‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات مترجمة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات مترجمة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 28 يناير 2016

من الأخلاق إلى فائض الأخلاق: فرج الحوار




ترجمة محمد العرابي                                             

                                                                
«وحدها "شُعبةٌ ملعونة" كانت من نصيب؟، من حظي؟، في حياة إنسانية، بالمعنى الأكثر امتلاء (...) "الشُّعبةُ الملعونة"، هي تلك الخاصة باللعب، وبالمصادفة، وبالخطر. إنها أيضاً تلك الخاصة بالسيادة»
جورج باتاي، الأدب والشر، ص 25.


1-   العقل والإلهي
   توجد مسألة الشرّ في قلب أعمال جورج باتاي. وقد نجد أثر هذه المسألة مبثوثاً في أعمال روائية، مثلما في
Olivier de Sagazan Peinture
دراسات للكاتب. ومن المفيد أن نضيف في هذا المعنى أنه فضلاً عن مجموع المقالات الموسومة بـ "الأدب والشر" فقد عالج جورج باتاي إشكالية الشر في سلسلة من المحاضرات والمقالات، نذكر أهمها: "الشرُّ في الأفلاطونية وفي السادية"(1)، "ساد والأخلاق"(2)، "نقاش حول الخطيئة"(3)، "المقدس في القرن العشرين"(4)، "أخلاق ميلِّر"(5)، وأخيراً "في العلاقة بين الإلهي والشر"(6).
   في أصل التعارض خير / شر يوجد، حسب باتاي، التعارض مادة / نفس، حتى لو «لم نصرح عامة بأن المادة هي الشر وأن النفس هي الخير»(7). لكن من الصحيح بالمقابل أن «الديانات الكبرى تتفق على إعطاء المادة معنى الشرّ والنفس معنى الخير »(8). هذا التعارض الذي يعتبره البعض ساذجاً يتحكم فيه مفهوم أفلاطون الذي عرضه في مؤلفه عن الأخلاق، والذي يفيد ما يلي: «إن الخير ليس هو النفْس، ولا هو الفكرة، ولا العقل، إنه سلطة العقل؛ وعليه، فسيكون الشرّ هو العقل الخاضع للمادة، وهو إذا تعلق الأمر بالأخلاق، العقلُ الخاضع للأهواء. وبذلك نشهد بداية الشرّ مع رجحان كفة الأهواء على العقل»(9).
   وفي مقابل هذا المبدأ الأفلاطوني الذي بموجبه يكمن الشرّ «في تحكم الأهواء في العقل»(10)، تضع الأخلاق السادية [نسبة إلى ساد] المبدأ الشرطيَّ المتمثلَ في أن الشرَّ يكمن «في تحكم العقل في الأهواء»(11). وعلى هذا الأساس يُدين كاتب "الفلسفة في صالون السيّدات". ويعتبر هذا العمل «عموماً تمجيداً للقتل»(12)، ولقسوة عقوبة الإعدام بدعوى «استحالة أن يتمكن القانون من الحصول على نفس الامتياز [الذي للأهواء]، لأن القانون، البارد من ذاته، لا يستطيع أن يكون مشرعاً على الأهواء التي يمكنها أن تبرر للإنسان الفعل الوحشي للقتل»(13).
   التعارض غير القابل للاختزال لهذين المبدأين هو أصل المأزق الّذي يواجهه الإنسان بدون هوادة والمتمثل في ما يلي: «إن السيادة، أي الكلمة الأخيرة، تنتمي إلى العقل –الذي يمكِّن من تصور الزمن الآتي–أو تنتمي إلى الأهواء– التي ليس لها من أفق آخر سوى اللحظة الراهنة»(14).
   في الرؤية الدينية، «الخير هو الله (...) والأخلاق هي حُكمه»، أمّا في الرؤية المناقضة، فإن الأخلاق تتحكم فيها "القيمة العقلية للفعل" وحدها. لكن إذا أدرك الموتُ الله، فإن الأخلاق ستجد نفسها حتماً قد جرّدت من مبرر وجودها، و«القواعد الأخلاقية التي نخضع لها» تفقد معناها. حينها لا يتبقى لنا إلا أن نقبل بالمبدأ العقلي القبلي، بأن الإنسان مرغم على «اصطناع الخير غايته حالة من الأشياء المستحبة» لاسيما وأن «كل الناس متفقون على حقيقة أن هذه الحالة تستحق أن يُسعى وراءها»(15). فقط علينا أن نقبل فضلاً عن ذلك بأن هذه الفرضية، التي تجعل «البحث عن توافق لاحق ومشترك» و«البحث عن اللذة الراهنة والخاصة» يدخلان في تنافس بينهما، لن تكون مضمونة من طرف الجميع. وسيكون هناك دائماً شخص «لا تتوفر فيه فضيلة الصبر»(16)، ولن يتم إدانته، وليس مقبولا أن يتم معاقبته على خلفية موقفه.
   هاهنا يكمن الدليل على «أن الخير لا يمكن أن يكون حافزاً للتصرف وفقاً للعقل، لأن العقل ليس له من شيء في ذاته يمكنه أن يتجاوز الموافقة»(17)، ولا أن يستدعي "العقل الإلهي". وعليه فإن كان الله مات، فقد دفع هذا إلى افتراض أن موته راجع «إلى كونه كائناً من عقل»(18). بكلمات أدق: موت الله راجع بشكل رئيسي إلى كون «سيادته أعلنت عن التحكم في الأهواء بواسطة العقل. وجعلها اللحظة خاضعةً وتابعةً للمستقبل. فيما العقل في ذاته كان هو الهوى الأصيل، والمستقبل، واللحظة الحقيقية»(19). فضلاً عن ذلك فإن مفهوم الله المرتكز على المبدأ القائل بأن «العقل إلهي، وبأن «الجوهر الإلهي عقلاني»(20) يصبح للأسباب التي سبقت، غير مقبول بالكامل.
   معنى ذلك أن الحجة الإلهية لا يمكن أن تدرك نفسها بطريقة أخرى إلاّ باعتبارها كياناً عقلياً. الفرضية القائمة حول إله لا يعتبر تجسيداً للعقل هي أكثر عبثية من القول بأنه «نتيجة خارقة للجهل الإنساني»(21). إنّ هذا الجهل الأساسي هو الّذي يمنع من التعرف، «في غمرة الليل، على الكتلة الصامتة، المتهدِّدة، وغير المفهومة»(22)، أي بعبارة أخرى ما يسميه باتاي في مكان آخر "الشّعبةُ الملعونة". وعليه، فإن الإله الذي كان في الأصل يتطابق مع "أخلاق العقاب"، يعطى معنى لغير المفهوم بمطابقته مع المنع. فقط غير المفهوم يبقى شاملاً، تماماً ككلب مسعور يضع صاحبه «طوقاً حول رقبته»(23).
   إذا كان علينا إذن أن نقبل بأن الإله ليس «شيئاً بدون الأخلاق»، فيتوجب علينا أن نقبل أيضاً «أن الحديث عن أخلاق بدون عقاب قائم على توافق الهوى غير المبرر مع العقل، ليس حديثاً عن الأخلاق، ولكن عن حساب»(24). والخلاصة التي تنتج عن كل ما سبق تتمثّل في ما يلي: «إن الأخلاق لا تبدأ إلا إذا تم تغيير وجه العقل نفسه، على شاكلة غضب من ألوهية، ومن هوى غير مبررَين لكنهما خاضعان مع ذلك لقوانينه»(25).
   في هذه الحالة، سيغدو ممكناً القبول بأن «احتدام الأهواء سيكون هو الخير، الذي لا يمكن أبداً أن يكون تابعاً لبرودة القوانين النفعية، وبأن القوانين قد وضعت لتخدم الإنسان»(26). بالاستناد إلى هذه الأطروحة، يقدم باتاي الحجة التالية: «منذ اللحظة التي لا يعود فيها العقل إلهياً، لا يعود هناك ثمة إله»(27)، ومنذ اللحظة التي لا يعود هناك ثمة إله، يصبح كل شيء ممكناً.
   في محاضرة تعالج نفس المسألة [أخلاق أفلاطونية وأخلاق سادية]، يدقق باتاي بهذا الخصوص: «إذا نجحنا في فك الارتباط بين الأخلاق والإلهي، وبالضبط لو نجحنا في فك ارتباط العقل مع الإلهي، فإن التوافق العميق يكون قد رسا، ويكون الغضب الأخلاقي قد تم التخلص منه بشكل حاسم». النتيجة الحتمية لهذه «الوضعية المفتوحة بشكل كامل، والجديدة بشكل كامل» هي أن الناس سيفقدون المعنى والغاية اللّذين من أجلهما يتصرفون. «لا نعود نعرف حقيقة الأمر، يضيف باتاي، حينما نقول بأن شيئاً ما هو خير ما دمنا لا نعرف على أي أساس نعد الخير خيراً»(28).
   بحسب باتاي، هذا الالتباس يعود إلى «القسمة الأساسية والأصلية لمبدأين»(29) هما: النفس والمادة. وتفسيره: «ما دامت هذه القسمة قائمة فستكون دائماً هناك، مهما قلنا، أفضلية للنفس على المادة، وستحظى النفس بكل الأفضلية القابلة للإدراك، بما في ذلك الإلهي من جهة والعقل من جهة أخرى»(30). يتعلق الأمر من وجهة نظره، بقسمة ثنائية بمقتضاها «يجب أن ينظر إلى الإلهي كاختزال لمفهوم المقدس»(31). والمشكلة تكمن في أن هذا المفهوم الأخير لا يمكن أن ينظر إليه كشيء يمكن اختزاله في العقل»(32). هذا الانزلاق من مفهوم إلى آخر [من المقدس إلى العقل] سيكون من نتائجه وضعهما كليهما معاً، ضمن "العالم المتعالي" هذا فيما من الواضح أن «المقدس هو تحديداً نقيض المتعالي(33)، و [أنه] بشكل أكثر تحديداً محايثة(34)»(35).

