‏إظهار الرسائل ذات التسميات سرد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سرد. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 27 مارس 2016

التأمّل: جورج باتاي



ترجمة نظيرة حداد

في الأيام الأولى التي كنت أتأمّل فيها، كنت أدخل كالعادة في حالة خدر عندما أشعر فجأة أني أصبحت قضيباً منتصباً وكانت شدة اقتناعي تجعل من الصعب التملّص منها.
Philippe Ramette « L'ombre de celui que j'étais»
البارحة وبالطريقة ذاتها، انتابني شعور عنيف بأني شجرة ودون أن أقدر على الاعتراض تمددت يداي كغصنين في الظلمة. فكرة أن أكون (جسدي ورأسي) عضواً كبيراً منتصباً كانت مجنونة إلى حد جعلني أشعر برغبة في الضحك. أتتني هذه الفكرة الهزلية بأن انتصاباً بمثل هذه القسوة (الجسد الممدد في كليته كقضيب ينتصب) لا يمتلك مخرجاً آخر سوى الاستمتاع. كنت متوتراً إلى حدّ كان من المستحيل فيه عليّ أن أضحك أصلاً. كانت عيناي على ما أعتقد غائمتين في محجريهما ورأسي ملقىً للخلف وشفتاي مفتوحتين مثل القتيل الذي تمثلته في ذهني. اجتاحت ذكرى هاته الصورة عقلي في هذه الحالة غير المرتقبة دون أن تسبب الإحباط المعتاد: تدفق للرعب والنور سرى في جسدي من الأسفل إلى الأعلى. لا شيء يتجاوز الإحساس الذي يوحي به عذاب كبير.
تجنبت منذ ذلك الحين هذا النوع من التغييرات المرعبة (عنصر الفضيحة في ذاتي ليس إرادياً. إنه يتجاوزني دوماً) لكن بعد سنة تحت ضغط استثارة جنسية (والتي كان يجب أن أصمد أمامها) انتهى بي عارياً في غرفتي. كنت أتمثل واقفاً المشاهد الأكثر مجوناً. دخلت في حالة صعبة الوصف، قريبة من الكابوس ومؤلمة حيث اختلط الخدر بالإنهاك. نزلت عارياً إلى المنزل الفسيح الفارغ وجلست على المرحاض. كان عندي أمل في أن يحررني التغوّط. تشنجت حدّ الاحمرار الشديد وكان من الممكن أن أصرخ: وجدت نفسي في غرفتي لكني لم أكن أقل نهماً للنساء. في النهاية انتصب جسدي وكالسنة الفارطة حطمتني من جديد صورة المعاناة فسقطت على الأرض.
الزمن الذي يمر دون معاناة يبدو عبثياً أو إذا شئنا فهو أخرق مقارنة بالزمن الذي يفرضه الشقاء. لا لأن الألم العميق يقودنا إلى غاية ونتيجة هذا الالتفاف يقول لنا الألم الحقيقي:«لا وجود لغاية أو نتيجة تبرر عنفي، لن تقدر بأي شكل على الاحتفاظ بأدنى أمل: فلن أعيش إلا لذاتي وإنني أريدك خالصاً لي دون شرط»
مع ذلك يجب الاعتراف: «لو لم يكن الألم على ما هو عليه، مناقضاً للرغبة، لاستجاب لرغبتنا في الهرب من الحدود. لهذا فكل ما لا ينتمي إليه يبدو ضمن سلطته اعتباطياً»
كنت أتخيل نفسي محكوماً ذاتياً بالصمت في ألم غير واضح المعالم وأكبر من الكلمات... وكنت أفكر: «كم كان ألمي قاسياً، لا أحد أكثر ثرثرة مني».
هذه المعاناة تجعلنا نتنفس الموت... يلفنا الموت مسبقاً بصمت لا محدود مثل جزيرة محاطة بالماء. لكن هذا تحديداً ما لا يمكن التعبير عنه. ما أهمية كلمات لا تخترق هذا الصمت. ما نفع الكلام عن "لحظة الدفن" عندما لا يساوي القول شيئاً إذ لا يتعدى حدود الكلمات. أعلم أني عشت الأشياء إلى منتهاها حيث يصير القول مزعجاً فتدمير اللغة ليس من فعلي الخاص لكنه لم يحدث فيّ إلا بتدمير يكفعل الوقت الذي أقصاني (أنا أتكلم الآن لكن من دون جدوى)

الخميس، 17 مارس 2016

إيروس في ليل المتاهة: جورج باتاي



ترجمة نظيرة حدّاد
إلهة الحفل
تقف امرأة، عارية تماماً، إلاّ من حذاء لامع، تحت الأضواء الكهربية، حيث يبدو جسدها مطلياً بالمُطريّات ووجهها مغطّى بالمساحيق، ومن فمها تنبعث رائحة الإرهاق والتعب. ثدياها الثقيلان بارزان إلى حدّ فادح. وتبدو مؤخرتها المتناسقة شاحبة غير واقعية. عيناها لامعتا البريق، مألوفتان وسوداوان كشعرها القصير المصفّف جيداً. تبدو حزينة وصارخة كأغان قذرة في مدى مستنقع فاحم.

by Jean Pierre Ceytaire


إنها تقف على قاعدة رخامية منتصبة مع ابتسامة جامدة وقحة تليق بلوحة تنبض حياة وترفع نحو السقف كأس شامبانيا متلألئاً بقطع الثلج التي يحتويها وبالفقاعات الملوّنة.
ليست مطلقاً امرأة، بكلّ معنى الكلمة، بل جثّة لا يخيفها أن تثير الفضيحة. تنتصب في معبد غارق في ضياء وسخ الحب الذي يعمي البصر.
أنا، لا آتي إلى هذه الكنيسة الفظيعة بهدوء وقح بل على العكس مذعوراً ومتجمداً.
تحولتُ هكذا، فقط، مرعوباً في مملكة الجثث الخانقة، إلى حالة شبيهة بجيفة متعفّنة. على الأقلّ أختنق، حقاً، بشهقاتي التي كأحمرة متمرّدة لا تقبل أن تندفع في حالة الرعب؛ هذه الشهقات تبدو لي لا محدودة ولا تتفق مع ملامح وجهي الطفولي الخجول والسخيف.
كنت، إذن، مشلولاً بفظاعة ومجبراً فجأة على إيجاد توافق يعادل جنوني وإذلالي الرهيب، على رغم توقي إلى ذرف دموع غزيرة لكني لم أتمكن من البكاء. وكما يجب، أمام إلهة العرس الجهنمية؛ أمام امرأة عارية تمنحني خلال استعراضها الحي ابتسامة واعدة. بكل ما هو خسيس في رغباتي التي أعجز عن إخفائها (بما إني كنت بدوري عارياً)، وكما يجب أن أكون في مستوى الظرف، أتخيل سرّاً، في لحظة شبق ولمجرد الضحك، أنني لست تلميذاً، يفتقر الخبرة ويرتجف، لكنني حصان سباق عجوز فقد منذ بضعة أيام أحشاءه القذرة على رمال حلبة مصارعة الثيران. هكذا بإمكاني الوقوف على الرخام، الأنف في حدود حذائها اللامع، ورأسي الكبير الغبي والمضحك بنظراته الزجاجية قد يُحاط بالذباب.
لأني جئتُ حقاً، على رغم اضطرابي وظمئي الرهيب الذي جعل لساني جافاً ومالئاً فمي، أشاهد هذه اللوحة الحيّة بروح شاعر، بل أكثر من ذلك بكثير، بجسد شاعر مجنّح بأجنحة ذباب فحمي؛ فبرغم أن التفوّه بذلك محزن بشكل رهيب إلاّ أن هذا الثوب الغبي يناسب عريي الذكوري المحرج حدّ الموت.

