الخميس، 17 سبتمبر، 2015

ديوان عيد النساج: محمد عيد إبراهيم (كتاب رقمي)







التَّجريب دائمًا، كالجُثَّةِ النَّازفة!

شهادة شعريَّة


يصعُب أن أتذكّر ما البداية. هي مجموعة إشارات دلّتني إلى طريق، قد سرتُ فيه، ولا أزال، ولا أعرف المستقرّ كيف ولا النهاية. كنتُ أذهب وأنا طفل صغير إلى مكتبة عامة في منطقة (دير الملاك) بالقاهرة، قُرب بيت عائلتي القديم، ومن هناك، بدلاً من اللعب مع أقراني، اكتفيت بالوحدة مع الكتب في تلك المكتبة، قبلما أبدأ اقتناء الكتب.
أذكر بين أولى محاولاتي ما كتبتُ عن الناشطة الزنجية الأمريكية، آنجيلا دافيس، زعيمة الحزب الشيوعيّ، والتي اعتُقلت لنشاطها ضدّ التمييز العنصريّ في الستينيات، كذلك عن أول رجل صعد إلى القمر، فلم يكن والدي رحمه الله يصدّق هذه الحكاية. لا أذكر أني يوماً أردتُ شيئاً من الشعر، مجرد رغبة في الكتابة تضغط عليّ، فأقوم بتفريغها كبداياتي مع الحبّ.

