الثلاثاء، 22 سبتمبر، 2015

الحلقة الفارغة: بيار كلوسوفسكي

ترجمة: حسين عجة


«عندما نتوجه نحو هدف ما، يبدو من غير المعقول أن يكون "غياب الهدف بحدّ ذاته" مبدأ اعتقادنا.
  في كلّ مكان لا أرى سوى أولئك الذين يفسدون الحياة، وقيمة الحياة».
  "ضد-دارون" « Anti-Darwin ».

بيار كلوسوفسكي
سوف أُذَكِّرُ أولاً، عبر وضعي لما يشبه الخطة، بأن فكر نيتشه الحقيقي –مع أن مفردة "حقيقي" هذه مُلتبسة تماماً-، لكن حقيقي بمعنى أننا نتمتع اليوم، بعد أربعين عاماً، بأفضل الظروف التي تمكننا من القبض، عبر منظومته الظاهرية، وبوضوحه، على ذلك الفكر، وإن ثمة من شيء قد أصبح، من الآن فصاعداً، مكتسباً، أعني أنه لم يعد هناك منْ يجرأ –كما كان يحدث ذلك قبل نصف قرن من موت نيتشه تقريباً- على فصل أو وضع تناقض ما بين فكرة "العود الأبدي" (l’éternel retour)  وفكرة "إرادة القوة" (volonté de puissance)، أو جعل احداهما تقصي الأخرى. بيد أن نيتشه لن يكون حقاً فيلسوف إرادة القوة، إن لم يكن أيضاً دكتور العود الأبدي (docteur de l’éternel retour)، وبأن هذا التحديد المُتعذر رفضه، الذي أعطاه هايدغر لفكر نيتشه قابل، بدوره، لمختلف التأويلات، كما يولد الكثير من المصاعب، وذلك انطلاقاً من إقرارات نيتشه (déclarations de Nietzsche). بارتكازنا على هذه الأخيرة، يمكننا متابعة المراحل المتلاحقة التي حاول نيتشه عبرها، بابتعاده عن اللحظة الإنتشائية "لسلز ماريا" (Sils Maria)، وبعد ما حَوّلَ الواقعة المُعاشة إلى مفهوم، او بالأحرى ما يسميه فكرة الأفكار (la pensée des pensées)، تقديم نسخة مدعمة علمياً عنها، ومن ثم طرحها باعتبارها دافع إرادة القوة بعينه، ومن ثم صرّحَ بأنّ الدافع هو الأداة الخفية لعقيدته الإنتقائية (sa doctrine sélective): بتعبير آخر، ولكي نتحدث هنا من وجهة النظر التاريخية المحضة، العقيدة الإنتقائية، التي تشكل فيها الـ "circulus vitiosus deus" [الحلقة الفارغة للآلهة] الشكل والإشارة (signe et forme).
وذلك ما يؤدي بنا [مثلما تجرأتُ على القيام بذلك في دراستي] إلى تحليل -أعتقد أنه ضروريّ- المعايير النتشوية للإنحطاط (décadence)، دافع ما هو معافى، ما هو مرضي، ما هو سوقي، ما هو حالة خاصة، أو متفردة، وبشكل خاص ما يتوافق مع وظيفة الحلقة الفارغة، أي الحالة الطارئة (cas fortuit). من ناحيتي، لقد اقتفيت دائماً خيطاً موجهاً، أي الخيط الذي بدا لي أكثر رسوخاً للتغلب على وتجاوز الشعور بالغرابة، الذي تخلفه بعض تأكيدات نيتشه –كل ما ينتج، عبر اثباتاته ومشاريعه، عن تدبير مؤامرة (préparation d’un complot). فإما أن يدير المرء ظهره لهذا الجانب من نيتشه ويعتبره خداعاً لا يُمثل فكره الحقيقي، أو يقبل بذلك الفكر مثلما كشفَ عن نفسه بدءً –أي أننا لا نتمتع، حرفياً، بأي معيار للتمييز ما بين الخادع وغير الخادع، اللهم الإّ إمكانية أو استحالة العيش من نتاج الفكر. لا يخولنا دافع المؤامرة التعامل مع مفردات "فوق-الإنسانية" (sur- humanité) "السيد