السبت، 12 سبتمبر، 2015

حوار مع سلمان رشدي: بعد مرحلة آيات شيطانية

حاوره: كريستوف باربيي
ترجمة: سعيد بوخليط 
                             
سلمان رشدي
دون أن يدرك، فقد ولج بنا هذا الرجل إلى القرن العشرين. سنة 1989، بينما يتداعى جدار برلين، آيلاً للسقوط، والإمبراطورية السوفياتية تتشقق، والصين تسحق دماً، الطموح الناشئ، وسط ساحة تيانانمين. مع بداية تلك السنة، كان سلمان رشدي، وحده ضد الجميع، فقد طاله عنف غير مسبوق في الغرب، بحيث صار موضوع فتوى.
يوم 14فبراير، وعبر أمواج إذاعة طهران، أعلن آيات الله الخميني عن قراره بتنفيذ القتل في حقه، ورصد مكافأة لمن ينجز هذه المهمة، لأن سلمان رشدي أصدر شهر شتنبر1988، مؤلفاً حمل عنوان: ''آيات شيطانية''، يقل من الاحترام نحو النبي محمد، أثار زوبعة عالمية، ألهبت العالم الإسلامي خلال سنوات: مكتبات أحرقت، قتل مترجمه الياباني بطعنة سكين، ثم أدى حريق بحياة سبعة وثلاثين شخصاً، أثناء تظاهرة استهدفت مترجماً تركياً. قضية آيات شيطانية، هي أكثر دلالة مما تخيلناه خلال تلك الحقبة.
اليوم، تذبح داعش رهائنها على موقع اليوتوب، والجهاد يمضي نحو قلب المدن الغربية، والإرهاب الإسلامي يأخذ شكل وباء عام. تميزت سنة 1989، خاصة بتطلع دول أو تنظيمات سياسية، نحو تقوية الديمقراطيات، ضمن لعبة مطالب، تبقى جزئياً عقلانية. لكن مع آيات الله الإيرانيين، ابتدأ عهد جديد، لأن المبرر المشرّع  للفتوى، هو محض ديني، فالملالي اتهموا سلمان رشدي، بكونه عمل على تحريف الخطاب المقدس، متبنياً في روايته إنكاراً للرسول، والذي تسامح في الأول مع عبادة آلهة آخرين، قبل التراجع عن أقواله، متحدثاً عن وحدانية مطلقة.
التأويل الأول لـ"آيات شيطانية"الشهيرة، أنها في الواقع همسات من الشيطان، فلا يمكن بالأحرى وصلها بعمل لخيال بشري، حتى ولو ارتكزت على معطيات  تاريخية معقولة.
هكذا، فرواية بالإنجليزية، صادرة عن ناشر إنجليزي، من طرف مؤلف صاحب أصول إسلامية، لكنه لايدعي انتسابه لأي دين، اعتبر من لدن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، مهاجماً يشتم الإسلام كلياً. إنه ''الإبداع الثاني''، لقضية تمنع عن الغربيين، حقهم كي يبدعوا حسب معاييرهم وقيمهم الخاصة.
يطرح الأصوليون المسلمون، الحل الأكثر بساطة، يتمثل في الفطرة السليمة: لاتحاول قراءة الكتاب، إذا كنت ستنتقد مضمونه. لقد سعوا إلى تدمير كتاب سلمان رشدي، فضاعفوا الاحتفالات بإعلانات الموت للنص وصاحبه، وإن عدلت إيران عن الفتوى سنة 1998، لكن ستتبناها مؤسسة يشرف عليها النظام.
بالعودة إلى الماضي، تعتبر قضية الرسوم الكاريكاتورية، حول النبي محمد، من جنس طبيعة "آيات شيطانية"، وتندرج ضمن نفس المنطق العدمي. الفتوى، الصادرة في حق سلمان رشدي، فتحت المجال نحو الجريمة التي ارتكبت في شارل إيبدو. ليس صدفة، أنه سنة 1989، حددت عاصمة التطرف الإسلامي، كهدف أولي، مثقفاً ترعرع بين التعليم القرآني وكذا الثقافة الأنجلوساكسونية. دائماً، وقبل كل شيء، تشن الراديكالية الإسلامية، هجوماً على المسلمين المستنيرين والمعتدلين، وتتهمهم بالكفر. 
في هذا الإطار، يجسد سلمان رشدي،غنيمة مثالية: يطوي في ذاته، الثقافة الهندية، وكذا تلك المنتمية إلى الإمبراطورية البريطانية، ثم نوع المسافة النقدية التي يتوخى المتطرفون، إلغاءها وإلى الأبد، كي لا يتحقق خلال يوم من الأيام، إسلام "على النمط الغربي" (occidentalisé).
يظهر درس قضية رشدي: أن الشجاعة ليست بالفضيلة، الأكثر اقتساماً بين الديمقراطيات. قبل ذلك وسنة 1989، انساب فكر، يحث على عدم استفزاز إيران، سواء بالدبلوماسية الجبانة، أو الشعور بالذنب، مابعد الكولونيالي.
طبعاً، يخضع سلمان رشدي للحماية، دون الاستهانة، بأبسط وسائل إنقاذ هذا الرمز، فقد نجا بثبات، من مطاردين، متعصبين جداً. لكننا، نسمع على الفورأصواتاً، تقترح وضع حرية التعبير، في مرتبة سفلى، من حق الاختلاف، وعدم إصدار أعمال في مثل جرأة آيات شيطانية. هؤلاء، من يتوخون السكينة لقاء الخزي، سيجدون أمامهم في المقابل تنظيمي القاعدة وداعش. 11 شتنبر2001  و7 يناير2015. مع ذلك، وإلى اليوم، هم أكثر فعالية، يعتبرون أن الأخطاء مشتركة بين الإسلاميين والديمقراطيين! إنهم دعاة تنازلات، وتراجعات صغيرة، وتصور لايتلاءم والعلمانية.
أحدث التراجعات ، بهذا الخصوص، ما شهدته  جمعية الكتّاب العالميين ''pen club"، المتواجد مقرها  في مدينة نيويورك، عندما رفض مجموعة من الكتّاب تسليم جائزة الشجاعة وحرية التعبير لـ"شارلي إيبدو"، زهد ذهني، أظهر تمدد الداء. هكذا، يكشف الوضع عن وجود أدمغة من هذا القبيل، غير أن المسألة أعمق مما نظن، حول مستوى اتصافها بالجبن. لكن لحسن الحظ، يوجد كذلك أشخاص، يجابهون هذه القدرية، مثل سلمان رشدي، المتيقظ دائماً… .
إذن، بعد مرور ربع قرن، يعود سلمان رشدي ليصرح بآرائه، في دولة داعش، ويفضح تيهان  جيوبوليتيكيات الغرب، لكنه يتكلم أيضاً عن الأدب والمتخيل والإلهام.. .