لكني عموماً كنتُ ولا أزال ضدّ أيّ سلطة تضطهد خيالي، حتى ولو في الشعر، على كلّ مثقف أن يناهض السلطة، يكتب وفي خياله (اليسار) منها دائماً، (اليسار) بمعناه الواسع لا السياسيّ المباشر، وقد عانيتُ جرّاء ذلك كثيراً، فقد كنتُ أكتب بشكل مُغاير نسبياً لجيلي، وهناك سخرية مما أُنشئ من نصوص، لكن دار الزمن إلى أن صار ما أكتبه هو المتن، وصار غيره هامشاً، وهي دورة الزمن التي لا يأمنها أحد.
تعرّفت إلى الرومانسيين وأبغضتُهم، ثم الرمزيين وأحببتُهم، من ثم إلى السورياليين واقتديتُ بهم، كان صلاح عبد الصبور هو الرأس في أيامي الأولى، وفي ظلّه حجازي، ولم يفتنّي استعمالهما مع غيرهم للّغة، ثم وقعت في غرام (مدرسة شعر) التي اقتديت منها بالتمرّد العالي والتأنق في اللغة والرؤية الفوضوية للعالم، مع أني استفدت كثيراً من: الرافعي، طه حسين، الجاحظ، النفّري، أدونيس، عفيفي مطر، إلخ، لكني أحببتُ أُنسي الحاج، فهو الذي غيّر عندي، ضمن عوامل أخرى كثيرة، مفهوم اللغة إلى النقيض تقريباً، وهو ما كنتُ مستعداً له من البداية. 
وبمرور الوقت، نكبر فجأة، ولا يرضينا ما كنا نكتبه قديماً، فلا تعود تقنياتي سابقاً من أساسياتي لاحقاً: حذف حروف الجرّ والعطف وقطع السياق وترك الكثير للقارئ خارج القصيدة إلخ، وكلّ امرئ يتغيّر ويُبدّل جلده مثل الحيّة كلّ حين وآخر، مع أن العمود الفقريّ للشعر يظلّ واحداً تقريباً، لكن اللّباس مختلف.
أين يمضي بي الحال، لا أظنني سأعرف حتى أضع آخر نقطة في حياتي، هناك وعي قطعاً بما أفعل في القصيدة، لكنك لا تعرف أين يودي بك دائماً، وإن عرفت فقد تتوقّف، لكن المجهول يظلّ أمامي فلاةً واسعةً مما يجعلني أكتب، ثم أنقّح في كلّ جديد ما كتبت سابقاً وهكذا. ولم يحدث أن توقّفت في حياتي عن كتابة الشعر، لكني مقلّ بشكل عام، أنتج ديواناً كل أربع أو خمس سنوات، لكن فترة التوقّف بين ديوان وآخر لا تعني التخلّي أو الهجر، بل التجهّز لما أبحث والاستعداد لما أريد.
يجب على الشاعر، في ظني، أن يقرأ أكثر مما يكتب، ويبحث أكثر مما يجد، ويظلّ يسأل ليرى ويستوعب أكثر، فالشعر لن يعطيك إلا كلّما أجهدت نفسك في طلبه، بالقراءة والوعي والخبرة والتجربة، وفوق ذلك وتحته وأمامه وخلفه التجريب، التجريب دائماً كالجثّة النازفة، أن تسمع نبضها عبر شرايين روحك وهي تنطلق بين شفتيك الحارقتين.
كنّا في جيل السبعينيات من دون منابر ثقافية، أيام السادات، فرحنا نصدر مطبوعاتنا بأيدينا، ظاهرة "الماستر"، لم تكن هناك آلات نسخ ولا كمبيوتر ولا إنترنت، ولا مجلاّت ولا صحف ترضى بنصوصنا، فحاولنا إيصال ما نكتب بوسائل بدائية مستعصية الآن، لكنها كانت زادنا، وأنجزنا بها شيئاً لنا وللشعر في مصر تلك الفترة.
لكن الزمن تغيّر، فلم تعد تلك الوسائل مجدية، بل صارالنشر سهلاً إلى حدّ الابتذال أحياناً، مما خلط الحابل بالنابل، وصار الشعر على الأرصفة، بعضه جيد وكثير منه غثّ. وزاد الوحل نشر الخواطر على أنها شعر، من غير خبرة ولا قراءة ولا وعي لا بالتراث ولا غيره، وعليك أن تفتّش في القشّ لتبحث عن إبرة ولو صدئة.
كنتُ دائماً على يسار جيل السبعينيات، أسعى بقدر إلى التمايز عنهم، وسواءً نجحت أو أخفقت لا تعنيني، المهم أني أرضيت ذائقتي الجمالية بما أريد، جماعة (أصوات) كانت تسعى لأن تتخفّف من القيم التراثية في الشعر أكثر من جماعة (إضاءة)، لكن هذا المسعى توفّق عند بعضهم، وأخفق عند آخرين، والعجيب أنهم في النهاية قد كفّ البعض عن اللحاق بالجديد في الشعر ولم يعد يواكب، بينما واصل البعض في محاولة منهم لخلق ذات إبداعية تعاصر الزمن، والزمن مفرمة لكلّ تقليد إبداعيّ، إن لم تنتبه، فقد تصبح كمن جاء إلى العُرس وجلبابه متّسخ وبنعل مهترئ، أو كمن جاء بعدما أنجبت العروس أو ماتت.  
يكتب الشاعر ليقول شيئاً، بل ويشمّه يتحسّسه ويتذوّقه إلخ، كلّ امرئ مجبول على مجموعة أفكار أو رؤى أو أحلام وذكريات ومشاهد وأفراح وأتراح وغيرها مما يسمع ويرى ويشمّ، تحرّكه وتثير فيه أن يكتب، فقصيدة النثر اليوم لا تعتمد كثيراً على خبرات حياتية جبّارة مثلما كانت للشاعر القديم، حيث تتكفّل الميديا الآن بالعديد مما كان يؤديه الشاعر القديم. على الشاعر اليوم أن يقوم بما كنتُ أدعو إليه سابقاً "الهجرة إلى الداخل"، (وهو عنوان إحدى قصائدي المبكّرة)، حتى يرى ما لم يره أحد قبله، ولو كان أمراً بسيطاً كشرح منظر الماء مندفقاً من منبعه، أو التطلّع في راحة يدك كأنك تراها للمرة الأولى، وترى الحبيبة كما يراها الخالق، لا المخلوق.