الخميس، 16 أبريل 2015

الأرملة: جورج باطاي

ترجمة: حمو بوشخار                                                                                                                                    

Jacques André Boiffard, La Pleureuse
1. في غابة، امرأة بلباس داخلي أسود، كتانه أبيض وجوارب سوداء والمؤخرة عارية، مشاهدتها من الخلف ممددةً على الجانب الأيسر مشدودة إلى شجرة من الرسغين الذين ربطتهما. الكاحلان بدورهما مربوطان. إنها تنتحب، وأحياناً تهتز كسمكة خارج الماء.

2. يصل بعض الأفراد المقنعين، نساءً ورجالاً، وهم يتحدثون ويتناقشون وينعتون المرأة. البعض منهم ابتعدَ عبر ممرّ غابوي.

3 . ثلاثة رجال وامرأة بالقرب من الأرملة، يرفعونها بعنف، يفكون رباطها. إنها تقاوم بصراخ، لكنها تبحث أيضاً في الوقت نفسه للعثور عن قضيب الرجال عبر فتحات سراويلهم التي كانت مفتوحة. تتمكن في بعض الأحيان من إمساكهم بيدها، وتعصرهم بتشنج. في النهاية يغادرون في نفس الاتجاه الذي أخذه أولئك الذين ذهبوا قبلاً.

4 . الغابة. وصل كاهن بإسكيمه، لكن بقبعة قس، ومقنعاً. وإذا كان ذلك ممكناً، وصل كذلك طفل الجوقة يحمل فرشاة، مقنعاً بدوره.

5 . بعض أفراد البداية يسيرون في الغابة بصمت. شاهدوا الكاهن قادماً في ممر متقاطع عرضياً. يقومون بتجريد امرأة من النساء شيئاً فشيئاً، ولم يتركوا لها ظاهرياً إلا قميصاً وجوارب. أخذت في اليد قضيب الرجال. حين وصل الكاهن أخذت قضيبه بيدها وجعلته ينتصب. إنه عاري تحت إسكيمه.

السبت، 23 أغسطس 2014

الميت: جورج باتاي

ترجمة: حسين عجة



حينما سقط “أدوارد” ميتاً، ثمة من فراغ قد تغلغل فيها، رعشة اجتاحت كيانها، رفعتها وكأنّها ملاك. نهداها العاريان شبّا في كنيسة حلم حيث أنهكها الشعور بالأمر المحتوم. واقفةً، بالقرب من الميت، غائبة، على علو من نفسها، بنشوة وجدٍ طويلة، مُذهلة. أدركت بأنها يائسة لكنها فلتت من يأسها. أثناء موته، ألتمسها “أدوارد” أن تكون عاريةً.
لم يكن بمقدورها القيام بذلك في حينه! كانت هناك، مُشعث الشعر: صدرها وحده كان قد أنهدَ من فستانها المنزوعِ.




ماري وحدها
مع أدوارد الميتِ
ألغى الزمان القوانين التي أخضعنا الخوف لها. سحبت فستانها ووضعت معطفها فوق ذراعها. كانت مجنونةً وعاريةً. قذفت بنفسها نحو الخارج وركضت في الليل تحت وابل من المطر. قرقع حذائها في الطين كما تلألاً قطرات المطر فوقها. تحكمت بها رغبة كبيرة بقضاء حاجتها لكنها سيطرت على نفسها. في رقة الغابة، أنبطحت ماري من فوق الأرض.
تبولت طويلاً، كما تبللت ساقيها بالبول. دندنت، وهي ما زالت منبطحة على الأرض، بصوت مُختنق، معتوه :
…ذلك من العري
ومن الشناعة…
بعد هذا، نهضت، وضعت من فوقها المشمعِ وهرعت باتجاه “كيلي” وحتى باب الفندق.

تخرج ماري عارية من الدار

محظورة، وقفت أمام الباب، وقد تخلت عنها الشجاعة حتى تدخل. سمعت صيحات قادمة من الداخل؛ أغنيات فتيات وسكارى. شعرت بنفسها مرتعشةً، بيد أنها كانت تتمتع من ارتعشتها.
فكرت : “سأدخل، وسوف يروني عارية”. كان عليها الإستناد إلى الجدار. فتحت معطفها وأقحمت أصابعها الطويلة في فتحتها. أصغت، تجمدت من القلق، تنشقت من فوق أصابعها رائحة عورتها التي لم تكن نظيفة تماماً. واصل الزعيق القادم من داخل النزل، ومع ذلك فرض الصمت نفسه. كانت السماء تمطر: في ظلام كهف، كانت الريح الدافئة قد خففت من حدة المطر. صوت فتاة كان ينشد أغنية كئيبة من أغاني الضواحي. إذا ما سُمعَ عبر ليل الخارج، كان ذلك الصوت الحاد والمُلفعِ بالجدران ممزقاً. صمتت. لاحقتها ضجة من التصفيق وضرب الأقدام على الأرض، أعقبها نداء.
تأوهت ماري في الظل. بكت بسبب من ضعفها، واضعةً راحة يدها من فوق أسنانها.

ماري تنتظر أمام النزل
لأنها تعرف بأنها سوف تتدخل، كانت ماري ترتعش. دفعت الباب، ثم قامت بثلاث خطوات داخل القاعة : تيار من الهواء أوصد الباب من خلفها.
تذكرت بأنها كانت قد حلمت بأنغلاق الباب من خلفها إلى الأبد.
حدقَ بها خدم الفندق، ربته وبضعة فتيات.
ظلت واقفة دون أي حراك أمام المدخل؛ الطين يغطيها وخصلات شعرها تنضح بالمياه ونظراتها شائهة. وكأنها قد أنبثقت من خلال زخات المطر (كان صوت الرياح يُسمع في الخارج). كان معطفها يغطيها لكنها باعدت ما بين طرفي ياقته.

تدخل ماري
في قاعة النزل
تساءلت بصوت خفيض :
-هل يمكن للمرء شرب شيئاً؟
ردت ربة النزل من خلف البار :
-كأس من شراب “الكالفا”؟
ومن ثم سكبت من على البار كأساً صغيرا. لكن ماري لم تقبله.
-أريد قنينة كاملة وكؤوساً كبيرة، قالت.
كان صوتها، الذي ما زال خفيضاً، حاسماً.
اضافت :
-سأشرب معهم.
دفعت الحساب.
صبي حقل بجزمتيه الموحلتين قال بحياء :
-هل جئت هنا من أجل الضحك؟
-أجل، قالت ماري.
حاولت الإبتسام : حزتها تلك الإبتسامة. أخذت لنفسها مكاناً إلى جانب ذلك الصبي، لصقت ساقيها بساقيه ثم أخذت يده وأقحمتها بين فخذيها.
حين لامست يد الخادم الفتحةِ، أرتعشَ :
-يا اسم الرب!

ماري تشرب
مع خدم الحقل
كان الأخرون، المُحتقنين، قد لاذوا بالصمت.
نهضت أحدى الفتيات وباعدت أحد طرفي المعطف.
-لتصوب نحوها، أنها عارية!
تركتها ماري تفعل وتجرعت بسرعة كأساً من الكحول.
-أنها تحب الحليب، قالت ربة النزل.
تجأشت ماري بمرارة.
ثم قالت :
-لقد أنتهى الأمر.
كان شعرها المُبللِ قد التصق بوجهها، على شكل خصلات. هزت رأسها الجميل، نهضت، رفعت معطفها.
توجه وقواق يشرب في الصالون نحوها. تعثر، وصار يصفق الهواء بذراعيه، ومن ثم وقوقَ:
-لنا النساء العاريات!
هاجمته ربة النزل :
-أمسك عليك من الأنف…
ثم مسكت عليه من نفه وبرمته.
زعقَ :
-كلا، من هنا أفضل، قالت ماري.
تقدمت نحو الثمل وفكت أزرار سرواله : أخرجت من لباسه ذيله المنتصب بالكاد.
أطلق الذيل ضحكة مدويةً.
بجرعة واحدة، أرتشفت ماري، وكأنها بهيمة هائجة، كأسها الثاني من الكحول.
لامست ربة النزل، برقة، وعيناها تبرقان وكأنهما أضواء فنار، مؤخرة ماري من فتحتها :

ماري تُخرج
ذيل السكران
-سنقضم قطعة منه، قالت.
ملأت ماري من جديد كأسها. تدفق الكحول ببقبقةٍ.
تجرعته كما يتجرع المرء الموت. سقط الكأس من بين يديها. كانت مؤخرتها شاحبةً وذائبة تماماً. فيما اضاءت رقتها الصالون.


المرجع: موقع أدب وفن

السبت، 1 مارس 2014

ذكريات غائمة: جورج بتّاي

ترجمة: راجح مردان

 حكاية العين لـ Alex M. Bustillo
مقلبًا، ذات يوم، صفحات مجلّة أميريكية استوقفتني صورتان. الأولى هي صورة شارع في بلدة نائية تحدّرت منها أسرتي. والثانية، صورة خرائب قلعة مجاورة. لتلك الخرائب الجاثمة فوق صخرة عند قمّة جبل، صلة بحقبة من حقب حياتي. كنت في الحادية والعشرين، وكنت أقضي فصل الصيف في دارة أسرتي. وخطر لي ذات يوم أن أمضي ليلتي بين هذه الخرائب. فقصدتها مصحوبًا بأمي وبضع فتيات محتشمات (كنت مغرمًا بإحداهن التي تبادلني الحب، دون أن نأتي على ذكر الموضوع البتّة: فقد كانت تقية منصرفة لذكر الله خشية أن يستدعيها في أية لحظة). كانت الظلمة في تلك الليلة حالكة. ووصلنا بعد مسيرة ساعة. وكنّا نجتاز المساحة الوعرة أسفل أسوار القلعة عندما طلع علينا شبح أبيض مشعّ من أحد الصدوع الصخرية وقطع علينا الطريق. أُغمي على أمي وإحدى الفتيات. أمّا الأخريات فرحن يصرخن. برغم يقيني أنّ الأمر مجرد دعابة، أحسست بذعر شديد. لكني مشيت باتجاه الشبح طالبًا منه، بغصة الخوف، أن يكفّ عن مزاحه، تلاشى الشبح: لمحت خيال أخي الأكبر هاربًا وقد اتفق مع صديق له أن يسبقنا على الدرّاجة إلى هذا المكان وأن يخيفنا ملتحفًا بشرشف أبيض معرّض لضوء مصباح مخبأ: كان المكان ملائمًا لمثل هذه المسرحية، كما كان الإخراج ممتازًا.

