزءاً كبيراً من وقتي لهذا الشغف، لهذه الآفة ولهذا السحر: أن أكتب، أن أخلق حياة موازية استطعت اللجوء إليها ضد الضراء، والتي أحالت المدهش إلى طبيعي والطبيعي إلى مدهش، التي بدت الطاووس، التي جملت القبح، التي خلدت اللحظة وجعلت من الموت عرضاً عابراً.
لا شيء كان أسهل من كتابة القصص. حين تصبح كلمات، كانت المشاريع تذوي على الورقة، بينما تتمدد الأفكار والصور. كيف السبيل إلى إحيائها؟ لسعادتي، كان أساتذتي موجودين هنا كي أتعلم منهم وكي أحتذي مثالهم. علمني فلوبير أن الموهبة نظام لازب وصبر طويل. علمني فوكنر بأن الشكل –الكتابة والبنية– هو الذي يحيل الموضوع كبيراً أو فقيراً. بينما مارتوريل وثربانتس وديكنز وبلزاك وتولستوي وكونراد وتوماس مان علموني بأن العدد والطموح هما أيضاً مهمان في رواية بقدر المهارة الأسلوبية والإستراتيجية الحكائية. علمني سارتر بأن الكلمات هي أفعال وبأن على الرواية أو المسرحية أو البحث أن تلتزم بالراهن وبالخيار الحسن، إذ يمكن لها أن تغير مجرى التاريخ. علمني كامو وأورويل، بأن أدباً عديم الأخلاق هو أدب غير إنساني، بينما وجدت عند مالرو، بأن ثمة مكاناً للبطولة والشعر الملحمي في اللحظة الراهنة كما كان عليه الأمر في عصر «الأرغونوت» والالياذة والأوديسيه.
في استدعائي، في خطابي هذا، كلّ الكتاب الذين أدين لهم، قليلاً أو كثيراً، فلأن ظلالهم تقودنا إلى العتمة. إنهم عديدون. لم يفشوا لي فقط أسرار مهنة الكتابة، بل جعلوني أيضاً أسبر أغوار الإنساني، أن أعجب بمآثرهم وأن أرتعب أمام ضياعهم. كانوا أكثر الأصدقاء خدمة، محركي قدري وقد اكتشفت في كتبهم أنه، حتى في أتعس الظروف، ثمة أمل يستحق أن نعيش من أجله، أمل بأنه من دون الحياة لن يمكننا أن نقرأ أو أن نتخيل القصص.
أحياناً سألت نفسي عما إن لم تكن الكتابة –في بلد مثل بلدي حيث هناك القليل من القراء والكثير من الفقراء والأميين واللاعدالة وحيث تبقى الثقافة حكراً على عدد قليل من الناس– تساءلت إن لم تكن امتيازاً أحادياً. بيد أن هذه الشكوك لم تخنق قريحتي، إذ استمررت في الكتابة دائماً، حتى في الأوقات التي كانت فيها الأعمال الغذائية تمتص وقتي بأسره. أعتقد أني تصرفت بتعقل إذ، لكي يزدهر الأدب في مجتمع، علينا بداية أن نصل إلى الثقافة العالية، إلى الحرية، إلى الرخاء إلى العدالة، وإلا لما انوجدت أبداً. على العكس من ذلك، بفضل الأدب، بفضل الوعي الذي شكله وبفضل الرغبات والانطلاقات التي شكلها وبفضل انسحار الواقع بعودة قصة جميلة، نجد أن حضارتنا اليوم أصبحت أقل قسوة مما كانت عليه زمن الحكواتيين الذين أخذوا على عاتقهم أنسنة الحياة عبر أقاصيصهم. لكنا بقينا أتعس بدون الكتب الجيدة التي قرأناها؛ لكنا أكثر امتثالية، أقل قلقاً، أقل خضوعاً ولما انوجدت الروح النقدية التي تشكل محرك التقدم. كل شيء يشبه الكتابة، أن نقرأ يعني أن نحتج ضد عدم كفاية الحياة. نبحث في المتخيل (الرواية) عن الذي لم نعبر عنه، بدون الحاجة عن قول ذلك حتى من دون أن نعرفه، نبحث فيها عن أن الحياة مثلما هي عليه لا تكفي لكي تردم عطشنا المطلق الذي يشكل أساس شرطنا الإنساني وبأن عليها أن تكون أفضل. نبدع الروايات كي نستطيع التعايش، بطريقة ما، الحيوات المتعددة التي نرغب في الحصول عليها حين لا نملك بالكاد سوى حياة واحدة.
بدون الروايات نصبح أقل وعياً لأهمية الحرية التي تحيل الحياة معاشة، وحين يصبح الجحيم –الذي يتكون حين تداس هذه الحرية بأقدام الطغاة– فكرة إيديولوجية أو ديناً. ليتساءل أولئك الذين يشكون بالأدب، الذي يغرقنا بحلم الجمال والسعادة، الذي ينذرنا باضطراد تجاه جميع أشكال الهيمنة، ليتساءلوا لِمَ تخشاه كل الأنظمة المنهمكة بمراقبة سلوك مواطنيها من المهد إلى اللحد، لدرجة أنها على أهبة تشييد أنظمة رقابة كي تقصيه كما رقابتها بكثير من الارتياب للكتّاب المستقلين. في الواقع، تعرف هذه الأنظمة جيداً، أن المجازفة بترك المخيلة طليقة في الكتب يحيل الروايات أداة تحريض كبيرة، حين يقارن القارئ بين الحرية –التي أتاحتها له القراءة بانتشارها– وبين الظلامية والخوف اللذين يؤرقانه في العالم الواقعي. أرغبوا في ذلك أم لم يرغبوا، أعرفوا ذلك أم لم يعرفوا، يعبر القصاصون، حين يبدعون القصص، عن عدم رضاهم بإظهارهم أن العالم صُنع بطريقة سيئة، وأن حياة المتخيل أغنى من الرتابة اليومية. إن تجذرت هذه البديهية داخل الحساسية والوعي، ستحيل المواطنين أكثر قدرة على المجابهة، على عدم قبول أكاذيب أولئك الذين يرغبون في إقناعنا بأنهم يعيشون بشكل أفضل وبطمأنينة أكبر، بين القضبان، ووسط محاكم التفتيش والسجانين.