يتكلّم الشاعر بأيّ ضمير كان، المهم أن يكتب شعراً، لا يعني أن أكتب بالضمير الأول (الفاعل) أني أتكلّم عن نفسي، فالقصيدة كالمرآة تعكس عدّة ذوات، بعدد قرائها، أما ماهية الشعر فهي تختلف من شاعر إلى شاعر، فلا يستطيع أحد أن يقوم بتعريف موحّد للشعر، وإلا استطاع المحبّون تقديم تعريف موحّد للحبّ، فالشعر مجموعة لغات قد تجمع ما بين المقدّس والعاهر، بين العقل والجنون، بين المرأة والأمّ، بين الكتاب والصورة، بين أن تكون نفسك وتمحق نفسك معاً.
قد نحسّ بالصمت في لغة شاعر قصيدة النثر، مع بروز بقية العناصر، لأنها لغة لا تستدعي الخطابة ولا الشفاهة ولا القيم المتعارف عليها، بل يُفترض أن تكتب كأنك تكتب للمرة الأولى، أقول كأنك، لنرى شكلاً جديداً في مضمون جديد، في رؤية للعالم غير التي كان يرى بها الشاعر القديم أو حتى المستَحدَث القصيدةَ، بل أقول إنه لم يعد هناك ثمة غرض للشعر، أقصد الأغراض القومية أو السياسية الفجّة أو حتى الاجتماعية المضمونة، عليه أن يبحث عن أغراض هامشية أو هشّة، حتى ينجح في الوصول إلى قصيدة مختلفة، مشحونة بالعواطف أو الشاعرية أو الفكرة المعقّدة أو المجاز البسيط أو حتى المعقّد، فالقصيدة في النهاية لا تنحصر في شكل واحد أو عالم واحد، هناك ما لا نهاية للشكل والرؤية التي تدفع كلّ كاتب للكتابة.
أحاول أن أقترب من الغامض وغير المألوف، الحداثي وما بعد الحداثي، الأجيال الشعرية في العالم، الكتابات المختلفة عن السائد، حتى أكوّن خلفية معرفية لما أكتبه. لكن، كلما تكبر يصفو خيالك وتصبح النيران أهدأ وتكتب بطريقة مختلفة، من دون حشو أو زوائد، تحاول الوصول إلى الشعرية من أقصر الطرق، وقد أفادني شخصياً معاقرة الثقافات الأخرى، عن طريق القراءة والترجمة، فانفتحت سبل كثيرة أمامي، وتحررت من قيود كثيرة كانت تعيق قصائدي القديمة، وفي النهاية لكل شاعر قارئ، سواءً كان غامضاً مركّباً أو بسيطاً كراحة يد، من مردّ اختلاف البضاعة حتى لا تبور الأسواق. 
الترجمة هي نقل النصّ من سياق معرفيّ وثقافيّ وحضاريّ مختلف إلى لغة جديدة، وهنا يقع العاتق على المترجم وتأويله للنص، وإتقانه للغة التي يترجم إليها، فمن لا يملك لغة أنيقة يصبح النصّ المترجَم وكأنه غثاثة أو بساطة مخلّة لم يقصدها المؤلف الأصلي طبعاً، لكن كثرة التأويلات ليست ضارة، لكلّ مترجم جهده واجتهاده، وأرى أن الأفضل هو من يريك النصّ كأنه مكتوب بالعربية في الترجمة، أي أنه نجح في نقل السياق المعرفيّ الأجنبيّ إلى السياق المعرفيّ العربيّ بالصورة المُثلَى.
تجربة (آفاق الترجمة) مؤسّية، فقد بدأتها وكلّ ما حولي مناهض لما أفعل، من دقّة وتفانٍ واختيارات حداثية ومعاونة أجيال جديدة على البدء في الترجمة واستجلاب نصوص متقدّمة من مترجمين عرب كبار، وغلاف مبهر لكنه بسيط من الفنان عمر جهان، لكني واصلتُ، وسط جوّ عدائيّ حتى تعبت، بل هلكت، فليس لامرئ أن يظلّ هكذا يُناطح الصخر إلى الأبد، فسافرت للخليج، بعون من الشاعرة الإماراتية ميسون صقر، وتركت كلّ شيء لمن يريد، ومن عجائب الدهور أني الآن محظور عليّ النشر في ما أسّستُ من سلاسل للترجمة، لكن دورة الزمن كفيلة بتصحيح ما يصحّ، ولا قلق عندي من ذلك. 
كلّ شاعر يقوم بدور في المجتمع، لكن هذا الدور غير مباشر، وقد دفعت (الثورة)، وإن أخفقت في مراميها، الشاعر لأن يغيّر قناعاته ويوسّع مداركه، بحثاً عن جمهور أكبر، لكن المشكلة تكمن في أن بعض المثقفين قد خانوا ضمائرهم، وساروا مع النظم الجديدة بعد الثورات، والمعروف أن النظم أسوأ ما تكون بعد أيّ ثورة، إن أمكن أن نطلق عليها هذه التسمية في النهاية، فقد تآمر عليها الجميع، حتى جرّدوها من ثيابها علناً، بل وجرجروها ليخدشوا آمال الجميع، أمام الجميع.
على الشاعر أن يناهض المظالم، ويسعى لإقامة العدل في الأرض، ويقوّم مسيرة أيّ حكومة ويكون ضدّ أيّ رأس للدولة حتى يعود إلى الصراط، فإن لم يفعل فسيظلّ الفساد قائماً والقتل منصوباً والسجن على كلّ باب. على الشاعر أن ينصت إلى آلام شعبه، لا يكتب بطبيعة مباشرة، فذلك شأن السياسيّ والمصلح المجتمعيّ، لكن أن يكتب عموماً في صالح أكبر عدد من الناس، لصالح المهمّش والمطحون والمعدَم، داعياً إلى اقتسام ثروات مجتمعه حتى لا ينام أحدٌ جائعاً وجاره بطران لا يعبأ بما أو بمن حوله.
الشاعر في النهاية ما هو إلا ضمير، ضمير أبيض، لا غُبار عليه، أو كما يُفترَض، فلو صلُح صلُح المجتمع ولو تفشّت خياناته صار المجتمع إلى خراب مستعجل ونهاية كنهايات الهنود الحُمر. لكن يخجلني، كما كان يقول نجيب محفوظ، أن أدعو إلى اليأس، فهناك أشجار دائماً في المستقبل.


(*)كانت الشهادة في الأصل حواراً

أجراه معي الشاعر: محمد حربي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق