‏إظهار الرسائل ذات التسميات نيتشه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نيتشه. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2015

الحلقة الفارغة: بيار كلوسوفسكي

ترجمة: حسين عجة


«عندما نتوجه نحو هدف ما، يبدو من غير المعقول أن يكون "غياب الهدف بحدّ ذاته" مبدأ اعتقادنا.
  في كلّ مكان لا أرى سوى أولئك الذين يفسدون الحياة، وقيمة الحياة».
  "ضد-دارون" « Anti-Darwin ».

بيار كلوسوفسكي
سوف أُذَكِّرُ أولاً، عبر وضعي لما يشبه الخطة، بأن فكر نيتشه الحقيقي –مع أن مفردة "حقيقي" هذه مُلتبسة تماماً-، لكن حقيقي بمعنى أننا نتمتع اليوم، بعد أربعين عاماً، بأفضل الظروف التي تمكننا من القبض، عبر منظومته الظاهرية، وبوضوحه، على ذلك الفكر، وإن ثمة من شيء قد أصبح، من الآن فصاعداً، مكتسباً، أعني أنه لم يعد هناك منْ يجرأ –كما كان يحدث ذلك قبل نصف قرن من موت نيتشه تقريباً- على فصل أو وضع تناقض ما بين فكرة "العود الأبدي" (l’éternel retour)  وفكرة "إرادة القوة" (volonté de puissance)، أو جعل احداهما تقصي الأخرى. بيد أن نيتشه لن يكون حقاً فيلسوف إرادة القوة، إن لم يكن أيضاً دكتور العود الأبدي (docteur de l’éternel retour)، وبأن هذا التحديد المُتعذر رفضه، الذي أعطاه هايدغر لفكر نيتشه قابل، بدوره، لمختلف التأويلات، كما يولد الكثير من المصاعب، وذلك انطلاقاً من إقرارات نيتشه (déclarations de Nietzsche). بارتكازنا على هذه الأخيرة، يمكننا متابعة المراحل المتلاحقة التي حاول نيتشه عبرها، بابتعاده عن اللحظة الإنتشائية "لسلز ماريا" (Sils Maria)، وبعد ما حَوّلَ الواقعة المُعاشة إلى مفهوم، او بالأحرى ما يسميه فكرة الأفكار (la pensée des pensées)، تقديم نسخة مدعمة علمياً عنها، ومن ثم طرحها باعتبارها دافع إرادة القوة بعينه، ومن ثم صرّحَ بأنّ الدافع هو الأداة الخفية لعقيدته الإنتقائية (sa doctrine sélective): بتعبير آخر، ولكي نتحدث هنا من وجهة النظر التاريخية المحضة، العقيدة الإنتقائية، التي تشكل فيها الـ "circulus vitiosus deus" [الحلقة الفارغة للآلهة] الشكل والإشارة (signe et forme).
وذلك ما يؤدي بنا [مثلما تجرأتُ على القيام بذلك في دراستي] إلى تحليل -أعتقد أنه ضروريّ- المعايير النتشوية للإنحطاط (décadence)، دافع ما هو معافى، ما هو مرضي، ما هو سوقي، ما هو حالة خاصة، أو متفردة، وبشكل خاص ما يتوافق مع وظيفة الحلقة الفارغة، أي الحالة الطارئة (cas fortuit). من ناحيتي، لقد اقتفيت دائماً خيطاً موجهاً، أي الخيط الذي بدا لي أكثر رسوخاً للتغلب على وتجاوز الشعور بالغرابة، الذي تخلفه بعض تأكيدات نيتشه –كل ما ينتج، عبر اثباتاته ومشاريعه، عن تدبير مؤامرة (préparation d’un complot). فإما أن يدير المرء ظهره لهذا الجانب من نيتشه ويعتبره خداعاً لا يُمثل فكره الحقيقي، أو يقبل بذلك الفكر مثلما كشفَ عن نفسه بدءً –أي أننا لا نتمتع، حرفياً، بأي معيار للتمييز ما بين الخادع وغير الخادع، اللهم الإّ إمكانية أو استحالة العيش من نتاج الفكر. لا يخولنا دافع المؤامرة التعامل مع مفردات "فوق-الإنسانية" (sur- humanité) "السيد والعبد"، "التشكل السياديّ" (formation souveraine)، وبصورة خاصة مع الإيحاء بالمناهج التجريبية، التي تشترط وجود إدارات انتقائية؛ لا يخولنا التعامل معها باعتبارها مجرد مجازات (métaphores). مؤامرة تحاك ضد التواطىء الأصم ما بين الأخلاق المؤسساتية ونظرية دارون (théorie darwinienne) [«بالدقة لا ينتج الانتقاء لصالح الاستثناءات (exceptions)». ولكن فقط لصالح الضعفاء (médiocres)]. غير أن المؤامرة تتبرعم ضمن فكرة العود الأبدي، كلما كشفت عن نفسها. تهدف عقيدة الحلقة الفارغة، في نتيجتها النهائية، إلى إلغاء مبدأ الهوية (principe de l’identité)، الهوية الفردية، وبالتالي ممارسات خدام القوة أيضاً (suppôts de la puissance)، الذين لا يمارسونها، بالرغم من ذلك، أبداً إلاّ حينما يتخيلون من قبلها هدفاً ومعناً لفعلهم. لكن ولأن الحلقة الفارغة تُحذف مع الهويات المغزى مرة وإلى الأبد، وتشترط تكرارها اللامتناهيّ (leur répétition infinie) ضمن كلّ (totale) بلا هدف، لهذا تصبح المؤامرة المعيار الانتقائيّ للتجريبيّ (critère sélectif de l’expérimentation). أية سيادة تلك التي تجرأ على التخلي إلى الأبد عن أفكار الهدف والمعنى، التي تنطلق منها قوة مكونة تمنح نفسها حق الهيمنة، أية سيادة تلك التي لن تمارس عنفاً آخراً مختلفاً عن العنف العبثيّ؟ سيكون على هذه السيادة أو تلك التشكلات السيادية (Herrschaftsgebilde) القيام بخلط هيمنتها مع تفككها الخاص (leur propre désintégration)، إذا ما كان الأمر يتعلّق بمؤسسة، بدولة، بالمعنى التقليدي للكلمة. وبالتالي لا يمكن أن يتعلق الأمر، في فكرة نيتشه، ببناء نظام سياسي بالمعنى المتوارث عليه للمفردة. لذا لا يمكن تصور مؤامرة نيتشه (complot de Nietzsche) إلاّ إذا ما اضطلعت بها جماعة سريّة (communauté secrète)، لا يُمسك عليها، ومن ثم يمكن استخدامها في أي نظام. إنّ جماعة كهذه وحدها بمقدورها امتلاك شهية تفكيك نفسها، في لحظة تخطيطها لما تنوي القيام به كفعل. أي أنها سوف تتفكك حتماً ما إن يستحوذ واقع سوقي على سرّها باسم المؤسساتيّة. لكن، من جانب آخر، يتحدث نيتشه فعلياً عن قدوم السلطة، إن كانت سلطة الجماعة السرية، سلطة التجريبيين، سلطة العلماء والفنانين، وبشكل عام سلطة المبدعين، الذين سيعرفون كيف يتصرفون باسم الحلقة الفارغة ويجعلونها الشرط الأساسي للوجود العام (existence universelle). وهكذا يقحم موضوع الرعب التصفويّ (terreur éliminatrice) الذي تُمارسه فكرة العود الأبدي. كيف يمكنها ممارستها وحسب؟ إن تلك الفكرة، بمحتواها ذاته، تترك كتلة الأفراد غير مبالية. وسوف لن يتمّ أخذها بجدية إلاّ إذا تُرجم الرعب الضمني فيها إلى أفعال تتوافق مع محتواها: لا أحد لديه لا هدف ولا معنى سوى المعاودة إلى ما لا نهاية  (ad infinitum). لن يستطيع أي نظام سياسي تبني ذلك، أمّا الأفراد والكتل التي لا تتحمل العيش تحت تلك الإشارة، غياب الهدف والمعنى، فما عليها، مثلما يفترض نيتشه، سوى الإختفاء.

الأحد، 30 أغسطس 2015

في مدرسة طبيب القيم: باتريك وولتينغ

ترجمة : الحسن علاج

Nietzsche. Mateo Dineen
لماذا نهتم بفكر نيتشه؟ إنه من قام بالدفع بعيداً بالحاجة إلى الجذرية التي يجسدها التفكير الفلسفي. وهو من شكك، ليس في هذا المذهب أو ذاك، بل في الممارسة الفلسفية في عمومها. فالفلاسفة بالنسبة إليه لايفعلون ما يقولون. وبالتأكيد، فهم يزعمون استبعاد الرأي والاعتقاد، بلا رحمة كي لايقبلوا إلا بما هو شرعي ومبرهن عليه بطريقة موضوعية. لكن، ألم تنس الفلسفة دفعة واحدة في تبرير مواقفها للبداية؟ الم تشيد على أساس إجماع سري، سلسلة من الاقتناعات ما تمت مساءلتها قط، عاملة آنئذ على مناقضة مثالها؟
هو ذا الامتياز الذي منح على الفور للحقيقة. «لنفترض أننا نتوخى الحقيقة: فلماذا لا نتوخى بالأحرى اللاحقيقة؟ ثم عدم اليقين؟ وحتى الجهل؟» يتساءل نيتشه في كتاب في ما وراء الخير والشر (1886). سيعمل والحالة هذه، على مطاردة أحكام الفلاسفة المسبقة التي يدين نزاهتها الفكرية. ثم إعادة تعريف المشروع الفلسفي بهدف جعله في تصالح مع طموحه. هكذا يعلن العمل النيتشوي عن نفسه؛ مثلما يبرهن أنه، وراء كل فكر، توجد سراً في العمل غرائز، تلك السيرورات اللاشعورية هي التي تبنين الجسد وإليها تعود فكرة إرادة القوة. تعبر الغرائز عن الاختيارات الأصلية للأحياء، الجاذبية أو التنافر اللذان لايقهران واللذان يبنينان طريقته في العيش. وهو مايسميه نيتشه بالـ"قيم"، فمثلاً أفضلية الحقيقي، التي تلائم الرعب الذي يتم الإحساس به بخصوص الخديعة. كذلك الإيمان بالخير في ذاته، الغيرية، اللامبالاة، الشفقة... في كل مرة تعمل القيم على تحديد زاوية نوعية والتي من خلالها يدرك الواقع ويعاش: كل فكر هو تأويل: اعتقادنا في حقائق موضوعية، احترام مثال المعرفة اللامبالية، الاعتقاد الذي يوجد تفكيراً خالصاً، محايداً، مؤثراً بإخلاص في طبيعة العالم نفسه، هو منظور مماثل ـمن بين العديد من المنظورات الأخرى الممكنة، لم تتقاسمه الحضارات برمتها. وكون أنه ينتصر في حضارتنا، سليلة الأفلاطونية، فإنه يعمل من الآن فصاعداً على إخفاء خاصيته المتفردة.

نزاهة لا عيب فيها
كان الفلاسفة مصابين بالعمى بشكل مأساوي، لأنهم، بالنسبة لـ نيتشه، كانوا سجناء اختيارات ثقافية عملوا على إطالتها في غفلة منهم؛ فقد اعتقدوا التوصل إلى معرفة مطلقة، خالية من كل تكييف، ونسوا أن كل فكر يرتكز على اختيارات لايدركها الوعي.
إذا كانت الفلسفة تبتغي لنفسها أن تكون سؤالاً جذرياً، لنزاهة لاعيب فيها، ستكون تحليلاً للقيم، وهو ما يسميه نيتشه بالجنيالوجيا، الذي ينبغي عليه بناء قضيته الأساسية، وليس البحث عن الحقيقة، التي ليست سوى قيمة من بين قيم أخرى. إن مثل هذا البحث حول مختلف أنماط الامتيازات التي تنظم مجموع الحياة الإنسانية تستوجب والحالة هذه، فهماً جديداً للفلسفة، وهو الفهم الذي يقدمه نيتشه على شكل عقل حر: وسيشكل الانعتاق فضيلته الأساسية، وسيتمظهر هذا الانعتاق عبر قدرته على الانفصال عن القيم السائدة بهدف مساءلتها. ولكن يوجد ماهو أسوأ بالنسبة لـ نيتشه من اكتشاف سطحية الفلاسفة: هو ما تحمله قيمنا الأوروبية من خطر. تجعل منا الحقبة المعاصرة شهوداً على زوال المعالم المؤسسة التي قادتنا منذ ما يزيد عن ألفي سنة ثم على انبثاق العدمية ـ وهو الحدث الذي تشير إليه صرخة مجنون كتاب العلم المرح (1882): «مات الإله! ظل الإله ميتًا!» إن شك التناقض بين الواقع وتوقيراتنا الأساسية (الحقيقة، الكينونة، الخير، إنكار الذات، الشفقة)، يقذف بفقد الثقة على هذه القيم الآنف ذكرها. إن انهيار المعالم يحدث تشاؤماً معمماً ونفوراً من الوجود. يعرض هذا التطور التراجيدي مستقبل الإنسان للخطر فهو الذي يسوغ تدخل الفيلسوف.

الجمعة، 24 يوليو 2015

الفكر الرحّال: جيل دولوز

ترجمة: حسين عجة

Nietzsche by Lunatic Asylum
إذا ما سأل أحدهم ما الذي أصبح عليه نيتشه اليوم، نعرف تماماً نحو منْ ينبغي التوجّه. يجب التوجّه إلى الشباب الذين يبدأون بقراءة نيتشه، والذين يكتشفون نيتشه. فنحن، بغالبيتنا، قد هرمنا. ما الذي يكتشفه شاب حالياً فيه ولم يكتشفه جيلي من قبل، أو ما لم تكتشفه الأجيال التي سبقته؟ كيف يمكن فهم مسألة شعور شباب اليوم من الموسيقين بأهمية نيتشه، بالرغم من أنهم لا ينتجون موسيقى بالمعنى الذي كان ينتجه فيها نيتشه؟ وكيف يمكننا أيضاً تعليل شعور شباب من الرسامين، والسينمائيين بأهمية نيتشه؟ ما الذي يحدث، أي ما هو إداركهم لـ نيتشه؟ كلّ ما نستطيع الإشارة إليه، عند اللزوم، ومن الخارج، هو أن طريقة نيتشه قد طالبت له نفسه، ولقرائه، من معاصريه ومن أؤلئك الذين سيأتون مستقبلاً، بنوع من حق التفسير المعكوس (contresens). إنها ليست أية مطالبة، ما دامت تتمتع بمعايير خفية، لكنها نوع من الحق في التفسير المعكوس الذي أرغب في توضيحه، بعد قليل، والذي يمنعنا من التعقيب على نيتشه كما يُعقب المرء على ديكارت، أو هيغل. أتساءل مع نفسي: منْ هو الشاب النيتشويّ اليوم؟ هل هو ذلك الذي يَعدُّ عملاً عن نيتشه؟ هذا ممكن. أو أنه ذلك الذي يولّدُ، طواعية أو مرغماً، مقولات نيتشوية مُتفردة (énoncés singulièrement nietzschéen)، عبر نشاط ما، انفعال بعينه، أو ضمن تجربة ما؟ ذلك ما يحدث أيضاً. إن أحد النصوص الأكثر جمالاً وعمقاً بنيتشويته، حسب معرفتي، هو نص رشارد دوشايس (Richard Deshayes) الذي كتب فيه «العيش، ليس البقاء»، وذلك قبيل تلقيه لقنبلة أثناء مظاهرة. لا يُقصي أحد الأمرين الآخر. إذ قد يكتب فرد ما عن نيتشه، ومن ثم ينتج في خضم التجربة مقولات نيتشوية.

نشعرُ بكلّ المخاطر التي تتربص بنا إزاء هذا السؤال: منْ هو نيتشه اليوم؟ خطر الدوغماتية ["الشباب معنا"]. خطر أبويّ [نصيحة لقارىء شاب لـ نيتشه...]. وهناك خطر التركيب المقيت (abominable synthèse). يُؤخذ الثالوث التالي كفجر لثقافتنا المعاصرة: نيتشه، فرويد، ماركس. وليس من الأهمية معرفة من هو الذي شرع أولاً. يمكن أن يكون ماركس وفرويد فجر ثقافتنا، لكن نيتشه شيء مُغاير تماماً، فهو فجر ثقافة-ضد (contre-culture). من الواضح بأن المجتمع المعاصر لا يتحرك إنطلاقاً من رموز. إنه مجتمع يعمل فوق أسس أخرى. والحالة هذه، إذا ما تأملنا ماركس وفرويد، ليس إنطلاقاً من نصوصهم، ولكن بالأحرى من ناحية صيرورة الماركسية والفرويدية، سوف نلاحظ بأنهما شرعا، بصورة متناقضة، بنوع من محاولة ترميز جديدة (recodage): ترميز ثان للدولة، بالنسبة للماركسية [«أنت مريض من الدولة، وتشفيك الدولة»، لأنها لن تكون نفس الدولة]-وإعادة ترميز العائلة [مريض من العائلة، وما يشفيك هو العائلة، التي لن تكون نفس العائلة]. ذلك ما يُؤسس حقاً، ضمن أفق ثقافتنا، الماركسية والتحليل النفسي، باعتبارهما بيروقراطيتين جذريتين، احداهما عامة، والأخرى خاصة تتمثل بالعمل على إعادة ترميز ما لا يكف عن الإفلات من الترميز، ضمن ذلك الأفق. على العكس من هذا، لا نعثر هناك أبداً على مشروع نيتشه. تكمن مشكلته في مكان بعيد آخر. فعبر كلّ الترميزات، إنّ كانت في الماضي، الحاضر، أو المستقبل، يحاول تمرير ذلك الشيء الذي لم يدع ولن يدع نفسه يخضع للترميز. جعله يمر من فوق جسد جديد (nouveau corps)، إبداع جسد يمكن أن يعبر فوقه ويتدفق: جسد قد يكون جسدنا، جسد الأرض، أو الكتابة...

الجمعة، 10 يوليو 2015

قناع نيتشه: جان فرانسوا بلودي


ترجمة : الحسن علاج

فريديريك نيتشه
ثمة قرابة عميقة تجمع بين أبيقور (Epicure) ونيتشه (Nietzsche). مُدينا الديانة الخرافية كالمخاتلات الفلسفية، يبدو الواحد كتجسيد مُسبَّق للآخر. عن فن إسقاط الظواهر وتعرية الأمثلات.


«إني فخور بفهم خُلُق أبيقور على نحو مغاير، ربما، أن أي شيء آخر، والتمتع بكل ما أسمع وأقرأ له سعادة ما بعد الظهيرة للحضارات الأكثر قدماً: ـ إني أرقب عينه وهي تتأمل بحراً شاسعاً مُبيَضّاً، فوق صخور الشاطئ التي تسكن الشمس فوقها فيما تمرح صغار وكبار الحيوان في الضوء، مطمئنةً وهادئةً مثل ذلك الضوء وتلك العين ذاتها» [ العلم الجذل ، ص 45]
خلافاً لفكرة يتم تلقيها، فإن مواجهة نيتشه مع قدماء الفلاسفة لا تقتصر على سقراط ، أفلاطون أو ما قبل السقراطيين؛ فقد شكل أبيقور على الخصوص موضوعاً لتأمّل دائم. إن الفضل يعود قبل كل شيء إلى ريشار روس (Richard Roos) الذي سلط الضوء على أهميته في نظر نيتشه، ولاسيما خلال الفترة الممتدة من 1876 إلى 1881، سنوات صعبة [سنوات "إنساني، مفرط في إنسانيته" و"فجر"] وقد كان أثناءها هذا الأخير مريضاً، ما جعله يغادر نهائياً وظيفته الجامعية بجامعة "بال"، ثم دخل في فترة نقاهة طويلة ميزتها رحلات إلى جنوب أوروبا. إن ارتباط الإحالة الأبيقورية بذلك الوضع يكتسي دلالة عميقة: يستعملها نيتشه كتطبيب، عاملاً على إعادة الإمساك بأصل المذهب الأبيقوري، الذي يرتقي بالفلسفة كصيغة حياة، ثم يسعى إلى الحصول على اللذة المستمرة. أدخل أبيقور مذهبه كطبيب: إن هدف العلاج الفلسفي هو بالضبط إشفاء مريضه، بمعنى تخليصه من قلقه وآلامه، ومن ثَمَّ يحقق السعادة؛ يجعل نيتشه من نفسه مريضاً لـ أبيقور الطبيب. وفي الواقع ، فإنه يتذوق لذَّات ذلك العلاج. علاوة على ذلك فإن المظهر الغذائي بالمعنى الحصري للكلمة، الذي يتأمّله، إنه على العموم كمال السعادة الأبيقورية التي يشعر بها مثل تجربة استثنائية، في مناسبات مختلفة، حيث تتجلى متعة طمأنينة النفس في انفعال جمالي كامل، بتوازن وانسجام كاملين [الاسم الإيجابي لطمأنينة النفس هو «galenismos»، حالة داخلية مماثلة للبحر الهادئ ، الـ  «galene»،  وهو ما يلمح إليه المقطع المأخوذ من العلم الجذل]. المَشاهِدُ الطبيعية هي إيطالية أو سويسرية، الجو خريفي، ثم إن رسم بوسان (Poussin) ولوران (Lorrain) يَسكُنُ نيتشه؛ في ظل هذه الظروف يُعَظِّم هذا الأخير «مبتكر طريقة بطولية وعجيبة في التفلسف: أبيقور» [المسافر وظله ، حكمة 295]
حينما حدث الإشفاء فجأة، «حدثٌ غير متوقع بين الكل»، ابتدأت الفترة الفاصلة حيث هيأ نيتشه "قلب كل القيم"، المشيّد على فرضية إرادة القوّة وتطويراتها الجنيالوجية.
يجعل الوضع الفيزيولوجي للصحة عندئذ التأمل الأبيقوري باطلاً، بدون موضوع بعد الآن. تفتح الصحة التفكير، بشكل متلازم، على آفاق جديدة، تفكير "نعم" و [تفكير] "ربما المهلكة"، تفكير ملاحة أعالي البحار الذي يطغى على التأمل الهادئ.
أبيقور، تذكرةٌ (memento) للمرضى والناقهين، من الآن فصاعداً هو عديم الجدوى؟ فحتى وإن حاول نيتشه أن يتميز عنه، مجادلاً عند الحاجة، وفي الواقع فإن مُعَلِّم الحديقة يظل مرجعاً متميزاً، لاسيما وأنه يتحمل بشكل أفضل بكثير من الآخرين التفسير الجنيالوجي. وبالفعل فإن القرابة بين نيتشه وأبيقور تعتبر متينة: لكي يحس مثله، فإنه يفهمه أفضل من أيٍّ كَانَ. لقد توصل أبيقور إلى نوع من الكمال -كمال البحث عن السعادة-، كما أنه يقدم نموذجاً لأبولينية (apollisme) فلسفية حقيقية: تسهم فلسفة التوازن تلك بالإحساس، الحلم، التمتع بامتلاء الأشكال. ضمن هذا المنطلق، سيعمل نيتشه بانتظام على استحضار نموذج الآلهة الأبيقورية -تلك الآلهة ذات شكل إنساني والتي تتم رؤيتها في الحلم-، ثم إن تلك الإحالة ترتبط مع إعجابه بذلك النموذج الذي يتعذر تجاوزه للحياة الفلسفية التي هي تَجَمُّعُ أصدقاء في الحديقة [الآلهة نفسها تعيش في تجمع، نائية بنفسها عن الشؤون البشرية].
يَقيناً أن أبيقور ظَلَّ على الطريق، فلو تمت مباشرة التفسير الغريزي لموقفه: فقد كان يسعى إلى السعادة، التي تُفهم مثل تسكين للمعاناة، من دون أن يتوصل إلى إعطاء الحق للغرائز القوية؛ مفكر أبوليني، فقد فَقَدَ، أو بالأحرى لم يتوصل إلى الاهتداء، بعد العمل على التنقيب على سقراط، أفلاطون، أرسطو، معنى الديونيزوسي. يمكن للتشخيص أن يفشل آنذاك: يعتبر أبيقور «منحطاً نموذجياً»، إلى حد أنه من الأبيقورية إلى المسيحية، فإن النتيجة كانت جيدة: «إني أرى في هذا الأخير [مذهب الخلاص] تطوراً عظيماً للمُتعِيَّة (hédonisme) على أساس مَرَضِيٍّ تماماً. إن ما يمت إليه بصلة أقرب، لكن مع تكملة مهمة للقوة العصبية والحيوية اليونانية، هو الأبيقورية، مذهب الخلاص من الوثنية. أبيقور، منحط نموذجي: كنت أول من يتعرف عليه مثلما هو. -إن خشية المعاناة، وحتى تلك اللامتناهية في الصغر- فهذا ما لا يمكنه أن ينتهي أبداً إلا في ديانة محب»[ضد المسيح]. إن التوقف عند اللذة ، بالتركيز على "لا" [في المعاناة ، في التهييج]، لهو بالطبع حجب للعمق الغريزي المتعدد لإرادة القوة؛ لنفس السبب الامتناع عن فهم عمن يتوجب عليه الهيمنة على تعزيز إرادة القوة، قوة التوكيد اللامتناهية. زد على ذلك أن الأمر لا يتعلق بمعاتبة أبيقور على ذلك: إن فلسفته باعتبارها كذلك تعتبر عَرَضاً (symptome)، فهي تعبر عن انهاك فيزيولوجي معين. إن "الشهامة"، التي يتصدى لها نيتشه في العلم الجذل، هي أولاً أن تفهم من داخل ذلك الوضع، الذي كابده هو ذاته. إذ أنه يُذكِّر بذلك في هذا هو الإنسان: بصرف النظر عن حقيقة أني منحط، فأنا أيضاً عكس ذلك». فلـ نيتشه حصته من الأبيقورية ، بيد أنه تجاوزها إجمالاً. حسم الأمر؟ إن التمسك بتفسير واحد لا يكفي؛ يفرض هنا تفسير إضافي نفسه.

الاثنين، 11 مايو 2015

زرادشت النبي: فرانسوا غوفان


ترجمة : الحسن علاج

« يوجد في حوزتي في الوقت الراهن شيء جيد أزفه إليك: فقد قمت بخطوة جريئة ـ وأعني بالقول واحداً من [تلك الكتب] التي ستكون مفيدة لكم. يتعلق الأمر بعمل صغير [لاتتجاوز صفحاته مائة صفحة مرقونة]، بعنوان هكذا تكلم زرادشت. كتاب للجميع وللاأحد. إنه”قصيدة“، أو ”إنجيل“ خامس(1) أو شيء آخر لايوجد له اسم بعد.(2)»

Caspar David Friedrich
“Le voyageur contemplant une mer de nuages”
هذه هي الكيفية ، التي قدم بها نيتشه ، في 2 فبراير 1883، إلى ناشره، إرنست شميزنر (Ernst Schmeitzner)، ما يصفه كأنه «من مسافة بعيدة يعتبر الأكثر جدية والأكثر مرحًا مما أبدعت، ثم إنه في متناول الجميع».
سيأتيه  الإلهام، على حد قوله، أثناء نزهة بمحاذاة بحيرة سيلفا بلانا، بمقاطعة غريزون [سويسرا](3). وقد أنساه الهواء النقي للجبل لقاءه، مايقارب الخمسة عشر سنة فيما بعد، مع المستشرق أستاذ الفلسفة هيرمان بروكهاوس (Hermann Brockhaus)(4)، مترجم زرادشت الفارسي الأسطوري؟ وعلى الرغم من ذلك فقد كانت مناسبة جديرة بالذكر: ففي هذا المكان التقى ريشار فاغنر(5) الذي لم تكن أخته أوتيليا، سوى زوجة بروكهاوس... هل اختار نيتشه، على الرغم من ذلك، ربط مصيره بالمؤسس الأسطوري لديانة فارسية عتيقة؟ عاش زرادشت(6) في الشرق الأوسط بين الألفية الثانية والألفية الأولى قبل يسوع المسيح وهو من سيؤلف الغاثا (Gathas)(7)، الأناشيد المقدسة إكراماً لأهورا مازدا (Ahura Mazda)(8)، المبدع الأوحد للعالم. والزرادشتية، كديانة سيعمل على تأسيسها أو إصلاحها، ستشكل آنئذ واحدة من الديانات التوحيدية الضاربة في القدم. وبالرغم من ذلك يتوجب على مازدا أن يقتسم خلقه [للعالم] مع الشرير أهرمان (Ahriman)(9). يعتبر كل من الخير والشر في الغاثا رهانين ساميين للحياة .


قلب القيــم
«هكذا تكلم زرادشت» هو على أي حال صيغة اختارها نيتشه بغاية إكمال كل نشيد من أناشيد زرادشتـ(ـه)، قصيدة فلسفية مطولة وفيها تتناوب الأبيات، الحوارات، والمواعظ. نقطة انطلاق الرحلة؟ مدينة يطلق عليها «البقرة المرقطة»(10)...
نيتشه يتلهى. فاختيار الشخصية ذاته هو اختيار ساخر: « اختلق زرادشت هذا الخطأ القدري الذي هو الأخلاق؛ بناء على ذلك عليه أن يكون أول من يعترف بخطئه»، كتب في هذا هو الإنسان (1888). صحيح أن الكتاب لم تكن قراءته سهلة دائما؛ هذا هو حال الحكاية الشهيرة لتحولات العقل الثلاثة(11)، التي تم عرضها منذ الاستهلال، إدانة تامة لمشروعه « في قلب كل القيم ». كان العقل في أول الأمر جملاً -لم يكن نيتشه يعرف أن زرادشت تعني «حادي جمال»-، حيوان قوي بامتياز، يحمل أحمالاً ثقيلة جداَ في الصحراء (رمز العقل الديني التقليدي). التحول الثاني: يصير العقل أسداً، هذا الحيوان الذي يسعى إلى سلب الحرية وفرض إرادته ضد كل واجب. بيد أن الروح -أسد ليس بإمكانه سوى معارضة القيم. فهذه الأخيرة هي التي تقوم بتجديد ما يرغب فيه بطريقة غير مباشرة. إنه « إنكار إلهي»، غير قادر على ابتكار قيمه الخاصة.
سيقول زرادشت الشيء نفسه في وقت لاحق «الإنسان الأخير»: الإنسان المتشكك، الحديث، العدمي، الذي يؤكد احتقاره لكل القيم والمعتقدات، ولأن «الإله قد مات» بالنسبة له، على أنه لم ينجح في إعطاء معنى لحياته. على خلاف ذلك، فإن الطفل، التحول الثالث للعقل، يجسد بالنسبة لزرادشت الـ«بياناً مقدساً». وهو في ذات الوقت براءة ونسيان، فهو لاتثقل كاهله القيم الموجودة، بيد أنه لايتعين كنقيض لها وحسب، مثل الأسد. يعتبر الطفل عقلاً مرحاً، متحرراً، يرغب في إرادته الخاصة، عالمه الخاص، « العود الأبدي لكل الأشياء».

الخميس، 30 أبريل 2015

نيتشه، حياة فلسفية.. كونوا بقـــراً!: ميشيل أونفراي

ترجمة: الحسن علاج
 
لقد تفلسف نيتشه (Nietzsche) بالمطرقة في مستودع الخزف الصيني للفلسفة الغربية. وبالرغم من مجال الانهيارات، فإنه يوجد دائماً متشيعون لتلك الفلسفة المهيمنة، التي تكون الأولوية فيها للفكرة، التصور، التجريد أكثر مما تعطى لشبقية العالم. تفكر الفلسفة المؤسساتية في العالم أقل من تفكيرها في أفكار العالم، إن لها ميلاً أقل للواقع من الولع بالوثائق التي تسوق الحديث عنه؛ وبالتالي فإن عقيدة النص بدون سياق ترتبط بها غالبية أولئك الذين يتطورون في العالم الفلسفي الصغير.

إننا نعرف الثيمات النيتشوية موت الله، العدمية الأوروبية، قلب القيم، العود الأبدي، الإنسان الأعلى، إلاّ أنها تكون بالأحرى الفكر الأخير لـ نيتشه. فقد كان ثمة وجود لذلك، غير أن الإحالة على ذلك لم تكن بالشكل المطلوب، لـ نيتشه الشاب الذي اقترح نجدة أوروبا المنحطة بواسطة الدراما الموسيقية الفاغنرية؛ وبالفعل فإن ولادة التراجيديا تشكل سياسة جمالية، إن لم تكن جمالية سياسية، بهدف جعل الجماهير أرستقراطية من أجل خلق شعب أوروبي عظيم. قام نيتشه آخر بمواصلة ذات المسعى، المؤلف الفولتيري لـ "إنساني، مفرط في إنسانيته"، الذي رسم صورة للـ "عقل الحر"، صورة متحدرة من أبيقور (Epicure) ورغبته في غياب الكدر. ترك نيتشه المتوسطي المكان لـ نيتشه الجرماني قبل نيتشه حيث سيتحول الوطن إلى كون من صحبة الإنسان الأعلى (Le surhomme) إلى صورة رمزية.
تناقضات! يقول الساخطون. لكن هل ثمة تناقض بين ثمرة البلوط وشجرة البلوط التي تصدر عنها؟ فقد دافع غوته (Goethe) عن نظرية لتطور النباتات التي تُرجع تحولاتها للقوة نفسها في تفرعاتها المختلفة والمتعددة، تتغذى جميعها على النسغ ذاته. فإذا كان نيتشه قد وضع نظرية لديالكتيك شعري أعلن عن تحول الجمل إلى أسد والأسد إلى طفل، فلكي يشير، إلى أنه في حياة ما، ثمة زمن لحمل أثقال المثال الزهدي (ideal ascetique)، وآخر لابتكار الذات كحرية و[زمن] أخير من أجل براءة الصيرورة. تطابق ذلك الفضاء الأوتوبيوغرافي للزمن الفاغنيري، [تطابق] الزمن الأبيقوري والزمن النيتشوي للفيلسوف.