ترجمة: آسيا السخيري
![]() |
| Magnus Gjoen, Darkness In Life Is Living Death |
يشترك جورج باتاي مع الماركيز دو ساد
في كون الإباحية هي شكل من أشكال نضالِ الروحِ ضدَّ الجسد؛ الشكلُ الذي يكون في
هذا الاتجاه محدَّداً بالإلحاد بمعنى أنه إذا لم يكن هناك، إطلاقاً، الإلهُ الذي خلق
الجسدَ، فإنه لا يبقى للروح سوى تجاوزاتِ اللغةِ لإخراس تجاوزاتِ الجسدِ
المفرِطةِ. ومن ثَمَّ، فإنه ليس هناك ما هو أكثرُ "وضوحاً" من إفراطات
لذةِ الجسدِ. بالنسبة لـ ساد، لا يمكن للغة، التي لا تَحتمِل نفسَها بعد
تحرُّشِها طوال أيام كاملة بنفس الضحيةِ، أن تنفُذَ. اللغة محكومة بتكرارٍ لا
نهاية له. أما بالنسبة لـ جورج باتاي، الذي يفصله عن العقلانية الواضحةِ
لدى ساد أكثرُ من قرن من الأفكار الهيغلية، فإننا نجد تعريفاً متفاقماً
وأكثر صعوبة للغة والانتهاك. الاتصال الجنسيُّ الشهوانيُّ ليس له من إغراء إلا متى
كان انتهاكاً للغة بواسطة الجسد وانتهاكاً للجسد بواسطة اللغةِ. ذلك الخرق هو ما
يُعرف بالنشوة (أو لنقل إن ذلك الخرق هو ما يُعاش على أساس أنه نشوةٌ)؛ مهما
عَرَفَ الجسدُ، وبشكل جيِّدٍ، انجذاباً شديداً خلال نشوةِ الجماع، فإن تلك النشوةَ
لا تساوي ولا تعني شيئاً أمام نشوةِ العقل التي لا تعدو أن تكون، في الواقع، سوى
الوعيِ بحدثٍ مرَّ في نفس اللحظة التي ظن فيها العقلُ أنه قد أمسك به في اللغة.
بيْد أنه لا يمكن أن يكون ثمَّة انتهاكٌ في الممارسة الجنسيةِ ما لم تكن معاشةً
كحدثٍ روحيٍّ؛ ولكن، ينبغي أيضاً، وللقبض على معناه، البحثُ وإعادةُ إنتاجِ الحدثِ
في وصفٍ مكرَّرٍ للفعل الشهواني الجسدي. ذلك التوصيف المكرَّرُ للفعل الجسديِّ لا
يفسِّر فقط الخرقَ أو يبرِّره وإنما هو، في حدِّ ذاته، تجاوزٌ للغة بواسطة اللغةِ
أو من خلالها.
هي حاجة لتشويه ما هو جميل
بطبيعة الحال، الأمر لا يتعلق هنا بمجرد تجاوزٍ
أخلاقيٍّ، ولكنه يخصُّ العنفَ الذي يصيب إدراكَ الكائنِ بواسطة شيءٍ ما، لا
يتجلَّى في الذهن سوى من خلال تفكيكه وتدميره كليًّا –وبالتالي فالحاجةُ إلى ردِّ
الفعل بطريقة سيئةٍ على الرغم من حتمية الجيِّد ليست، إطلاقاً، أكبرَ من الحاجة إلى
تقبّح ما هو جميل- كتشويه وجه، على سبيل المثال، أو إفسادِ ما يبدو نقيًّا. إذن،
فذلك الشيءُ الذي يتجلَّى للعقل هو ذو طبيعةٍ فاتنة، بما يعني أنه يتفوَّق على
العقل وبما يعني أيضاً أنه حالةٌ تصل إلى العبادة حتى وإن كان العقلُ فيها
موجوداً... ولكن كلَّ ذلك إذا تمت صياغتُه في اللغة، فرَّ منه ذلك العشق الذي يصل
إلى حدِّ العبادة. نفى الماركيز دو ساد الحقيقة "الموضوعية"
لتدنيس المقدساتِ ولم يعترف لها بغير قيمتِها المتمثلةِ في إثارة الشهوةِ الجنسية؛
وإذا لم يستطع خيالُه الاستغناءَ عنها، فإنه لكي يعجَب بما هو مثيرٌ للشهوة الجنسية،
يكفي أن يعيده إلى حالتِه المحسوسة عن طريق الكلام أو الكتابةِ. أمّا بالنسبة
لأنموذجِ باتاي الذي تتخذ كلُّ إجراءاتِه نقطةَ انطلاقِها في هذه التجربة
غيرِ القابلةِ للاختزال، فهو يبرهن عليه، أيضاً، بأن: تدنيس المقدسات وظيفة أنطولوجية
بمعنى كينونية؛ في فعل التدنيس، الاسم الأكثر نبلاً في الوجود، ينكشفُ حضورُه.
وهكذا، يظل باتاي، على الرغم من موقفه الإلحادي، متضامناً مع الهيكلة
الشعائريةِ المسيحية. الكاهن، القداس، الأسرارُ المقدسة، الطقوسُ وكلُّ ملحقاتِ
العبادة، ولا سيِّما اسمُ الربِّ، كلُّ ذلك ضروريٌّ للتعبير عند باتاي. من
المؤكَّد أنه يمكن القولُ إننا بصدد عناصرَ لغويةٍ خاصةٍ تحدِّد، في ظِلِّ ظروفِ
فهمٍ تُحتِّمها العاداتُ الكاثوليكيةُ، تجربةً لا يمكن توضيحُها على خلاف ذلك.
ولكن، هل كان لـ باتاي وسيلةٌ لترجمة تجربتِه بطريقة أخرى؟ أشك بشدة في أنه
يريد أن يحرم نفسَه من الوسائل التي توفِّر له بدقة بُنى الكنيسةِ العقليةِ.

