السبت، 21 مايو 2016

محاضرة حول بوشكين: فيودور دوستويفسكي



ترجمة لطفي السيد

إن مراسلات وأسفار ويوميات دوستويفسكي في سان بطرسبرج وبعض فصول من مسودات بعض رواياته كـ  الممسوسون" و"ذكريات من منزل الموتى" وخطبته عن بوشكين بمناسبة افتتاح النصب التذكاري لهذا الشاعر العظيم كانت قد ظهرت للنور أول ما ظهرت بعد ثورة 1917. وذلك بعد أن تم الإفراج عن العديد من الوثائق التي كان محظوراً نشرها في الفترة السابقة على الثورة وكذلك بعض أعمال كبار الكتاب الروس التي كانت قد حجبتها الرقابة ووضعتها في الأرشيف الروسي. بينما قام الأديب والمترجم جان فلاديمير بيانستوك في عام 1923 بالترجمة والتحقيق والتذييل ببعض الإيضاحات لهذه المراسلات والأسفار وباقي كتابات دوستويفسكي التي لم تكن قد ترجمت من قبل إلى اللغة الفرنسية.   



أُلقيت في 8 يونيو 1880 أمام جمعية أصدقاء الأدب الروسي

بوشكين ظاهرة استثنائية، وربما الظاهرة الفريدة للنفس الروسية، هكذا قال "جوجول". وأضيف، من جانبي، إنه عبقرية نبوية. لقد ظهر بوشكين بالضبط في لحظة يبدو أننا ندرك أنفسنا، ومجيئه ساهم بقوة في إضاءة طريقنا.
Portrait de Dostoïevski by Vassili Perov
الفعالية الفكرية لشاعرنا العظيم لها ثلاث مراحل. لا أتحدث، في هذه اللحظة، من خلال النقد الأدبي؛ لا أتحدث سوى عن نبوءاته لنا من خلال أعماله الأدبية. أعترف أن هذه المراحل الثلاث لم يكن بينها حدود فاصلة. فبداية رواية "أونيجين" تنتمي إلى الأولى ونهايتها تنتمي إلى المرحلة الثانية، بينما كان قد وجد نموذجه في أرض المنشأ. من المعتاد قول إن بوشكين، في بداياته حاكى الشعراء الأوروبيين: "بارني"، "أندريه شينييه"، ولا سيما "بايرون". بلا شك كان لشعراء أوروبا عظيم التأثير على تطور عبقريته، وهذا التأثير، حافظوا عليه حتى نهاية حياة بوشكين. إلاّ أن أشعار بوشكين الأولى حتى لم تكن مجرد محاكاة: لقد اخترقتها استقلالية عبقريته. لن نرى، أبداً، في أعماله مجرد محاكاة، مثل كثافة الألم هذه ولا الوعي العميق جداً بذاته. انظروا، على سبيل المثال، الغجر، القصيدة التي أضعها في المرحلة الأولى من فعاليته الإبداعية. لا أتحدث عن حماسته فحسب، التي ما كان لها أن تكون بمثل هذه القوة، إن لم تقم سوى بالمحاكاة في مثل هذا النوع من "الألكو" يكشف بالفعل بطل القصيدة عن فكرة قوية وعميقة، روسية بشكل بارز، والتي ستظهر لاحقاً مكتملة تماماً في "أونجين"، حيث نظن أننا نرى "ألكو" يظهر مجدداً، ليس في شكل مخيالي، بل