الاثنين، 28 سبتمبر 2015

مولد أُمَّة: ريتشارد زينيث (في سيرة فرناندو بيسوا)

ترجمة: أمير زكي

«كبيرة وضخمة هي النجوم،
كبير وضئيل هو القلب، وبإمكانه
أن يحمل أكثر من كل النجوم، كونه
بلا مكان؛ أعظم من السماء الواسعة»
من رباعيات بيسوا
على خطى رباعيات عمر الخيام


fernando pessoa masks by ana gabriela
اسم فرناندو بيسوا الثاني صنع الكثير؛ هو الذي يعني بالبرتغالية "شخص". مشهور بتقسيم نفسه إلى حشد من الذوات الأدبية البديلة التي أطلق عليها «الشخصيات المستعارة» بدلاً من "الأسماء المستعارة"، وهبها سيراً ذاتية، ووجهات نظر دينية وسياسية، وأساليب كتابة متنوعة – زعم بيسوا أنه -وسط كل هذا العالم المولد ذاتياً- فهو الشخص الأقل واقعية بين الجميع. «لقد قسمت كل إنسانيتي وسط الكتاب المتنوعين الذين أخدمهم كمُنَفِّذ أدبي». هكذا يشرح بيسوا في إحدى الفقرات عن تكوين وتقييم أصدقائه الكتاب الخياليين. ثم يشرح أكثر في الفقرة نفسها: «أنا أوجد كنوع من الوسيط إلى نفسي، ولكني الأقل واقعية من الآخرين، الأقل جوهرية، الأقل شخصية، وأتأثر بسهولة بهم جميعاً». نقص أي يقين عمن هو -بغض النظر عن كونه نفسه- يمثل القضية الرئيسية في شعر بيسوا، وهو يستخدم الشخصيات المستعارة للتأكيد على انفصاله الذاتي الساخر. في قطعة نثرية موقعة باسم آلفارو دي كامبوس - المهندس البحري الداندي والأكثر إثارة بين الشخصيات المستعارة - نقرأ التالي: «فرناندو بيسوا، ولنتكلم بدقة، غير موجود».
اسم بيسوا الثاني - في ضوء الشكوك الذاتية الوجودية - يقدره الفرنسيون بشكل خاص، طالما أن كلمة "personne" لا تعني فقط "شخص" ولكن أيضاً، كما في جملة "Je Suis Personne" تعني"لا أحد". على أي حال فـ بيسوا كان -بشكل محدد جداً أو غير محدد جداً- شخصاً ما. وهذا الاسم الثاني الذي عنى "شخص" ليس هامشياً بالتأكيد بالنسبة إلى تعلقه ذي الهوس الأحادي بشخصيته، تعددها واستدامتها، خلال عمله الأدبي الكامل. أعني أن بيسوا الذي ربما وربما لا يؤمن بالله ولكنه يؤمن كثيراً بالقدر وبرموزه وإشاراته، كان عليه أن يكون على وزن اسمه، لقد كان اسمه مُحَدِّداً له.
أما الشيء المُحَدِّد أكثر فهو الوضع الثقافي والأسري الذي نما فيه بيسوا كشخص وكفنان. فمع هوسه الكامل بحياته الداخلية، كان واعياً تماماً بكون الأحداث الخارجية التي تُشَكِّل وتُحَدِّد ما نحن عليه داخلياً. في قطعة نثرية معنونة بـ "البيئة" موقعة باسم كامبوس ومنشورة عام 1927 لاحظ: «المكان يكون على ما هو عليه بسبب موضعه. حيثما نكون هو ما نحن عليه». ولكن بينما أدرك الدور المُحَدِّد للبيئة، فـ بيسوا مع ذلك لم يكن حتمياً صارماً. في النسخة الطويلة من القطعة المذكورة كتب: «الرجل الذي قفز من فوق الجدار كان لديه جدار ليقفز من فوقه». الجدار -بكونه شرطاً ضرورياً- كان بهذا المعنى مُحَدِداً، ولكنه ليس مُجبَراً، طالما استطاع الرجل أن يختار إن كان عليه أن يقفز أم لا.
عبقرية بيسوا الخاصة يمكن شرحها جزئياً على الأقل ببيئتين شكلتاه – لشبونة، حيث قضى السنوات السبع الأولى من حياته وكل حياته الناضجة، ودربان، بجنوب أفريقيا، حيث عاش طوال أعوامه المُشَكِّلة عاطفياً وفكرياً، من سن السابعة وحتى السابعة عشر. شخصية بيسوا الأساسية تشكلت بلا شك قبل أن ينتقل مع أمه من لشبونة إلى دربان، ولكن الناتج الأدبي كان نتيجة واضحة لهذا اللقاء أو الصراع بين هاتين البيئتين ولغتيهما المختلفتين، وثقافتيهما المختلفتين. كأن الثقافة الإنجليزية –ودربان في هذا الوقت كانت ذات تقليد إنجليزي مكتمل أكثر من إنجلترا نفسها– هي الجدار الذي قفز فوقه بيسوا الشاب المتحول، بينما ظل أبداً برتغالياً بشكل كبير.