والعبد"، "التشكل السياديّ" (formation souveraine)، وبصورة خاصة مع الإيحاء بالمناهج التجريبية، التي تشترط وجود إدارات انتقائية؛ لا يخولنا التعامل معها باعتبارها مجرد مجازات (métaphores). مؤامرة تحاك ضد التواطىء الأصم ما بين الأخلاق المؤسساتية ونظرية دارون (théorie darwinienne) [«بالدقة لا ينتج الانتقاء لصالح الاستثناءات (exceptions)». ولكن فقط لصالح الضعفاء (médiocres)]. غير أن المؤامرة تتبرعم ضمن فكرة العود الأبدي، كلما كشفت عن نفسها. تهدف عقيدة الحلقة الفارغة، في نتيجتها النهائية، إلى إلغاء مبدأ الهوية (principe de l’identité)، الهوية الفردية، وبالتالي ممارسات خدام القوة أيضاً (suppôts de la puissance)، الذين لا يمارسونها، بالرغم من ذلك، أبداً إلاّ حينما يتخيلون من قبلها هدفاً ومعناً لفعلهم. لكن ولأن الحلقة الفارغة تُحذف مع الهويات المغزى مرة وإلى الأبد، وتشترط تكرارها اللامتناهيّ (leur répétition infinie) ضمن كلّ (totale) بلا هدف، لهذا تصبح المؤامرة المعيار الانتقائيّ للتجريبيّ (critère sélectif de l’expérimentation). أية سيادة تلك التي تجرأ على التخلي إلى الأبد عن أفكار الهدف والمعنى، التي تنطلق منها قوة مكونة تمنح نفسها حق الهيمنة، أية سيادة تلك التي لن تمارس عنفاً آخراً مختلفاً عن العنف العبثيّ؟ سيكون على هذه السيادة أو تلك التشكلات السيادية (Herrschaftsgebilde) القيام بخلط هيمنتها مع تفككها الخاص (leur propre désintégration)، إذا ما كان الأمر يتعلّق بمؤسسة، بدولة، بالمعنى التقليدي للكلمة. وبالتالي لا يمكن أن يتعلق الأمر، في فكرة نيتشه، ببناء نظام سياسي بالمعنى المتوارث عليه للمفردة. لذا لا يمكن تصور مؤامرة نيتشه (complot de Nietzsche) إلاّ إذا ما اضطلعت بها جماعة سريّة (communauté secrète)، لا يُمسك عليها، ومن ثم يمكن استخدامها في أي نظام. إنّ جماعة كهذه وحدها بمقدورها امتلاك شهية تفكيك نفسها، في لحظة تخطيطها لما تنوي القيام به كفعل. أي أنها سوف تتفكك حتماً ما إن يستحوذ واقع سوقي على سرّها باسم المؤسساتيّة. لكن، من جانب آخر، يتحدث نيتشه فعلياً عن قدوم السلطة، إن كانت سلطة الجماعة السرية، سلطة التجريبيين، سلطة العلماء والفنانين، وبشكل عام سلطة المبدعين، الذين سيعرفون كيف يتصرفون باسم الحلقة الفارغة ويجعلونها الشرط الأساسي للوجود العام (existence universelle). وهكذا يقحم موضوع الرعب التصفويّ (terreur éliminatrice) الذي تُمارسه فكرة العود الأبدي. كيف يمكنها ممارستها وحسب؟ إن تلك الفكرة، بمحتواها ذاته، تترك كتلة الأفراد غير مبالية. وسوف لن يتمّ أخذها بجدية إلاّ إذا تُرجم الرعب الضمني فيها إلى أفعال تتوافق مع محتواها: لا أحد لديه لا هدف ولا معنى سوى المعاودة إلى ما لا نهاية  (ad infinitum). لن يستطيع أي نظام سياسي تبني ذلك، أمّا الأفراد والكتل التي لا تتحمل العيش تحت تلك الإشارة، غياب الهدف والمعنى، فما عليها، مثلما يفترض نيتشه، سوى الإختفاء.