1-س- تجمع الأدب الأمريكي المعروف اختصاراً بـ''pen club"، الذي يحظى بوضع اعتباري، قرر منح صحيفة "شارلي إيبدو" أعلى درجات أوسمته، غير أن أمراً، أثار زوبعة داخل الولايات المتحدة الأمريكية، حينما وقع مايقارب مائتي كاتب، عريضة ضد تسليم جائزة الشجاعة وحرية التعبير إلى الصحيفة، رافضين تحمل أعباء واجهة نقدية نحو الإسلام، ثم وزعوها تزامناً مع الاحتفال الذي أشرفتم عليه يوم 5 ماي الأخير. هل أفسدت واقعة الرفض غير المتوقع أجواء تلك الليلة؟.
ج- لاينبغي، تضخيم هذه الاعتراضات، نتكلم عن رقم مائتي، أي من وقعوا على العريضة، بينما تجمع أدباء الولايات المتحدة الأمريكية، يضم خمسة آلاف عضو، بالتالي فالعدد ضئيل. جيرار بيار وجون باتيست توري، الشخصيتان اللتان قدمتا إلى نيويورك، من أجل عرض قضية "شارلي إيبدو"، استقبلا برحابة كبيرة، من طرف أغلب الكتاب الحاضرين. لقد التمست، من الكاتب آلان مابونكو(Alain Mabanckou)، أن يسلم الصحيفة جائزة الشجاعة وحرية التعبير. أشعر بتواطؤ، مع هذا الفرنكو- كونغولي الموهوب، لأنه عاش بين ثنايا ثقافات مختلفة، المستقر حالياً في نيويورك، وقد تأثرت بالنص الذي نشره على صفحات مجلة "ليكسبريس''، كرد حازم على إعلان المقاطعة، لذلك طلبت منه أن يعيد قراءته بالإنجليزية، أثناء الأمسية. أيضاً، أشكر دومينيك سوبو (Sopo) رئيس منظمة: ''مناهضة العنصرية''،لأنه حضر إلى نيويورك، قصد إحياء ذكرى الرسامين المغتالين، وينهي الاتهامات الجائرة، التي كانوا عرضة لها.

2 –س- هل تم الانتهاء من ملف هذه الواقعة؟
ج- طبعاً ترك آثاراً، وتباينات عميقة وسط  العالم الأدبي. من جهتي، فقد صدمت حقاً، نتيجة هذه الاعتراضات الصادرة من لدن كتّاب، الكثير منهم بمثابة أصدقاء مقربين…، فلم أتخيل أبداً تصرفهم بهذه الكيفية. لقد راسلت أحدهم، هو تيجو كول (cole)، المحرض الأساسي الذي كتب نداء المقاطعة، فأجابني برسالة غريبة الأطوار: «عزيزي سليمان، وأخي الأكبر، كل ماتعلمته، توطد لدي من طرفك أقدامك»، ثم حماقات أخرى من هذا النوع. لكن، جوابه تضمن خاصة، تأكيدات مغلوطة: مؤكداً إليّ، أنه لم يتخذ قط موقفاً من "آيات شيطانية"، مادام بالنسبة إلى حالتي، فالأمر يتعلق بتهمة القذف، أما بخصوص "شارلي إيبدو"، فالسبب حسب ادعائه يتمثل في عنصرية المجلة، ضد الأقلية المسلمة. ثم أجبت، نافياً، فقد قتل هؤلاء الأشخاص، لأن كلامهم اعتبر بدوره قذفاً، يعني بالضبط نفس الحالة. هكذا، شعرت أنه لو حدثت اليوم الهجومات على "آيات شيطانية"، فلن يكترث هؤلاء الأشخاص بالدفاع عني، وسيوظفون ضدي نفس الدلائل، مع اتهامي بكوني أهنت أقلية ثقافية وإثنية. أيضاً، صدمت لإمكانية الاعتداء على ذاكرة الأموات، بتحريف خطابهم. قارئوا هذه المجلة، ومهما اختلف موقفهم حول هؤلاء الرسامين الكاريكاتوريين، لا يمكنهم سوى ملاحظة أنهم قد يوصفون بكل شيء، إلا العنصرية، فقد اتخذوا موقفاً حازماً ضد الجبهة الوطنية. أمّا، فيما يخص، الادعاء أنهم «يستحوذ عليهم،هاجس إهانة الإسلام»، فهو اتهام لا يستقيم: أوضحت جريدة ''لوموند''، أن سبعة فقط من افتتاحيات شارلي إيبدو، ضمن 523، وعلى امتداد عشر سنوات، تطرقت إلى الإسلام، بينما قارب الباقي موضوعات البابا وإسرائيل والجبهة الوطنية أو ساركوزي والعنصرية الفرنسية ثم النخبة في السلطة. حقيقة، هذه النقطة بل ومحتوى المجلة نفسه، يظل  بدون أهمية، لأن حرية التعبير، تقتضي منك الدفاع عن حرية آراء الآخرين. نتذكر، أن هؤلاء الأشخاص، اغتيلوا لأنهم أنجزوا رسومات. 