في شكل واقعي، ملموس، واضح. في هذا النوع من "الألكو" وجد وميز بوشكين بخاتم عبقريته شخصيةَ المتسكع التعس، التائه في أرض المنشأ، هذا الشهيد الروسي، ولد قسراً من مجتمعنا المنفصل بقسوة عن الشعب. هذا ليس عن "بايرون" الذي قابله. هذا المتسكع الروسي بلا كوخ يلاحق اليوم طريدته ولن يختفي طويلاً. إذا لم ينضم للغجر ليجد مثاله عن الحياة البرية الهائمة والسكينة في حضن الطبيعة، يلقي بنفسه في الاشتراكية التي لم تكن موجودة بعد في عصر "الإلكو". يبحث دائماً، ليس فقط عن رضا غرائزه الشخصية، بل كذلك عن السعادة الكونية. يحتاج المتسكع الروسي للسعادة الكونية حتى يهدأ.
أوه! الغالبية العظمى من الروس لا يطالبون بالكثير من ذلك. الكثير منهم يسعد بأن يخدم بسكينة البلد كموظف حكومي، كمستخدم في خزانة الدولة، في السكك الحديد، أو موظف بنك، ولا يقلقهم أن يتكسبوا عيشهم بطريقة أو بأخرى. هذا كثير جداً لو أن بعضهم دفع بالليبرالية إلى "اشتراكية أوروبية" مبهمة، تخففها السذاجة الروسية؛ لكنها ليست إلا مسألة وقت. بغض النظر عن هذا الذي بمجرد أن يبدأ حتى يثير المتاعب، بينما ذلك يدق بالفعل جبهته في الباب! يكفي أن يُثار بعضهم حتى يقلق كل الآخرين. لا يعرف بعد "ألكو" التعبير بوضوح عن قلقه. كل ذلك في الحالة الغامضة عنده، ليس سوى الحنين إلى الطبيعة، أحقاد ضد المجتمع الراقي، الميول، بعض الشيء، الكوزموبوليتانية، دموع على الحقيقة التي ضاعت منا، التي لن نستطيع إيجادها. يوجد بداخله بعضاً من "جان جاك روسو". على أي شيء تستند هذه الحقيقة؟ هذا ما لم يقله لنا، لكن يعاني بصدق... الحقيقة في مكان آخر؟ في الأراضي الأوروبية التي لها شكل منظمة تاريخية، حياة اجتماعية محددة؟ لا يفهم أن الحقيقة بداخله؟ وكيف يدرك ذلك؟ إنه كغريب في وطنه. طابق العمل، ليست لديه ثقافة، ليست لديه سوى ذرات رماد متطايرة في الهواء. يشعر بذلك، يعاني منه. بلا شك ينتمي لطبقة النبلاء الوراثية، المالكة للأقنان على الأرجح. عرض ببراعة فانتازيا الحياة مع أناس لا يعرفون قانوناً، نزه الدب الذي يظهر... الطبيعة الرحيمة، المرأة، «المرأة البرية»، حسب تعبير أحد الشعراء، تستطيع أن تعيد له الأمل في العافية، بلا روية يتوله "بزيمفيرا" «هو ذاك، قال، حيث تكون عافيتي وربما سعادتي، هنا، في قلب الطبيعة، بين بشر ليس لديهم حضارة ولا قوانين!» لكن في بداياته في الحياة البربرية، لا يحتمل التجربة وتتلطخ يداه بالدم. يطرده الغجر، دون انتقام وبلا سخط، بصدق وروعة.

الأربعاء، 18 مايو 2016

كافكا؛ من أجل أدب أقلاني: جيل دولوز وفيلكس غواتاري



ترجمة: حسين عجة


الفصل الأول: محتوى وتعبير

كيف يمكن الولوج في عمل كافكا؟ أنه جُذمور (rhizome)، أحفورة (un terrier). لرواية "القصر"  (Le Château) «مداخل مُتعددة» لا نعرف جيداً قوانين استعمالها وتوزيعها. ولفندق رواية "أمريكا" (Amérique) أبواب لا تعدّ ولا تُحصى، رئيسية وثانوية، يقوم بحراستها ما لا حصر له أيضاً من القيمين عليها، وهناك مداخل ومخارج بلا أبواب. ومع ذلك، يبدو أنه ليس لقصة الأحفورة (Terrier)، التي تحمل نفس الاسم، سوى مدخل واحد: أكثر ما يمكن قوله هو أنّ البهيمة تحلم بإمكانية وجود مدخل آخر، تقتصر خدمته على المراقبة (surveillance). بيد أنّ ذلك لا يُشكل إلاّ فخاً، من البهيمة، ومن كافكا نفسه؛ فكلّ توصيف الأحفورة مصنوعاً من أجل التحايل على العدو (ennemi). ندخل إذاً من أي طرف، فليس ثمة ما يُميّز أحدها عن الآخر، ولا يتمتع أي مدخل بأي امتياز، حتى وإنّ كان هذا بمثابة مأزق  (impasse) تقريباً، أو أخدود ضيق، بالوعة، الخ... ما سنبحث عنه يقتصر على معرفة النقاط الأخرى التي يَتصلُ بها ذلك المدخل الذي ولجنا عبره، وما هي خارطة الجذمور (la carte du rhizome)، وكيف سيتحور مباشرة إذا ما دخلنا من نقطة أخرى. إنّ مبدأ المداخل المُتعددةِ قائم فقط لمنع أقحام العدو، الدال (le Signifiant)، ومحاولات تأويل عمل لا يعرض نفسه إلاّ على التجريب (expérimentation). 
سنأخذ مدخلاً متواضعاً، مدخل رواية "القصر"، في صالة الفندق حيث يكتشف "ك" (K) صورة (le portrait) الحمّال برأسه المحني (tête penchée)، وذقنه الغائر في صدره. يُشكل هذان العنصران، الصورة المرسومة أو الفوتغرافية، والرأس المُنهك المنحني، لازمة دائمة في عمل كافكا، بدرجات متنوعة من الاستقلال. صورة الوالدين الفوتغرافية في رواية "أمريكا". بورتريه السيدة التي ترتدي معطفاً من الوبر في "المسخ" (la Métamorphose) [هنا، نجد الأم الواقعية برأسها المحني، والأب الواقعي منْ يحمل هوية الحمال]. غزارة البروتريهات والصور الفوتغرافية في رواية "المحاكمة" (le Procès)، انطلاقاً من غرفة الآنسة "بيريشتنر" (Bürstner) وحتى ورشة "تيتورلي" (Titoreli). يظهر الرأس المنحني الذي لا يمكن رفعه طيلة الوقت، في الرسائل، في الكراسات (Carnets) وفي اليوميات (le Journal)، وفي الروايات القصيرة (nouvelles)، وفي "المحاكمة" أيضاً حيث القضاة بظهرهم المعقوف إزاء السقف، وجزء من الحضور، الجلاد، القس... لا يمثل المدخل الذي اخترناه إذاً، مثلما يأمل المرء ذلك، مجرد رابط بأشياء أخرى قادمة. فهو ذاته قائم على رابط ذي شكلين يتمتعان باستقلالية نسبية، أي شكل المحتوى (la forme de contenu) "الرأس المُنحني"، وشكل التعبير (la forme d’expression)  "بورتريه-فوتغراف" اللذان يلتقيان في مطلع "القصر". نحن لا نؤل (nous n’interprétons pas). نحن نقول فقط أنّ ذلك الاتحاد يعمل بصفته إغلاق وظيفي (blocage fonctionnel)، تحيّيد (neutralisation) للرغبة التجريبية: الصورة الفوتغرافية التي لا يمكن لمسها، تخفيضها، المحرمة، والمؤطرة، والتي لم يعد بمقدروها التمتع إلاّ برؤيتها الخاصة لنفسها، كالرغبة الممنوعة من قبل القانون أو السقف، الرغبة الخانعة التي لم يعد بإمكانها سوى التمتع بخضوعها الخاص. والرغبة التي تفرض الخنوع أيضاً، وتنشره، رغبة القاضي الذي يدين بالحكم [كالأب الذي ينحني رأسه إلى حد بعيد في قصة "نطق الحكم" (Verdict) بحيث لا يستطيع الأبن إلاّ الركوع على ركبتيه]. ذكرى لطفولة أوديبية (oedipien)؟ الذكرى هي بورتريه للعائلة أو صورة فوتغرافية لعطلة الصيف، مع رجال منحني الرؤوس وسيدات بعنق مزين بشريط(1). إنه يردم الرغبة، يأخذ عنها نسخ (calques)، يسقطها على طبقات ((strates، ويقطعها عن كل روابطها. لكن ما الذي نأمله إذاً؟ إنه مأزق (impasse). من جانب آخر، من المفهوم أنّ يكون حتى المأزق أمراً جيداً، عندما يشكل جزء من جذمور (rhizome).

الثلاثاء، 17 مايو 2016

ريجيس دوبري: ماذا تبقى من المقدس؟



ترجمة: سعيد بوخليط

مع إصداره: "فتوة المقدس" [Jeunesse du sacré] (غالمار)، يتوخى ريجيس دوبري، تفتيت قشرة، الشعائر الدينية المعاصرة.
دوبري، المختص في دراسة منظومة وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية، يحاول هنا، الاستفادة من معطيات سذاجتنا. فالإنسان المعاصر، يظن نفسه قد تحصن حالياً ضد الطقوس، وتخلص من كل إجلال مقدس، مادام نيتشه والأنترنيت، قد عبرا المكان. لذلك، يدعونا، دوبري في دراسته الحديثة "فتوة المقدس"، إلى إعادة النظر  في المشهد. ما نعرفه قليلاً، بخصوص فصله عن الإلهي، فالمقدس هذا «الخيال العنيد»، يشمل كل شيء. ما هو المقدس؟ كل: «ما يبرر القربان، ويمنع التدنيس» يكتب دوبري. لقد سمعتم، كلاماً عن الأضرحة الستالينية، وشعلة الجندي المجهول، وهضبة مدفن عظماء الأمة، والنصب التذكارية لمؤسسة "ياد فاشيم" في القدس، ثم قبو كنيسة، يخلد المقاومة الفرنسية؟ هل تعلمون، أن السرداب البيزنطي الجديد لمعهد باستور، يضم جسد العالم الكبير؟ بدون شك، تخلق هذه المزارات صورة، لكنها غير واضحة بما يكفي. يشرح دوبري، بنباهة مداخل المقدس المعاصر. ألا ينص، البند  الثاني من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على ضرورة احترام "الخاصية المقدسة للحياة"؟ ألا تحول الورود التي تبعثر على قبر المغني جيم موريسون، زاوية من مقبرة « Père-lachaise » إلى هيكل هاميّ؟ ألم يستحضر، فاغنر "تمثلاً مقدساً"، حين حديثه عن "مهرجان تمثيلي"؟
يبين دوبري، كيف يتسرب مقدس دنيوي، إلى طقوسنا اللائكية. إن حفلاً، للتنصيب داخل الإليزي، يحافظ على قداسة، يروج لها. 
هي، تسميات مختلفة: الحق في الإضراب، التراث، العطل، واجب الذاكرة. قد أضحت عبادات، يستحيل المساس بها. ألا يدفع قانون الزمان، نحو تقديس  محتوم للضحايا؟ دون التكلم عن أنصار البيئة، الذين يضفون شعيرة مطلقة على السيدة، الطبيعة. إن الحاجة إلى الشعائري، تتآلف، يكتب صاحب مؤلف: [Scribe : genèse du politique].
يميز دوبري، بين مقدس نظام (المآثم الوطنية) ثم مقدس وحدة الشعور (مآثم سارتر). نخلق بمحض إرادتنا، جماعة انطلاقاً من مقدس: استعراضات، مواكب، طواف، حفلات تذكارية. احترام السّري، يصنع منه قانوناً، لذلك، لا يمكننا ولوج معبد ماسوني بغير التوفر على بطاقة دعوة. حين علمنة المقدس، قد يقود إلى مفارقة: إذا قارنّا جمهوراً متحفظاً جداً، جالساً داخل قاعة محكمة، مع حشد من السياح يرتدي أفراده سراويل قصيرة، خلال زيارتهم لكاتدرائية، سيبدو حينئذ المقدس الدنيوي أكثر إلحاحاً من المقدس المذهبي.
عندما نقرأ هذا العمل، نلاحظ أن الرفيق السابق لـ تشي غيفارا، صار منافساً لـ مالرو، كاتب عمل: [Voix du silence]، والدعابة فوق ذلك. ألم يدرج في مدفنه الخاص بالعظماء، أسماء  أمثال: جوليان غراك، جون بيز، وكذا كورتومالتيس؟ فالإنسان: «يعتبر، الحيوان الثديي الوحيد، الذي يدرك أنه سيموت» هو بعيد، عن التخلص من اندفاعه نحو ولع، يوشك على تحويل فرنسا إلى: «متحف هائل للقديم» أفزع معه، مارك بلوخ سنة 1940.

1) س- ريجيس دوبري، أنتم فيلسوف وكاتب. لكن، لماذا هذا القدر من الصور في كتابكم؟ ألا تكفيكم الكلمات؟
ج- لا، لقد كنت محتاجاً إلى أن أرى وأنقل ذلك إلى القارئ، والقطع تحديداً، مع الإكليشيهات. نتيجة تكاسل فكري، نكتفي باستيعاب المقدس عبر الديني والصوفي أو ما فوق الطبيعي. أقصد، تنقية المقدس من زخارفه الباطنية والتعزيمية. بتسليط الضوء على قصور العدالة، والمقابر الكبيرة، وهذا النصب التذكاري أو ذاك، والملاعب، أتوخى الكشف عن ما نفضل إخفاءه، سواء أن نتسامى به في إطار حالات وعي، أو بجعله فولكلور يرتد إلى الماضي. المقدس، بعد غامض ومكبوت بين طيات حداثتنا، لا نلامسه إلا سلبياً من خلال الحواشي، عبر الانتهاكات والشتائم وكذا الفضائح. لهذا، أقترح متابعة معاصرة لليومي. فكتابي، دعوة لرفع الغطاء: يشمل المقدس، الحجر والأصوات والآثار والأغاني. 

الأحد، 15 مايو 2016

شَيْءٌ مَا آتٍ مِنْ بَعِيدٍ: بيير طُرُويْ



ترجمة جمال خيري

عن ديوان "شَيْءٌ مَا آتٍ مِنْ بَعِيدٍ". لبيير طُرُويْ الشاعر الفرنسي الملقب بشاعر الأنوار الأطلسية (1921-2005)، صدر الكتاب عن منشورات روجري 2000.



I

... لَا لَيْسَتِ الْأَسْمَاءُ        بَلِ الطَّبِيعَةُ دُونَ الْمَعَالِمِ        تَأْوِي الشَّكْلَ الْحَقِيقِيَّ        فِي أَمْوَاهِ النَّظَرِ        مُخَلَّفَةً مِنَ الْفَمِ وَالْعَيْنَيْنِ        حَرَكِيَّةُ الْأَشْيَاءِ        مَلْحَمَةُ الْيَدِ        لَحْظَةُ تَوَقُّفٍ عَابِرَةٍ        حَيْثُ يَأْتِيَانِ مُجَازِفَيْنِ النُّورُ      وَالشَّفَافِيَّةُ        صَاعِدَيْنِ تَيَّارَ لُغَةٍ دُونَ أَبْجَدِيَّةٍ        كُلُّ اسْمٍ يُنِيرُ وَيُخْبِي نَصِيبَهُ الْخَاصَّ مِنَ النَّوْمِ        مُهْتَزًّا بَيْنَ حِبَالِ الصَّمْتِ.

يَمَّحِي رَعِشُ كِتَابَةٍ مَقْطَعِيَّةٍ مُتَلَاشِياً        دُونَ تَجَاعِيدَ        وَعَلَى السَّحْنَةِ الْأُخْرَى        يَمَّحِي الثَّلْجُ اللَّامَكْتُوبُ        غِشَاءً سِرِّيًّا لِلْبُذُورِ        نَابِعٌ مَائِيٌّ هَذَا الصَّمْتُ        أَرْوِقَةٌ مَدْفُونَةٌ فِي مَدَى الرُّوحِ الْمَغْمُورِ

فِي قَلْبِ الاِنْسِجَامِ        نَشِيدُ الْوَقْتِ الْمَحْرُوزُ        حَصَى التَّضَجُّرِ        الْمَصْقُولُ وَالْمُعَادُ صَقْلُهُ فِي عَيْنِ الْوَمِيضِ الْمُنْحَرِفَةِ        سَوْسَنٌ بِرَعَشَاتِ زَيْتُونَةٍ

إِلْحَافٌ صِرْفٌ فِي الْوَاحِدِ الْمُتَعَدِّدِ        الْقَصِيدَةُ تُعَلِّي الْوَجْهَ وَالشَّفَتَيْنِ        الْقَادِرَيْنِ عَلَى تَلَفُّظِ تَعَنُّتِ الْأَصْلِ        وَحَسَاسِيَّةِ هَذَا الصُّرَاخِ الْمُشَتَّتِ مِنَ اللُّغَةِ الْمُقَارِبَةِ لِلْخُلُودِ        اتِّزَاناً لِلْقُرْبَانِ        شَكْلاً لِلثَّوْلِ الْمُلْتَئِمُ        خَلِيَّةً لِلْمَوْلِدِ        هَسْهَسَةً لِلُّفَاظَاتِ الْمَنْسُوجَةِ عَلَى أَصَابِعِ الشَّفَقِ

أَيُّ رَحَابَةٍ مُبْهَمَةٍ وَمُتَعَدِّدَةٍ        تُسْمِي        إِلَى مِرْآةِ الصَّوْتِ        نُفُوذَ الشَّتِيتِ؟        نَقَاوَةَ الثَّلْجِ الَّتِي سَتَحْفَظُهَا الْيَدُ        انْتِشَارَ قُرَّيْضَةِ(1) الصَّمْتِ!        تَوَّاقَةً إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي الْآنَ اخْتَفَى        وَمَا يَزَالُ جَهِيراً فِي أَثَرِهَا        هَنْدَسَةً صِرْفاً عَلَى جِدَارِ الْهَوَاءِ ذَا        عِنَاقاً شَفَوِيًّا لِلْمَجَازِ عَبْرَ الْمُعْتِمِ.

السبت، 14 مايو 2016

سوء حظ، غبار: جورج باتاي (المعجم النقدي)



ترجمة: آسية السخيري 


سوء حظ

ما من شكٍّ في أن كلَّ شيءٍ بخصوص سوء الحظِّ قد قيل ونُشر وطبِع وأن الجميعَ صرخوا وأنُّوا وشكو منه، إلا أن  سوءَ الحظ ليس أبدا هو الذي يحكي بنفسه، ولكن أيَّ إنسان سعيدٍ مهذارٍ بوسعه أن يتكلم باسمه؛ علاوةً
 by Niki De Saint Phalle
على ذلك، يمكننا هنا أن نعيب على المرء، بذلك المعنى الدنيءِ، أن يتحدَّث عن سوء الحظ كما لو أنه يتحدث عن الدماثةِ وأدبِ الأخلاق (وعيُ المرءِ المرتبكُ سينبِّهه إلى أنه إنسانٌ مدَّعٍ وفظٌّ). هنا يمكن أن نتحدث عن الحكيِ والكتابة والنشر والاشتكاءِ والصراخ بأن العيب، في واقع الأمر، هو سوءُ حظٍّ مروعٌ وأنه مغالاةٌ ماكرةٌ ومتعجرفةٌ في حدِّ ذاتِها الكئيبةِ وأنه، أيضا، في عباءته الحمراء يمكن أن يكون قاضياً أو حِبراً أو شرطياً أكثرَ منه قاتلاً؛ وهو، على كلِّ حال الشيءُ الذي يُغطِّي كلَّ جهازِ التعاسةِ المشؤومِ والمريبِ؛ ممَّا يعني، أيضا، بطبيعة الحالِ، أن سوءَ الحظ ليس سوى كلِّ ما يعني النفاقَ والخرسَ. علاوةً على ذلك، فإن الشوارعَ التي تروق لنا لها وجهٌ مأساويٌّ، ونحن، بأنفسنا، لا نمرُّ بها إلا بوجوه كلابٍ جرباءَ. أبعد من ذلك، لا أحد يمكنه أن يقول أين أو متى حتى يصير، بالتأكيد، أيُّ شيءٍ ممكنا أيْ أن اللغزَ الذي يطرحه سوءُ الحظِّ (الذي يحدُث مع مفتش الشرطة، مثلا، دون أن ندري لماذا) يجد نفسَه محلَّلاً وموطَّداً بكلِّ سفاهةٍ ووقاحةٍ في شكل عيبٍ. لذلك نقول في كثير من الأحيان: لنتركْ الحديث عن سوءِ الحظ جانباً...
أن يقع التعاملُ مع هذا الأمرِ أو غيرِه على أساس أنه مواربةٌ والتفافٌ، فذلك ليس مهمًّا: في الواقع، دون خوان سالفِ الزمانِ، المسمى كريبن، الشاب الجميل الذي بعدما قتل عشيقتَه بإطلاق النارِ عليها وعلى غريمه عشيقِها ثم حاول الانتحارَ بواسطة طلقةِ رصاصٍ ثالثةٍ من سلاحه، فقد على إثرها أنفَه (وأصبح، بالإضافة إلى ذلك أخرس)، وجد نفسَه متَّهَما من طرف القاضي بأكلِ الشكلاطة فمًا لفمٍ مع السيدةِ دولارش، تلك التي يُفترض أنه قتلها، ذات يوم، وقد استثار غضباً. وهكذا نجِد أنفسَنا تائهين في التخمين لمعرفة كيف يمكن لتلك الجملةِ الدنيئةِ الصادرةِ عن محكمةِ الجنايات أن تنشئ صورة الشرِّ والخلل بكلِّ ذلك التفاني والإخلاص.