الخميس، 26 نوفمبر 2015

سيادة الشرّ؛ جورج باطاي... والبراءة الآثمة للأدب: فيليب جورون



ترجمة ميلود خيزار
                                                               

Death and the Maiden, by Hans Baldung Grien
  في "الأدب والشّر"، الصّادر عام 1957 متناولاً مجموعة مقالات نشرت بداية بمجلة "نقد"، يكوّن جورج باطاي (1897-1962) فكرة موجعة وواخزة متعلّقة بحرّية "كيان" كلّ إنسان في مواجهته للضّغوط التي «تفرضها  حرية الآخرين».
  هذا الخط الفكري، المتداول على نطاق واسع من قِبل الفلسفة، والشّهوي من نواح كثيرة، لم يكفّ عن توجيه حياته وأعماله.
  هذه الحريّة التي أُريدَ لها أن تكون في حالة فلتان، بفهمها على أنّها سيادة، هي في مركز هذه الاختلافات الفلسفيّة، هذه التجاوزات السّوسيولوجيّة، هذه التّأشيرات الأنثروبولوجية وبالطّبع، هذه الإفضاءات الأدبيّة التي لا تتردّد في ممارسة "الخلاعة"، و الأدب "البُرازيّ" والفساد للدّلالة على جوهر الرّابطة الاجتماعيّة التي تستنزف أفعالها في متخيّلات عديدة الأشكال، والأكثر فضائحية منها.
   ثلاثة منظورات ترتسم بقراءة هذه الدّراسة، والتي تسمح باستيعابها وفق مراحل تحليليّة عديدة. للوهلة الأولى، يتعلّق الأمر تحديداً بمساهمة نقدية أدبيّة تطبيقيّة على عدد من أعمال وسِير لكتّاب يتمثّلون إشكاليّة الحريّة هذه في مواجهتها المستمرّة للشّر، بهذا التّجسيد المبتكر بكلّ عناية لـ "نحن- ذاتنا" مصطدماً بمبادئ أخلاقية تشدّه وتضمن له هكذا بعض الصّلابة. تهتم الدراسة بثمانية كتاب جسّدوا، حسب باطاي، هذه الحرية المذنبة: اميلي برونتي، شارل بودلير، جول ميشلي، وليم بليك، دوناتيان دو ساد، مارسيل بروست، فرانز كافكا وجان جينيه. وفي خطوة تالية يتعلّق الأمر بمقالة عاكسة للإنتاج الأدبي الخاصّ لمؤلفه، والذي نُشر جزء منه خُفية وبأسماء مستعارة عديدة(1). ثمّ وفي مقال ثالث، والذي يُعدّ بالنّسبة إليه فرصة لاستكشاف فورة الواقع في الخيال، يفحص عقد العلاقة المقامة بين فكرة وجود شرّ جنسي وبين فكرة أدب سيادي، لإظهار التّنامي السّوسيولوجي للعمل الأدبي المنخرط تحت هذا السّجلّ، بعيداً عن هذه المتاهات السّيكولوجية والتي من شأنها أن تدعم تواصلاً ممكناً بين المؤلّف والمتلقي.
  بدايةً سأمتنع عن تناول البُعدين الأوّلين للمقال موضوع البحث: البُعد المرئي، للتّحليل النّقدي الممارس على الأعمال المعنيّة أو للتّعليقات التي تناولتها؛ والبُعد الخفيّ، للتأمّل الأدبيّ والشّخصي. سأكتفي فقط بالبُعد الثّالث والذي هو ليس أقلّ أهميّة: ذلك الذي يكثّف بشكل ما كلّ سّوسيولوجيا باطاي بمجموعة مفاهيم- مفاتيح تُحيل إلى بعضها البعض. بالفعل، كدراسته المتعلّقة بالإيروسيّة المنشورة في العام ذاته(2)، يجب أن تُفهم، و بالّدرجة ذاتها، دراستُه "الأدب و الشرّ" في ضوء "خطوط القوّة"، ولكن أيضا "الشّقوق والكسور" [المعرفيّة أو الموضوعاتية] التي شكّلت الجهاز النّقدي لسوسيولوجيا باطاي في النّصف الثّاني من حياته.
  يقدّم المؤلف لملاحظته على الغلاف الخلفي [أوّل اتّصال بالقارئ الذي يتعامل مع الكتاب – الشّيء] بمثابة إدراج أو تحذير لتحديد مساحة الفرق بين الحيوان والإنسان، انطلاقاً من شرط مراعاة هذا الأخير لتوجيهات القواعد التي توفّر منهج السّلوك والمحظورات التي تشكّل جملة مثبّطات(3).
   إذا كانت هذه الأخيرة تفرض نفسها في المقام الأوّل كحدود يسعى ضمنها الاجتماعي إلى تنظيم نفسه وبالتّالي تفادي الوقوع في التّلاشي الفادح لمسألة استمراره، إلّا أنّها تظلّ غامضة، لأنّها تحيل إلى واجب الإنسان في تخطّيها وانتهاكها وسلوك مسارات محظورة. بحيث لا يعكس هذا الانتهاك جهلاً لدى من يموت بل نوعاً من الشّجاعة. هكذا، وكما يؤكّد باطاي في دعوة الإدراج، «الشّجاعة الضّرورية للانتهاك هي بالنّسبة للإنسان إنجازٌ» نعثر عليه في الحياة بشكل عامّ، وفي التّجربة الاحتفاليّة(4)، في الثّورة السّياسية والنّشاط الإيروسي والضّحك والإحراج، والقتل ولكن في الأدب أيضاً، وبخاصّة في الشّعر، الذي يمارس باستمرار دائريّة الإعجاب والتخلّي في اختراع الشرّ، يعني عند مشارف اكتشافه ونداء مسالكه الصّعبة. الشرّ هو، أساساً، تحدٍّ إزاء الموت الذي يجذب ويمدّد الحياة للقطع مع كلّ شيء.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2015

الكتابة والشرّ: آرثر ر. باولدرل

ترجمة محمد العرابي                                                 
                                                                

الكتاب يتحدثون عن النتانة (1)
كل كلمة هي شرَك (2)

تمهيد وأطروحة
Troy Henriksen - Devil Blues
   التأملات أدناه مدينة بوجودها للبحث الذي استمدت منه عنوانها: أي البحث عن تقارب، أو حتى بالأحرى: البحث عن قراءة يمكن أن نقول عنها إجمالية، لأنطولوجيا جورج باتاي الصادرة لأول مرة في نسخة أصلية بالفرنسية في 1957، بعنوان "الأدب والشر"، ومن جهة أخرى إلى مجموع الدراسات المكونة لكتاب جاك دريدا: "الكتابة والاختلاف"، الصادر في نسخته الفرنسية أيضاً، عشر سنوات بعد ذلك.
   عنواني – الذي يتضمن الموضوع والمضمون الأصليين لمقاصدي – يحِلُّ كما نرى، الكتابة مكان الأدب والشر مكان الاختلاف: وهي مناورة للاستبدال تستفيد، على الصعيد الطباعي والدلالي باستثمارها علاقات استبدالية [بارادغماتية] استراتيجية بين الأدب والكتابة من جهة، وبين الشر والاختلاف من جهة أخرى، من تجاورهما التركيبي وتُمثِّل إذن قلباً للعبارة يتَّبع منطقاً تكميلياً أو بدقة أكبر: تقوم إمكانيتها في ذاتها على منطق التكملة. وهذا الشكل يَخلُق ذاته عن طريق خطاب فلسفي وبالاعتماد على هذا الأخير [وإذن ليس في إطار الخطاب الأدبي أوالأخلاقي – أي فيما يسمح بالتفكير فيه، بل وفي ما يفترض صبغة أخرى ويقود كذلك إلى نتائج مغايرة]؛ وهذا ما يفسر أن الفلسفة، المهملة هنا تقريباً، لها أحقيتها في أن تكون الكلمة الخامسة تقريباً باعتبارها تتوسط الكلمات الأربع السالفة أو على الأصح المضمرة فيها تبعاً لتأملاتي – وعلى هذا، فكلمة "فلسفة" توجد هنا بالمعنى الذي هي عليه عند باتاي، الكاتب، الذي أجرى حوله الفيلسوف دريدا أبحاثه مقتفياً خطواته على هامش الفلسفة.

أدب                                    شر

كتابة                                    اختلاف
______________________________
كتابة                                     شر
            فلسفة
                (أدب)                                (اختلاف)               
  