الثلاثاء، 4 أغسطس 2015

كلمة مأدبة نوبل للشاعر سان جون بيرس: شعر

ترجمة: علي اللواتي


شعر

الكلمة التي ألقاها سان جون بيرس خلال مأدبة نوبل في 10 ديسمبر 1960



لقد قبلت، عن الشعر، التحية المرفوعة إليه هنا، وها أنذا أسارع بردها عليه.
ليست الحظوة، دائماً للشعر، ذلك أن التباعد مستمر، فيما يبدو، وبين العمل الشعري ونشاط مجتمع تستعبده الضرورات المادية. إنه انفصال يقبله الشاعر ولا يطلبه، وهو الوضع الذي يكون للعالم بدون التطبيقات العملية للعلم.
ولكن المقصود تكريمه هنا هو الفكر الخالص عند الشاعر والعالم. فعسى أن لا يعتبرا هنا على الأقل، كأخوين عدوّين. لأن التساؤل واحد، ذاك الذي يطرحانه فوق هاوية واحدة، ولا اختلاف بينها إلاّ في طرق البحث.
عندما نعي مدى مأساة العلم الحديث المكتشف لحدوده العقلانية حتى في مطلق الواقع الرياضي، عندما نرى في الفيزياء، مذهبين كبيرين يقرر أحدهما مبدأ نسبية عام، والآخر، مبدأ "كمياً" للشك واللاحتمية يحدّ إلى الأبد من دقة القياسات الفيزيائية، عندما نسمع أكبر مجدد علمي في هذا القرن، رائد الكونيات الحديثة وصاحب أشمل تصور تأليفي ذهني بلغة المعادلات، يدعو الحدس لنجدة العقل ويعلن أن «الخيال هو التربة الحقيقية لانبثاق نبتة العلم»، ذاهباً إلى حدّ المطالبة بأن يُعترف للعالم «برؤية فنية حقيقية»؛ أليس من الحق بعد ذلك كله أن تُعتبر الأداة الشعرية في مثل مشروعية الأداة المنطقية؟
والحقيقة أن كل إبداع للفكر هو أولاً "شعري" بالمعنى الأصلي للكلمة، وفي تعادل الأشكال الحسية والروحية، نجد أن لسعي العالم وعمل الشاعر في الأصل وظيفة واحدة. فأي من الفكر الإستدلالي واللمح الشعري أبعد مدى. وأي الأكمهين المتلمسين طريقهما في هذا الليل الأول، الحامل أدوات العلم أو ذاك الذي لا يهتدي بسوى ومضات الحدس، أيهما يعود من ذلك الليل قبل الآخر، محمّلاً بأكثر التماعات عابرة؟ إن الإجابة لا تهم. فالسر الغامض واحد ومغامرة الفكر الشعري لا تقل في شيء عن الإنفتاحات المأسوية للعلم الحديث. ولئن أذهلت نظرية امتداد الكون بعض الفلكيين، فإن لا نهائية ذات الإنسان –ذلك الكون- لا تقل امتداداً. فحيثما امتدت حدود العلم إلى أبعد مدى، وعلى طول قوس هذه الحدود سنسمع الحركة الدائبة لزمرة الشاعر خلف فريستها. لأن الشعر ليس «الواقع المطلق» كما قيل، بل هو أقرب رغبة فيه وأعمق إدراك له، إلى ذلك الحدّ الأقصى من الإتفاق حيث يبدو الواقع في القصيد مشكلاً لذاته.
إن الشاعر ليتقلد سلطة متجاوزة للواقع، لا يمكن أن تكون للعلم، وذلك بفضل الفكر التشابهي والرمزي، والإشراقة البعيدة للصورة الوسيطة ومن خلال توافقاتها اللاعبة على سلسلات لا تنتهي من التفاعلات والتداعيات الغريبة، وأخيراً بفضل أناقة لغة تحمل في انسيابها حركة الكينونة ذاتها. فهل توجد لدى الإنسان جدلية أعمق وقعاً من تلك، وأصدق تعبيراً عن الإنسان؟ وعندما يهجر الفلاسفة مجال الميتافيزيقا، يحدث أن يعوّض الشاعر، هناك، الفيلسوف. حينئذ يبدو جلياً أن الشعر، لا الفلسفة هو «الإبن الحقيقي للاندهاش» حسب عبارة الفيلسوف القديم، الذي كان أكثر الناس اشتباهاً في أمر الشعر.