لا يزن نيتشه، عبر تأملاته الخاصة، الحظوظ الملموسة لتحقيق سلطة كهذه باعتبارها يوطوبيا وحسب، وإنما يقرأ أيضاً ويفك شفيرة المعطيات، والآفاق الممهورة في التطور الاقتصادي المعاصر ذاته لفعل كهذا. ذلك لأنه ينبغي على الإدارة الكلية للأرض (gestion total de la Terre)، والتخطيط الفلكي للوجود، الخضوع لقانون الحركة الذي لا يمكن عكسه (irréversible). إنّ حركة الاقتصاد هذه، التي تُكرس الذهنية السائدة للإنتقاء الدارونيّ المُزيف (fausse sélection darwinienne)، أي ابتذال الإنسان، تشترط التراجع عبر حركة-ضد (contre-mouvement). يبدو لي من المفيد أن أقرأ عليكم هذا المقطع، الذي تعرفونه جميعكم تقريباً، والذي ستكون إعادة قراءته بمثابة تيسير للتطور اللاحق لمحاضرتي:
«ينبغي البرهنة، حيال الإستهلاك الاقتصادي المُتعاظم للكائن الإنساني وللإنسانية، وحيال آليات المنافع والإنجازات التي لا تنفك عن التداخل فيما بينها أيضاً، على ضرورة الحركة-الضد. أشيرُ إلى هذه الأخيرة باعتبارها قضاء على بذخ مُفرط للإنسانية (élimination d’un luxe excédentaire de l’humanité): من تلك الإنسانية، لا بدّ أنّ ينهضَ صنف أقوى (espèce plus fort)، ولا بدّ من انبثاق نمط منها وصعوده نحو النور، شريطة أن تكون ظروفه وتشكله مغايرة لظروف وتشكل الفرد العادي. إنّ مفهومي (Mon concept)، ورمزي (ma parabole) للنمط الإنساني ذاك هو، كما يعرف الجميع، "الإنسان المُتفوق" (surhomme).
عبر هذا المنفذ الأولي الذي أصبح، من الآن، متوقعاً تماماً، يتشكل التكيّف (l’adaptation)، التسوية (le nivellement)، و"الصيّننةِ" (chinoisisme)، الراقية، تواضع الغريزة، والقناعةِ بالإنحطاط –نوع من ركود مستوى الكائن الإنساني (stagnation du niveau de l’être humain). إذا ما وضعنا أيدينا من فوق الإدارة الكلية لإقتصاد الأرض، وهذا ما سيحدث بالضرورة، حينئذ ستتمكن (pourra) الإنسانية من العثور على أفضل معانيها باعتبارها آلية في خدمة ذلك الإقتصاد: كتشبيك هائل لدواليب تتعاظم دقتها، و"المُكيفةِ" برهافة (subtilement) لا تني عن التعاظم؛ كصيرورة-فائضة (devenir-superflu) لا تكف عن احتواء كلّ العناصر المُتحكمةِ والآمرةِ، ككلية قوى وقيم دونية. لمواجهة ذلك التحجيم والتكيّف للكائنات الإنسانية لمنفعة تخصصيّة (utilité spécialisée)، لا بدّ من قيام حركة معاكسة، وخلق للكائن الإنسانيّ الذي يُركب (synthétise)، يُعمم ويُبرر (totalise et justifie)، لكي تكون الآلية الإنسانية أساساً لشرط وجودها باعتبارها الركيزة التي تستطيع إبداع شكلها المتفوق للكائن [...].  
لذا لا يحتاج نيتشه، كما نلاحظ، لكتلة الساقطين، أو المحافظة على مسافة منهم وحسب، وإنما الوقوف فوقهم، والعيش منهم أيضاً. إنّ شكل تفوق الأرستقراطية هذا (forme supérieure de l’aristocratisme) هو شكل المستقبل. –لقول ذلك أخلاقياً، تمثل تلك الآلية الكليّانيةِ وتعاضد جميع دواليبها، الإستغلال الأكبر للكائن الإنساني: بيد أن هذه الآلية لا تفترض إستغلالاً كهذا إلاّ لأن ذلك الاستغلال يتمتع بمعنى (un sens). في وضعية معكاسة لهذه، لن يكون هناك فعلياً أي شيء سوى انحطاط النمط الإنساني (type humain)– ظاهر ارتدادية (un phénomène régressif) بأسلوب عظيم (grand style).
تلاحظون ما الذي أشن عليه معركتيّ، إنه التفاؤل الإقتصادي (optimisme économique): كأن النفقات المتعاظمة في كل شيء تؤدي بالضرورة لإنتفاع الكلّ (profit de tous). يبدو لي أنّ الوضع المُعاكس لهذا هو قضيتنا: تؤدي الإنفاقات في كلّ شيء إلى عجز  كلي (déficit total)؛ يحطُ الكائن الإنساني فيه من نفسه: لحدّ لا يمكننا فيه معرفة إلى أي غرض تمّ استخدام ذلك المسار الضخم (énorme processus). لأية غاية؟ شيء جديد "لأي غاية" –هذا ما هو ضروريّ للإنسانية...»
(الكتابات المنشورة بعد الموت، 1887، 10 [17] (150).
تبعاً لذلك لدينا نص آخر، تحت عنوان "أقوياء القادم" (Les Forts de l’avenir)، الذي يقتفي نفس الخط المشار إليه للمؤامرة:
«ما توفق جانب من الضرورة وجانب من المصادفة في توليده، هنا أو هناك، أو أنّ الظروف الأولية للإنتاج قد أنتجت نوعاً أكبر قوة (une espèce plus forte): ذلك ما سيجعلنا قادرين، من الآن فصاعداً، على فهمه وفهم ما نريده (vouloir) عن طيب خاطر: بمقدورنا توليد مثل تلك الظروف، التي بدا فيها تطور كهذا ممكناً.
لم تضع التربية (éducation)، حتى اليوم، نصب عينيها سوى المنفعة الإجتماعية: وليس المنفعة الكبرى الممكنة للمستقبل، ولكن ما ينفع المجتمع القائم حالياً فقط. ولم تجر المطالبة من أجلها إلاّ بالأدوات (instruments). إذا ما افترضنا بأنه ينبغي على الثراء بالقوى (la richesse en forces) أن يكون الأعظم، حينئذ، يمكننا تصور طرح القوى (soustraction de forces)، التي لن يكمن هدفها في منفعة المجتمع القائم حالياً، ولكن في خدمة المستقبل.
سيتوجب على مهمة كهذه طرح، وقياس الطريقة التي يمكن عبرها فهم مسألة أن الشكل الحالي للمجتمع منخرطاً من الآن في التحول الأقوى، وعليها المواصلة حدّ اليوم الذي يصبح فيه وجودها من أجل ذاتها غير ممكناً (où elle ne pourrait exister pour elle-même)، بل وستكون مجرد وسيلة (que moyen) بين يدي جنس أقوى (une race plus forte).
إن التفاهة المتعاظمة للكائن الإنساني هي بالدقة ما يدفعنا نحو التفكير بإمكانية تربية جنس أكثر قوة (race plus forte): سيكون بالضبط قادراً على العثور على إفراطه عبر كلّ ما جرى تتفيهه  من ذلك النوع وإضعافه حتى اليوم [الإرادة، المسؤولية، الضمان الذاتي، وقدرة المرء على تثبيت أهدافاً له (pouvoir se-fixer-des-buts)].
ستكون الوسائل (moyens) هي تلك التي تعلمناها من التاريخ: العزل بواسطة منافع المحافظة (l’isolement par des intérêts de conservation)، على عكس أولئك الذين يصنعون اليوم الوسيلة: ممارسة القيم المعكوسة (valeurs inversées)؛ المسافة التي هي بمثابة تضخيم (pathos) للوعيّ الحرّ عبر كلّ ما يجري اليوم من حط لقيمته واحتقاره بشدة.
إن التساوي (L’égalisation) عند الإنسان الأوروبي اليوم هو إجراء عظيم لا يمكن عكسه (irréversible): بل وعلينا تسريعه حتى (encore l’accélérer).
إنطلاقاً من هذه الواقعة (ce fait)، تكون ضرورة تعميق حفرة (creuser un fossé)، ضرورة وضع مسافة، ضرورة المرتبية (hiérarchie) جميعها مُعطاة؛ وليس ضرورة إبطاء ذلك المسار.
ما أن يتمّ إنجاز هذا النوع المُتساوي (espèce égalisée) حتى يُطالب بتبرير ما (une justification): يكمن ذلك التبرير في واقعة وضعه في خدمة نوع سيادي (espèce souveraine)، واستقراره من فوق النوع الذي سبقه، لكن لا يكفيه الاستناد عليه لكي ينهض بمهمته  الخاصة (sa propre tâche).