مع هذه المناورة الشكلية، أو التي تظهر للوهلة الأولى أنها كذلك، يكون الخيط الناقل للمحتوى الذي يفرضه علي عنوان الكتابة والشر [بعنوانه الحافّ بمناطق الظل، بنسخته السالبة أو الموجبة، التي تشير شئنا أم أبينا: إلى الكتابة والاختلاف] قد تم تحديده سلفاً. يتمثل هدفي في أن أبين كيف أن باتاي، ومن بعده دريدا [من بعده، وليس من قبله]، يضعان مفاهيم الأدب، والكتابة، والاختلاف، والشر، في علاقة ببعضها البعض، وكذا طريقتهما المختلفة لإدراك علاقة الأنا بالآخر [هذه التنويعات المختلفة، بما فيها الانقسامات إلى فروع ثنائية متجانسة- متنافرة أو عقلانية-لاعقلانية] بحيث أن الانطلاق من هذه  النقطة بالذات، لا يجعل مفهومنا عن الفلسفة [المنظور الشكلي أو الخارجي، تقريباً] فقط، بل وحتى فهمنا للأخلاق [المنظور العملي أو الداخلي] معنيين بهذه العلاقة ويشكلان موضوعاً لتغيُّر جوهري؛ داخل هذا السياق ينصرف تفكيري الأساس نحو الأولى بينما يبدو الثاني ضمنياً ولن يحظى بالدراسة المفصلة – لضيق الحيز من جهة، ولكن بالأساس لأني لا أحمل صفة فيلسوف للأخلاق أو أني لا أعتبر نفسي كذلك مطلقاً.
     هناك، من جهة، الأطروحة المشار إليها والتي من خلالها يطوِّر كل من باتاي ودريدا في إطار أفكارهما عن الفلسفة والأدب، وعن الكتابة والاختلاف، استعمالاً جديداً ومخالفاً للاستعمال التقليدي لهذه المفاهيم والتصورات المعدَّلة بوضوح عن علاقاتها، مما يؤدي في الوقت نفسه بهذه التصورات إلى إحداث تغيير أكثر جذرية لفهمنا للخير وللشر. وهناك من جهة أخرى، الاعتقاد الراسخ الذي بحسبه يعرض باتاي ودريدا على هذا النحو في كتاباتهما بطريقتهما الخاصة ما سجله ميرلو بونتي بل وصاغه في مناسبتين كرغبات فلسفية بمفهوم برنامج عمل، مرة بالانطلاق من الفلسفة، والمرة الأخرى بالانطلاق من الأدب، فترة قصيرة بعد صدور كتاب "الأدب والشر" لـ باتاي [مصادفة لافتة للنظر، وإن كانت، من خلال كل ما نعرفه، تبقى زمنية محضة]. فمن وجهة نظر ميرلو بونتي، ينبغي علينا أن ننقِّح تصوراً للفلسفة يتأسس على «فكرة قلب العبارة التي تقول إن كل علاقة بالكينونة هي بشكل متزامن فعل الأخذ والتعرُّض للأخذ، الأخذ هو في آن مأخوذ، إنه مُسجَّل ومنقوش في الكائن نفسه الذي يأخذه»(3). تصور للفلسفة من هذا القبيل يريد أن يقول، دائما حسب ميرلوبونتي، بأن الفلسفة «لا يمكن أن تكون أخذاً كاملاً وفعالاً، وليست حيازة عقلية، لأن ما تقبض عليه هو زوال حيازة»(4)، إنها، أي الفلسفة، لا توجد إذن «أعلى من الحياة، في برج عاجي»(5) ولكنها «توجد في الأسفل. إنها تحت التجربة المتزامنة للآخذ وللمأخوذ في كل الحالات. وما تقوله، دلالاتها، لا ينتمي للامرئي المطلق: إنها تجعل الرؤية ممكنة من خلال كلمات. مثلها في ذلك مثل الأدب برمته»(6). وحتى نعطي لهذا الحدث كل ما يستحقه، يتوجب، كما يقول ميرلو بونتي مكان هذا التعليل، أن نحلل الأدب باعتباره «تدويناً في الكائن»(7):
   «الفلسفة، تحديداً كـ "كائن يتكلم فينا"، وكتعبير عن التجربة الخرساء من ذاتها، هي خلْق. خلْقٌ هو في الوقت نفسه إعادة دمج للكائن... إنها إذن خلق بمعنى جذري: خلق هو في نفس الوقت معادلة، والطريقة الوحيدة للحصول على معادلة(...) الكائن هو ما يتطلبه منا الخلق لكي نحظى منه بالتجربة»(8). وهذا هو بالضبط ما يقدمه الأدب حسب باتاي مع الملاحظة التكميلية والتي ليست عديمة الأهمية مع ذلك مقارنة مع ميرلو بونتي، والتي بموجبها يمنح الأدب هذا الشيء ولا يمكنه أن يمنحه إلا إذا اتخذ من الشر موضوعاً له، وإذن إذا صار الأدب في ذاته شريراً من بعض الوجوه، فالسبب يعود، إلى ما يقوم به من وصف للرعب وللفظاعات التي يكون الإنسان قادراً على ارتكابها. وعلى هذا النحو فهو يسمح للإنسان بأن يعيش تجربة نابعة من كيانه وإن رفض القبول بها على الصعيد العقلي المحض باعتبارها تكوِّن حقيقته، والتي يعرف أيضاً مع ذلك أن هذه الحقيقة تشكِّلُه، بحسب كلمات باتاي: تجربة للمستحيل تتطابق مع تجربة الكينونة المبلورة من طرف ميرلوبونتي والتي تأسرنا أكثر مما نقبض عليها ونفهمها، وإذن هي تجربة لنزع الملكية l’expropriation على شكل زهد في الذات. لكن بالتحديد فهذه التجربة التي، بحسب ملاحظتنا التكميلية المنشَّطة من طرف دريدا في مواجهة باتاي، ليست فقط سبق وتكونت، ولكنها أيضاً تحققت في الكتابة، ولا ينبغي لكي تتحقق أن ننتظر حتى تتخذ شكلاً خاصاً من الكتابة، باعتباره أدباً. وتلكم هي الأطروحة في مجملها، التي نتمنى إذن أن ننميها على الشكل التالي [على أنه لا يمكننا مع ذلك إلا أن ندرس هنا إلا جزءاً من هذه الأطروحة]:
    الكتابة تعنى الشر لأنها نوع من التأجيل [اختلاف différance *]، وبهذا المعنى فإنها ترجئ إلى حين الحضور/ المعنى [إنها تكمل عمل الفلسفة إذا كانت الفلسفة كعمل تعني "الرغبة المكبوتة"]، بيد أنها أيضاً تأجيل للشر الذي تدفع إلى قراءته تحت أشكال الفظاعات [لأن الحضور، أي الرغبة المكبوتة أو على الأصح فقدان السيطرة على الرغبات التي لا تعاني من أي تأجيل، لا تنفك عن الشر]. الفلسفة والأدب يتم إذن نقلهما بواسطة الكتابة بل وأكثر من ذلك يتم التقريب بينهما بفضلها: فالفلسفة تمكن من قراءة الشر بالمعنى الذي تكون فيه في الوقت نفسه أدباً – وإذن لا تبقى مجرد فلسفة "خالصة" [عقلية]، ولكنها تغدو مصابة بالعدوى على الدوام بواسطة الرغبة [اللاعقلية] أيّ بواسطة الشر أو العنف.
   هكذا نكون قد تركنا فجأة تمهيدنا وراء ظهورنا ونكون قد وصلنا مسبقا إلى لب الموضوع (in medias res)؛ فلنلاحظ الآن بالتفصيل وبحسب الترتيب التقاليدَ الدلالية للأطروحة التي تمَّ تقديمها على الفور، من أجل اختبار صلابتها، أو على الأقل قابليتها للتصديق. وبشكل أكثر تحديداً، فأنا لا أعطي إذن في الحقيقة إلا هذه المعطيات الأساسية والتي يتأسس عليها التمهيد والتي قادتني الرؤية في شموليتها المنعكسة إلى الأطروحة التي تم وضعها كفرضية تجريبية –أقيم الدليل إذن هنا بعد فوات الأوان (post festum) تقريباً. وبكلمات أخرى، علينا ألا نتوقع أي جديد منذ هذه اللحظة.

الأربعاء، 22 يوليو 2015

الحب والموت عند جورج باتاي: دومينيك غرزوني

ترجمة: كمال فوزي الشرابي

التعذيب الصيني المسمى "مائة قطعة"
تصوروا ما يلي: المشهد يجري في سيارة أجرة. الوقت ليل. الطقس داكن جليدي. جسدان، رجل وامرأة. يتعانقان بلاتحفظ وبعنف غاضب، كما لو أنهما يستسلمان لأقصى نزوات رغبة ملتهبة. رجل ينظر، وقد تجمد في مكان خفي. إنه المشاهد الشبحي لهذا المسرح الذي يلتهب فيه ظلان ويرتعش جسدان. وحيث يحتمل ألا يستطيع الآخرون إلا أن يشاهدوا مشهداً جنسياً عادياً. كان هو يفكّ ألغاز مأساة. انزلقت نظرته تحت الحركات المجونية، ومرت خلف قناع المتع التعذيبي، واكتشفت ما لا يرى: تمزق الكائن الذي يسببه الحب. فجوة رفيعة سيدلف الموت منها عما قريب.
لغز الأجساد التي تتحاب، والنفوس التي تستسلم للإفراط في العواطف. ثمة موت في الحب، وحب في ما يموت. هذا هو النص المملوء بالألغاز لقانون الجنس الذي حاول الكاتب الفرنسي الكبير جورج باتاي أن يبرره في "السيدة إدواردا"، وبذلك جعلنا هنا نلمس نوعاً من الفجائية الوحشية والبصرية، وكان يكتفي بأن يعرضها علينا بتعابير أكثر تجريداً في مؤلفاته الأخرى كـ "الإثارة الجنسية" مثلاً أو كـ "دموع إيروس" أيضاً.
فرضت الحقيقة نفسها جملة على وعي المشاهد. وإنها لحقيقة قاسية. فالجسدان المتعانقان يعيشان موتهما لأنهما يتحابان. وارتسمت في النظرة الخاطفة للمرأة بداهة غبية فيها ملامح العدم. لم تكن تلك النظرة إلا برقاً، ولكن الرجل فهم كل شيء. يقول: «من نظرتها حتى تلك اللحظة عرفت أن شيئاً كالمستحيل يعود. ورأيت في أعماقها تصميماً يسبب الدوار (...) كان الحب في عينيها قد مات. وكانت تشع منهما برودة الفجر وشفافية قرأت فيهما الموت. كان كل شيء معقوداً في هذه النظرة الحالمة: الجسدان العاريان، الأصابع التي تفتح اللحم، يأسي وذكرى رضابي على الشفتين، وما من شيء لم يكن يساهم في هذا الانزلاق الأعمى نحو الموت».


*****
نهاية التتابع في سلسلة هذه اللقطات. كل شيء قيل تقريباً. ويحس الراوي الآن باليقين الذي لا يتزعزع، هو الذي كان متخماً بالقلق حتى الغثيان في مطلع "السيدة إدواردا" ومفعماً بأسئلة لا أجوبة لها. الموت حاضرها، متربص تحت الحياة، ويعرف الراوي أنه يستطيع أن يلمح خطمه الجليدي في هذه الهنيهات الاستثنائية التي يوفرها الحب. إذاً هناك عمل، وهذا هو الشيء الأساسي لدى جورج باتاي: أن يبين واقع ما يحدس به، وأن يجعلنا نحس بما لا يعبر عنه.
وأن يوصل إلينا مباشرة، بنوع من الإيحاء التام، ما تعجز الكلمات عن آدائه: أعني أن ينقل إلينا تجربة الموت. في جميع أعماله يظهر الموت هاجساً. الموت موجود في كل مكان وتحت جميع الأشكال. من الأشكال المتسمة بأقصى العنف حتى تلك المتناهية في الرقة، ومن المتصفة بأنها عادية حتى تلك غير المتوقعة. الحرب، التضحية، الجريمة، شتى أنواع التعذيب... مجموعة أسلحة كاملة. ولكن هذا التراكم للصور المفجعة يجب أن لا يوهمنا، فالكاتب لا يخدع. وهذه الوجوه التي يتخذها الموت لا تعني أن جورج باتاي ينشئ فكرة عن التلاشي، أو عن المفهوم الفلسفي لما وراء الحياة، ولا أنه يتصور شفافية ما لا يخضع لتلمسات الوعي. وهو لا يغفل أبداً عن تذكيرنا، ليتحاشى نظرة الازدراء إلى المطالعة، بأن الموت غير قابل للمعرفة. وبالمقابل فإنه يرى أن هناك حالات من الوعي تقع تماماً على حدود الموت والحياة، وإنها توجد في خط تماس يجعل من الممكن الشعور بما يسميه "الضياع الجزئي"، وهي حالات تشير إلى أن ثمة «وسيلة للموت بالبقاء على قيد الحياة».
واضح إذا أنه لاتوجد لدى باتاي معرفة محسوسة ودقيقة للموت، وإنما لديه طرائق عرضية للاقتراب منه. وهذه الطرائق لا تشكل مجموعة بل تنحصر في طريقتين اثنتين: النشوة والمتعة. وكلتاهما تنجم عن التجربة الصوفية والتماس الجنسي، وكلتاهما أيضاً وجه للمطلق.

السبت، 9 مايو 2015

التجربة-الحد: موريس بلانشو


ترجمة: جورج أبي صالح
مراجعة: فريق مركز الإنماء القومي                                                                   

1
تأكيد الفكر السالب وشغفه

Gilles Berquet
ليُسمح لي، وأنا أفكّر في جورج باتاي، بالتأمل أمام غياب بدلاً من ادّعاء عرض ما يتعيّن على كلّ واحد أن يقرأه في كتبه. وهذه الكتب بالذات لا تشكّل إطلاقاً جزءاً صغيراً جداً من الحضور الغائب، ومجرّد أثر له. إنها تعبّر عن الأساس وهي أساسية. ليس فقط بجمالها وروعتها وقوتها الأدبية التي لا تضاهيها أية قوة أخرى، إنما بعلاقاتها مع البحث الذي تنمّ عنه. ومن المذهل حتى أن يكون فكر بمثل هذا التحرّر من التماسك الكُتُبي قد استطاع أن يتوكَّد إلى هذا الحدّ، دون أن يفضح نفسه، في أثر تحتفظ القراءة بالقدرة على بلوغه: شرط أن تتناوله ثانيةً في مجمل تعابيره وبإبقائها في الوسط، إلى جانب التجربة الداخلية، والمذنب، والجزء اللعين، الكتب التي نشرها باسم آخر غير اسمه، والتي لا مثيل لقوة حقيقتها: إنني أفكّر أولاً بـ السيدة إدواردا (Madame Edwarda) التي تكلَّمتُ عليها سابقاً مسمّياً إياها بضعف «أجمل رواية في عصرنا».
إن من شأن قراءةٍ كهذه أن تزيل النعوت التي نحاول بواسطتها أن نجعل ما نقرؤه مثيراً للاهتمام. بالتأكيد، إن الجمع بين كلمات الصوفية والشبق والإلحادية يسترعي الانتباه. فالتكلم على كاتب معاصر وكأنه إنسان دخل في حالة انخطاف وتصرَّفَ تصرفاً إلحادياً ومدح الفسق واستبدل المسيحية بالنيتشوية والنيتشوية بالهندوسية بعدما طاف حول السرّيالية [إني أختصر بعض التقارير السليمة النيّة] يعني تقديم الفكر في عرض مسرحي وخلق شخصية خسالية دون أقلِّ اهتمام بدقائق الحقيقة. من أين تأتي هذه الحاجة إلى عدم البحث عن الحقيقة إلاّ على مستوى الطرفة وبواسطة زيف الإثارة؟ بالطبع، إن كلاًّ منا –كما نعرف- مهدَّد بغوليمه (Golem)*، ذلك التمثال الصلصالي الغليظ، صُنونا الزائف الصنم الساخر الذي يجعلنا مرئيين والذي أتيح لنا، ونحن أحياء، أن نحتجّ عليه بكتمان حياتنا؛ لكن، إذا به يديمنا، وقد بتنا أمواتاً: كيف نمنعه من أن يجعل من اختفائنا، ولو كان الأكثر صمتاً، اللحظة التي يتعيَّن علينا فيها، وقد حُكم علينا بالظهور، أن نجيب بسرعة على الاستنطاق العام بالاعتراف بما لم نكُنْه؟ وأحياناً يكون أقرب أصدقائنا، ذوو النيّة السليمة بالتكلّم عنا وحتى لا يتخلّون عنا بسرعة زائدة عند غيابنا، هم الذين يساهمون في هذا التنكير الخيّر أو المؤذي الذي سيرانا فيه الغير من الآن فصاعداً. كلا، لا خلاص للأموات، الذين يموتون بعد أن يكونوا قد كتبوا، وأنا لم أميّز قط في الخلود الأكثر مجداً غير جحيم متكلّف حيث يظهر النقّاد –نحن كلّنا- بمظهر شياطين حقيرين.
لقد فكّرت في هذا طويلاً، ومازلت أفكّر فيه. لا أرى كيف يسعنا أن نستحضر بعبارات صحيحة فكراً بمثل هذا التطرف والحرية، إذا كنّا نكتفي بتكراره. ويصحّ هذا عموماً على كلّ شرح. فالشارح لا يكون أميناً عندما ينسخ بأمانة؛ فما يستشهد به، الكلمات والجُمَل، بفعل كونها مستشهداً بها، تغيّر المعنى وتتجمّد أو بالعكس تأخذ قيمة مفرطة الكبر. فالتعابير القوية جداً التي يجوز لجورج باتاي أن يستعملها تخصّه هو وتحتفظ، تحت سلطته، برزانتها؛ لكن، أن يحدث لنا أن نتكلّم بعده على يأس ورعب وانخطاف ونشوة، فلا يسعنا غير أن نشعر بخَرَقنا وأن نشعر أكثر بريائنا وتزويرنا. لا أقول إن استعمال لغة مختلفة تماماً، مجرّدة من هذه الكلمات الهادية، يقرّبنا أكثر من الحقيقة، لكن القراءة تبقى، على الأقل، سليمة في وفاقها الأكثر براءةً مع فكر مصون.
ضمن هذا المنظور، أعتقد أن عمل الخطاب المصاحب –وهو عمل يجب أن يميل إلى التواضع- سوف يقتصر على اقتراح نقطة يمكننا أن نسمع منها بوجه أفضل ما ستبرزه القراءة وحدها. ومع ذلك، يمكن أن تتغيّر هذه النقطة. لنبحثْ أين نأخذ مكاننا حتى لا تُعتبر التجربة-الحد، تلك التي سمّاها جورج باتاي «التجربة الداخلية» والتي يجذب إثباتها بحثه إلى نقطة ثقلها الأكبر، حتى لا تُعتبر بأنها ظاهرة غريبة، وفرادة عقل خارق، بل تحفظ لنا قوتها الاستجوابية. سوف أذكّر بإيجاز بما هو مقصود.

السبت، 18 أبريل 2015

السقف؛ نحو قراءة نسقية: فيليب سولليرز

      
ترجمة: محمد العرابي           
               

«لا شيء يكون مغلقاً أمام من يُقرُ ببساطة بالشروط المادية للفكر».

Andre Masson, Removal
         بنفس الحركة الواثقة والعقلانية يستبعدُ الإنسانُ السويُّ، الإنسانُ المثقف دفعةً واحدةً الموتَ والكتابةَ والتصوفَ والحيوانَ غير المدجَّن، والفجورَ. وبشكل عام، يؤسِّس الإنسان الرصينُ والعاقلُ حياته على الوعي بانقطاع يضمن وجوده الخاصَّ داخل مجتمع مدنَّس، تحظى فيه بالمقابل مفاهيمُ الفرد والموضوع بتوصيفات التقديس. من جهاز إلى آخر، ومن شيء إلى آخر، يلحقُ الشَّرخ الهويةَ المنفصلةَ، الإيمانَ بالحرية، امتلاكَ الذَّات، مصادرةَ الشيء غير العضوي، التشظي في إطار العائلة والشخص. لنمعن النظر مثلا، في المشهد الحضري الذي نجد أنفسنا من الآن فصاعدا محاصرين داخله: إنه عبارةٌ عن أكوام منْ علب متراكبة أو متحركة فوق عجلات لا تزيد الانفصال الجسدي إلا تفاقماً، مقدمةً إيَّاه في شكل إخراجيٍّ يمعمِّم العزلة. والمكان الذي سيشهد نهايتنا، أي المقبرةُ، يَصل بهذه المنظومة إلى غايتهاـ ولا شيء يصدمنا أكثرَ من نَبش القبور، وانتهاك الموتى. وهذا ما أدركته الحركات الثورية، حين عمدت من بين أوّل أعمالها، إلى المساس بهذه المحاكاة الساخرة للخلود اللصيقة بهالة الموت: هكذا عرَض الشعب في إسبانيا عظام رجال الدين؛ فيما تمَّت في بكين إعادةُ تعميد وتسمية أكوام البقايا البشرية الغربية، باعتبارها رموزاً للاستعمار. وهذه الأعمال لا يمكنها إلا أن تَصدم وعياً منظماً، ومدجناً، وتقوِّض الاطمئنان الذي اختار الإنسان الغربي أن يتحصَّن داخله. كما أنها تؤدي إلى نوع من التدنيس الجذري الذي يُعيد مساءلة واقعٍ عُدَّ غير قابل للمساءلة، ومن ثم تحويله إلى مشهد وإلى خيال وإلى تميمة تُقدم إذن محرومة من المعنى.
     إن العبور من المنقطع (الخاص بعالم حامل للدلالة مشكَّل من أفراد وأشياء) إلى المتصل (المتجلي من خلال الموت، والعنف والثورة) يستعيد اللعبة الأساسية للمنع (l’interdit) والانتهاك (la transgression). فتاريخيا اعتبرت كل من الحيوانية والتضحية والنزعات الدينية الباطنية، وما سمي بـ الجنون أو بـ الإيروسية [بيد أن هذه الكلمات لم تعد من قاموسنا]، وأخيراً الاستعمال اللامتناهيَ للغة [الأدب] وإن كان ذلك يحتاج مزيد إيضاح، اعتبرت حتى وقتنا الحالي مؤشرا على الأمكنة المثالية لهذا العبور المتواصل والغامض.
    ونقر بمساهمة جورج باطاي في إعادة التناول والدراسة المنهجية للروابط الموجودة بين هذه الحركات. بهذا المعنى تختطُّ مؤلفات الإيروسية والنصيب الملعون (الحصاد التطبيقي لمؤلف: التجربة الداخلية) مساراً فكرياً لم يكتمل بَعد، مساراً سريعاً ومُحرقا لاقتصاده نفسه. «ألمح في مجموع هذه الحركات، يكتب باطاي، تشنُّجاً يعرِّض الحركة الشاملة للكائنات للخطر»: نعرف بأنَّا مدعوُّون لأن نصبح هذا التشنُّج الشمولي، ومع ذلك يبقى لنا جانبٌ نتمكن من خلاله ليس من احتوائه أو رؤيته، ولكن من تحديد مداه الحقيقي. ونظراً لوجودنا، من دون شك، في عالم يُحتضر، وباعتبارنا هذا التكرار المُنحطّ الذي يحتضر: فما زال في جُعبة الموت الكثيرَ ليُخبرنا به، هنا، والآن، في هذا الزمن الشائخ، المُتخم والمسدود.
    يعتبر كتاب الإيروسية كتاباً واضحاً. ولكنه أيضا كتابٌ مِلحاحٌ وتكراري، بحيث لا تعلن أطروحته عن نفسها، على ما يبدو، بسبب بساطته البالغة. ينبغي ألا يُنظر إليه فقط، بكيفية سطحية، على أنه مجرد مرافعة لصالح الانتهاك أو الخرق. ولتشكيل الرؤية العامة المقترحة هنا من طرف باطاي، ينبغي الانطلاق من المعطى الأساسي للعلاقة منع/خرق، بإعطاء الكلمتين نفس القيمة، مع التنويه بكل ما يقتضيه ذلك من وضوح بأن هذا الزوج لا يكتسب دلالته إلا في علاقة أحد طرفيه بالآخر. بيد أن الصعوبة تكمن فيما يلي: مع نزوع كلمة انتهاك لمحو وإقصاء كلمة منع [في مجتمع فقد المنع كل قيمة لديه] يصبح من الواجب البدء بإعادة الاعتبار للمنع، وهذا في مستوى اقتصر على جورج باطاي وحده، لكنه سيغدو منذ اللحظة ـ في وقت يتزامن فيه التراخي والانقباض الذي تتعرض له ثقافتناـ الميدانَ الذي سيجري فيه بالنسبة لنا مصير الفكر اليقظ. وهذا المستوى، في كتابة باطاي، هو مستوى التقابل الظاهري خطاب/صمت ولما يمكن فهمه من الكلمات الملتبسة لـ التجربة الداخلية. نقطة واحدة تظل في حاجة إلى تفصيل.ـ وستبقى ربما كذلك.ـ وكل الجهد ينبغي أن يتوجه صوب هذه النقطة أو بالأحرى نحو هذا «السقف من الهيكل، ومن سيفتح عينيه جيداً من علو هذا السقف، دون أن تكدِّر رؤيته حبّةٌ من الخوف، سوف يرى العلاقة بينها من كل الزوايا المتقابلة». ومفهوم السقف لا تختزله النقطة المثالية التي يحددها بروتون «كنقطة الفكر التي نكفُّ فيها عن النظر إلى الحياة والموت...الخ. في تناقضهما» بالمعنى الذي لا يجعل المسألة متعلقة في هذه اللحظة بفكر أو برؤية، بل وبشكل أكثر مادية، بـ  فضاء وبالأخص بعلاقات، لأن الفرق جوهري بين الصيغتين [وهذا ما يمكننا دون شك، من فهم كيف يوجد كل من باطاي وبروتون على النقيض من هيغل]. وبالفعل لن تعود المسألة هي مجرد: ماذا يمكننا أن نراه من موقعنا على السقف؟ ولكن أيضا: ما هذا السقف في حد ذاته؟  واستطراداً: كيف يُعقل أن أحداً من حيث المبدأ لم يشغل نفسه بالتفكير بوجود سقف؟