3 –س- هل تغيرت العقليات شيئاً ما، منذ فترة،"آيات شيطانية"؟
ج- بعد مرور، أكثر من خمس وعشرين سنة، على قضية "آيات شيطانية"، يبدو لي، أننا لم نستخلص بعد الدروس المناسبة.عوض الوقوف على حقيقة، ضرورة التصدي لمن يقفون ضد حرية التعبير، استكنا إلى منطق التهدئة عبر تسويات وتنازلات.

4-س- لماذا؟
ج- يمكننا أن نتأسف، عن غياب سياسة سليمة، داخل الأوساط الثقافية. الخوف، هو المعطى، الذي لا يريد أي شخص، التكلم عنه. لو لم يُقتل أشخاص خلال هذه اللحظة، ولم تصدح أصوات القنابل والكلاشينكوف، لأخذ السجال منحى مختلفاً.

5- س- بدوركم خذلكم البعض سنة 1989 …   
ج- قال البعض، أني سعيت لهذا الأمر، بالتالي يلزمني تحمل مسؤولياتي. هجومات، جاءت وقتها أساساً من اليمين ومحيط مارغريت تاتشر والأوساط الرسمية المحافظة. أما اليوم، فمصدرها اليسار. ينبغي لك، حقاً أن تكون أعمى، كي لاتحيط بالمشاكل السوسيو-اقتصادية، واللا-عدالة، والعنصرية التي تعاني منها الأقلية داخل فرنسا، لكن يلزمنا كذلك التأكيد أن قسماً كبيراً من هذه الجماعة، يفضل العلمانية أكثر فأكثر. المسلمون، يُنظر إليهم كفرنسيين علمانيين، أكثر من كونهم متدينين. بالتالي، لماذا نريد مطلقاً، نعتهم بمصطلحات محض دينية، مثلما يفضل الملالي؟ لقد، قضى جورج باكر، من صحيفة "نيويوركر" زمناً طويلاً، وسط الضواحي الفرنسية بعد هجوم "شارل إيبدو"، وأخبرني بأنه لم ينته إلى سمعه قط، أن هؤلاء الشباب يرددون أقاويل أكثر راديكالية من التي تفصح عنها الروائية فرانسين بروز (Prose)، إحدى المحتجات على مبادرة جمعية الكتاب العالميين. إنهم، يسخرون حقاً، وينتقدون هذه الأسبوعية التي تصدر 20 ألف نسخة، يحركهم حالياً، الشعور الكلاسيكي بالذنب، لدى يسار سيطر عليه البيض.

6-س- ماذا تريدون القول؟
ج- هناك، عدم الرغبة في فهم شيئيين. من جهة، نعيش آنياً حقبة أكثر سوداوية، لم أشاهد مثلها من قبل. ما يحدث حالياً، مع داعش يشكل أهمية جسيمة بالنسبة لمستقبل العالم. من جهة ثانية، يمثل التطرف هجوماً ضد العالم الغربي، بل والمسلمين أنفسهم. هو، أولاً استيلاء على السلطة، وسعي لفرض ديكتاتورية فاشية، داخل العالم الإسلامي ذاته. من هم، أول ضحايا آيات الله في إيران أو طالبان؟ من يكابد، في العراق حالياً؟ إنهم قبل كل شيء، مسلمون يذبحون مسلمين آخرين. قد يسهل، توجيه التهمة لطائرات الأمريكية، بدون طيار، لكن ضمن كل واحدة من هذه الصواريخ، نحصي آلاف الهجومات والاعتداءات التي يقدم عليها جهاديون، في حق أفراد ومساجد. خلال حقبة قضية "آيات شيطانية"، أسرع أنصار آيات الله، أولاً في لندن ثم أمكنة أخرى، إلى تهديد من لا يقرون بالفتوى الصادرة ضدي، مما يعني القول بأن مجابهة المتطرفين، لاتعني مهاجمة جماعة المسلمين. ينبغي أن ندرك لماذا نصارع؟ أكرر، أننا نخوض حرباً ضد التطرف وليس الإسلام، بل على العكس من ذلك، نحن ندافع عنه.