نحن لا نتحدث عن جنس من السادة تقتصر مهمته على الحكم؛ لكن جنس يتمتع بنطاق خاص من الحياة (sa propre sphère de vie)، وقوة ثرية للشعور بالجمال، الشجاعة، الثقافة، وكلّ الطرق، بما فيها الأشد روحية؛ جنس إيجابي (race affirmatif) قادر على منح نفسه الغنى الأكبر [...]، من القوة حداً يجعله لا يحتاج فيه لأي طغيان (tyrannie) أو خضوع للفضيلة، ولا للبخل، أو الادعاء، فيما وراء الخير والشر (au-delà le bien et le mal): يبني بيتاً زجاجياً للنباتات النادرة والمتفردةِ».
(كتابات ما بعد الموت 1887، 9 [153] (150).
وذلك ما لم يُقله بمثل هذا الوضوح إلاّ في مقطع آخر، يشكل، بالرغم من ذلك، جزء من رؤية  نيتشه، ألا وهو فكرة الوفرة (notion du surcroît)، ما يحدسه نيتشه ضمن الوضع الحالي، أي رجال الوفرة، أولئك الذين يخلقون الآن ومنذ الأزل معنى قيم الوجود (sens des valeurs de l’existence) [تأمل شديد التناقض عند نيتشه]، والذين يصوغون مرتبية خفيّة تقريباً (hiérarchie occulte) والتي تقابلها مرتبية حكام العوز الدعية في الحاضر. إنهم هم العبيد الحقيقيون، الذين يضطلعون بالعمل الضخم (gros travail).
وبالتالي، لن يكون بمقدور النوع الإنساني، وفقاً لـ نيتشه، الاضطلاع بمهمة الحفاظ على مستوى الإنسان، إذا ما تمّ التعبير عن ذلك بمفردات الإنتاج، إلاّ عبر الاختزالي الكلياني والعبثي لمصادره الأخلاقية بالعمل نفسه. لذا ينبغي قلب هذا الشرط الاعدامي (condition anéantissante) للعبث وتحويله إلى مغزى سامي، وإلاّ سوف يلتقي ذلك المغزى بالظلم الشامل (totale iniquité).
أطرح الآن السؤال الأول. ضمن أي معيار يكون فيه التوصيف النيتشوي للوفرة، والفائض اختزالاً لا ديالكتيكي لفكرة الصراع الطبقي (lutte de classes) والبنى التحتيّةِ (infrastructures) لـ ماركس؟ لا يصل نيتشه لتأملاته من حول الاقتصاد إلاّ بفضل فكرة النفعية (utilitarisme) لـ ستوارت مل (Stuart Mill). فهو لا يرى في الإنتقاء الداروني ومنظومة الأفكار الإنجلو ساكسونيّة إلاّ شكلاً سوقياً مهيمناً، يتحول فيما بعد إلى تآمر أخلاقي يجعل من رؤيته الخاصة شيئاً مستحيلاً ولا يُفهم. يظهر هنا حبكه لمؤامرته الخاصة من فوق ذلك الرسم. إنه يجهل تماماً، بطبيعة الحال، مسار فكر ماركس انطلاقاً من قلبه لديالكتيك هيغل و، حتى إذا ما كان يعرفه، فهو يفكر في نفس الشيء. وبصرف النظر عن مفهومه التاريخي لعلاقة السيد بالعبد، بالطريقة التي أعاد عبرها تناول ما يُطلق عليه اسم ابتذال الاقتصاد، أي تلك الوظيفة الرئيسية التي يسندها إلى التشكل الملموس لذلك الابتذال، ومن ثم إلى سيرورة النبذ (processus du rejet)، إذاً، كلّ هذا يجعله يقف على نفس أرضية ماركس. فكلاهما يجد نفسه مُلتصقاً، بمعنى ما، بظهر الآخر. كذلك يمكننا إجراء نوعاً من التناظر بين ما يًسميه نتيشه ابتذال الأفراد بالقدر الذي تتسع فيه الثروة وما يصفه ماركس باعتباره استلاباً برولتارياً (aliénation prolétarisante)، بيد أنّ الاختلاف الممهور منذ الأصل في فكرة القيمة يظهر بينهما. لكن إذا ما تمكن تحليل ماركس، فيما يتعلق بالوظيفة الأسطورية لقيمة السلعة (valeur marchande)، اللقاء بطريقة سلبية مع فكرة القيمة عند نيتشه، فسوف يتعارض مع ما يطرحه نيتشه عن القيمة، باعتبارها مبدأ لكل إثبات (de toute affirmation)، أي معرفة (savoir) لا تكون صالحة إلاّ بالقدر الذي يكون فيه خداع الحياة لنفسها بنفسها (mystification de la vie par elle-même) هو الآخر صالحاً. كلّ مخاتلة تتطابق مع السقوط، وكلّ إعادة خداع مع الصعود، أي الخلق (création). إذ سيظل دائماً الإنتاح الذي لا ينطلق من الخداع الفاعل تحت مستوى واقعة الوجود (fait d’exister). فالمؤثرات (affectes) هي التي تفرض إرغام الإنتاج. ولن يكون الإنتاج أبداً شيئاً آخراً غير الرد على ذلك الإرغام، كذلك لن يطال أبداً أي تقسيم لعمل المؤثرات وتحقيق هدفه إلاّ عبر إضعاف قوتها الإنتاجية الخاصة، وهذا ما يُشكل بالنسبة لـ نيتشه إبطال واقعة العيش.