السبت، 11 أبريل 2015

حياة جورج باتاي: أندريه ماسون

ترجمة: رويدة سالم

أندريه ماسون
   كان عددنا محدوداً على مقاعد الدرس، في شتاء 1918، رغم تواجد بعض من غير المهتمين بالدراسة ضمن دفعة طلاب تحمل بذرة لثلاثة متفقدين عامين وثلاثة أمناء عموم للمكتبات، وقد بدا جورج باتاي الأكثر موهبة بيننا للقيام بحياة مهنية باهرة على مسارات الطرق التقليدية للتحصيل المعرفي.
   ولد لأب طبيب توفي شاباً في "بيلوم" في "بوي دي دوم" يوم 10 سبتمبر 1897 وكان جورج ذاته معتلّ الصحّة لذلك تم إعفاؤه، بعد بضعة أشهر، من الخدمة العسكرية.
دخل مدرسة "شارت" لأنه كان مأخوذاً برومنطيقية القرون الوسطى التي اكتشفها عندما زار كاتدرائية "ريمس" وقرأ "الفروسية" لـ ليون غوتييه. وقد استعد لامتحان القبول بروح الفارس ليلة "حفل تنصيبه". وبما أنه كان مغرماً بالبحوث اللفظية ومليئاً باحتقار التركيبات الكلاسيكية للجمل، فقد عكف على دراسة الكلمات نصف البربرية التي شكلت المرحلة الانتقالية من اللاتينية إلى الفرنسية.
مثّل لحن القديسة سانت أولالي التعويذة التي كانت تساعده لإعداد دروسه وكان يعرض بحماس، وبصوت أجش، التعدادات الطويلة لدروس فقه اللغة، التي كانت تسجلها ذاكرته القوية دون عناء.
    في تلك السنة الأولى في مدرسة دي شارت، كانت "اللاتينية الصوفية" لـ ريمي دوغورمون كتابه المفضل كما كان أول إنتاج له، الذي لا يذكره أي مدون مراجع، "لوحة" عن "نوتردام دو ريمس"، وهي من أسوأ ما وضعه "هيسمان" وقد كانت مشبعةً بحماسة ستتحول بعد مدة قصيرة إلى مثالية مختلفة جداً.
    في لقاءاتنا في "باريس" -نحن شباب المحافظات الذين يسكنهم حنين العاصمة- كان يحب أن يذكر المناظر الطبيعية القاسية والعظيمة لـ "لوفارني" وبيت جده المتواضع في وسط البلدة قرب الكنيسة الرومانية وجولاته الطويلة في الجبل وزياراته لـ"سالارس". لو وجب عليّ تعريفه في ثلاث كلمات لكتبت: رومانطيقي ومتدين ومغرم.
   غرامه بفقه اللغة الرومانية جعله يختار موضوعاً لأطروحته نشر قصة شعرية من القرن الـ 13 عنوانها "نظام الفروسية".
إثر تخرجه من المدرسة ذهب إلى "لاكازا فيلاسكيز" ثم دخل إلى مكتب الميداليات وتتوافق منشوراته بين 1926 و1928 مع ما يمكن أن نتوقعه من ذلك النوع التقليدي من خريجي "شارت" فقد مُنح مركزاً ممتازاً في دار النشر الكبيرة في شارع "ريش ليو" حيث نجد له ثلاث مقالات علمية دقيقة في مجلة "آريثيز"، الأولى حول عملات الماغول العظماء الموجودة في مكتب الميداليات، والثانية حول علم المسكوكات الساسانية، والثالثة حول القطع النقدية للبندقية في مجموعة الهاردولاي. في نفس تلك الفترة نجد اسم جورج باتاي بجانب أسماء: جون بابيلون وبول ريفيه وألفريد ميترو في مجلد كراسات الجمهورية للآداب المخصصة للفن ما قبل الكولومبي إذ توارى آنذاك أمين المكتبة خلف الأنثربولوجي والمفكر المهتم بالدراسة التحليلية الداخلية أكثر من الشكل والتواريخ وظهرت الميول المستقبلية للكاتب ذي المزاج السوداوي والذي كان يستشهد بالكاتب أوكتاف ميرابو ويقارن الآلهة المكسيكية بالشياطين المنحوتة في كنائسنا دون أن يمنح الأخيرين «عظمة خيالات الأزتيك، الأكثر دموية من بين الذين ملؤوا الغيوم الأرضية» لأنه كان يحب دراسة نزف المذابح البشرية ويبرز «الطابع السعيد المثير للدهشة لهذا القبح المرعب».

السبت، 24 مايو 2014

مولد الفن: موريس بلانشو

ترجمة: محمد خليل فهمي

حقاً إن كل ما في كهف "لاسكو"(*) يملك علينا أنفسنا، ويوحي إلينا بالسحر والروعة: من الجمال المخبوء في طيات الظلام آلاف السنين، والظروف التي صانته، والمصادفة التي كشفت عنه، إلى ضخامة وبسطة في تلك الرسوم التي نراها هناك لا على صورة خطوط بدائية أو زخارف وجلة متردّدة، بل نراها أشبه شيء بكيان نابض بالحياة، يشعرنا بسيطرته الشاملة، حتى لكأنّ المكان أعد عن قصد، وهيء لإظهار وتبيان الإعجاز اللذين أتيحا لفن التصوير.
وما من شكّ أن هذه الرسوم قد فتنت بسحرها ألباب أولئك الذين رأوها لأوّل مرّة، وعقدت ألسنتهم الدهشة بمثل ما عقدت ألسنتنا. ولا غرو، فإن هذا المكان يشع فيه الفن كامل التكوين، وإن كان في مطالع إشعاعاته.
إن كهف "لاسكو" يكشف لنا عن نشأة الفن الحقيقية، فنتبين منها أن الفن إنما جاء منذ مولده يحمل في طياته إمكانيات التحوّل والتجدّد، ولكنه في ذاته كامل الحسن. ذلكم هو ما يشيع في نفوسنا الرضا والإعجاب؛ لأن الذي نريده للفن هو أن ينهض قائماً منذ نشأته، فلا يكون في كلّ مرّة يجيء فيها قوياً راسخاً إلاّ مظهراً من مظاهر تجدّده.
تلك هي الحقيقة وإن بدت ضرباً من الخيال؛ ذلك أنها توجّهنا وتحفّزنا إلى السعي وراء الجمال، وتظهرنا بطريقة ملموسة على الصراع الفريد الناشب بين الفن من ناحية، ونحن والزمن من ناحية أخرى. ولشدّ ما نعجب حين يبدو لنا فن "لاسكو" –أقدم الفنون قاطبة- كأنه وليد اليوم؛ ولشدّ ما تأخذنا الدهشة حينما نرى هذه الرسوم الآتية إلينا من عالم غريب لا تربطنا به أية آصرة، تحلّق بنا في جو من الألفة الوثيقة والاستجابة السريعة، بالرغم مما يباعد بيننا وبين عالمها من غموض.
وهذا العجب نستشعره في كلّ ما يصادفنا من آثار الأحقاب الخالية، أمّا آثار "لاسكو"، حيث يخامرنا شعور بأننا إزاء الزمن السحيق الذي ظهر فيه الإنسان أوّل ما ظهر، فعجبنا حيالها يزداد ويتضاعف؛ وهي، بعد، تؤكد إيماننا بالفن، بل بقدرته التي لا تضلّ الطريق إلى مشاعرنا أبداً، وإن خفى مغزاه أو استترت غايته.
ولقد كتب جورج باتاي (**) في بحث له بعنوان "فن التصوير في عصر ما قبل التاريخ –لاسكو أو مولد الفن"، فقال: «إذا نزلنا إلى كهف لاسكو، تملكنا شعور أخاذ آسر، شعور لا نحسّه عندما نقف أمام واجهات المتاحف، نتأمّل أقدم بقايا الإنسان المتحجّر، أو عُدَده المصنوعة من الحجر. إنه الإحساس بالكيان النابض نفسه، الكيان الجليّ المتوقد، الذي يخالجنا تجاه الآيات الفنية على مدى الحقب والدهور». فما مبعث شعورنا بهذا الكيان النابض بالحياة؟ ولماذا نعتني بهذه الرسوم؟ ألأنها رائعة فحسب؟ بل لاعتقادنا أنها أوّل ما حققه الإنسان من عمل فني، تنشقّ عنه الظلمات مكتملا. وكأنه الدليل على الإنسان الأوّل في ذلك الزمن السحيق، الدليل الذي طالما بحثنا عنه في لهفة يتعذّر تعليلها، وحماس لا يعرف الكلل. فلماذا هذه الرغبة الجامحة التي تدفع الإنسان إلى الكشف عن أصله الأول؟ بل لماذا يبدو كلّ ما يتعلّق بأصل الإنسان ومنشئه وكأنه محاط بغلالة من الأوهام قد تخفي وراءها حقيقة خاوية: حقيقة أوائل الأشياء؟ ثمّ لماذا يحملنا الفن على الظن بأنه قد يمثل هذا اللغز، بل يقطع هذا اللغز باليقين؟ ثمّ ما الذي يحدو جورج باتاي، حين يتحدث عن "معجزة لاسكو"، إلى ذكر "مولود الفن"؟
والحق أن كتاب جورج باتاي عن "لاسكو" الذي أصدره الناشر "سكيرا"، بلغ من الروعة حدّاً يحملنا على الاقتناع بما جاء فيه لا لوضوح عرضه وقوّة حجته فحسب، بل لأن عبارة باتاي الرصينة لا تنفكّ عن الاتصال بالصور التي نقلها الكتاب نقلا أميناً عن رسوم كهف "لاسكو".
ومن أعظم محاسن هذا المجلد القيّم، أنه يتجنب الإساءة إلى هذه الآثار، وإن كان ينتزعها من أعماق الأرض، فهو يجهد أن يجعلها تفصح عن نفسها، ذلك الإفصاح الذي يفوق دائماً في وضوحه وجلائه، كلّ ما قد تسوقه التفسيرات والتعليلات.
هذا، والرسوم التي يزخر بها كهف "لاسكو" تجمع بين الطابع الوقور، والطابع المتوثّب. وما تمثله من أشكال حيوانية نراه حيناً منتظماً منسقاً، وحيناً آخر متشابكاً، متداخلاً بعضه في بعض. ويهمّنا بلا ريب أن نعرف: هل كانت هنالك صلة بين هذه الأشكال وبين طقوس السحر؟ وهل كانت تلك الطقوس تعبّر عن علاقة خفية بين الإنسان القنّاص، وتلك الكائنات التي يعجّ بها عالم الحيوان؟ إنّها طقوس لا ندري عنها شيئاً؛ ومع ذلك، يحاول الإخصّائيون أن يتمثلوها في أذهانهم، مستعينين بما يعرفونه من الحضارات البدائية القائمة في وقتنا هذا، ببعض الأصقاع والجزر القصية.
وتمثلهم لها، وإن كان يكتنفه الغموض، إلاّ أن تأويلهم يستند إلى دراسة جدّية، فيطالعنا برؤى غامضة، قاتمة، معقدة، موغلة في القدم. وإذا صحّ ما ذهب إليه هؤلاء الباحثون من أن عالم "لاسكو" كان عالماً تسود فيه همجية مظلمة، وطقوس غامضة، وعادات لا سبيل إلى الوقوف عليها، فإن رسوم "لاسكو"، على عكس ذلك، تبهرنا بمطابقتها للطبيعة، وتفاجئنا بمرحها الفياض، وصفائها المنير الوهاج. وإذا غضضنا الطرف عن مشهد مخبأ في بئر، وطرحنا جانباً رسماً مشوشاً يعرف "بالليكورن"(***)، تجلت لنا هذه الرسوم كلّها في صفاء وضاء يغرينا بالتجاوب معها في جذل نستشعره لأوّل وهلة دون أن يخالطه شيء سوى الدهشة التي تصاحب عادة الإعجاب بكلّ ما هو جميل رائع.
إنها صور جلية لا لبس فيها ولا غموض، صور ذات طابع رفيع، متقن، فياض، نستشف فيها أصالة متحرّرة، وفناً لاهياً طليقاً، لا يخفي شيئاً وراء ما يظهره، فنّاً يكاد يخلو من موضوع، يكشف عن خبيئته في صراحة جذلة غير هيابة؛ وهو، بعد، فن ربما كان أقلّ بدائية من الفن الإغريقي في أوله (أي الفن الأركائيك)؛ ولشدّ ما يختلف طابعه عن الطابع الملتوي، المثقل، الذي يجتذبنا في فنون القبائل البدائية المعاصرة.
والحقّ أنه لو قدر لفلاسفة القرن الثامن عشر أن ينزلوا إلى كهف "لاسكو"، لكانوا قد تعرّفوا لتوهم على الحياة الناعمة الساذجة التي كانوا يتخيلونها من خصائص المجتمعات في أول عهدها.
إننا نعرف ضآلة حظ هذه التخيّلات من الحقيقة، غير أن فن "لاسكو" –وإن لم يكن بالسذاجة التي توسمها هؤلاء المفكرون في فنون الأحقاب الخالية- يشهد بما يتّسم به فن تلك العصور من "بساطة" معجزة محيّرة، تحيّرنا بسهولة إدراكها، كأنّها قريبة منا، ومع ذلك فهي تستعصي على أفهامنا، وإن كانت أبعد ما يمكن عن فن الغموض والتعقيد.

*****

ذلك هو فن "لاسكو" يأتي إلينا عبر الأحقاب والعصور بيسر وضوحه، وإشراق بيانه، فيطالعنا بحيويته الفياضة التي تحرّك تلك القطعان من الحيوان، وتعيد إلى صورها حياته الموقوتة قوية متدفقة حتى ليخيل إلينا أننا بإزاء أصدق متعة للإنسان، متعة الفرح الذي يغمرنا ونحن نكشف عن روعة الفن.
وإزاء ما يفيض به الفن في "لاسكو" من بشر وإشراق؛ يتابع جورج باتاي رأياً طالما وجهه في بحوثه ودراساته، فيبين أن رسوم "لاسكو" ترتبط في الغالب بالإحساس الجيّاش، إحساس البهجة المتدفقة التي تغمر الإنسان عندما يوقف، إلى حين، عجلة الجهد والعمل، فيعود إلى منابع الفيض الطبيعي، أي إلى ما كان عليه حين لم يكن قد صار إنساناً بعد، فيحطّم الأغلال، وينتهك الحرمات. وبهذه الأغلال التي برزت في هذه المرحلة من تطور الإنسان ثمّ تحطيمها، والمحرمات التي بدت فيها ثمّ انتهاكها-يرتقي الإنسان عن حاله الأولى، ويستجمع قواه: تلك هي لحظة التجلّي والإرهاصات الفنية.
وكأننا بالإنسان وقد بلغ رشده على مرحلتين من مراحل الانتقال؛ فقد مضت ملايين السنين التي كانت تلك المخلوقات ذات الأسماء العسيرة النطق من أمثال "الأسترالوبيتيك" Australopithèque، و"التيلانتروب" Telanthrope، و"السينانتروب" Sinanthrope، تدبّ خلالها على الأرض متدرجة من الانتصاب على أقدامها، إلى استخدام العظام للقتال، ثمّ إلى تهشيم هذه العظام لاستخدام "شطفها"، قبل أن تفطن إلى تحطيم الحجارة، وتسوية شطفها عُدداً وأسلحة. وكانت بذلك تنحرف عن طبيعتها انحرافاً خطيراً، حتى وصلت إلى إدراك معنى الدمار والموت، فتعلّمت كيف تسخّرهما وفقاً لغاياتها ومصالحها؛ وتمّ ذلك خلال الأزمنة الأزلية السحيقة التي ارتقى فيها الإنسان البدائي Le pré-homme إلى مرتبة "المخلوق الكادح" قبل أن يصير إنساناً.
وليس في مقدورنا بطبيعة الحال أن نتمثل "الشعور" الذي خالج ذلك المخلوق البدائي عندما أتاحت له مخترعاته الأولى أن ينسلخ عن مجموع الكائنات، ويقف منها على حدة. وإننا لنعزو إليه، في حدسنا، شعوراً خفيا بالزهو والجبروت والقسوة؛ وربما كان لحدسنا نصيب من الصحة إلى حدّ ما؛ غير أن دلائل كلها تشير إلى أن الإنسان كانت تراوده في بداية سيره نحو الإنسانية، ذكريات مملوءة بالقلق والرعب، فما من ظاهرة إلاّ تحملنا على الاعتقاد بأن الإنسان –مع ما واتته به مخترعاته الأولى من أسباب القوة والسطوة- ما برح يستشعر في دخيلته أشدّ الضعف: إمّا لأنه يلمس ذلك القصور الجوهري الذي به وحده تمّ له أن يصير مخلوقاً مغايراً للمخلوقات كافة؛ وإمّا بتبدّله إلى مخلوق مغاير، يستشعر الإثم في كلّ ما ساقه إلى التنكّر لما نسميه الطبيعة.
وقد يكون المصدر الحقيقي للهوّة التي انشقت بين الإنسان و"المجتمع الطبيعي"، هو ما أتيح له من الكشف عن سرّ الدمار والموت؛ بيد أنه تعلّم كيف يتخذ من هذه الشقّة عوناً له في صراعه مع الطبيعة، وإن لقى في سبيل ذلك عنتاً شديداً، وجنح أحياناً كثيرة إلى الانتكاس أو العودة إلى طبيعته البدائية؛ فإنه عمد إلى أسباب ضعفه فجرّبها وتعمّق البحث في جذورها، ليزيد في قوّته، ويوطّد من قدرته. وربما كانت المحرمات (التابو) –المحرمات الجنسية ومحرمات الموت والقتل- التي يفرض جورج باتاي أنها ضربت، منذ الأزل نطاقاً حول الإمكانيات البشريّة –بمثابة سدود أقيمت لتحول بين المخلوق المنطلق، المبتعد عن طبيعته، ونكوصه على أعقابه، أو بمثابة حواجز فرضت لترغم الإنسان على المضي قدماً في ذلك الطريق الوعر، المحفوف بالشكوك والمخاطر والذي لا مندوحة له من المضي فيه ليظلّ إنساناً؛ ولتحمي جميع أنواع نشاطه الشاقة التي تتنافى وطبيعته الأولى، ذلك النشاط الذي تبلور في مجال العمل بفضله.
وهكذا ينتهي بنا المطاف إلى ذلك الإنسان القديم، "إنسان وادي النياندر" homme de Neandertal الذي لم ننحدر عنه مباشرة، والذي انقرض نسله وباد. ونحن اليوم ننظر إليه نظرة مجرّدة من العطف، مع أنه كان "عاملا" مجدّاً، وماهراً في استخدام عدد الصناعة وآلات الحرب.
وقد عرف ذلك الإنسان البدائي الموت وخشيه، وأغلب الظن أنه أحاط نفسه تبعاً لذلك بسياج من المحرمات، الأمر الذي مهد له السبيل ليتحكم في مصيره نحو الإنسانية، وإن لم تتح له ممارسة هذا التحكم إلى النهاية. ترى ما الذي كان ينقصه ليمضي قدماً في طريق التطور والارتقاء؟ ربما لم تكن تعوزه سوى قوّة الاستخفاف والتحدّي والعزم الملهم، تلك الصفات التي تدفعه إلى "انتهاك" المحرمات، بذلك "الانتهاك" وحده، أرسى الإنسان البدائي قواعد إنسانية.
هذا، ولو أتيح لنا أن نسترسل في التقدير والتخمين وراء الرؤى والنظريات التي يطالعنا بها العلماء بين الفينة والفينة، لكان في وسعنا أن نقول: إن هذه الحقبة الحافلة بالأحداث الخارقة والتغييرات الجوهرية، قد شهدت طفرتين، أو مرحلتين حاسمتين من مراحل تجاوز أو "انتهاك" الحواجز الطبيعية: في الأولى ينتهك الإنسان البدائي حرمة الأوليات الطبيعية، فيتمرّد على نفسه، أو بعبارة أدق، على الطبيعة الكامنة في نفسه، فيستحيل إلى حيوان قد راض نفسه بنفسه، ثمّ بدأ العمل، وبذلك تبدل الإنسان إلى مخلوق مناف للطبيعة، مناف لها بالقدر الذي ينتفي معه وقوع المحرمات التي تحدّ مما هو عليه لصالح ما عسى أن يصير إليه.
ويبدو أن هذا التطوّر، أو "الانتهاك" الحاسم الذي أدى إلى انسلاخ الإنسان عن عالم الحيوان، لم يكن وحده كافياً لإيجاد إنسان مكتمل على شاكلتنا. ومن ثمّ كان لابدّ من تجاوز هذا الحدّ الذي وصل إليه الإنسان في تطوره، بالإقدام على "الانتهاك" أو التجاوز الأخير، وهو ذلك "الانتهاك" الموجّه، الذي يعرف غايته ويعمل على تحقيقها في عزم وإصرار؛ إذ مكن الإنسان من "انتهاك" المحرمات خلال "لحظة موقوتة"، وحمله على أن يعيد النظر في انحرافه الذي باعد بينه وبين أصله الأوّل، ولكأنه، بمعنى آخر، أتاح للإنسان أن ينكص على عقبيه في الطريق الذي قطعه منذ البداية، لينقب في غياهبه، ويكشف عن مجاهله، ويختبر دروبه ومسالكه؛ ومن ثمّ يتاح للإنسان أن يعود فيتصل بحقائق العصور الأولى، وأولها حقيقة العالم الحيواني؛ وفي ذلك عود إلى الأزل السحيق؛ ولكنه عود مخلوق تطور وعرف، ولا يمكن له –حتى لو خيّل إليه أنه يستطيع- أن يمحي الأثر الذي تركه في نفسه مليونان من السنين قضاها في الضبط، والترويض، والتزام جانب الضعف، حتى تحوّل إلى ريشة في مهب الريح، ولكنها ريشة تفكّر(****)
ويقول جورج باتاي: «إن الإنسان يتطوّر وفي نفسه ما يشبه اليقين بأن انتهاك الحدود الطبيعية لم يبدأ بالمعنى الصحيح إلاّ في اللحظة التي ظهر فيها الفن أوّل ما ظهر، وبأنّ مولد الفن، في "عصر الرنّة َAge du Renne"، تعلنه فرحة صاخبة، وتجليه تلك الرسوم النابضة بحياة لا تنفكّ في تجدد مستمر، تجري فصولها فيما بين المهد واللحد». ولا يسعنا إلاّ أن نسلم بما بلغه جورج باتاي في هذا الخاطر من أصالة رأي وقوّة بيان؛ فالإنسان، في رأيه، لم يصبح إنساناً بفضل ما له من صفات إنسانية خاصة تميّزه من بقية الكائنات، وإنّما عندما يلمس في نفسه تمكناً من هذه الفروق يكفي لأن يخوّله سلطة غامضة تجعله يبدو كمن يحطّم هذه الفروق؛ وكذلك يكفي لأن يمجّد نفسه، لا فيما حققه من مكاسب خارقة، وإنما في تخليه عن هذه المكاسب وتناسيها، وللأسف! في نبذها –بل- والحق يقال أيضاً –في تجاوزها، وتحقيق ما يبذها ويفوقها.