7-س- كيف تفسرون انبعاث تنظيم داعش؟
ج- ألاحظ، أن انبعاث هذه الحركة ليس حقاً عربياً، فهي تضم أفراداً قادمين من الشيشان وأستراليا والعالم قاطبة. لقد كتبت، منذ مدة قبل الأحداث الجارية حالياً في منطقة الشرق الأوسط، أن الراديكالية الدينية خلقت حولها نوعا من "الجاذبية". أن، تمنح كلاشينكوف ولباساً أسود، إلى شاب يعيش بدون دخل وعاطل ويائس من إمكانية تأسيس أسرة ذات يوم، ثم فجأة تخول سلطة إلى من يشعر بكونه مهاناً ومحروماً. ثم يضاف إلى هذا الشعور بالظلم، سيادة خطاب الكراهية داخل كل المساجد الراديكالية. ببساطة أكثر، هذه القدرة الكليانية، تناسب السيكوباتيين. كثير من المجندين، يشدون الرحيل إلى هناك فقط من أجل لذة القتل.
 
8-س- كيف تفسرون، العنف الخارق والوحشية الفظيعة؟
ج- الاختلاف عن حقبة فتوى "آيات شيطانية"، يتمثل في ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، وسرعتها  في نقل المعلومة وتوظيفها الماهر، مما يؤجج الإغراء، والاهتياج. لاسيما أنها تخلق الخوف، فالهدف يتجه نحو تسريع وتيرة استتباب سلطتهم، بالرعب. أعتقد أن رواية "الطاعون" لـ كامو أو "وحيد القرن" لـ يونسكو، قاربتا بالتأكيد توتاليتارية أخرى، لكنهما تصفان نفس نتانة الفكر.
   
-9 س- هل يمكننا تأنيب الغرب؟
ج- تحطم، داعش حدوداً استعمارية وهمية، وبلدانا كالعراق، حيث لم يكن بالإمكان ضبط العصبيات، سوى بالهيمنة الشرسة لديكتاتور. نعم، مغامرة بوش هناك، لم تحسب جيداً عواقبها، وساهمت بالتالي في مآل الوضعية الحالية. لكن أكبر خطأ تاريخي، نؤدي ثمنه اليوم، يكمن في دعم الغرب للعربية السعودية. فقبل، أن تتكرس هذه الدولة، باعتبارها سيدة كونية على البترول، لم تكن الوهابية سوى جماعة صغيرة جداً، تفتقد لأبسط تأثير، غير أن ثراءها المادي الهائل، سمح  لها كي تبث طيلة أجيال، وعلى امتداد العالم قاطبة، رؤيتها للإسلام. ثم هاهو اعتقادها المتعصب، يتأسس كمعيارعالمي. حينما أشاهد الرئيس الأمريكي يقطع زيارته إلى ''تاج محل''، كي ينضم إلى الوفود الغربية التي هرعت نحو الرياض لحضور جنازة الملك عبد الله، يدفعني ذلك إلى محاولة التذكير، أن هؤلاء الناس ليسوا أصدقاء لنا، بل هم مصدر المشاكل. 

10 –س- هل أنذرت فتوى 1989، بالتطرف الآني؟
ج- لقد كتبت في مذكراتي، أن قضية "آيات شيطانية"، وضعت أولى نوتات هذه الموسيقى، التي نستمع إلى سمفونيتها الجنائزية. أستعير هنا، صورة فيلم الطيور لـ ألفريد هتشكوك. حينما يحط طائر واحد على حافة نافذة، فلا أحد يعيره اهتماماً كبيراً، لكن عندما تمتلئ السماء بالطيور ويهاجمون، فقط لحظتها يتذكرون ذاك الطائر الأول، العلامة المنذرة. كنت أعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، عندما وقعت هجومات 11 شتنبر2001، غداة الاعتداءات أخبرني بعض المثقفين، بأنهم أخيراً أدركوا ماحدث معي سنة 1989، هكذا تأتى لهم أن يعيشوا التجربة بدورهم. حسناً! كان عليهم، أن يختبروا واقعياً آفة الإرهاب؟. 

11-س- لاشخص، تراءى له، ماسيحدث فيما بعد؟.
ج- حاولوا سنة 1989، تبخيس قضيتي، معتبرين مصيري خارج المألوف، ورفضوا أن يجعلوه نموذجياً. المدافعون عني، صرحوا بأنه لم يعامل كاتب قبلي بتلك الكيفية، مما يحتم مسألة دعمي. أما معارضي، فقد أعلنوا أن كتاباتي فظيعة، وجديرة بالعقاب، ولا تستحق حمايتها باسم حرية التعبير. بين هذا وذاك، نظروا إلى حالتي كشيء ''جانبي''. لم يتعرض، كاتب يعرف اللغة الانجليزية في الغرب، لمثل ماتعرضت له. لكنه عنف، موجود في كل مكان: تركيا وليبيا وباكستان ونيجيريا والسعودية ومصر، نتذكر ماعاشه نجيب محفوظ. إن انتقاد هذه القوى، لايعني انتقاد الإسلام، والحرص على الصمت، لايخدم المسلمين.
 
12-س- ماذا ينبغي القيام به؟                                                     
ج- ننتهي مع هذا الطابو الذي يدعى''الإسلاموفوبيا''. أكرر القول، لماذا سنحارب الإسلام؟ من الممكن احترام أشخاص، وحمايتهم من التعصب، بإظهار الارتياب حول أفكارهم، بل وانتقادهم بشراسة.
   
