‏إظهار الرسائل ذات التسميات إدغار موران. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إدغار موران. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 4 أبريل 2016

النزعتان الإنسانيتان: إدغار موران




 ترجمة : سعيد بوخليط

أخذت الإنسانية، ضمن مسار الحضارة الغربية، وجهين متناقضين. يتمثل الوجه الأول، في شبه تأليه لإنسان، منقطع  للطبيعة. إنه، في الواقع  ديانة إنسان، حل محلّ إله متقادم، وتعبير عن مزايا الإنسان الحديث المتطور بيولوجيا، الصانع، الاقتصادي. بهذا المعنى، الإنسان مقياس كل شيء، ومصدر لكل قيمة، يبتغي التطور. يُطرح باعتباره، ذاتاً للعالم، والأخير بالنسبة إليه، عالماً-موضوعاً، تشكله موضوعات. هو سيد، على هذا العالم، يتمتع بسلطة لانهائية على كل شيء، ضمنها حقه اللانهائي في التدبير.
إدغار موران
بناء على أسطورة (الإنسان المتطور بيولوجياً) قدرات تقنيته ثم استئثاره بالذاتية، أرسى دعائم الشرعية المطلقة لتمركزه الأنثروبولوجي. وجه كهذا للإنسانية، يلزمه الاختفاء، ثم نتوقف عن التحمس للصورة البربرية، المشوهة، المعتوهة، عن إنسان مكتفياً بذاته، فوق الطبيعة، محوراً للعالم، وهدفاً للتطور، متسيداً على الطبيعة.
أما الثاني، فقد  صاغه مونتين بجملتين: «أكتشف في كل إنسان، مواطناً لي»، و«ننعت بالمتوحشين، شعوب الحضارات الأخرى». لقد مارس مونتين، إنسانيته عبر الإقرار لسكان أمريكا الأصليين، بمنتهى إنسانيتهم، والذين تعرضوا لغزو أليم واستعبادهم، ثم انتقاده لمستعبديهم. 
هذه النزعة الإنسانية، أغناها مونتسكيو، بمكون إتيقي، مفاده، أنه إذا استلزم الأمر الاختيار بين وطنه والإنسانية، فيجب الانحياز للإنسانية.
أخيراً، صارت هذه الإنسانية مناضلة لدى فلاسفة القرن الثامن عشر، وعثرت على تعبيرها الكوني في الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن سنة 1789. هذه النزعة الإنسانية، أقرّت في مبدئها أوج الخاصية الإنسانية، لدى كل كائن ينتمي لنوعنا. تجد في كائن بشري، هوية مشتركة، وراء التباينات، مرتكزة ضمنياً، على المبدأ الذي طرحه إيمانويل كانط: تعامل مع الآخرين، مثلما تتوخى، أن يتعاملوا معك. أيضاً، تضمر تصور هيغل: كل كائن بشري، في حاجة إلى الاعتراف بأقصى درجات إنسانيته، من طرف الآخر. يطلب احترام، ما نسميه "كرامة" كل إنسان، بمعنى أن لا تعرضه لمعاملة فظة. هذه النزعة الإنسانية، غذتها فيما بعد، طاقة للأخوة والحب، خاصية إنجيلية اكتست طابعاً علمانياً. 
بما أن هذه النزعة الإنسانية، تهم مبدئياً جميع الكائنات البشرية، فقد احتكرها الرجل الأبيض، الراشد، الغربي. هكذا، أقصي البدائيين، المتخلفين، الطفوليين، الذين لم يدركوا كرامة الإنسان المتطور بيولوجياً، فعوملوا كأشياء واستعبدوا، إلى غاية الحقبة الحديثة، جراء التحرّر من الاستعمار.
لسنا في حاجة إلى نزعة إنسانية جديدة، بل أخرى تستعيد أصالتها ومتجددة.
تحوي النزعة الإنسانية في ذاتها، فكرة التقدم، وتهتدي به. لقد اعتُبر التقدم، منذ كوندورسي [Condorcet]، قاعدة يخضع لها التاريخ البشري. بحيث، يبدو أن العقل والديمقراطية والتطور العلمي والاقتصادي والأخلاقي، كانت غير منفصلة. اعتقاد، ولد في الغرب، تكرّس، ثم عٌمم عالمياً، بالرغم من التفنيدات المرعبة، الناتجة عن التوتاليتاريات، وكذا الحروب العالمية فترة القرن العشرين. سنة 1960، وعد الغرب بمستقبل متناغم، والشرق بمستقبل مشرق. هذان المستقبلان، انهارا قليلا قبل نهاية القرن العشرين، وحلت محلهما الشكوك والمخاوف، كما أن الإيمان بالتقدم، لم يعد قابلاً لإدراجه ضمن مستقبل للوعود، بل الممكنات. بهذا المعنى، تقترح النزعة الإنسانية الجديدة، متابعة تطور الإنسان نحو أنسنة، بتبني المقتضيات الأنثروبو- إيتيقية (لنخلق الإنسان).