ولد فرناندو آنتونيو نوجويرا بيسوا في 13 يونيو عام 1888، يوم عيد القديس آنتوني، ويوم الإجازة الرسمية في لشبونة، حيث تُنَظَّم الاحتفالات الحاشدة على شرف القديس وشرف المدينة نفسها. عيد القديس آنتوني هو عيد لشبونة، ولا يوجد عيد ميلاد يمكن أن يكون أكثر ملائمة لـ بيسوا، الذي كان كاتب مدينته الأساسي؛ حتى يمكنني أن أجادل أنه كذلك أكثر من كون كافكا كاتب براغ، أو كون جويس كاتب دبلن؛ فعلى الرغم من أن كافكا قضى حياته كلها في براغ، فالمدينة غير محسوسة كثيراً في كتاباته، باستثناء اليوميات. جويس في المقابل كتب بهوس عن مسقط رأسه، ولكن من ذاكرته، هو الذي قضى فيها وقتاً قليلاً جداً في سنوات نضجه. بيسوا لم يترك لشبونة سوى نادراً كناضج، وكتب عن المدينة بشكل مباشر (خاصة في "كتاب اللاطمأنينة") ومن خلال الذاكرة المتخيلة، خلال صوت آلفارو دي كامبوس المتحرر، الذي كتب في زياراته المتكررة إلى بريطانيا (التي من المفترض أنه كان يعيش فيها) قصيدتي "زيارة لشبونة من جديد" (1923) و"زيارة لشبونة من جديد" (1926)، المشبعتين بالنوستالجيا، وهما من أقوى قصائده.
كل من أبوي بيسوا أنمى تطوره الثقافي. كانت الأسرة تعيش في مواجهة دار الأوبرا بلشبونة، وربما حضر بيسوا كطفل صغير عرضاً أو اثنين مع أبيه؛ الناقد المولع بالموسيقى إلى جانب كونه موظفاً حكومياً. أُم بيسوا -وهي من جزر الآزور- كانت متعلمة بشكل جيد وعلمت ابنها ليقرأ ويكتب في سن صغيرة جداً. ولكن في النهاية فسنوات بيسوا المبكرة في لشبونة تميزت أيضاً بالفقدان والانفصال؛ توفى أبوه من السل في الشهر الذي تلي عيد ميلاده الخامس وبعد ستة أشهر توفى أخوه الرضيع، بين الوفاتين انتقلت الأسرة إلى مجاورات أصغر. في العام التالي قابلت أم بيسوا زوجها الثاني؛ الضابط البحري الذي ترك لشبونة بعد عدة أشهر لحصوله على وظيفة في موزمبيق، وبعد ذلك أصبح القنصل البرتغالي في دربان؛ عاصمة مستعمرة ناتال الإنجليزية بجنوب أفريقيا.

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2015

الحلقة الفارغة: بيار كلوسوفسكي

ترجمة: حسين عجة


«عندما نتوجه نحو هدف ما، يبدو من غير المعقول أن يكون "غياب الهدف بحدّ ذاته" مبدأ اعتقادنا.
  في كلّ مكان لا أرى سوى أولئك الذين يفسدون الحياة، وقيمة الحياة».
  "ضد-دارون" « Anti-Darwin ».