13-س- لقد تكلمنا عن الجهادية، ولم نتكلم عن الكاتب سلمان رشدي؟
ج- لأن النقاش تركز حول حادثة "شارلي إيبدو". لكن صراحة، لاأحب التكلم عن هذه الموضوعات، والتعليق عن الجيد والرديء. تبعاً للقصة التي عشتها، يسألوني غالباً عن ذات الموضوع، والحال أني لست محللاً سياسياً ولكن كاتباً للمتخيل. لقد غيرت "آيات شيطانية"، من النظرة التي يمكن أن تكون لهم حولي، باعتباري فناناً. لقد أضحيت مرجعية، حول أسئلة الإسلام، في حين، باستثناء "آيات شيطانية" وبالنظر إلى جزئية بسيطة، وردت في الكتاب، لم أعتبر نفسي قط كاتباً دينياً. لقد ترعرعت وسط عائلة غير متدينة. صحيح أن أمي، متدينة قليلاً، لاسيما بعد وفاة أبي. كنت أعيش في بومباي، مدينة تميزت خلال تلك الحقبة بكونها أكثر لائكية مقارنة مع باقي كل الهند، والتي ازدادت اليوم تعصباً بالنظر إلى النزاعات بين المسلمين والهندوس. كان والداي، يعيشان فترة زواجهما، في دلهي، والتي تنحدر منها أفراد أسرة أبي. بعد ظهور دولة الهند، قرروا مثل المسلمين الآخرين، البالغ عددهم مائة مليون، عدم الرحيل إلى باكستان، نظراً لعدم إيمانهم كفاية بالأمر، فأحسوا قبل كل شيء أنهم ينتمون إلى الهند. لكنهم، سيغادرون دلهي، التي صارت خطيرة جداً، جراء المواجهات بين الطوائف، واستقرارهم في بومباي، حيث ساد تسامح ونظام، لازلت أذكرهما بمثالية.
 
14-س- من النادر اليوم أن يعلن مسلم معروف، بشكل علني عن علمانيته؟
ج- تقليد، كان سائداً، فترة جيلي وخلال سنوات الستينات والسبعينات. مدن مثل بيروت وطهران أو دمشق، هي حالياً، فضاءات  لنزاعات جسيمة، كانت وقتها منفتحة ومتطورة ومتعددة الثقافات. لكن، وأنا لازلت على قيد الحياة، أعاين نفس الفضاءات تنغلق ثانية. الوازع الوحيد، لما تبقى إلي من تفاؤل، كالتالي: إذا أمكن حدوث تغير أثناء  مسار حياة إنسان، فيمكنه بالتأكيد أن ينقلب أيضاً بسرعة كبيرة.

15-س- هل أنتم متفائلون على هذا النحو؟
ج- لا أميل كثيراً إلى الماركسية، لكني أحب ما قاله غرامشي، أنه يلزمنا تفاؤل الفكر والإرادة. فمن كان يعتقد، بالسقوط المدوي لصرح الشيوعية، سنة واحدة، قبل انهيارها؟ هيتلر لم يكن ليقهر، كي نستسيغ قليلاً التضحيات المهولة الضرورية بهدف هزمه. لقد درست التاريخ فترة شبابي، فاكتشفت قدرته على المباغتة، فلا شيء حتمياً، بل يمكنه أن ينمحي وبسرعة كبيرة. ليس الحكمة أن نكون متفائلين أو متشائمين، لكن أن نلاحظ وندرك ماهي قيمنا ثم عدم التنازل عنها، لأن ثقافة الحرية هذه، لم تشيد بسهولة. الفرنسيون يعرفون ذلك جيداً، لأن مساهمتهم بهذا الخصوص كبيرة. بفضل فلسفة الأنوار، ظفرنا بمفكر مثل توماس بين(Thomas Paine)، وإعلان الاستقلال…. 
  
16 –س-هل يحمل الكاتب شعلة الحرية؟ وهل هي حريته؟.
ج_  أجهل ماهو دوره، وأنا لست من الذين يرغبون في منحه وظيفة ما. من مسرات الأدب، أنه يحمل في ذاته تبريره الخاص، فهو لايقدم دروساً. أنا لا أحب تقديم دروس، ولا الكتب التي تضع مواعظ، أوتلك الأعمال الفنية المنطوية على رسائل. يكمن، دور الخيال في خلق عوالم متخيلة، بحيث يتجه تطلع القراء إلى استوطانها، وتدفعهم للتفكير في حيواتهم الخاصة. غاية الفن عميقة، هكذا أخبرنا ساول بيلو (Bellow)، لأنه يقود قضايا جادة نحو جذور الطبيعة البشرية. يتمثل دورنا، في فحص ماهية الكائن الإنساني فردياً وجماعياً، وكيف نعيش فوق هذه الأرض. إن مصادفات حياتي، مكنتني من الكتابة حول أشياء، هي اليوم، في قلب الإنسانية: سؤال الهجرة، تصادم الثقافات، حكايات ووقائع قومية مثل التي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مدعياً كل منهما نفس الفضاء الأرضي. لقد، عشت نصف حياتي في الغرب، والنصف الثاني بالشرق، مما يمنحني إمكانية أن أضع حكاياتي حسب أمكنة مختلفة بين سان فرانسيسكو وإسلام أباد. أتمنى من هؤلاء الكتاب الآخرين الذين قضوا وجودهم في ذات المكان، التجذر في العمق مثل فولكنر، الذي استلهم أعماله من مسقط رأسه، بولاية "ميسيسيبي". لكن مساري كان مختلفاً،  فامتلكت تلك المنظورات المتعددة. أيضاً، تغير العالم، فيما مضى كانت الأمكنة بعيدة عن بعضها البعض. أنظروا إلى جين أوستن، وهي تصف  سنة1812، عالمها في روايتها: "Orgueil et prejudges"، دون اختبارها لحظة الحاجة كي تشير إلى الحرب الجارية ضد نابليون وقتها. لم يظهر، جنود الجيش الانجليزي، في عملها سوى نكرات طريفة مدعوة إلى حفلات الاستقبال. يضاف إلى جانب الانفصال الجغرافي، انفصال آخر بين المناطق الخاصة ثم العامة. بوسع الكتّاب أن يحكوا حياة خاصة، دون أخذهم بعين الاعتبار الأحداث الخارجية أو بالأحرى الدولية، في نطاق كونهم لا يعرجون  أبداً على اليومي. راهناً، كل شيء يتصادم ويتداخل، فيتساءل الكاتب عن كيفية الكتابة حول هذا العالم الجديد. لنتذكر يوم 11 شتنبر2001، في نيويورك. خلال ذلك اليوم، صار تاريخ نيويورك والعالم العربي…، شيئاً واحد. لا يمكننا، فهم تاريخ المدينة، دون معرفة بتاريخ من حركوا، تلك الطائرات. هي اصطدامات، صارت آنياً تحدث كل يوم.