وبصورة عامة، نعثر هنا بالدقة على نقد مفهوم أو معيار "إرادة القوة" (la volonté de puissance). ينبغي على كلّ هيمنة توفير شروط الخلق الذي يحوّل العنف المحض إلى متعة، حتى عند أولئك الذين يمارسونه –وهذا على الصعيد الإخلاقي والمادي أيضاً، وإن لم يكن ذلك إلاّ على صعيد التواصل، الذي يوحد نيتشه بينه وبين العنف دائماً- وكذلك عند هؤلاء الذين يتلقونه. إذ لن تتمّ ممارسة الاستغلال الفعلي والمادي، على أي مستوى كان، إلاّ عندما يعرض الشخص حاجته في أن يُستغل (besoin de se faire exploiter). ذلك لأن ضرورة تحويل القيم تنبع من نفاذ المصادر الأخلاقية للاستغلال؛ لذلك ينبغي العثور على أرضية جديدة، تكون فيها رغبة الكائنات بعرض نفسها على الاستغلال قادرة على توليد نوعاً من المتعة لديهم. إذ ستنهار الهيمنة فوراً ما أنّ تتجاهل هذا المبدأ المتمثل بخلق أدوات المتعة التي تشكل قيمة. فما أن يتلاشى الخلق حتى يفقد العنف والمتعة أساسهما. ولن يكون بمقدور عنف العبث سوى السقوط ثانية في عبثية العنف.

سيكون السؤال الثاني هو معرفة السلوك النيتشوي، ضمن قرينة الصخب الحالي، ليس من زواية نظر القوّة، ولكن من خلال الحلقة الفارغة، التي هي بمثابة شكل للحكم العدمي (jugement nihiliste)  على أية ممارسة. أذكّر ثانية بتطور فكرة العودة الأبدية. لقد تحولت هذه الفكرة، موضوع التأمل، إلى أداة لمؤامرة (instrument d’un complot). وانطلاقاً من هذه المرحلة سيكون بالإمكان تصور الله حلقة فارغة (dieu cercle vicieux) تفتحاً للهذيان. السؤال الذي أطرحه هنا يتعلق بمعرفة إذا ما كان ذلك السلوك يصبح فاعلاً نظراً لكونه سلوكاً عدمياً حيال الواقع الحالي، أو بصورة عامة، لأن أي سلوك هذياني سيشكل، من الآن فصاعداً، مقاومة فاعلة إزاء أية قوّة معادية مُحدّدة. كيف تتحول الحلقة الفارغة من مأزق انتقائي (dilemme sélectif) إلى أداة لمؤامرة، أي: هل تقرّ بأنه ليس هناك من معنى ولا هدف لأفعالك إلاّ بالنسبة لمواقف مكررة بشكل غير محدود؟ لتتحرك إذاً بلا تردد. فإذا لم يكن الشيء السييء قد حدث، فأنه لن يحدث أبداً. وهكذا يٌقحم، إلى جانب الإرهاب (avec le terrorisme)، البرنامج الاستثنائيّ للمؤامرة. غير أن إرهاب فكرة العودة الأبدية يمكن أن لا يكون، تحت ذلك الشكل، سوى محاكاة للإرهاب الفعلي لحداثتنا الصناعية (notre modernité industrialisant). إنّ الله الحلقة الفارغة، أي التصنع المحض للإقتصاد العام، ما هو إلاّ ظاهر، حتى وإن كانت فكرة الحلقة مجرد محاكاة، فالمحاكاة لا تكفّ عن أن تكون خلقاً هذيانياً ما دامت مؤامرة. وإذا كانت المؤامرة تفترض أفعالاً تصنعية، فإن فكرة الحلقة الفارغة ترغب في أن تكون تلك الأفعال، إذا ما كانت فاعلة حقاً، ضرورة للتظاهر غير المحدود لممارسة لا يمكن أن تكون إعادتها مكتسبة مرة وإلى الأبد. منْ هو إذاً ذلك الفاعل المُتصنع؟ لا شيء آخر غير التفخيم (pathos)، الذي يريد نيتشه أن يجعل منه القوة التصنيعية بإمتياز. لذا تأتي فكرة العود الأبدي، التي تُلغي الهويات وتُفرغ محتواها، لكي تتوحد مع الاستعداد لمؤامرة ترى مسبقاً وعملياً الاختيارات (expérimentations). منْ يرغب في الغاية، يرغب في الوسائل أيضاً، يقول نيتشه. بيد أن الاختيار هو جوهرياً الفعل، نمط الأفعال التي تحتفظ لنفسها بامتياز الفشل (privilège d’échouer). فإخفاق التجربة يكشف عنها أكثر مما يكشفها النجاح. وعلى صعيد التفخيم، يختلط النجاح بالفشل في اللعبة الدائمة للدوافع (impulsions). كذلك لا يهدف هنا الاختيار العظيم النجاح العملي لمؤامرة تنتهي ببلوغها لغايتها، وإنما الظهور ذاته لحالة مهيمنة سريّة منذ الأزل، نبحث عنها وكأنها الغاية المنشودة الدعيّةِ. عندما يقول نيتشه: من يرغب في الغاية يرغب في الوسائل أيضاً، فإنه يتحدث في ذات الوقت عن سجلين، سجل القطيع (grégarité)، وسجل الحالات المتفردة؛ سجل الأفراد المتطابقين مع أنفسهم وسجل الحالة الطارئة (cas fortuite)؛ سجل المعنى وسجل الهذيان (délire). لكن ما يتمّ فهمه على صعيد اللغة المؤسساتية سرعان ما يجري تكذيبه على مستوى التفخيم (niveau du pathos). إنّ الغاية، ولتكن هنا الهذيان، ممهورة في الوسائل، والفنطازم في الصورة (simulacre)، التي تثبت نفسها باعتبارها وسيلة الفنطازم المُتخفيةِ حتى اليوم، والتي تجعل الإرغام يسود في كل مكان. إن الإحتجاج ضدّ-داروني (anti-darwinienne)، الذي يُشهر بالتأويل المُزيف لانتقاء الأجناس، لا ينطوي على أي هذيان، بل هو جوهرياً الوضوح العقلاني. وسيحصل على مشاريع التدخل المضادة للقطيع، وكذلك معايير هذا التدخل، بغية توليد جنساً متفوقاً؛ كما ستعمل تلك المشاريع وهذا التدخل على قلب الفكر المُتأمل الذي يجعل من العود أداة للمؤامرة. ومع ذلك، لا يمكن للتفخيم أن يشرع إلاّ انطلاقاً من تلك المرحلة، وفي اللحظة ذاتها التي ظهر فيها التنكر لفكرة العودة ذاتها (la pensée de retour semble désavouée)، أي فقدانها لألقها التأملي، إعادة بناء ما يُطلق عليه اسم البناء الهذياني (construction délirante). لم يكن الدافع الحقيقي للمؤامرة الإنجاز الفعلي لإنقلاب مادي، الممهور سلفاً، وفقاً للحلقة الفارغة، في الحتمية الاقتصادية لهذا العالم (fatalité économique de ce monde)؛ فالمؤامرة المضادة للدارونية، تحت إشارة الحلقة الفارغة، تعني أن بشارة استقلال المنتوجات المرضية أولاً (l’avènement à l’autonomie des production d’abor pathologiques)، كشرط لقلب كلّ علاقة بالقوى الإجتماعية الحاضرة. وهكذا يبدو أن عقيدة العود الأبدي كانت قد تجولت في كلّ المشاريع المُنبثقة عن الاستنتاجات السايكولوجية الأولية لإرادة القوة (La Volonté de puissance)، كأنها إسقاط عملي لتلك المشاريع، و، بدفعة واحدة، تثمين للهذيان الذي ولدها. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق