ترجمة: أمير زكي
«كبيرة
وضخمة هي النجوم،
كبير وضئيل
هو القلب، وبإمكانه
أن يحمل
أكثر من كل النجوم، كونه
بلا مكان؛
أعظم من السماء الواسعة»
من رباعيات
بيسوا
على خطى
رباعيات عمر الخيام
![]() |
| fernando pessoa masks by ana gabriela |
اسم فرناندو
بيسوا الثاني صنع الكثير؛ هو الذي يعني بالبرتغالية "شخص". مشهور بتقسيم
نفسه إلى حشد من الذوات الأدبية البديلة التي أطلق عليها «الشخصيات
المستعارة» بدلاً من "الأسماء المستعارة"، وهبها
سيراً ذاتية، ووجهات نظر دينية وسياسية، وأساليب كتابة متنوعة – زعم بيسوا أنه
-وسط كل هذا العالم المولد ذاتياً- فهو الشخص الأقل واقعية بين الجميع. «لقد قسمت
كل إنسانيتي وسط الكتاب المتنوعين الذين أخدمهم كمُنَفِّذ أدبي». هكذا
يشرح بيسوا في إحدى الفقرات عن تكوين وتقييم أصدقائه الكتاب الخياليين. ثم يشرح
أكثر في الفقرة نفسها: «أنا أوجد كنوع من الوسيط
إلى نفسي، ولكني الأقل واقعية من الآخرين، الأقل جوهرية، الأقل شخصية، وأتأثر بسهولة
بهم جميعاً». نقص أي يقين عمن هو -بغض النظر عن كونه نفسه- يمثل
القضية الرئيسية في شعر بيسوا، وهو يستخدم الشخصيات المستعارة للتأكيد على انفصاله
الذاتي الساخر. في قطعة نثرية موقعة باسم آلفارو دي كامبوس - المهندس
البحري الداندي والأكثر إثارة بين الشخصيات المستعارة - نقرأ التالي: «فرناندو
بيسوا، ولنتكلم بدقة، غير موجود».
اسم بيسوا
الثاني - في ضوء الشكوك الذاتية الوجودية - يقدره الفرنسيون بشكل خاص، طالما أن كلمة
"personne" لا تعني فقط "شخص" ولكن أيضاً، كما في جملة "Je
Suis Personne"
تعني"لا أحد". على أي حال فـ بيسوا كان -بشكل محدد جداً أو غير محدد
جداً- شخصاً ما. وهذا الاسم الثاني الذي عنى "شخص" ليس هامشياً بالتأكيد
بالنسبة إلى تعلقه ذي الهوس الأحادي بشخصيته، تعددها واستدامتها، خلال عمله الأدبي
الكامل. أعني أن بيسوا الذي ربما وربما لا يؤمن بالله ولكنه يؤمن كثيراً بالقدر
وبرموزه وإشاراته، كان عليه أن يكون على وزن اسمه، لقد كان اسمه مُحَدِّداً له.
أما الشيء
المُحَدِّد أكثر فهو الوضع الثقافي والأسري الذي نما فيه بيسوا كشخص وكفنان.
فمع هوسه الكامل بحياته الداخلية، كان واعياً تماماً بكون الأحداث الخارجية التي تُشَكِّل
وتُحَدِّد ما نحن عليه داخلياً. في قطعة نثرية معنونة بـ "البيئة" موقعة
باسم كامبوس ومنشورة عام 1927 لاحظ: «المكان
يكون على ما هو عليه بسبب موضعه. حيثما نكون هو ما نحن عليه». ولكن
بينما أدرك الدور المُحَدِّد للبيئة، فـ بيسوا مع ذلك لم يكن حتمياً صارماً.
في النسخة الطويلة من القطعة المذكورة كتب: «الرجل
الذي قفز من فوق الجدار كان لديه جدار ليقفز من فوقه». الجدار
-بكونه شرطاً ضرورياً- كان بهذا المعنى مُحَدِداً، ولكنه ليس مُجبَراً، طالما استطاع
الرجل أن يختار إن كان عليه أن يقفز أم لا.
عبقرية
بيسوا الخاصة يمكن شرحها جزئياً على الأقل ببيئتين شكلتاه – لشبونة، حيث قضى
السنوات السبع الأولى من حياته وكل حياته الناضجة، ودربان، بجنوب أفريقيا، حيث عاش
طوال أعوامه المُشَكِّلة عاطفياً وفكرياً، من سن السابعة وحتى السابعة عشر. شخصية بيسوا
الأساسية تشكلت بلا شك قبل أن ينتقل مع أمه من لشبونة إلى دربان، ولكن الناتج الأدبي
كان نتيجة واضحة لهذا اللقاء أو الصراع بين هاتين البيئتين ولغتيهما المختلفتين، وثقافتيهما
المختلفتين. كأن الثقافة الإنجليزية –ودربان في هذا الوقت كانت ذات تقليد إنجليزي مكتمل
أكثر من إنجلترا نفسها– هي الجدار الذي قفز فوقه بيسوا الشاب المتحول، بينما
ظل أبداً برتغالياً بشكل كبير.
ولد فرناندو
آنتونيو نوجويرا بيسوا في 13 يونيو عام 1888، يوم عيد القديس آنتوني، ويوم الإجازة
الرسمية في لشبونة، حيث تُنَظَّم الاحتفالات الحاشدة على شرف القديس وشرف المدينة نفسها.
عيد القديس آنتوني هو عيد لشبونة، ولا يوجد عيد ميلاد يمكن أن يكون أكثر ملائمة لـ
بيسوا، الذي كان كاتب مدينته الأساسي؛ حتى يمكنني أن أجادل أنه كذلك أكثر من
كون كافكا كاتب براغ، أو كون جويس كاتب دبلن؛ فعلى الرغم من أن كافكا
قضى حياته كلها في براغ، فالمدينة غير محسوسة كثيراً في كتاباته، باستثناء اليوميات.
جويس في المقابل كتب بهوس عن مسقط رأسه، ولكن من ذاكرته، هو الذي قضى فيها وقتاً
قليلاً جداً في سنوات نضجه. بيسوا لم يترك لشبونة سوى نادراً كناضج، وكتب عن
المدينة بشكل مباشر (خاصة في "كتاب اللاطمأنينة") ومن خلال الذاكرة المتخيلة،
خلال صوت آلفارو دي كامبوس المتحرر، الذي كتب في زياراته المتكررة إلى بريطانيا
(التي من المفترض أنه كان يعيش فيها) قصيدتي "زيارة لشبونة من جديد"
(1923) و"زيارة لشبونة من جديد" (1926)، المشبعتين بالنوستالجيا، وهما من
أقوى قصائده.
كل من
أبوي بيسوا أنمى تطوره الثقافي. كانت الأسرة تعيش في مواجهة دار الأوبرا بلشبونة،
وربما حضر بيسوا كطفل صغير عرضاً أو اثنين مع أبيه؛ الناقد المولع بالموسيقى
إلى جانب كونه موظفاً حكومياً. أُم بيسوا -وهي من جزر الآزور- كانت متعلمة بشكل
جيد وعلمت ابنها ليقرأ ويكتب في سن صغيرة جداً. ولكن في النهاية فسنوات بيسوا
المبكرة في لشبونة تميزت أيضاً بالفقدان والانفصال؛ توفى أبوه من السل في الشهر الذي
تلي عيد ميلاده الخامس وبعد ستة أشهر توفى أخوه الرضيع، بين الوفاتين انتقلت الأسرة
إلى مجاورات أصغر. في العام التالي قابلت أم بيسوا زوجها الثاني؛ الضابط البحري
الذي ترك لشبونة بعد عدة أشهر لحصوله على وظيفة في موزمبيق، وبعد ذلك أصبح القنصل البرتغالي
في دربان؛ عاصمة مستعمرة ناتال الإنجليزية بجنوب أفريقيا.