17-س- لكن الكتّاب يتأثرون بها؟
ج- الأدب الأمريكي، كان دائماً متأثراً بالهجرة وخاصة اليهودية والإيطالية. وحالياً، تضم الولايات المتحدة الأمريكية، جيلاً من الكتّاب الأستراليين، يقدمون الآن إلى العالم، كتابات جديدة تجدد الرواية وتجعلها أكثر كوسموبوليتية. لا أنسى، هنا أسماء أخرى، مثل: جومبا لاهيري وجانبه الهندي، ييوني لي وجذوره الصينية، جينو دياز المنحدر من الدومينيكان، نام لي الفيتنامي-الأسترالي ثم خالد حسيني الذي ولد في أفغانستان وتربى هنا في أمريكا.

18 -س- في مذكراتكم عن حقبة "آيات شيطانية"، تكلمتم عن كونكم قد تقوضت رؤيته للعالم، كيف كانت ثم صارت؟.
ج- إن رؤية للعالم، تتأسس على نسيج من الترابطات، مع الأمكنة والثقافات والأصدقاء المحبوبين، لديك. ترابطات، تميز العقل عن الجنون، حيث يصير كل شيء خليطاً فسيفسائياً، خالياً من المعنى. المؤلم أكثر، بالنسبة إليّ، أن أرى الأشخاص، الذين أكتب لهم وعنهم، يتظاهرون ضدي، أقصد هنا، على سبيل التمثيل، مسلمي لندن. هذا أسقط الصورة، التي كانت لدي حول موقعي في العالم، ويلزمني وقت طويل، كي أجد ثانية توازني. ما وقع إلي، قد يحدث لكل واحد اليوم،بحيث أضحت البسيطة مكاناً غريباً منذ نهاية الحرب الباردة سنة 1989، مع التشظية التي أعقبت ذلك، فشكلت مصدراً للحروب داخل أوروبا، كانت مستقرة إلى غاية ذلك التاريخ، ثم ظهور حركات جديدة في المنظومة الإسلامية. أيضاً، إيقاع التغير التكنولوجي، وعالم المعلومة، سيخلق اضطراباً عند الأفراد، مما أجبرهم كي يلتفوا حول مجال اليقينيات، مثل الدين في إطار حقائقه الأبدية. سألتمونني، عن رؤيتي للعالم…، لقد عشت سنوات الستينات، الحقبة التي اعتقدنا معها، بتكسير مطلق لسلطة الديني، بالتالي تثير السخرية،  فكرة عودته المتوقعة إلى المسرح العالمي. وأعتقد، أني كنت باستمرار مذهولاً، لانقلاب التاريخ. وهو ليس بالأمر الوحيد، فقد عانيت كثيراً سنة 1989، لأن إدانتي تمت في الظل والسرية، خلال لحظة بدا العالم معها يسير نحو الوضوح. لقد كانت سنة مدهشة، ونقطة مفصلية بالنسبة لمسار التاريخ، بالرغم من أن المصير الحزين لساحة "تيانانمين"، يطهر باستمرار ذاكرة الصينيين، فانهيار الشيوعية فتح كل الآمال نحو الحرية، لكن النتيجة أقلقتني: لقد تركت الإمبراطورية السوفياتية مكانها لفاشيات صغيرة، وكذا التعصب الإسلامي.

19-س- هل تؤمن بالاقتراب بين الهند وباكستان؟ 
ج- هما بلدان، متمزقان دائماً. بدل هذا، أنا منشغل مع إحساس بالخيبة، بالانحراف الطائفي للهند. أنتمي إلى جيل، دعاة العلمانية، هو مهمل اليوم، أي جيل نهرو، ويرهبني التوظيف السياسي للتمايزات الدينية، ضداً على الحريات العمومية للمواطنين في الهند. لكن من جهة أخرى، تحدث أشياء مهمة  فيما يتعلق بالمشهد الأدبي.

20-س- بفضلكم اقتفى كتاب شباب من الهند، شيئاً ما، أثر خطواتكم؟
ج-روايتي: ''les enfants de minuit"، فتحت السبيل. لكن، ما يدهش  هذا التعدد الأدبي، بحيث نقف على كتّاب يهتمون بالجنس، وآخرين بالخيال العلمي ثم روايات الرصيف، وخيال مزدهر. لقد توسع المشهد الأدبي، بشكل مستفيض، مما يشكل مقوماً لصحته المبهرة. بدوره، عرف الأدب الباكستاني، حركة مشابهة، منذ فترة قليلة، مع أدباء شباب تتراوح أعمارهم مابين الثلاثين والأربعين، يمتلكون موهبة كبيرة، مثل: محمد حنيف، كاميليا شمسي، ناديم أسلام. على النقيض، من كتّاب الهند، الذين أهملوا الأسئلة المجتمعية، وفضلوا الجوانب الحميمية، سيقتحم هؤلاء  بتصميم المجال العمومي، لأنه لامناص منه لديهم، فتصطدم به أينما تواجدت. كتّاب، يتطرقون بكيفية مختلفة وأخاذة مع مشاكل بلدانهم.