في اليوم الذي جلست فيه أقلب صفحات المجلة كنت قد أنهيت، لتوّي، تأليف الفصل المتعلّق بالشرشف. تراءى لي الشرشف إلى الجهة اليسار تمامًا كما ظهر لي الشبح إلى يسار القلعة. كانت الصورتان متطابقتين.
ولكن المفاجئة التالية كانت أشدّ وقعًا.
كنت تخيلت، منذ ذلك الحين، وبأدق تفاصيله، مشهد الكنيسة، خصوصا مشهد اقتلاع العين. ومتنبهًا إلى صلة بين المشهد بحياتي الواقعية، عملت غلى ربطه بوصف لأحد عروض مصارعة الثيران الشهيرة، التي شاهدتها بالفعل –ذاكرًا الأسماء والتواريخ الحقّة، وتردّد ذكرها مرارًا في أحد كتب همنغواي- وللوهلة الأولى غاب عني أي شبه بينهما، ولكني حين رويت تفاصيل موت غرانيرو وقعت في حيرة وتشوش. فاقتلاع العين لم يكن اختراعًا محضًا بل هو تحوير لواقعة شهدتها بأم العين وحصلت لرجل من لحم ودم (إثر الحادث القاتل الوحيد الذي شهدته في حياتي). وهكذا انبثقت صورتان، هما الأكثر بروزا، من ذاكرتي التي حفظت أثرهما وأحييتهما على هيئة مختلفة ما أن سعيت وراء القدر الأكبر من الإباحة.
أمّا الشبه الثاني فتنبّهت إليه فور انتهائي من كتابة وصف "الكوريدا": وقرأت على أحد الأطباء من بين أصدقائي صيغة مختلفة عن الصيغة الواردة في الكتاب. إذ لم أكن قد شاهدت من قبل خصية ثور مسلوخة، وحسبت أنها لابدّ أن تكون حمراء بلون الدم. ولذلك بدا لي أن أي شبه بينهما وبين العين والبيضة سيكون مفتعلًا. فأظهر لي صديقي غلطتي. وفتحنا مصنفًا في علم التشريح حيث رأيت أن خصية الحيوان والإنسان ذات شكل بيضوي وأن لونهما يشبه لون المقلة.
ثمة ذكريات أخرى، من نوع آخر، تتصل بصورة من هواجسي.
لقد ولدت من أب مُسَفْلس (مسهوم)، لم يلبث أن أصيب بالعمى (كان أعمى حين حبلت بي أمي)، وعندما بلغت الثانية أو الثالثة من عمري أصابه هذا المرض بالشلل. وكنت في طفولتي، أعشق هذا الأب. والحال أن ما يترتب على الشلل والعمى من بين أمور أخرى، أنه كان عاجزًا عن الذهاب إلى المرحاض ليتبول. وكان يفعل جالسًا، وتحته وعاء. كان يبول أمام ناظري لأنه لا يحسن، لعماه، وضع الغطاء الساتر كما ينبغي. والأكثر حرجًا في تعاطينا معه كانت طريقته في التحديق بالأشياء. كان بؤبؤه لعماه التام، يختفي، في الليل، أعلى المقلة تحت باطن الجفن؛ وكان هذا يحدث عادة في أوقات الحقن بالعقاقير. كان أبي ذا عينين واسعتين مبحلقتين، في وجه نحيل على هيئة منقار نسر. وكان إذا بال استحالتا إلى بياض تام، فتبدوان عندئذ زائغتين، ساهمتين. لم يكن أمامهما سوى عالم لا يراه أحد سواه ويوحي له بتلك الضحكة الغائبة. والحال إن عينيه البيضاوين هاتين هما اللتان أوحيتا بحديثي عن البيض؛ وعندما يرد، في سياق السرد، ذكر العين أو البيض، يرد ذكر البول من تلقائه.
بعد أن لحظت أوجه الشبه هذه، أحسب أني تنبّهت إلى صلة ما تُرجع جوهر السرد (بمجمله) إلى الحادثة الأشدّ وطأة من صباي.
عند البلوغ، استحالت العاطفة التي كنت أكنّها لأبي إلى مَقْتٍ غير مُدرَك. إذ عاد يحزنني كثيرًا صُراخه الممزِّق الذي يسببه له السهام (ويصفه الأطباء بأنه المرض الأشدّ إيلامًا). وما عادت الروائح المنبعثة منه لعجزه (إذ يحدث أن يتبرّز أثناء تبوّله) لتثير فيَّ أي إشفاق. وفي كلّ أمر اتخذ موقفًا نقيضًا لموقفه:
ذات الليلة استيقظت أنا وأمي على نبرة خطاب كان العاجز يلقيه بصوت عال، في غرفته: لقد أصيب بجنون مباغت، فهرعت لإحضار الطبيب الذي اصطحبني بسرعة. وبفصاحته المشهودة كان أبي يتخيّل ما يحلو له من الحوادث. ولما اختلى الطبيب بأمي في غرفة مجاورة صاح المعتوه قائلاً:
- يا دكتور، متى انتهيت من مضاجعة زوجتي!
وكان يضحك، هذه العبارة التي قوّضت كلّ تأثير لتربيتي الصارمة، خلفت لدي، مصحوبة بالقهقهة، الإحساس المقيم بلاوعي بضرورة البحث في حياتي وأفكاري عن معادلاتها المعنوية. وربما سلّط هذا البحث المقيم بعض الضوء على فصة العين.
في ما يلي أنهي تعداد الذرى في سياق نزاعاتي الشخصية المؤلمة.
لم يكن ممكنًا أن أماثل بين مارسيل وأمي. مارسيل هي المجهولة ذات الأربعة عشر ربيعًا، التي رأيتها ذات يوم في المقهى جالسًا قبالتي. أو تقريبًا.
وبعد مضي أسابيع على جنون أبي، أصيبت أمي أيضاً، إثر مشادة حادة مع جدتي، بالجنون. وعاشت فترة طويلة من الاكتئاب. وكانت أفكار اللعنة التي تسيطر عليها تثير غضبي وترغمني على مراقبتها باستمرار. كان هذيانها يخبفني إلى حدّ جعلني، ذات مساء، أخفي شمعدانين بقاعدتين رخاميتين عن رفِّ المدفأة خشية أن تضربني أثناء نومي، بأحدهما على رأسي. وبلغ بي فقدان صبري عليها مبلغاً أجبرني على ضربها لاوياً ذراعيها إلى خلف ظهرها محاولاً أن أعيدها إلى رشدها.
ذات يوم اختفت أمي منتهزة سهوي عنها لبعض الوقت. بحثنا عنها طويلاً؛ إلى أن وجدها أخي، على رمق الأخير، وقد شنقت نفسها في العليّة لكنها لم تمت.
ثمّ اختفت للمرة الثانية: وبحثت عنها طويلاً عند ضفة الساقية حيث كان من المرجّح أن تغرق في مياهها. اجتزت المستنقعات راكضًا إلى أن وجدتها في إحدى الطرق، أمامي: كانت بثيابها مبلّلة حتى الحزام ومياه الساقية تقطر من أطرافها. فقد تمكنت، بنفسها، من الخروج من مياه الساقية المجمدة (كنا في عزّ الشتاء) التي لم تكن بالعمق الكافي لتغرقها.

مثل هذه الذكريات لا تستوقفني عادة. لقد فقدت، بمضيّ هذه السنوات الطويلة، كلّ تأثير ممكن عليّ: لقد جعلها الزمن محايدة، ولا يمكنها أن ترجع إلى الحياة إلا محوّرة، كأنها سواها، لشدّة ما اكتست، في سياق تحويرها، معنى إباحياً.

المصدر: جورج بتّاي، حكاية العين، ترجمة راجح مردان، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2001، صص 73-77

الثلاثاء، 31 ديسمبر 2013

مدام إدواردة: جورج باطاي

ترجمة جلال الحكماوي


في زاوية أحد الأزقة، فتنني قلق، قلق قذر ومخدر(ربما لكوني شاهدت فتاتين متسللتين على درج يفضي إلى مغسلة). ففي مثل هذه الحالات تنتابني رغبة حادة في أن أقيء نفسي. ربما كان علي أن أتعرى أو أعري الفتيات اللواتي اشتهيت: فدفء اللحوم العديمة الطعم قد يريحني. لكني في النهاية اخترت أقل الوسائل كلفة: طلبت في الكونتوار كاس يرنو رشفتها بسرعة، ثم تابعت الشرب من حانة لأخرى إلى أن ... انتهى الليل من إرخاء سدوله.
بدأتُ تيهي في الأزقة بين ملتقى "بواسونيير" وشارع "سان دوني". ختمت الوحدة والعتمة ثمالتي. كانت الليلة عارية في أزقة مقفرة. أردت أن أتعرى مثلها فخلعت سروالي ووضعته على ذراعي. وددت إيثاق طراوة الليل بين ساقيّ؛ ثمة حرية مدوخة تحملني. أحسست بنفسي كبيرا وأنا أمسك قضيبي المنتصب.
(استهلالي عسير. كان بإمكاني أن أتفاداه وأظل "وفيا لنفسي) مفضلا اللجوء إلى المداورة. ولكن الذي حصل هو أن هذه البداية تمت بدون إلتواءات سأتابع... بمشقة أكبر...).
منزعجا بسبب حركة ماء ليست تباني توجيهات نحو ملهى "لي كلاص" وجدته مضيئا. وبسط خلية من البنات. كانت مدام إدواردة عارية، تخرج لسانها من فرط الشهوة. وجدتها رائعة الجمال. اخترتها، فجلست بجانبي. وما كادت أنتهي من التصريح بطلباتي للنادل حتى جذبت إدواردة. استسلمت لي دون أن تقول شيئا: تلاحم فمانا في قبلة مريضة. كانت القاعة غاصة بالرجال والنساء. وكان ذلك حال الصحراء التي استطالت فيها اللعبة. وعندما دست يدها في لحمي، تهشمت فجأة كزجاج، وأنا ارتعد في تباني. أحسست بأن مدام إدواردة التي كانت يداي تحتوي ردفيها، بدورها ممزقة. أحسست بالرعب في عينيها اللتين غدتا جاحظتين ومقلوبتين، وفي الاختناق الطويل الذي عم حنجرتها.
تذكرت أنني كنت أرغب في أن أصير سافلا، أو أن ذلك كان، بالأحرى سيفرض نفسه بقوة. خمنت ضحكات من خلال صخب الأصوات والأضواء والدخان. لكن ما عاد يهمني أي شيء على الإطلاق. احتضنت إدواردة بين ذراعي، وهي تبتسم لي: في الحال شعرت. وأنا أرتعش، بصدمة جديدة بشيء كالصمت هوى علي من فوق وجمدني. حلقت في طيران ملائكة لا أجساد لها ولا رؤوس، مكونة من حفيف الأجنحة، لكن ذلك كان شيئا بسيطا. فقد أصابني الحزن وانتابني إحساس بالضياع كما يحس المرء في حضرة الله. كان ذلك مقيتا وأكثر جنونا من الثمالة. أحزنتني فكرة أن هذه العظمة التي غلفتني كانت ستحرمني من الملذات التي كنت أنوي اقتطافها رفقة إدواردة.
ألفيت نفسي كائنا عبثيا. لم نتبادل، أنا وإدواردة، ولو كلمة واحدة. أحسست بضيق كبير. قد أعجز عن وصف حالتي. ففي غمرة الصخب والأضواء، هوت علي الليلة بكامل ثقلها! أردت أن أزحزح الطاولة عن مكانها، أن أقلب كل شيء، لكنها كانت مختومة ومثبتة في الأرض. لايمكن لامرئ مثلي أن يتحمل ما هو أكثر سخرية من هذا. فقد تلاشى كل شيء: القاعة ومدام إدواردة. وحدها الليلة...
انتزعني من شرودي صوت إنساني حدا. كان صوت مادام إدواردة ماجنا مثل جسدها الرشيق.
قالت: أتريد أن ترى شفريه؟
استدرت نحوها ويداي متشبثتان بالطاولة. أشرعت ساقيها جيدا، وهي جالسة، كي ينفتح فرجها على مداه، ثم جذبت بكلتا يديها البشرة المحيطة به. هكذا نظر "شفرا" إدواردة إلي، مشعرين، وردين، مليئين حياة وكأنهما أخطبوط مقزز.
قلت لها هامسا:
- لماذا تفعلين هذا؟
- إنك ترى، أنا الله.
- أنا مجنون..
- لا، يجب أن تنظر: أنظر!
صار صوتها الأجش أكثر رقة. فقد تشبهت بطفلة صغيرة لتقول لي منهكة، وعلى محياها ابتسامة الهجر اللانهائية: كم لإلتذذت بذلك!
حافظت على وضعها المستفز، وأمرتني قائلة:
- قبل!
قلت معترضا:
- لكن.. أأمام الآخرين؟
- طبعا!
ارتعدت. نظرت إليها جادا. كانت تبتسم لي بعذوبة شديدة جعلتني أرتعش. وأخيرا أقعيت، ترنحت ووضعت شفتي على الجرح الحي. داعب فخذها العاري أذني: اعتقدت أنني أسمع هدير أمواج؛ نفس الصخب الذي ينتهي إلى أذننا عندما نضعها على القواقع الكبيرة. في عبثية الماخور وفي الفوضى التي كانت تحيط بي (اعتقدت أنني اختنقت، كنت محمر الوجه وأنضج عرقا). بقيت معلقا بغرابة، كأني وإياها قد تهنا أمام البحر في ليلة عاصفة.
سمعت صوتا آخر انبعث من امرأة قوية البنية جميلة، وذات لباس محترم:
- هيا يا أبنائي، نطق الصوت المترجل، يجب أن تصعدوا.
استلمت نائبتها نقودي، فوقفت وتبعت مداد إدواردة التي كان عريها الهادئ يعبر القاعة. لكن المرور وسط الطاولات المليئة عن آخرها بالبنات والزبناء، هذا الطقس ألفظ للسيدة الصاعدة، متبوعة بالرجل الذي سينكيها، لم يكن بالنسبة لي في تلك اللحظة سوى احتفالا مهلوسا: وقع كعبي مدام إدواردة على الأرض المبلطة، المشي المختال لهذا الجسد الطويل الماجن، الرائحة الحامضة التي تفوح من المرأة التي تلتذ وأنا أرشفها، هذا الجسد الأبيض..سبقني مدام إدواردة... فيما يشبه السحاب. كانت لا مبالاة للقاعة الصاخبة إزاء سعادة إدواردة ووقار خطواتها المتزن تقديسا ملكيا وحفلة مزهرة. كان الموت بنفسه مدعوا للحفل، لأن عري الماخور يستدعي سكين الجزار.

............................................................................................................
............................................................................................................
.........................................................كانت المرايا التي تغطي الجدران والسقف تضاعف الصورة الحيوانية للجماع. ولأقل حركة، كانت قلوبنا المتمرسة على الخواء تنشرع حيث يضيعها لا تناهي انعكاساتنا.
أخيرا، خدرتنا اللذة. ووقفنا ونظرنا إلى بعضينا بوقار. فتنتني مدام إدواردة. فأنا لم أر في حياتي امرأة أكثر جمالا وأشد عريا منها. ودون أن تغض طرفها عنى، أخذت من أحد الأدراج جوربين من الحرير الأبيض، ثم جلست على السرير وارتدتهما. وهنا أيضا أصابها مس من العراء، فأشرعت ساقيها وافتحت. قذف بنا عري جسدينا الحامض في عياء القلب نفسه. لبست "بوليرو" أبيض، وأخفت عريها تحت "الدومينو": غطت رأسها بالقلب، ثم أسدلت قناع ذئب من الدانتيلا على وجهها. تملصت مني قائلة:
-فلنخرج!
سألتها:
-لكن أتجرؤين على الخروج؟
أجابت بمرح:
-بسرعة يا فيفي، فأنت لست بقادر على الخروج عاريا؟
مدت لي ملابسي وساعدتني على ارتدائها. فعلت ذلك ونزوتها محافظة على تبادل ماكر بين لحمها ولحمي. نزلنا الدرج الضيق حيث صادفنا خادمة صغيرة. في العتمة المفاجئة للزقاق، اندهشت لكون إدواردة صارت تتهرب مني وهي متلفعة بالسواد. كانت تسرع في مشيها هربا مني: بدت في قناعها الذئبي كحيوان. لم يكن الجو باردا، ومع ذلك كنت أرتعش. كانت إدواردة غريبة، سماء مزهرة بالنجوم، خاوية وحمقاء، فوق رأسينا. ظننت أني أترنح، لكني كنت أمشي.
في تلك الساعة من الليل كان الزقاق مقفرا. وفجأة، ودون أن تنبس بكلمة، ركضت إدواردة بشراسة. ولما وصلت بوابة سان دوني، وقفت، أما أنا فلم أتحرك. انتظرتني تحت القوس وهي جامدة مثلي. كانت سوداء تماما، بسيطة ومقلقة كثقب. أدركت أنها لم تكن مسرورة في تلك اللحظة، وإنما كانت غائبة وراء اللباس الذي يحجبها. وحينذاك علمت، بعد أن تلاشت ثمالتي، أنها لم تكذب، وأنها كانت الله. كان لحضورها بساطة حجر مبهم: في قلب المدينة انتابني إحساس بأنني الليل في الجبل وسط عزلات ميتة.
شعرت بأنني تحررت منها. فقد كنت وحيدا أمام هذا الحجر الأسود. كنت أرتعش مستحضرا أمامي الأشياء الأشد اقفرارا في العالم. لم فلت مني رعب وضعيتي، بأي حال من الأحوال، تلك التي كان مظهرها يجمدني الآن، في اللحظة السابقة..تم التغيير كما ينزلق المرء. في دواخل مدام إدواردة كان الحداد -حداد بدون ألم ولا دمع-  يمرر صمتا فارغا.
ومع ذلك، فإني أردت أن أعرف هذه المرأة العارية جدا، في تلك اللحظة بالذات، والتي تناديني بمرح فيفي....عبرت، وقلقي ينصحني بالتوقف، لكني تقدمت.
انزلقت خرساء متراجعة نحو العمود الأيسر. صرت على بعد خطوتين من البوابة العظيمة. وما إن ولجت القوس لحجري حتى اختفى الدومينو في صمت. أصخت السمع حابسا أنفاسي. اندهشت لكوني قد فهمت ما جرى بهذه الدقة: لقد ركضت بقوة لتندفع تحت البوابة، وعندما توقفت، كانت معلقة في ما يشبه الغياب بعيدا فيما وراء كل الضحكات الممكنة. افتقدها بصري. ثمة عتمة جنائزية تتساقط من القبة. ومع أني لم أفكر في ذلك ولو للحظة واحدة، فقد عرفت أن زمن الاحتضار قد بدأ. قبلت بالأمر. رغبت في المعاناة والذهاب بعيدا، في المضي ولو أدى إلى الموت، إلى الفراغ نفسه. متلهفا لاكتشاف سرها، أردت أن أتيقن من أن الموت قد استكملها.
تحت القبة كنت متأوها مرعوبا، ضحكت قائلا:
-وحيد بين البشر من يعبر عدم هذا القوس!
ارتعدت لمجرد التفكير في أنه كان بإمكان إدواردة أن تهرب، أن تختفي إلى الأبد. أذعنت للفكرة وأنا أرتعد. لكن ما إن تخيلت ذلك حتى صرت مجنونا. انطلقت محاذيا العمود ثم بقيت أمام البوابة مكدودا. لقد اختفت، لكني لم أستطع تصديق ذلك، عندما رأيت في الجانب الآخر من الشارع الدومينو جامدا يتوارى في الظل، أصبحت على حافة اليأس. كانت إدواردة واقفة وغائبة بشكل واضح أمام سطحية مقهى فارغ. تقدمت نحوها. وبما أنها قادمة من عالم آخر، فإنها بدت طبعا مجنونة. بدت أقل من شبح، مجرد ضباب متأخر. تراجعت أمامي بهدوء إلى أن اصطدمت بطاولة على رصيف المقهى الفارغ. أيقظتها، فأجابت بصوت لا حياة فيه:
- أين أنا؟
أشرت يائسا إلى السماء الفارغة فوقفنا. نظرت. ظلت للحظة وراء القناع وعينان شاردتان في حقول من النجوم. أسندتها. كانت يداها تقبضان بعصبية مرضية على الدومينو المغلق. أخذت تتلوى بتشنج. كانت تتعذب. ظننت أنها كانت تبكي لكن الأمر كان كما لو كان العالم والقلق يختنقان بداخلها دون أن تقو على الإجهاش بالبكاء. استحوذ عليها تقزز غامض، تملصت مني. وفجأة، انطلقت. توقفت على الفور. نزعت الدومينو ثم رمت به بعيدا. وبحركة من مؤخرتها كشفت عن ردفيها آخذة وضعية شبقية، ثم عادت وارتمت علي. وكأنها محمولة على ريح وحشية. هوت على وجهي بضربات مسعورة. كانت تلكمني بقبضتيها المشدودتين في معركة عديمة المعنى.
تعثرت وسقطت أرضا، فركضت هاربة.
لم أكن قد وقفت على رجلي تماما. كنت ما زلت مقعيا لما استدارت نحوي. زعقت بصوت مبحوح ومستحيل. كانت تصرخ إلى السماء ويداها تصفقان الهواء من فرط الرعب. صرخت قائلة:
- إنني أختنق، لكنني أحتقرك أنت.. يا خشبة جهنم!
- انتهى الصوت بالانكسار في نوع من الحشرجة. مدت يديها لتخنقني، ثم انهارت. ومثل قطعة من دودة الأرض، تخبطت وقد استحوذت عليها تشنجات تنفسية. انحنيت عليها وأخرجت دانتيلا الذئب التي كانت قد دستها في حنجرتها وطفقت تمزقها بين أسنانها. عرتها فوضى حركاتها حتى العانة. لم يعد لعريها الآن أي معنى، لكنه صار في نفس الوقت إسراف المعنى متنكرا في لباس امرأة ميتة. والأكثر غرابة والأشد إثارة لقلق في آن، كان هو الصمت الذي ظلت إدواردة منزوية فيه: ولفرط ألمها لم يعد هناك أي تواصل ممكن. أما أنا فقد غرقت في هذا الطريق المسدود؛ في ليل القلب هذا الذي لم يكن أقل اقفرارا ولا أقل عداء من السماء الفارغة. فقد انكسرت الحياة بداخلي إلى حد الغثيان من جراء قفزات جسدها الشبيهة بقفزات سمكة، والسعار الحقير الذي تعبر عنه ملامح وجهها.
(أشرح لكم: لا يهم استعمال السخرية عندما أقول عن مدام إدواردة أنها الله. ولكن أن يكون الله مومسا في مبغى، وأن يكون أيضا امرأة حمقاء، فذلك ليس له معنى إذا ما حكمنا العقل. أما عند اللزوم، فسأكون سعيدا إزاء الضحك من حزني. فوحده يسمعني من يملك قلبا به جرح لا منديل؛ جرح من القوة بحيث لا أحد يريد أن يشفى منه...وهل هناك ثمة إنسان جريح يقبل أن "يموت" بجرح آخر غير هذا؟)

وفيما كنت في تلك الليلة راكعا قرب إدواردة، كان الوعي بالجرح اللايندمل ساطعا باردا كما هو الآن في هذه الساعة التي أجتب فيها. كان ألمه بداخلي كسهم، فالسهم، عندما يخترق القلب يكون مرفوقا بالموت. وفي انتظار العدم يكون للباقي معنى لفضلات التي تتوقف عندها حياتي دون جدوى. وأمام صمت على هذه الدرجة من السواد، حصل في يأسي شيء مثل القفزة. أعادتني التواءات إدواردة إلى رشدي وقذفت بي في جهة ما من الماوراء سوداء؛ ألقت بي هكذا دون رأفة كما نلقي بالضنين إلى الجلاد.
من يكن مآله العذاب يطول به الانتظار. وعندما يحل يوم عقابه ويؤتى به في واضحة النهار إلى مكان تعذيبه، ينصرف لمراقبة طقوس الاستعدادات وقلبه بنفطر رهبة. وفي الأفق المحدود الذي يحاصره يغدو ما من شيء، أو وجه، إلا ويحمل معنى ثقيلا يساهم في تشديد الخناق عليه مع أنه لم يعد بوسعه بتاتا أن يفلت منه.
عندما رأيت مدام إدواردة تتلوى على الأرض انتابتني حالة امتصاص مشابهة، لكن التغيير الذي اعتمل بداخلي لم يسجنني. فقد كان الأفق الذي وضعني أمامه عذاب مدام إدواردة يشبه موضوع قلق ما. فأنا في غمرة تمزقي وتحللي أحسن بقوة خارقة، شريطة أن أكره نفسي متى صرت سيئا.
فتح لي الانزلاق المدوخ الذي ضيعني حقلا من اللامبالاة، لم يعد المقام مقام قلق أو رغبة. فمن الاستحالة المطلقة للتراجع تتولد النشوة الميبسة للحمى.
(إذا لم يكن بد أن أتعرى هنا، فمن المؤسف أن ألعب بالكلمات وأستعير ثقل الجمل. وإذا كان لا أحد لا يستطيع أن يحدني في عري ما أقول مزيلا ثوب كلامي وشكله، فجهدي ضائع –الأمر أعرفه مسبقا- وأن أرجو فائدة مما أكتب. والبرق الذي يبهرني ويصعقني لن يعمي من دون شك إلا عيني. مدام إدواردة ليست شبحا في حلم. فقد بلل عرقها منديلي لدرجة أني تقت بدوري إلى قيادتها لما كانت تقودني. لهذا الكتاب سره، وعلي أن أخفيه. فهو أبعد من سائر الكلمات).
هدأت النوبة أخيرا. لكن سرعان ما عاودها التشنج، وإن لم يكن بنفس السعار. استعادت إدواردة نفسها العادي، فهدأت ملامحها ولم تعد شنيعة. تمددت قربها على الرصيف برهة وأنا مرهق، ثم غطيتها بملابسي. لم تكن ثقيلة، فارتأيت أن أحملها. كانت محطة سيارات الأجرة قريبة من الشارع، إلا المسافة كانت تتطلب بعض الوقت، فاضطررت للتوقف ثلاث مرات. أثناء ذلك استعادت إدواردة وعيها وعادت إلى الحياة. وعندما وصلنا حاولت أن تقف، إلا أنها ما كادت تخطو خطوة واحدة حتى ترنحت. أسندتها، وركبنا سيارة أجرة.
قالت بصوت ضعيف:
- ليس الآن... فلينتظر قليلا...
طلبت من السائق ألا يتحرك. كنت ميتا من التعب. ركبت واستلقيت بجانب إدواردة. بقينا –مدام إدواردة والسائق وأنا- جامدين في أماكننا وكأن السيارة تسير.
أخيرا قالت لي إدواردة:
- فليذهب إلى لـ"هال".
أمرت السائق فأدار محرك السيارة.
دلف بنا أزقة مظلمة. فكت إدواردة خيوط الدومينو المنزلق بحركات هادئة وبطيئة. نزعت قناع الذئب والبوليرو ثم خاطبت نفسها بصوت خفيض:
- أنا عارية كحيوان.
أوقفت السيارة بنقرة على الزجاج، ونزلت. اقتربت من السائق حتى كادت تلامسه وقالت له:
- أترى...إنني عارية...تعال....
ثم رفعت ساقها عاليا راغبة في أن يرى شق فرجها. حدق السائق في الحيوان بنظرة جامدة. ثم نزل من السيارة ببطء ودون أن ينبس بكلمة. ضمته إدواردة إليها وقبلته في فمه ويدها تعبث في تبانه. ثم قلعت سرواله وقالت:
-تعال ندخل السيارة.
جاء السائق وجلس إلى جانبي وإدواردة خلفه. طلعت فوقه بشهوانية، ثم أمسكت إحدى يديه ودستها بين فخذيها. مكثت جامدا أنظر إلى المشهد. كانت إدواردة تقوم بحركات بطيئة ماكرة تمنحها، على ما يبدو، لذة هائلة. وكان الآخر يستجيب لحركاتها أولا مانحا إياها جسده بكل ما أوتي من عنف. في هذه الحميمية ومن ذينك الكائنين وعريهما نشأ التحام كبر شيئا فشيئا إلى أن بلغ حد إسراف لا قلب له. انقلب السائق في لهاث سريع. أشعلت مصباح السيارة الداخلي. كانت إدواردة فوق السائق مشرعة فخديها من حواليه ورأسها مدلى وشعرها منسدل. وفيما أسندت رقبتها شاهدت أبيض عينيها. تمددت على اليد التي أسندتها فازداد توترها حدة وهيجانا. عاد بؤبؤا عينيها إلى محجريهما لحظة، فبدى أنها ركنت للهدوء. أبصرتني. عرفت من نظرتها أنها عادت من المستحيل. رأيت في عمقها حدة مدوخة. ويعود ذلك في الأصل إلى أن الوابل الذي غمرها قد انبثق في عينيها ففاضتا دمعا. كان الحب قد مات في عينيها، وانبجست منه برودة فجر؛ شفافية قرأت فيها الموت. كان كل شيء قد أنشد وانعقد في تلك النظرة الحالمة: الجسدان العاريان، الأصابع التي تفتح اللحم، قلقي، وذكرى الروال في الشفتين لما مصصت فرج مدام إدواردة في القاعة. كان كل شيء يساهم في هذا الانزلاق العمى نحو الموت.
لذة إدواردة حنفية ماء شروب ينساب القلب إلى أن ينفطر. لذتها امتدت بطريقة غريبة: لم تكف لجة عن تمجيد كيانها، وجعل عريها أكثر عريا وفحشها أكثر حشمة. وبما أن وجهها وجسدها كانا يشرقان متعة وهما منزويتين في هديلهما الصامت، فقد ارتسمت عليها ابتسامة منكسرة في هدأتها تلك.
رأتني في عمق جفافي. ومن أعماق أحزاني أحسست بعاصفة فرحها تنطلق. كان قلقي يعاكس اللذة التي أرغب فيها. فقد جعلتني لذة إدواردة الأليمة أحس كما لو هوت علي معجزة ثقيلة. استهونت يأسي وحماي. لكن ذلك هو كل ما أملكه. لم أكن أملك شيئا عدا أمجادي الداخلية التي تستجيب للنشوة القصوى التي كنت أدعوها من أعماق صمتي المطبق: "قلبي".
انتباتها رعشات أخيرة، بطيئة، ثم هدأ جسدها الذي ظل إلى ذلك الحين مرغبا ومزبدا: وفي قلب سيارة الأجرة ظل السائق، بعد الجماع، مستلقيا بشرود. كنت لم أسحب يدي من قفا إدواردة بعد. انحلت العقدة، فساعدتها على التمدد ومسحت عرقها فيما استسلمت لحركاتي بعينين مغمضتين، أطفأت ضوء السيارة الداخلي، فغفت كطفلة. اثقل النوم أجفانها (إدواردة، السائق وأنا).
هل أواصل؟ أردت ذلك لكنني سرعان ما هزأت به. فالمهم ليس هنا. ما يقهرني لحظة الكتابة هو: هل كل شيء عبثي؟ كلما فكرت في ذلك مرضت. فأنا أقوم في الصباح – مثلما تقوم ملايين الفتيات، والفتيان، والرضع، والعجزة – وقد رحل النوم عني إلى غير رجعة...فهل لنومنا، أنا وهؤلاء الملايين، من معنى؟ أله معنى باطن؟ طبعا باطن! لكن إذا لم يكن لأي شيء معنى، فإني سأحسن صنيعا. سأتراجع مستعينا بالزور والخداع. علي الاستسلام وبيع نفسي للامعنى: أرى أن الجلاد هو الذي يعذبني ويقتلني، وليس لي من بارقة أمل. لكن ترى لو كان هذا هو المعنى؟ لا أدري ذلك اليوم. وغدا؟ ما أدراني؟ لا يمكنني أن أتصور معنى لا يكون عذابي "أنا"، وهذا أعرفه جيدا. أما الآن فليس هناك سوى جنون هذا اللامعنى (بما أنه قد غذا فجأة "جديا") هو "المعنى" بالضبط (لا، ليس لهيغل أية علاقة بتمجيد امرأة حمقاء..) فليس لحياتي من معنى إلا إذا عانيت من نقصان المعنى؛ أن أكون مجنونا: وليفهم الفاهم، وليفهم الميت...هكذا فالوجود هنا، لا يدري لماذا ظل يرتعش من البريد...الفساحة والليل يغلفانه وهو هناك عنوة، لأجل ..."لا يعلم". لكن ماذا عن الله؟ ما القول فيه أيها السادة الفصحاء والمؤمنون؟ هل يكون الله على علم بذلك؟ لو كان الله يعلم لكان خنزيرا. يا إلهي (وأنا أتوسل إليه بقلبي في غمرة اليأس) امنحني الخلاص واعمهم عني! والحكاية هل أنهيها؟
انتهيت.

كنت أول من استفاق من النوم الذي تركنا قليلا في قعر سيارة الأجرة. أفقت مريضا والباقي مجرد سخرية وانتظار طويل للموت...