*****

وكأنما يتيح لنا الفن الوقوف على بداية ميلادنا الحقيقية الوحيدة؛ وهي بداية قريبة نوعاً ما، تمعن رسوم "لاسكو" في تقريبها إلينا بفضل الإحساس بالصلة والقرب الذي تستهوينا به. ولكن، أيكون هذا الإحساس حقا إحساساً بالصلة والقرب؟ إنه بالأحرى إحساس بكيان نابض بالحياة، أو بعبارة أدق، إحساس بالظهور والتجلي. وربما كان لزاماً علينا، قبل أن تدرج هذه الآثار الفنية في تاريخ الرسم والتصوير أن نبين الخاصية التي تميزها من غيرها: إنها ذلك التأثير، الذي يجعلها تبدو كأنها ما وجدت إلا لتبقى بقاء موقوتاً، فقد خطتها لحظة من الزمن، وخطت هي من أجل هذه اللحظة. وهي ليست صور الليل والظلام، وإنما جلاها سرّ الظلام الذي انجاب عنها لتوّه وساعته، حتى ليكاد الناظر إليها يتبينها الآن، والآن فقط؛ كأنها كيان لا بقاء له، أو كأنها تلك الكلمات التي ظهرت مضيئة على الحائط، تنذر بختنصر بزوال ملكه: "ماني، تيكل، فارس" أخرى، ولكنها فرحة مبهجة هذه المرّة تخبرنا في اللحظة العابرة عن ماهية الفن، ثمّ إذا هي تتلاشى وتغيب.
ما أغربه من إحساس قوامه الشكّ واليقين، يتألق عند أقصى ما تستطيع أن تتبينه مداركنا أو تعيه أفهامنا، في حين أنه أثبت وجوداً من كلّ ما هو مرئي أو منظور. ويخيل إليّ أن هذا هو ما نحسّ به لمرأى آثار "لاسكو"، فنحن نعلم أننا بإزاء مشرق الفن؛ وهذه القدرة هي التي تجتذبنا وتملك علينا أنفسنا، كما لو كان الفن يتألّق لأوّل مرّة في وهج المشاعل، فيبزغ فجأة قويّاً راسخاً، وقد أوتى من قوّة الوضوح وقوة البيان ما لا يدع مجالا للشك أو موضعاً للنقد، هذا على حين أننا نعلم أو بالأحرى، نحسّ في قرارة نفوسنا أن هذا الفن الذي ننظر إليه هنا على أنه فن مبتدئ، قد مضى على بدايته أمد طويل. إن فن "لاسكو" فريد، وحيد في نوعه، ولكنه ليس الأوحد؛ وهو الفن "السابق" ولكنه ليس الأسبق. فمنذ آلاف السنين والإنسان يزاول النحت، والحفر، والرسم، ويخضب الجدران بالألوان، ويمارس التصوير، فيمثل أحياناً وجوهاً بشرية، كما بينه ذلك الرسم الذي تمّ اكتشافه في "باسّا مبوى"، والذي يبعث على العجب والدهشة في نفوسنا، لأنه يكشف عن اتجاه الفن، منذ ذلك الزمن السحيق، إلى إبراز ما في المرأة من جمال، وما في الأنوثة من سحر.
والحقّ أنه قد أتيح لنا أن نطّلع على الخطوات الأولى التي خطاها النشاط الفني خير اطلاع؛ فتارة نرى الدب يخط أول خطوط الفن عندما يجري بمخالبه على الجدران تاركاً فيها آثاراً عميقة ينظر إليها الإنسان الأول (وكان الدب له أليفاً) في عجب مقترن برغبة ملحّة تدفعه إلى أن يبرز ما يتراءى له في ثناياها من معان خفية؛ وتارة أخرى نرى الإنسان ينظر –كما كان يفعل ليوناردو دافينشي- إلى الأحجار والجدران، فيتبين عليها بقعاً أشبه ما تكون بصور يكفي أن تحوّر تحويراً طفيفاً لإبراز معالمها وتجليتها(*****)؛ ونراه حيناً يمرّ بأنامله المتسخة على الصخور، أو على جسده، فيثير عجبه الآثار التي تتركها عليه، وكأننا بالطين وقد بدأ يتلون لوناً؛ وحيناً آخر نرى ذلك الإنسان نفسه الذي يكسّر العظام آناً ويحطم الأحجار ليتخذ منها سلاحاً-يحطمها آناً آخر ليبهج نفسه، فيعمد إلى تهذيب "شطفها" وصقلها دون فائدة عملية ترجى من ذلك، وإن كان يخيل إليه أنه يزيد من كفايتها وجودتها بما يجريه عليها من نقوش تروقه ويسر بمرآها. هذا، ولدينا على ذلك الحجج والأدلة، أو على الأرجح بقايا وآثار تصلح لأن تتخذ حججاً وأدلّة. ولقد حدث ذلك كلّه قبل أن توجد "لاسكو" التي يرجع تاريخها إلى ثلاثين ألف سنة على أقصى تقدير، إو إلى خمسة عشر ألف سنة على أقرب تقدير؛ وهو تاريخ قريب منّا جداً بالنسبة إلى ما قبل التاريخ (لكأني برسوم "لاسكو" بنت اليوم!). ثمّ إن فن "لاسكو" نفسه يثبت بما أوتى من قدرة فنية مركبة شاملة مكتملة، أن هنالك قروناً طويلة من الرسم والتصوير قد سبقت ظهوره؛ فهذه الآثار المنبسطة أمام أنظارنا لم تكتمل، ولم تخرج بهذه الصورة التي هي عليها من الاتقان والإحكام، إلاّ بعد أن صقلتها التقاليد والنماذج والأحكام الفنية المتوارثة، فتجلت في أبهاء هذا الكهف الفسيح المخصّص للفن، الذي أطلق عليه الكاتب "أندريه مالرو" اسم "المتحف".
ولا نغالي إذا قلنا: إنه كانت هناك، في تلك الأزمنة السحيقة، مراسم (أتيلييهات)، وربما قامت حولها تجارة في الفن؛ فقد وجد في مرتفعات "ألتاميرا" بإسبانيا ما يدلّ على ذلك، فالثور الوحشي (البيزون) الذي نرى رسمه مصغراً على صخرة، نجد له شبيهاً مكبراً على بعد ثلاثمائة كيلومتر في "فون دي جوم" (بمقاطعة دوردوني بفرنسا) يمتاز بقوّة آسرة وتأثير أخاذ، يحاكي الرسم الأول أشدّ المحاكاة، ويطابقه مطابقة محكمة دقيقة تثير الحيرة والتساؤل؛ وكأن هنالك فناناً جوالا يضرب في الأرض حاملا أداته الحجرية الدقيقة، مستجيباً لرغبات الطالبين بحسب الظروف والملابسات ومؤدياً لرسالة الفن المقدسة، يزين الأمكنة المختارة، ويملأها بالتعاويذ ويجري طقوسه الغامضة- بصور وأشكال استهوت عقول الناس آنذاك بمثل ما تستهوي به عقولنا حتى يومنا هذا.
ولذلك يصحّ أن نقول: إن ما نعتبره في "لاسكو" بداية، ليس في الواقع إلا نهاية لفن تبددت نشأته في ثنايا الزمن، واختفت وراء ستار كثيف من الغموض والإبهام. فهنالك حقبة لا يظهر فيها شيء، ثمّ حقبة تتوالى فيها الدلائل وتتكاثر البشائر. فيبدو أن الإنسان "النياندرى" القديم لم تكن لديه –كما يقرر ويؤكد جورج باتاي- فكرة ما عن النشاط الفني، وفي هذا ما يثير الحيرة؛ إذ أن ذلك معناه أن الحقبة التي تمّ فيها اكتشاف ما نسميه الصنعة- أي تكييف الخامات والأشياء وتحويلها إلى عدد وآلات وأسلحة- لم تقترن لزاماً ببزوغ الفن في نفس الإنسان. وقد توجد سلالات لا تقلّ عن الإنسان "النياندرى" في القدم –ربما نكون نحن قد انحدرنا عنها- كان الإنسان فيها "صانعاً" و"فناناً" في الوقت نفسه. وهذا الاحتمال ليس ببعيد وكل ما يترتب على صحته أن البداية أبعد ممّا نقدر ونتصور. بيد أن ذلك لا يمنع من أن تظلّ للإنسان "النياندرى" دلالة بالغة الأهمية؛ ذلك أن مهارته في استعمال العدد والآلات، وتوسعه في صنع الأشياء والحاجيات، لم تيسر له بلوغ ذلك النشاط الأكثر تحرّراً والذي يتطلب التحرّر المطلق، ويستلزم تلك القوة الخفية التي تبعث فيه العزم نحو تحطيم الأغلال وتكسير القيود، وهو النشاط الذي يبدع الفن.

*****

هذا، وحرى بنا ألا نغفل ما قاله الأب تييار دى شاردان (******) في جرأة وسذاجة، حين أشار إلى أن معرفة البدايات تخفي علينا دائماً، وأنه: «إذا استحال علينا الوقوف على سرّ بداية البدايات، فمرجع ذلك إلى أن الزمن يميل إلى ابتلاع وإخفاء معالم الأجزاء الضئيلة الواهنة، والجوانب الأقل ضخامة وبروزاً، التي تحتوي على أدلّة التطور والتقدم. وسواء كان الأمر متعلقاً بفرد، أو بجماعة أو بمدينة ما، فإن الأجنة لا تترك آثاراً ولا حفريات». ومن ثم، فلا مناص من أن تكون هنالك ثغرة أو حلقة مفقودة على الدوام، كأنما المنشأ أو الأصل لا يكشف ولا يتحدث عن نفسه أبداً فيما ينحدر عن هذا الأصل نفسه، وإنما هو يختفي ويستتر دائماً وراء ما ينحدر وينتج عنه، وغالباً ما يتعرض الأصل للفناء، ويقضى عليه بوصفه أصلا. ويضيف الأب تييار دى شاردان إلى ذلك قوله: «إن مرحلة التبدّل أو الانتقال إلى الطور الآدمي ستظلّ أبداً خافية تتحدى لهفتنا وتعطشنا إلى معرفتها». وربما لم يكن مردّ استحالة الوقوف على ملابسات هذا الانتقال أنه مفقود أو ضائع، وإنما لأنّه هو عين ذلك الضياع والنقص، ذلك لأن التبدّل والانتقال لم يقدّر لهما أن يتحققا إلا بعد أن صارا أمراً واقعياً، وكذلك بقدرة هذا الانتقال على أن يطرح ما كان قد خلّفه وراءه لتوّه وساعته، بعيداً عنه.
وهذا السراب، إن كان سراباً حقاً، هو حقيقة الفن، ومعناه، فالفن يرتبط بأصلنا الأول ارتباطاً وثيقاً فهو يكشف، ويوطّد، ويخرج إلى حيز الوجود كلّ ما "يسبق" في الأصل، أي كلّ ما هو موجود دون أن يكون لوجوده قيام بعد؛ وهو، أي الفن، يتقدّم في الوقت نفسه كلّ ما سبق له وجود، وكأنه الوعد الذي يبر به سلفاً.
فليس ثمّة على وجه الإطلاق ما يثبت أن الفن بدأ في الوقت الذي ظهر فيه الإنسان أوّل ما ظهر؛ بل، بالأحرى، نرى دلائل كلها تشير إلى عملية تمهيد وتوطئة ذات مغزى سبق بها الزمن. بيد أن أولى مراحل الفن الهامة توحي بأن الإنسان لم يصل إلى بدايته بعينها، ولم يتأت له أن يؤكد أولية وجوده نفسه، أي التعبير عن جدته وحداثة انبثاقه –إلاّ عندما استطاع، بفضل الفن، وعن طريقه، أن يبلغ من القوة، والإشراق، والسعادة بالسيطرة التي تتيحها له قدرة هي بذاتها القدرة على البدء. فالفن في "لاسكو" ليس بمبتدئ، والإنسان كذلك، ليس بمبتدئ أيضاً. غير أن كهف "لاسكو" المترامي الأطراف، ذا المسالك الضيقة الزاخرة بالرسوم والأشكال الحيوانية، الكهف الذي يبدو أنه لم يعدّ أبداً لإقامة الإنسان أو سكناه –يغلب على الظن أنه المكان الذي بلغ فيه أول ما بلغ ذروة السمو وقمة الكمال في "البداية"، وفتح للإنسان وجوداً استثنائياً أو آفاقاً جديدة تقوم إلى جانبه، وإلى جانب الروعة التي كان لا مناص له من أن يختفي وراءها، ويتوارى خلفها ليكشف عن ذاته؛ هذه الروعة التي تتجلى في عظمة الثيران الضخمة، وثورة البقر الوحشي "البيزون" المكفهر الغاضب، وظرف الجياد الصغيرة الجميلة، ورشاقة الوعول الحالمة، وحتى في الرسوم المضحكة للأبقار البدنية التي تقفز وتتواثب. أمّا الإنسان فلم يرمز إليه إلا بخطوط سريعة مقتضبة، في المنظر المرسوم في أعماق البئر؛ وهذا الإنسان يبدو راقداً بين ثور وحشي يهاجمه، وكركدن يستبدره. أهو ميت، أو نائم؟ أهو "يعزم" وينفث سحراً؟ هل يعود مرّة أخرى إلى الحياة؟ هذه الأسئلة أثارها ذلك الرسم "الكروكي" الوجيز، وشغلت أذهان العلماء في غير طائل، وتحدث حصافة الباحثين من غير جدوى.
ومما يسترعي الاهتمام والملاحظة، أن تمثيل الإنسان في ذلك العمل الفني الذي نراه، فيما عدا ذلك، واضحاً لا لبس فيه –استتبع دخول عنصر من عناصر الإبهام والغموض، وإدماج مشهد أشبه ما يكون بقصة، أو بسرد روائي بدائي غير مهذّب، لواقعة من الوقائع، غير أنه يخيل إليّ أن مغزى هذا الرسم الغامض واضح كلّ الوضوح: إنه أوّل توقيع على أول لوحة، إنه الطابع أو "الفرمة" التي خطها صاحبها في ركن قصيّ، أو هو الأثر الواجف، الوجل، أو الأثر الباقي الذي لا يمّحى، الدال على الإنسان الذي يتجلى لأوّل مرة في عمله الفني، ويستشعر، في الوقت نفسه، الخطر البالغ الذي يتهدده من جراء هذا التجلي الذي يقتلعه، ويقصيه نهائيّاً عن الحيوانية.

عن "المجلة الجديدة الفرنسية" (La Nouvelle Revue Française) عدد نوفمبر 1955

(*) تمّ اكتشاف كهف "لاسكو" Lascaux عام 1940 بالقرب من بلدة "مونتينياك" بمقاطعة "دوردوني" جنوب غربي فرنسا. وقد وجدت على جدرانه رسوم تمثل حيوانات ما زالت ألوانها محتفظة برونقها وبهائها؛ ويرجع تاريخ هذه الآثار إلى العصر الحجري.
(**) Georges Bataille : La peinture préhistorique : Lascaux ou la naissance de l’art (Edition : Skira)
(***) الليكورن Licorne: حيوان خرافي يمثل بجواد له قرن واحد وسط جبهته. ولقد استمرت أسطورته يتناقلها الإغريق ثم الرومان حتى بلغت العصور الوسطى، كما أنها قد عرفت عند العرب. وهو غير "وحيد القرن" أي الكركدن أو الكركند، وهذا حيوان، بعينه يعرف في مصر باسم "الخرتيت"
(****) يشير الكاتب هنا إلى رأي فلسفي لباسكال: "L’homme est un roseau pensant" ونقترح التصرف بترجمتها إلى "الإنسان ريشة تفكر". (المترجم)
(*****) من عجب أن تكون هذه الفكرة بالذات موضوع مقال "رأس ثور" المنشور في العدد الماضي من المجلة !

(******) الأب اليسوعي "تييار دي شاردان" Teilhard de Chardin مؤلف كتاب: "ظاهرة الإنسان" Le Phénomène humain الذي أثار نشره، بعد وفاته، ضجة في الأوساط الكنسية (المترجم)

المرجع: موريس بلانشو، مولد الفن، ترجمة محمد خليل فهمي، مجلة المجلة (المصرية)، العدد رقم 13، 01 يناير 1958، ص 51-60.

ملحق: جولة افتراضية في مغارة "لاسكو"