21-س- كيف يبدأ ازدهار الخيال؟  
ج- لاأعرف بالضبط، ربما ضربة حظ… .خلال سنوات السبعينات والثمانينات، انتميت إلى جماعة كنا نصفها باعتبارها لحظة مدهشة، بالنسبة للأدب الإنجليزي، لكننا لم نشعر أننا نؤسس لحركة. لم نضع بياناً نظرياً، كما الحال مع السورياليين، ولامشروعاً مشتركاً، بحيث انتفى لدينا بالضرورة إيقاع منتظم، لكننا أردنا الاستجابة لرغبة القراء، بخصوص كتابة جديدة، راديكالية، ومتخيلة قطعت مع أعراف الأدب الإنجليزي، بعد الحرب. والحال، أنه ينتابني إحساس، كوننا نعود اليوم إلى هذا الأدب الطبيعي، التقليدي. من جهتي، أشعر أني أكثر قرباً، من مرجعية الخيال، لدى كاتب مثل: لازلو كرازناهوركي (Lazlo Krasznahoraki)، المتوج هذه السنة بجائزة البوكر العالمية المتميزة، حينما أقابله مثلاً، مع التخيل الذاتي لـ كارل أوف كنوسغارد (Knausgaard). روايتي الجديدة، التي ستصدر شهر شتنبر في الولايات المتحدة الأمريكية، اخترقت هذه المعايير، إنها سوريالية على نحو مدهش، بحيث وقعت نيويورك تحت سيطرة العباقرة. لكن، بعد أربعين سنة، من حياتي ككاتب، أدركت أن الأدب، يجيب أيضاً، على العادات الجارية. تتغير الأذواق، ولايمكننا القيام بأي شيء، حيال هذا الأمر. قدر مواصلة، مانعرف القيام به على نحو أفضل.

22-س- إنكم، تحملون خيالاً، لكن أيضاً مزيجاً ثقافياً، ذلك هو تميزكم؟
ج- أنا سعيد، لكوني أخلق المتعة، لدى القراء الغربيين والمشارقة، والذين يستخلصون من نصوصي، قراءات متباينة قليلاً. لا أعتبر نفسي، كاتباً منتمياً لبلد بعينه، بل كاتب مدن، بحيث أتماهى أكثر مع المدن، خاصة نيويورك ولندن وبومباي حيث قضيت حياتي، أي فكرة المدينة والمثال الأعلى، الذي تجسده.

23-س- إذن سيطر عباقرة، على نيويورك وكذا وول ستريت؟
ج- نعم، هو كذلك، سأخبركم بما حكيت لناشري، وأنا أقترح عليه هذا العمل الجديد، الذي اخترت له عنوان: "سنتان، ثمانية أشهر، وثمان وعشرين ليلة". باستحضار ضمني، لـ "ألف ليلة وليلة": بعد أن قضيت سنوات طويلة، في كتابة مذكراتي… أحسست، أني استوفيت ما يكفي، بخصوص هذا الجانب، بالتالي توجه اختياري إلى الجانب المعارض تماماً، المتخيل راديكالياً، عرفاناً إلى تلك الحكايات الرائعة، التي استمعت لها فترة طفولتي. عالمها ساحر ومفعم بالجنون، مع أنه ينهض على اليومي الحقيقي للمدينة، الحقيقي والقائم  فعلاً، أحياء وبازارات (bazars). مع الواقعية السحرية، تقتضي الواقعية ما يتطلبه السحر كذلك. لا تكون للعجائبي من قيمة، إلا حينما ينبثق من الواقع ويحبكه. كما الحال، مع قراءاتي القديمة، الحكايات الحيوانية للكتاب الهندي باشاتنترا (panchatantra)، و"ألف ليلة وليلة"…،الزاخرة بحكايات مسلية وشريرة وجنسية، مع تغييب للدين تقريباً. في ظل هذه الكوميديا البشرية، يسبح الناس وسط الرياء، ويضاعفون الحيل وكذا الأفعال العدوانية، ويضاجعون نساء الآخرين… لذلك، حاولوا عشية الربيع العربي، في مصر، إبعاد "ألف ليلة وليلة"، لأن تلك الحكايات تزعج المتزمتين، مادامت تطفح بحقائق عن الطبيعة الإنسانية. أريد العودة إلى هذا التقليد، وأغترف من ذاك التراث، قصد التكلم عن الوقع والحاضر.

