ترجمة: حسين عجة
«عندما نتوجه نحو هدف ما، يبدو من غير المعقول أن يكون "غياب الهدف بحدّ
ذاته" مبدأ اعتقادنا.
في كلّ مكان لا
أرى سوى أولئك الذين يفسدون الحياة، وقيمة الحياة».
"ضد-دارون" « Anti-Darwin ».
![]() |
| بيار كلوسوفسكي |
سوف أُذَكِّرُ أولاً، عبر وضعي لما يشبه الخطة، بأن فكر نيتشه
الحقيقي –مع أن مفردة "حقيقي" هذه مُلتبسة تماماً-، لكن حقيقي بمعنى
أننا نتمتع اليوم، بعد أربعين عاماً، بأفضل الظروف التي تمكننا من القبض، عبر منظومته
الظاهرية، وبوضوحه، على ذلك الفكر، وإن ثمة من شيء قد أصبح، من الآن فصاعداً،
مكتسباً، أعني أنه لم يعد هناك منْ يجرأ –كما كان يحدث ذلك قبل نصف قرن من موت نيتشه
تقريباً- على فصل أو وضع تناقض ما بين فكرة "العود الأبدي" (l’éternel retour) وفكرة
"إرادة القوة" (volonté de
puissance)،
أو جعل احداهما تقصي الأخرى. بيد أن نيتشه لن يكون حقاً فيلسوف إرادة
القوة، إن لم يكن أيضاً دكتور العود الأبدي (docteur de l’éternel retour)، وبأن هذا التحديد المُتعذر رفضه، الذي أعطاه هايدغر لفكر
نيتشه قابل، بدوره، لمختلف التأويلات، كما يولد الكثير من المصاعب، وذلك
انطلاقاً من إقرارات نيتشه (déclarations
de Nietzsche).
بارتكازنا على هذه الأخيرة، يمكننا متابعة المراحل المتلاحقة التي حاول نيتشه
عبرها، بابتعاده عن اللحظة الإنتشائية "لسلز ماريا" (Sils Maria)، وبعد ما حَوّلَ الواقعة المُعاشة إلى مفهوم، او
بالأحرى ما يسميه فكرة الأفكار (la pensée des
pensées)،
تقديم نسخة مدعمة علمياً عنها، ومن ثم طرحها باعتبارها دافع إرادة القوة بعينه، ومن
ثم صرّحَ بأنّ الدافع هو الأداة الخفية لعقيدته الإنتقائية (sa doctrine sélective): بتعبير آخر، ولكي نتحدث هنا من وجهة النظر التاريخية المحضة،
العقيدة الإنتقائية، التي تشكل فيها الـ "circulus vitiosus deus" [الحلقة الفارغة للآلهة] الشكل والإشارة (signe et forme).
وذلك ما يؤدي بنا [مثلما تجرأتُ على القيام بذلك في
دراستي] إلى تحليل -أعتقد أنه ضروريّ- المعايير النتشوية للإنحطاط (décadence)، دافع ما هو معافى، ما هو مرضي، ما هو سوقي، ما هو حالة خاصة،
أو متفردة، وبشكل خاص ما يتوافق مع وظيفة الحلقة الفارغة، أي الحالة الطارئة (cas fortuit). من ناحيتي، لقد اقتفيت دائماً خيطاً موجهاً، أي
الخيط الذي بدا لي أكثر رسوخاً للتغلب على وتجاوز الشعور بالغرابة، الذي تخلفه بعض
تأكيدات نيتشه –كل ما ينتج، عبر اثباتاته ومشاريعه، عن تدبير مؤامرة (préparation d’un complot). فإما أن يدير المرء ظهره لهذا الجانب من نيتشه
ويعتبره خداعاً لا يُمثل فكره الحقيقي، أو يقبل بذلك الفكر مثلما كشفَ عن نفسه
بدءً –أي أننا لا نتمتع، حرفياً، بأي معيار للتمييز ما بين الخادع وغير الخادع،
اللهم الإّ إمكانية أو استحالة العيش من نتاج الفكر. لا يخولنا دافع المؤامرة
التعامل مع مفردات "فوق-الإنسانية" (sur- humanité) "السيد والعبد"، "التشكل السياديّ" (formation souveraine)، وبصورة خاصة مع الإيحاء بالمناهج التجريبية، التي
تشترط وجود إدارات انتقائية؛ لا يخولنا التعامل معها باعتبارها مجرد مجازات (métaphores). مؤامرة تحاك ضد التواطىء الأصم ما بين الأخلاق
المؤسساتية ونظرية دارون (théorie darwinienne) [«بالدقة لا ينتج
الانتقاء لصالح الاستثناءات (exceptions)». ولكن فقط لصالح
الضعفاء (médiocres)]. غير أن المؤامرة تتبرعم ضمن فكرة العود الأبدي،
كلما كشفت عن نفسها. تهدف عقيدة الحلقة الفارغة، في نتيجتها النهائية، إلى إلغاء
مبدأ الهوية (principe de l’identité)، الهوية الفردية، وبالتالي
ممارسات خدام القوة أيضاً (suppôts de la
puissance)،
الذين لا يمارسونها، بالرغم من ذلك، أبداً إلاّ حينما يتخيلون من قبلها هدفاً
ومعناً لفعلهم. لكن ولأن الحلقة الفارغة تُحذف مع الهويات المغزى مرة وإلى الأبد،
وتشترط تكرارها اللامتناهيّ (leur
répétition infinie) ضمن كلّ (totale) بلا هدف، لهذا تصبح المؤامرة
المعيار الانتقائيّ للتجريبيّ (critère
sélectif de l’expérimentation). أية سيادة تلك التي تجرأ على التخلي إلى الأبد عن أفكار الهدف
والمعنى، التي تنطلق منها قوة مكونة تمنح نفسها حق الهيمنة، أية سيادة تلك التي لن
تمارس عنفاً آخراً مختلفاً عن العنف العبثيّ؟ سيكون على هذه السيادة أو تلك
التشكلات السيادية (Herrschaftsgebilde) القيام بخلط هيمنتها مع تفككها الخاص (leur propre désintégration)، إذا ما كان الأمر يتعلّق بمؤسسة، بدولة، بالمعنى
التقليدي للكلمة. وبالتالي لا يمكن أن يتعلق الأمر، في فكرة نيتشه، ببناء
نظام سياسي بالمعنى المتوارث عليه للمفردة. لذا لا يمكن تصور مؤامرة نيتشه (complot de Nietzsche) إلاّ إذا ما اضطلعت بها جماعة سريّة (communauté secrète)، لا يُمسك عليها، ومن ثم يمكن استخدامها في أي
نظام. إنّ جماعة كهذه وحدها بمقدورها امتلاك شهية تفكيك نفسها، في لحظة تخطيطها
لما تنوي القيام به كفعل. أي أنها سوف تتفكك حتماً ما إن يستحوذ واقع سوقي على سرّها
باسم المؤسساتيّة. لكن، من جانب آخر، يتحدث نيتشه فعلياً عن قدوم السلطة،
إن كانت سلطة الجماعة السرية، سلطة التجريبيين، سلطة العلماء والفنانين، وبشكل عام
سلطة المبدعين، الذين سيعرفون كيف يتصرفون باسم الحلقة الفارغة ويجعلونها الشرط
الأساسي للوجود العام (existence universelle). وهكذا يقحم موضوع الرعب
التصفويّ (terreur éliminatrice) الذي تُمارسه فكرة العود الأبدي.
كيف يمكنها ممارستها وحسب؟ إن تلك الفكرة، بمحتواها ذاته، تترك كتلة الأفراد غير
مبالية. وسوف لن يتمّ أخذها بجدية إلاّ إذا تُرجم الرعب الضمني فيها إلى أفعال
تتوافق مع محتواها: لا أحد لديه لا هدف ولا معنى سوى المعاودة إلى ما لا نهاية (ad infinitum). لن يستطيع أي نظام سياسي تبني
ذلك، أمّا الأفراد والكتل التي لا تتحمل العيش تحت تلك الإشارة، غياب الهدف والمعنى،
فما عليها، مثلما يفترض نيتشه، سوى الإختفاء.