بيار كلوسوفسكي
سوف أُذَكِّرُ أولاً، عبر وضعي لما يشبه الخطة، بأن فكر نيتشه الحقيقي –مع أن مفردة "حقيقي" هذه مُلتبسة تماماً-، لكن حقيقي بمعنى أننا نتمتع اليوم، بعد أربعين عاماً، بأفضل الظروف التي تمكننا من القبض، عبر منظومته الظاهرية، وبوضوحه، على ذلك الفكر، وإن ثمة من شيء قد أصبح، من الآن فصاعداً، مكتسباً، أعني أنه لم يعد هناك منْ يجرأ –كما كان يحدث ذلك قبل نصف قرن من موت نيتشه تقريباً- على فصل أو وضع تناقض ما بين فكرة "العود الأبدي" (l’éternel retour)  وفكرة "إرادة القوة" (volonté de puissance)، أو جعل احداهما تقصي الأخرى. بيد أن نيتشه لن يكون حقاً فيلسوف إرادة القوة، إن لم يكن أيضاً دكتور العود الأبدي (docteur de l’éternel retour)، وبأن هذا التحديد المُتعذر رفضه، الذي أعطاه هايدغر لفكر نيتشه قابل، بدوره، لمختلف التأويلات، كما يولد الكثير من المصاعب، وذلك انطلاقاً من إقرارات نيتشه (déclarations de Nietzsche). بارتكازنا على هذه الأخيرة، يمكننا متابعة المراحل المتلاحقة التي حاول نيتشه عبرها، بابتعاده عن اللحظة الإنتشائية "لسلز ماريا" (Sils Maria)، وبعد ما حَوّلَ الواقعة المُعاشة إلى مفهوم، او بالأحرى ما يسميه فكرة الأفكار (la pensée des pensées)، تقديم نسخة مدعمة علمياً عنها، ومن ثم طرحها باعتبارها دافع إرادة القوة بعينه، ومن ثم صرّحَ بأنّ الدافع هو الأداة الخفية لعقيدته الإنتقائية (sa doctrine sélective): بتعبير آخر، ولكي نتحدث هنا من وجهة النظر التاريخية المحضة، العقيدة الإنتقائية، التي تشكل فيها الـ "circulus vitiosus deus" [الحلقة الفارغة للآلهة] الشكل والإشارة (signe et forme).
وذلك ما يؤدي بنا [مثلما تجرأتُ على القيام بذلك في دراستي] إلى تحليل -أعتقد أنه ضروريّ- المعايير النتشوية للإنحطاط (décadence)، دافع ما هو معافى، ما هو مرضي، ما هو سوقي، ما هو حالة خاصة، أو متفردة، وبشكل خاص ما يتوافق مع وظيفة الحلقة الفارغة، أي الحالة الطارئة (cas fortuit). من ناحيتي، لقد اقتفيت دائماً خيطاً موجهاً، أي الخيط الذي بدا لي أكثر رسوخاً للتغلب على وتجاوز الشعور بالغرابة، الذي تخلفه بعض تأكيدات نيتشه –كل ما ينتج، عبر اثباتاته ومشاريعه، عن تدبير مؤامرة (préparation d’un complot). فإما أن يدير المرء ظهره لهذا الجانب من نيتشه ويعتبره خداعاً لا يُمثل فكره الحقيقي، أو يقبل بذلك الفكر مثلما كشفَ عن نفسه بدءً –أي أننا لا نتمتع، حرفياً، بأي معيار للتمييز ما بين الخادع وغير الخادع، اللهم الإّ إمكانية أو استحالة العيش من نتاج الفكر. لا يخولنا دافع المؤامرة التعامل مع مفردات "فوق-الإنسانية" (sur- humanité) "السيد والعبد"، "التشكل السياديّ" (formation souveraine)، وبصورة خاصة مع الإيحاء بالمناهج التجريبية، التي تشترط وجود إدارات انتقائية؛ لا يخولنا التعامل معها باعتبارها مجرد مجازات (métaphores). مؤامرة تحاك ضد التواطىء الأصم ما بين الأخلاق المؤسساتية ونظرية دارون (théorie darwinienne) [«بالدقة لا ينتج الانتقاء لصالح الاستثناءات (exceptions)». ولكن فقط لصالح الضعفاء (médiocres)]. غير أن المؤامرة تتبرعم ضمن فكرة العود الأبدي، كلما كشفت عن نفسها. تهدف عقيدة الحلقة الفارغة، في نتيجتها النهائية، إلى إلغاء مبدأ الهوية (principe de l’identité)، الهوية الفردية، وبالتالي ممارسات خدام القوة أيضاً (suppôts de la puissance)، الذين لا يمارسونها، بالرغم من ذلك، أبداً إلاّ حينما يتخيلون من قبلها هدفاً ومعناً لفعلهم. لكن ولأن الحلقة الفارغة تُحذف مع الهويات المغزى مرة وإلى الأبد، وتشترط تكرارها اللامتناهيّ (leur répétition infinie) ضمن كلّ (totale) بلا هدف، لهذا تصبح المؤامرة المعيار الانتقائيّ للتجريبيّ (critère sélectif de l’expérimentation). أية سيادة تلك التي تجرأ على التخلي إلى الأبد عن أفكار الهدف والمعنى، التي تنطلق منها قوة مكونة تمنح نفسها حق الهيمنة، أية سيادة تلك التي لن تمارس عنفاً آخراً مختلفاً عن العنف العبثيّ؟ سيكون على هذه السيادة أو تلك التشكلات السيادية (Herrschaftsgebilde) القيام بخلط هيمنتها مع تفككها الخاص (leur propre désintégration)، إذا ما كان الأمر يتعلّق بمؤسسة، بدولة، بالمعنى التقليدي للكلمة. وبالتالي لا يمكن أن يتعلق الأمر، في فكرة نيتشه، ببناء نظام سياسي بالمعنى المتوارث عليه للمفردة. لذا لا يمكن تصور مؤامرة نيتشه (complot de Nietzsche) إلاّ إذا ما اضطلعت بها جماعة سريّة (communauté secrète)، لا يُمسك عليها، ومن ثم يمكن استخدامها في أي نظام. إنّ جماعة كهذه وحدها بمقدورها امتلاك شهية تفكيك نفسها، في لحظة تخطيطها لما تنوي القيام به كفعل. أي أنها سوف تتفكك حتماً ما إن يستحوذ واقع سوقي على سرّها باسم المؤسساتيّة. لكن، من جانب آخر، يتحدث نيتشه فعلياً عن قدوم السلطة، إن كانت سلطة الجماعة السرية، سلطة التجريبيين، سلطة العلماء والفنانين، وبشكل عام سلطة المبدعين، الذين سيعرفون كيف يتصرفون باسم الحلقة الفارغة ويجعلونها الشرط الأساسي للوجود العام (existence universelle). وهكذا يقحم موضوع الرعب التصفويّ (terreur éliminatrice) الذي تُمارسه فكرة العود الأبدي. كيف يمكنها ممارستها وحسب؟ إن تلك الفكرة، بمحتواها ذاته، تترك كتلة الأفراد غير مبالية. وسوف لن يتمّ أخذها بجدية إلاّ إذا تُرجم الرعب الضمني فيها إلى أفعال تتوافق مع محتواها: لا أحد لديه لا هدف ولا معنى سوى المعاودة إلى ما لا نهاية  (ad infinitum). لن يستطيع أي نظام سياسي تبني ذلك، أمّا الأفراد والكتل التي لا تتحمل العيش تحت تلك الإشارة، غياب الهدف والمعنى، فما عليها، مثلما يفترض نيتشه، سوى الإختفاء.

الخميس، 17 سبتمبر 2015

ديوان عيد النساج: محمد عيد إبراهيم (كتاب رقمي)







التَّجريب دائمًا، كالجُثَّةِ النَّازفة!

شهادة شعريَّة


يصعُب أن أتذكّر ما البداية. هي مجموعة إشارات دلّتني إلى طريق، قد سرتُ فيه، ولا أزال، ولا أعرف المستقرّ كيف ولا النهاية. كنتُ أذهب وأنا طفل صغير إلى مكتبة عامة في منطقة (دير الملاك) بالقاهرة، قُرب بيت عائلتي القديم، ومن هناك، بدلاً من اللعب مع أقراني، اكتفيت بالوحدة مع الكتب في تلك المكتبة، قبلما أبدأ اقتناء الكتب.
أذكر بين أولى محاولاتي ما كتبتُ عن الناشطة الزنجية الأمريكية، آنجيلا دافيس، زعيمة الحزب الشيوعيّ، والتي اعتُقلت لنشاطها ضدّ التمييز العنصريّ في الستينيات، كذلك عن أول رجل صعد إلى القمر، فلم يكن والدي رحمه الله يصدّق هذه الحكاية. لا أذكر أني يوماً أردتُ شيئاً من الشعر، مجرد رغبة في الكتابة تضغط عليّ، فأقوم بتفريغها كبداياتي مع الحبّ.

السبت، 12 سبتمبر 2015

حوار مع سلمان رشدي: بعد مرحلة آيات شيطانية

حاوره: كريستوف باربيي
ترجمة: سعيد بوخليط 
                             
سلمان رشدي
دون أن يدرك، فقد ولج بنا هذا الرجل إلى القرن العشرين. سنة 1989، بينما يتداعى جدار برلين، آيلاً للسقوط، والإمبراطورية السوفياتية تتشقق، والصين تسحق دماً، الطموح الناشئ، وسط ساحة تيانانمين. مع بداية تلك السنة، كان سلمان رشدي، وحده ضد الجميع، فقد طاله عنف غير مسبوق في الغرب، بحيث صار موضوع فتوى.
يوم 14فبراير، وعبر أمواج إذاعة طهران، أعلن آيات الله الخميني عن قراره بتنفيذ القتل في حقه، ورصد مكافأة لمن ينجز هذه المهمة، لأن سلمان رشدي أصدر شهر شتنبر1988، مؤلفاً حمل عنوان: ''آيات شيطانية''، يقل من الاحترام نحو النبي محمد، أثار زوبعة عالمية، ألهبت العالم الإسلامي خلال سنوات: مكتبات أحرقت، قتل مترجمه الياباني بطعنة سكين، ثم أدى حريق بحياة سبعة وثلاثين شخصاً، أثناء تظاهرة استهدفت مترجماً تركياً. قضية آيات شيطانية، هي أكثر دلالة مما تخيلناه خلال تلك الحقبة.
اليوم، تذبح داعش رهائنها على موقع اليوتوب، والجهاد يمضي نحو قلب المدن الغربية، والإرهاب الإسلامي يأخذ شكل وباء عام. تميزت سنة 1989، خاصة بتطلع دول أو تنظيمات سياسية، نحو تقوية الديمقراطيات، ضمن لعبة مطالب، تبقى جزئياً عقلانية. لكن مع آيات الله الإيرانيين، ابتدأ عهد جديد، لأن المبرر المشرّع  للفتوى، هو محض ديني، فالملالي اتهموا سلمان رشدي، بكونه عمل على تحريف الخطاب المقدس، متبنياً في روايته إنكاراً للرسول، والذي تسامح في الأول مع عبادة آلهة آخرين، قبل التراجع عن أقواله، متحدثاً عن وحدانية مطلقة.
التأويل الأول لـ"آيات شيطانية"الشهيرة، أنها في الواقع همسات من الشيطان، فلا يمكن بالأحرى وصلها بعمل لخيال بشري، حتى ولو ارتكزت على معطيات  تاريخية معقولة.
هكذا، فرواية بالإنجليزية، صادرة عن ناشر إنجليزي، من طرف مؤلف صاحب أصول إسلامية، لكنه لايدعي انتسابه لأي دين، اعتبر من لدن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، مهاجماً يشتم الإسلام كلياً. إنه ''الإبداع الثاني''، لقضية تمنع عن الغربيين، حقهم كي يبدعوا حسب معاييرهم وقيمهم الخاصة.
يطرح الأصوليون المسلمون، الحل الأكثر بساطة، يتمثل في الفطرة السليمة: لاتحاول قراءة الكتاب، إذا كنت ستنتقد مضمونه. لقد سعوا إلى تدمير كتاب سلمان رشدي، فضاعفوا الاحتفالات بإعلانات الموت للنص وصاحبه، وإن عدلت إيران عن الفتوى سنة 1998، لكن ستتبناها مؤسسة يشرف عليها النظام.
بالعودة إلى الماضي، تعتبر قضية الرسوم الكاريكاتورية، حول النبي محمد، من جنس طبيعة "آيات شيطانية"، وتندرج ضمن نفس المنطق العدمي. الفتوى، الصادرة في حق سلمان رشدي، فتحت المجال نحو الجريمة التي ارتكبت في شارل إيبدو. ليس صدفة، أنه سنة 1989، حددت عاصمة التطرف الإسلامي، كهدف أولي، مثقفاً ترعرع بين التعليم القرآني وكذا الثقافة الأنجلوساكسونية. دائماً، وقبل كل شيء، تشن الراديكالية الإسلامية، هجوماً على المسلمين المستنيرين والمعتدلين، وتتهمهم بالكفر. 
في هذا الإطار، يجسد سلمان رشدي،غنيمة مثالية: يطوي في ذاته، الثقافة الهندية، وكذا تلك المنتمية إلى الإمبراطورية البريطانية، ثم نوع المسافة النقدية التي يتوخى المتطرفون، إلغاءها وإلى الأبد، كي لا يتحقق خلال يوم من الأيام، إسلام "على النمط الغربي" (occidentalisé).
يظهر درس قضية رشدي: أن الشجاعة ليست بالفضيلة، الأكثر اقتساماً بين الديمقراطيات. قبل ذلك وسنة 1989، انساب فكر، يحث على عدم استفزاز إيران، سواء بالدبلوماسية الجبانة، أو الشعور بالذنب، مابعد الكولونيالي.
طبعاً، يخضع سلمان رشدي للحماية، دون الاستهانة، بأبسط وسائل إنقاذ هذا الرمز، فقد نجا بثبات، من مطاردين، متعصبين جداً. لكننا، نسمع على الفورأصواتاً، تقترح وضع حرية التعبير، في مرتبة سفلى، من حق الاختلاف، وعدم إصدار أعمال في مثل جرأة آيات شيطانية. هؤلاء، من يتوخون السكينة لقاء الخزي، سيجدون أمامهم في المقابل تنظيمي القاعدة وداعش. 11 شتنبر2001  و7 يناير2015. مع ذلك، وإلى اليوم، هم أكثر فعالية، يعتبرون أن الأخطاء مشتركة بين الإسلاميين والديمقراطيين! إنهم دعاة تنازلات، وتراجعات صغيرة، وتصور لايتلاءم والعلمانية.
أحدث التراجعات ، بهذا الخصوص، ما شهدته  جمعية الكتّاب العالميين ''pen club"، المتواجد مقرها  في مدينة نيويورك، عندما رفض مجموعة من الكتّاب تسليم جائزة الشجاعة وحرية التعبير لـ"شارلي إيبدو"، زهد ذهني، أظهر تمدد الداء. هكذا، يكشف الوضع عن وجود أدمغة من هذا القبيل، غير أن المسألة أعمق مما نظن، حول مستوى اتصافها بالجبن. لكن لحسن الحظ، يوجد كذلك أشخاص، يجابهون هذه القدرية، مثل سلمان رشدي، المتيقظ دائماً… .
إذن، بعد مرور ربع قرن، يعود سلمان رشدي ليصرح بآرائه، في دولة داعش، ويفضح تيهان  جيوبوليتيكيات الغرب، لكنه يتكلم أيضاً عن الأدب والمتخيل والإلهام.. .

الخميس، 10 سبتمبر 2015

من سيرتي الذاتية: جورج باتاي

ترجمة: محمد عيد إبراهيم

يولدَ في بيوم (بوي لو دوم)، 10 سبتمبر 1897. من عائلة فلاّحين منذ جيلين أو ثلاثة، أصلاً من آرييج، بوي لو دوم وكانتال. والدٌ أعمىً (من قبل ميلاده) ومشلول (1900).

يتعلّم بمدرسة ثانوية في غيمس، طالب طائش جداً، كاد أن يُفصَل في يناير 1913، رفض أن يواصل تعليمه ولبث خاملاً في البيت حتى أكتوبر، لكنه وافق أن ينخرط في ثانوية داخلية في إبرناي. صار طالباً جيداً حينئذ. لم يتربّ على أية تعاليم دينية، لكنه مال إلى الكاثوليكية، ثم تحوّل رسمياً في أغسطس 1914.

يهرب ملتمساً الأمان مع عائلة أمه في كانتال، استُدعي للخدمة يناير 1916. يسقط مريضاً بمرض خطير، ففُصل 1917. يفكّر باختصار أن يصبح قسّاً، أو بالحريّ راهباً. ينضمّ إلى كلية أُجروميات قديمة وعلوم مكتبات في نوفمبر 1918، وكان بانتظام أول صفّه، لكنه تخرّج ثاني صفّه.

يصرفَ شهرين في إنجلترا 1920. يتبعها بإقامة مع رهبان البنديكت في دير عذراء كوير بجزيرة وايت، يخسر إيمانه فجأةً لأن كاثوليكيته سبّبت أن تذرف عليه الدموع امرأة يحبها.

 فور تخرّجه في كلية المخطوطات عُدّ زميلاً بكلية الدراسات الناطقة بالإسبانية المتقدّمة في مدريد (كاسا فيلاسكيز فيما بعد). كان مهووساً بمصارعة الثيران؛ يشهدَ موت جرانيرو، أحد أكبر المصارعين الإسبان شعبيةً (هو قطعاً الأكبر شعبيةً بعد بيلامونت) في حلبة مدريد. 

يلتحق بوظيفة أمين مكتبة بالمكتبة الوطنية في يوليو 1922.

 يقتنع، من 1914 فصاعداً، أن اهتمامه بهذا العالم ينحو للكتابة، خاصةً مع تشكيله فلسفة متناقضة. قراءة نتيشه 1923 كانت حاسمة. قرّر السفر، بدأ بدراسة الروسية، الصينية، وحتى التبتية، لكنه سريعاً ما هجرها. يترجم، مع آخرين، كتاباً لـ ليون شيستوف(1) من الروسية (1924). 

 يعقد صداقةً مع ميشيل ليريس(2)، ثم مع أندريه ماسون(3) وتيودور فرانكل(4). يتواصل مع السورياليين، لكن النتيجة كانت عدائية بينه وأندريه بروتون(5). يكتب، 1926، قصة قصيرة بعنوان "المرحاض" (يناهض هذا الكتاب، بعنفٍ، أيّ شكل للوقار، ولن يُنشَر، بل يدمّره المؤلّف في النهاية)، ثم يكتب 1927 "الشّرْج الشمسيّ" (تُنشر، مع تخطيطات ماسون، في جاليري سيمون، 1931). وتربك السمة الملحّة لكتاباته الخشنة أحدَ أصدقائه، د. دوسيه، الذي يخضعه مع د. بوريل للتحليل النفسيّ. وكانت للتحليل النفسيّ نتيجة حاسمة؛ فقد وضع خاتمةً في أغسطس 1927 لسلسلة من الحوادث المرعبة وخيبات الأمل التي كان يتخبّط فيها، عدا حالة من التشوّش الذهنيّ، لا يزال يثابر عليها.

 يتزوّج 1928. يلتقي عندئذٍ جورج هنري ريفيير(6) وهو ينشر، 1929، "وثائق"، وهي مجلة فنية تضمّ قسماً منوّعاً يحرّره باتاي تحت إشراف طفيف نوعاً من كارل آينشتاين(7). ينشر باتاي عدداً من المقالات في هذه المجلة، كتاباته الأولى المنشورة، كان أولاها نصّ عن العملات الغالية(8) أعجبه. (بعد سوء تفاهم، يرى بروتون هذه المقالة هجوميةً على الفنّ الغاليّ) والعداء المتبادل في تلك الفترة بين باتاي وبروتون يجعل باتاي على علاقة وثيقة مع الأعضاء السابقين للجماعة السوريالية؛ إضافةً إلى أصحابه من قبيل ليريس وماسون، جاك بارون(9)، جاك أندريه بوافار(10)، روبرت دسنوس(11)، جورج لامبور(12)، ماكس موريس(13)، جاك بريفير(14)، ريمون كونو(15)، جورج ريبوموم دوسيني(16)، روجيه فيتراك(17). وهي الأسماء الموسّعة المدرَجة بنهاية البيان السورياليّ الثاني (نُشر في "الثورة السوريالية"، 1929)، وتعرّضوا فيه لهجوم عنيف، ينتهي باتّهام جورج باتاي، وَعُدّ بأنه يخطّط لتشكيل جماعة مناهضة للسوريالية. وهي الجماعة التي لم تتشكّل قطّ؛ مع أن هؤلاء الذين انتقاهم البيان الثاني قد وافقوا على نشر "الجثّة" (وهو العنوان الذي استخدمه من قبل سورياليو المستقبل لدى وفاة أناتول فرانس(18))، اتّهام متشفٍّ من بروتون (وهو ما لم يمنع بأيّ شكلٍ معظمهم، ومنهم باتاي نفسه، من تسوية الخلاف لاحقاً).

الأربعاء، 9 سبتمبر 2015

لوتريامون الذي جاء حرّاً كالعاصفة: أنّا بالاكيان

ترجمة: أمين صالح

Portrait de Lautréamont par Ibara
عندما نشرت إحدى المجلات الفصلية في أواخر الثلاثينات من القرن العشرين استفتاء شارك فيه شعراء ونقاد فرنسيين معاصرين لاختيار عشرين قصيدة لا غنى عنها في كلّ الأزمنة، فإن الإسم الذي احتل المركز الثالث بين الشعراء قبل العام 1900 كان ايزيدور دوكاس، الذي لقّب نفسه [الكونت لدي لوتريامون]، بينما جاء في المركز الأول رامبو، وفي المركز الثاني بودلير. لكن ما هو ملفت حقاً واقع أن الذين اختاروه عموماً واعتبروه الأول، من بينهم أربعة من السورياليين البارزين: إيلوار، بريتون، سوبول، بيريه.. وهؤلاء صنفوه واختاروه ليس بسبب نص واحد بل لأعماله الكاملة التي رأوا فيها وحدة متكاملة ومعلماً هاماً في تاريخ الأدب.
السورياليون لم يكونوا وحدهم المؤيدين والمدافعين عن هذا الشاب الذي توفي وهو في الرابعة والعشرين، لكنهم كانوا أول من اعتبره شاعراً فرنسياً بارزاً، رغم أنه لم يكن فرنسياً ولا شاعراً من الناحية التقنية. فقد وُلد في موننتفيديو بالأورغواي من أبوين فرنسيين. سافر إلى فرنسا للدراسة في معهد البوليتكنيك. وهناك كتب نصوصاً نثرية ليبرهن على نحو أكثر من أي وقت مضى بأن جوهر وروح الشعر لا يكمن في القافية بل في الإيقاع.
في مقدمته لأعمال لوتريامون، كتب فيليب سوبول، أحد الأعضاء الأصليين في الحلقة السوريالية، معبّراً عن افتتان غامر: «المرء لا يحكم على السيد لوتريامون، بل يتعرّف إليه، وعندما يحيّيه ينحني المرء حتى يكاد يلامس الأرض». سوبول كان الأول بين السورياليين الذين أبدوا اهتماماً كبيراً بـ لوتريامون، والطبعة التي كتب لها المقدمة في 1920 سرعان ما راجت وتم تداولها بين بقيّة الكتّاب والرسامين. وكانت، في الواقع، الطبعة الأولى التي أمكن الحصول عليها، فالطبعات السابقة في نهاية القرن 19 نفدت نسخها القليلة. لكن ما إن صار متاحاً وفي المتناول حتى أصبح لوتريامون القديس الراعي لجيل من المتمردين.
لوتريامون، الذي كان يحتل المرتبة الثانية بعد رامبو كقوة محركة للشعر والفن الحديث، انتقل شيئاً فشيئاً إلى المرتبة الأولى بحكم الآراء والتلميحات المؤيدة له، والتي نجدها منذ 1951 في الملاحظات النقدية التي طرحها شعراء وفنانون ارتبطوا في وقت ما بالسوريالية. إن طبعات من أعماله تعددت وتضاعفت وظهرت مزينة بلوحات أبدعها رسامون سورياليون مشهورون من بينهم: فيكتور بوروز، ماكس أرنست، ماتا، رينيه ماجريت، مان راي، إيف تانجاي، سلفادور دالي.
في بيانه السوريالي الثاني، عندما حرّر أندريه بريتون نفسه والسورياليه من أغلب الأسلاف الذين ذكرهم في البيان الأول، بل أنه أبدى تحفظاته بشأن رامبو، إلا أنه تشبث بـ لوتريامون معتبراً إياه السلف الحقيقي للسوريالية وفي أعماله النقدية الأخيرة كان اسم لوتريامون يتردد باستمرار في هذه الكتابات مشيراً إليه بوصفه المؤثر الأبرز والأهم، وفي مقالة له يقوم بريتون بتوجيه توبيخ قاس إلى ألبير كامو لأنه لم يفهم حجم وأهمية ثورة لوتريامون، معتبراً أعمال الشاب المعذّب «الأكثر نبوغاً في الأزمنة الحديثة».
في كتابه "محادثات" (1952) رفع بيرتون أهمية رامبو ولوتريامون معاً فوق التصنيفات الأدبية، وذلك بسبب اهتمامها الأساسي بالوضع البشري، وعذابهما الروحي، وفي مقدمته لمختارات من كتابات لوتريامون، ضمّنها في كتابه "أنطولوجيا الدعابة السوداء" أشار بريتون إلى لوتريامون بوصفه مستكشفاً وممهداً للطريق: «أكثر الأشياء جرأة التي لقرون سوف تكون مصدر تأمل وعناية قد تمت صياغتها هنا سلفاً في ناموسه السحري».
لغة لوتريامون المجازية، قوتها الهذيانية، تسلسل الأفكار القائمة تحت نطاق الوعي الذي تكشفه، أساها العرضي في اللامعقول.. كل هذا يخلق نقطة تماس مع السورياليين. لكن هذه الخصائص الجلية قد فُسرت من غير تردد وباتجاه آخر من قبل نقاد بدءًا من ريمي دي غورمون إلى باحث معاصر مثل جان بير سولييه، بوصفها تجليات لحالة عصابية واضطراب عقلي يتسم باختلال الصلة بالواقع مثل هذه التفسيرات السريرية (النفسية) تقلل من شأن الخاصيات ذاتها التي جعلت لوتريامون محبوباً لدى السورياليين وألهب خيالهم. إنه هذا المنظور الروحي والأخلاقي الواعي، أكثر من التجليات الأدبية للعقل اللامتوازن، هو الذي أشار إلى انطلاق لوتريامون بعيداً عن معاصريه واقترابه أكثر من جماليات القرن العشرين والتفكير الفلسفي.
السورياليون آثروا أن يروا في "أناشيد مالدورور" إما تشكيلاً للأساطير اليونانية القديمة عن سفر الإنسان المحفوف بالعذاب عبر لغز الحياة، أو تمرداً ميتافيزيقياً مرهفاً في عالم يفقد بؤرته التي تفترض أن الإنسان هو حقيقة الكون المركزية وغايته القصوى. السورياليان مارسيل جان وأرياد ميزي في كتابهما "مالدورور" (باريس، 1947) كانا يميلان إلى تفسير لوتريامون بوصفه ضحية معذبة لسماته الموروثة الخاصة، وبالتالي تماهي هذا المبدع مع شخصيته الشيطانية.. "مالدورور". من جهة أخرى، رأي بريتون وليون بيير –كوينت في لوتريامون ثائراً فخوراً، شفافاً جداً، والذي يقدر أن يموضع مأزقه في (الآخر)، "مالدورور"، ويخلق تنفيساً لشكوى الملعونين.

الأربعاء، 2 سبتمبر 2015

يوكيو ميشيما وعشقه للموت: ماري- كلود دو برنهوف

ترجمة: كمال فوزي الشرابي

ميشيما تصوير كيشين شينوياما
كان الموت لدى الكاتب الياباني يوكيو ميشيما كائناً عزيزاً على قلبه على الدوام. فلقد تناوب الإعجاب به، وتبديله، وملاحقته، ومجابهته، والحلم به، وترويضه. بلى، "عشق" ميشيما الموت بكل ما يحوي العشق من رومانسية وعظمة وخطورة أيضا.
في "اعتراف قناع" حيث درس سحر الموت [واكتشف انحرافه الجنسي الشخصي] يعلمنا ميشيما أنه كان يبحث، منذ أن كان طفلاً، عن أكثر حكايات الجن مأساوية، لأنها كانت تفتنه بشكل خاص، كالحكاية التي يفترس فيها تنين أميراً، وتطبق عليه عنكبوت هائلة، وتلدغه أفاع، وينسحق تحت مطر من الحجارة... في هذا الكتاب، أي في الواقع إذا، لقي هذا الأمير مصرعه سبع مرات بشكل مختلف ومرعب، ولكنه كان في كلّ مرة يبعث حياً، وفي النهاية بعث ليعيش سعيداً إلى الأبد... لم يكن القارئ الصغير يحتمل مثل هذه النهاية إذ كان يخبئ في يده خطوط تفاؤل عجائبي: كان الأمير يجب أن يموت.
نعرف جيداً طرفة ميشيما عن جان دارك. كان عمره أربع سنوات، ويجهل القراءة، ويحلم بوجود يستطيع فيه أن يتأمل الصورة ذاتها باستمرار: فارس جميل يمتطي صهوة جواد أبيض، وينتضي سيفه ليجابه به الموت أو أي شيء مخيف آخر يتسم بقدرة شريرة. وكان يكفي أن تقلب الصفحة للتأكد من أن الفارس الجميل قد قتل! هنا أيضاً، يرفض الغلام الصغير واقع الكتاب لأنه كان يحلم به بشكل آخر.

***
كانت جدة ميشيما امرأة مستبدة مريضة، لا تغادر قوارير أدويتها إلا لترتاد عروضاً مسرحية. وكانت قد خطفته واحتفظت به خلال سنوات. ذات يوم، قدمت لحفيدها واقعاً يناسبه تماماً. قصت عليه مغامرات السامورائي، وحكايات الأدب التقليدي من عهد "هييآن". وصارت تصطحبه لرؤية "النو"(1) ومسرحيات "الكابوكي"(2). في مسرحية ميشيما الملتهبة التي تحمل عنوان "الشجرة الاستوائية"، وهي تقدم لنا "إليكترا" يابانية، تبرعم الغصون جميعها بحوادث قتل لا تتحقق، وتنتهي المسرحية بانتحار مضاعف كما في مسرحيات الكاتب الياباني الكبير تشيكاماتسو(3).