24-س- نظراً لتجربتكم القوية جداً، بعوالم مختلفة، لم تنساقوا، مثل مثقفين آخرين، خلف أطروحة النسبية الثقافية للقيم، وإخضاعها للتسوية، كيف تجنبتم ذلك؟.
ج- إنه الخطر الكبير، الذي يتهدد عصرنا. لقد ولجنا، حقبة من الاختلاط واللقاءات، وكذا التمازجات الثقافية. تعددية ثقافية، احتفيت بها في كتبي، وهي بلا شك حقيقة قائمة. لقد أضحت الكرة الأرضية، معولمة ولن تستطيع أي قوة منعها، صوب هذا القصد. فلا شيء، يمكنه أن يعترض طريق التعدد الثقافي، لفنوننا وتغذيتنا ويومياتنا. لكن، النسبية الثقافية، تبقى تعبيراً منحطاً والأخ التوأم السيئ، للتعدد الثقافي. أرفض فكرة، أنه باسم احترام تقاليد البلد الأصلي، يجوز الإخلال بتقاليد أخرى تعتبر في تقديري كونية. الإقرار، بالتشوهات الخلقية للجهاز التناسلي لدى المرأة، التمييز الذي يطال المثليين، في البلدان الإسلامية، بل، والحكم عليهم بالموت. يستثمر ذلك، قصد ضمان امتثال الكتّاب الذين يزعجون هنا أو هناك. انحراف، كما تعلمون، لا أعثر معه على ضالتي. على هذا المستوى، يتجلى أكثر في فرنسا، الحزم نحو هذه المبادئ، مقارنة مع انجلترا. ربما لسهولة، معرفة دلالة، معنى أن تكون فرنسياً.

25-س- لكن كذلك اختلاط الثقافات، ونقلها قد يكون بدوره مؤلماً. لقد وصفتم، هذا باعتباركم كاتباً، ثم اختبرتموه على أرض الواقع؟.
ج- في ظل الضجة حول ''آيات شيطانية''، نسوا نقطة جوهرية. إذا، تطرقت مؤلفاتي الأولى، قبل كل شيء لعالم الشرق-الهند وباكستان- الذي غادرته، فقد قارب مضمون''آيات شيطانية'' إشكالية المهاجر والهوية والتمثل الثقافي ثم التصادم بين الحياة السابقة وكذا التواجد في الغرب. على الصعيد الشخصي، وبالرغم من انتمائي الاجتماعي المتميز، عانيت بدوري من نفس مصير المهاجر، ضحية الأحكام العنصرية الجاهزة، كأني شخص موبوء، طيلة فترة مشواري الدراسي، في مدرسة داخلية تنتمي إلى مدينة "روغبي'' الانجليزية، حد أني كرهت البلد، فرجوت أبي كي يسمح لي، بمتابعة دراساتي العليا، بإحدى الجامعات الراقية في بومباي، بدل كامبردج، بيد أنه أقنعني. حسناً، فعل بحيث كانت دراساتي بالجامعة رائعة. أي سعادة، أن تكون طالباً خلال سنوات الستينات! إضافة إلى ذلك، فقد اكتشفت فرقة البيتلز الهند ثانية، هكذا صار فجأة موطني الأصلي، محبوباً جداً.

26-س- أنتم كاتب، تحظون باحترام وتقدير من طرف الصحافة، لكن من ينتقدونك يفعلون ذلك بعنف صاعق؟. 
ج- مذكراتي المعنونة بـ: "جوزيف أنطون". حظيت بتثمين لدى عدد هائل من الصحافيين، لكني تعرضت كذلك لهجومات فظيعة، وقالوا عني، أقاويل خاطئة وأكاذيب، بخصوص أفكاري وكذا عملي. إن ناقداً، يمكنه تكريس اسمه، فقط بتوجيه الطعنات، إلى كاتب آخر مشهور جداً. لا أدري، إن كانوا يؤاخذون علي شهرتي النسبية، مع أني لست مادونا ولا مايلي سايروس، واسمي بالكاد يساعدني، على تيسير حجز طاولة داخل مطعم.
 
27 –س- ربما يؤاخذون عليكم، أسلوب الغواية كما يتبدى مع حياتكم؟
ج- فقط لأني تزوجت امرأة فائقة الجمال. كيف يحق له هذا! يا للوقاحة! بالتالي لم تتوقف صحف صغيرة، عن نشر مقالات سخيفة، تحمل عنوان: "الحسناء والوحش". وحدها، الغيرة تفسر هذا الأمر. غير أن، حياتي بسيطة جداً، بحيث أتجول بحرية في نيويورك، دون حماية خاصة منذ سنوات طويلة، قد يتعرفون علي بين الفنية والأخرى. وحينما لا أسافر لحضور ندوات، أقضي معظم الوقت داخل البيت، منكباً على الكتابة.
  
28 –س- هل تعانون من تركيز الانتباه على "آيات شيطانية"؟ .   
ج- هي قصة قديمة، أتكلم كل يوم مع أشخاص، كانوا أطفالاً لحظة صدور تلك الرواية، التي مثلت عملي الرابع، وقد بلغت حالياً إصداري الثالث عشر. على أية حال، أقدر أنه مع مرور الوقت، ثم تجاوز كل تلك الجلبة، قصد الاهتمام أخيراً بجوهر النص، الذي أضحى يدرس في كل الجامعات. ولأني عارف جيد، بتاريخ الإسلام، أحسن بكثير من راديكاليي اليوم، قلت بأن، النبي محمد عاش الشك والتردد مثل كل الأنبياء، تجربة ساهمت في تهذيبه. لكن بعد حقبة "آيات شيطانية"، انتقلت إلى أشياء ثانية. صديقي مارتان، أكد لي ذات يوم، أن طموحنا يتجلى في أن نترك، بعد رحيلنا خزانة صغيرة. لقد هيأت واحدة، وفي الانتظار لا أتشوف إلا لشيء واحد،أن أصير ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، الفنان الذي أتطلع إليه.



مصدر: للاطلاع على الحوار، في لغته الأصلية، يمكن الرجوع إلى مجلة:
L express ; numéro 3342 ;22 juillet 2015.pp ;24- 33


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق