السبت، 16 يناير، 2016

ظاهرة الاختراق في الفن المعاصر: محمّد محسن الزراعي



  
توطئة
يهتم هذا البحث بـ"المنعرج" الجديد الذي أحدثه الفن المعاصر. فهو يسعى من ناحية إلى ضبط ملامحه القائمة أصلاً على فعل الاختراق(1)، وهو من ناحية ثانية يدرس نتائج ذلك الفعل الفلسفية والجمالية والإيتيقية. وهكذا تكون المعالجة النظرية لظاهرة الاختراق في الفن المعاصر مسلكاً يتيح الإمساك بدلالاته بصفته أسلوباً فنياً مستحدثاً ونموذجاً جديداً للفن ورؤية أصلية إلى العالم.


 1- مسألة المعاصر في الفن؛ الإبداع ضد العصر
يطرح المعاصر(2) في الفن عدة صعوبات لعلّها تنحصر في ثلاثة أشكال. ويتعلق أولها بما يمكن تسميته "مفارقة المعاصر"(3). فالمعاصر صفه ملتبسة وضبابية، إذ هو لا يختزل في حقبة دون غيرها، وليس هو في تقدير البعض سوى "مفهوماً مبتدعاً". من قبل بعض المتصرفين العالميين في فنون اليوم بهدف إحداث تجانس مزعوم بين مختلف الفنون التي تنتج في غرب هذا العصر وشرقه(4). فمن ناحية لا يوجد فنّ أكثر معاصرة وأشدّ التصاقاً بالعصر من غيره، ولا يوجد من ناحية ثانية فن معاصر منفصلاً تماماً عن ماضيه. وهكذا، تتأسس "مفارقة المعاصر" في الفن على ما يمكن أن يتضمنه من إحالة مضاعفة إلى الحاضر والماضي، فالمعاصر هو هذا الذي يمثل أمامنا بوصفه "الغريب والمتغرّب"(5)، أو الحاضر والغائب في الوقت ذاته. فهو حاضر ولكنه لا ينفصل عن الماضي، لأنّ كلّ ماض لا يتحدّد بما قد مضى بل بما يبقى فينا. إن جزءاً مما نعتقد أنه معاصر «ينتمي إلى الماضي، إلى ماضينا الذي نريد أن نتحكم فيه، والذي نستطيع أن نبثه في المعاصر، ونتخيّله فنطاسمياً مع المعاصر تحديداً»(6).
مارسيل دوشامب، "فونتان"
أمّا الشكل الثاني لتلك الصعوبة، وهو على علاقة بالأوّل، فيتصل بتعيين موضوع الفن المعاصر ذاته. فإذا كان "المعاصر" في الفن يتضمّن ما يتبقّى من الماضي، فهو لا يدل على مرحلة أو"حقبة" مكتملة. إنه واقع في دائرة اللامكتمل واللامتحدد. فالمعاصر يشير إلى حركة متواصلة في الزمن، ومسار في طور التكوّن والتشكّل. وهكذا «يخضع معنى حاضر الفن المعاصر لمستقبله»(7)، ومن ثمة يخضع كل تقييم لذلك الفن بدوره إلى رؤية "مؤقتة". فهل ينبغي حينئذ الإقرار بأن فهم المعاصر في الفن يدخل في عداد فهم غير ممكن أو في عداد «ما لا يمكن فهمه وما لا يقبل التقييم»(8)، أم ينبغي أن نميّز في الفن المعاصر بين"معاصر حالي" و"معاصر آتـي" يمكن للفكر أن يتوقعه هكذا استشرافاً؟
ها هنا تتولد الصعوبة الثالثة وترتبط بغموض مرجعيات تقييم الفن المعاصر والحكم على علاقته بالعصر. فإذا كانت المعاصرة تدل على الموجود والممكن، فإن قراءة الفن المعاصر لا تحصل من باب النظر التاريخي، وإنما تقع استناداً إلى تداخل مرجعيات مختلفة تجمع بين الإيديولوجي والاجتماعي والجمالي. حيث يمكن الحديث، في هذا الإطار، عن جدل بين رؤية أولى تعتمد مقولة "الفن المعاصر" للتعبير عن مواقف فردية تقدمية أو "طلائعية" ورؤية ثانية تقيم معاصرة الفن من منطلق تطابقها أو عدم تطابقها مع تطلعات العصر. ولكن هل ينبغي على الدارس هنا استخلاص نتائج صعوبة هذا التداخل المرجعي في الحكم على معاصرة الفن، بالانتهاء إلى موقفين أساسيين: فهم المعاصر في الفن بوصفه موقفاً فنياً غريباً تجاه العصر، ثم فهم ذلك المعاصر بوصفه موقفاً "مستهجناً" من العصر في الفن؟ تؤشر هذه الصعوبة، في تقديرنا، على بعد أساسي يمكن أن يهيئ أرضية نظرية لمعاينة مسألة المعاصر في الفن لا من حيث هي صيغة عرضية أو صيغة تفضيلية لهذا الفن الذي نسميه معاصراً، بل من حيث هي تختزن المعنى الذي يمنح أصالته ومعناه. فما دام الأمر يتصل أساساً بالفن لا بالعصر، فإن السؤال حول علاقة الفن المعاصر بالعصر يمكن أن يتخذ طابعه النقدي في اتجاه الصيغة الفلسفية التالية: كيف يتقوّم "الموقف"  ضد قيم العصر بوصفه حافزاً أو قادحاً أساسياً للإبداع؟ كيف يتحول فعل الإبداع، المقصود أصلاً، لانتهاك القيم والمروق عن العصر في سمة أساسية للمعاصرة في الفن المعاصر؟
تلك هي بعض المعاني التي حددت الفن المعاصر بوصفه رؤية جديدة للعالم، قد تكون عينت الأسس التعبيرية الجديدة لذلك الفن استناداً إلى «الأنماط والإجراءات الفنية... ذاتها»(9)، وربما قادت إلى شكل من «البربرية أنتجتها أيادي المتحكمين (الجدد) في الأشياء والمواد والآلات والأجساد»(10): أنصاف الفنانين والمفبركين والمشعوذين والمثيرين والمغامرين من أصحاب "البرفورمونس" الذين لا يطيعون ويلتزمون سلفاً بأي قاعدة، ثم قد يكون ذلك الفن أوقع متلقيه في صدمة الاشمئزاز (Dégout) وقد يكون لاقى رفضاً لا عهد للفن به، وتلك كلها أنماط وجدتها ممارسة بدت غريبة كل الغربة عن عصرها.
إلا أنها أنماط أوجدت للفن المعاصر نموذجاً جديداً. فهو فن لا يكتفي بالتشخيص أو التمثل أو مجرد الإعلاء، بل هو يسلك مسلكاً راديكالياً. إن المعاصرة والراديكالية يصبحان هنا وجهين لمعنى واحد. ليس الفن المعاصر أكثر معاصرة لعصره، ولا هو أكثر التصاقاً به، بل هو يحدد معاصرته للعصر بدءاً من الموقف ذاته الذي لم يسبق للفن أن اتخذه في الماضي بجرأة وبشكل صريح ومقصود، ونعني الإبداع ضد مسار العصر وخارج "معايير التقييم التقليدية". فسواء أكان هذا السلوك الإبداعي موجهاً باسم "ديمقراطية الفن"(12) أو باسم "فضيلة ايتيقية" متصلة بالحرية الداخلية للفنان( 13)، فهو قد أنتج راديكالية شكلت موقفه الأساسي، وحددت أسلوبه المميز كفن مخترق لمعايير العصر وأنظمته الإيتيقية.


 2- براديغم الفن المعاصر: الاختراق
توجد سمة عامة توحد أغلب الممارسات الفنية المعاصرة، هي الإبداع "خارج دائرة الجميل والقبيح"(14). فمعنى المعاصرة في الفن يكاد يتحد مع معنى التفكير ضد النظام وضد التقليدي ذاته، فهو فن قد تتعدد عناصره وتقنياته ومواده وطرق تعبيره، ولكن أسلوبه واحد هو تعليق العمل بالقيم. إنه يقوم على "تدخلات مخترقة"(15) لا عماد لها سوى انتهاك الحدود والمعايير.
تؤذي تلك الاختبارات من الناحية الأكسيولوجية إلى تعارض حاد بين الفن والقيم، قاد حسب شرّاح عديدين، إلى انتصار الفنان المعاصر إلى قيم الصدام والتهديم والعدمية، فكان المبدأ الأساسي للفن هو الإبداع ضد الثقافة. ذلك هو المبدأ الذي جعل الفن المعاصر يتحدد حسب البعض بوصفه نوعاً "مخترقاً"(16).
في معنى الممارسة المخترقة:
يدل الاختراق على الانتهاك والتجاوز. وهو بذلك يعد تحذيراً للسلوك المبدع للفن ذاته. فلعل الإبداع الفني، هو من أكثر الأفعال تناسقاً مع الرؤية المخترقة. إذ الفن على حد فهم أرسطو له، فعل خارق من حيث أنه إنتاج لشيء لم يوجد أصلاً أو مولد لأثر يختلف عما تنتجه الضرورة(17). فهو ممارسة تحصل دوماً خارج حركة المعتاد والسائد والطبيعي. ولكن ما الدلالة الفلسفية للفن وللممارسة المخترقة؟
تعني الممارسة المخترقة حصول الفعل مع عدم الخضوع لأمر ما. وهي تدل من الناحية الإجرائية على فعل يقصد العنف أو يتعمده لبلوغ هدف ما. إن الفعل يتبنى الاختراق لأنه الوسيلة الأنجع لتأكيد أولويته وأصالته مقارنة بالنظم والمعايير القائمة. ولذلك يمكن الحديث عن صراع داخل مسار الاختراق بين شكلين من القوى: قوى المنع ويمكن أن تتحدد بالنظم التي تشرعها السلط القائمة: بمختلف تجلياتها في الأخلاق والدين والسياسة وفي النظم الجمالية، أما القوى الثانية وهي قوى تتحدد بانتصارها للفعل و"للإرادي الداخلي"(18) الذي يسميه نيتشه "إرادة القوة"(19)، فهي لا تستمد شرعيتها إلا من فعلها الذي يبدو مطلقاً ومن إرادتها الذاتية  التي تمثل «عنصراً جينيالوجيا للقوة»(20). ليست قوى الفعل هنا ارتكاسية، بل قادرة، ومغامرة، ومثبتة، فاعلة دوماً من حيث هي مرتبطة بأنا يدعوك إلى أن تكون دائماً «سيداً وناحتاً لذاتك»(21).
ولذلك، ومثلما يلاحظ بعض النقاد والمهتمين بمفهوم الاختراق في الثقافة المعاصرة(22) فإنه توجد دلالات ايجابية في هذا المفهوم، من حيث هو ينقلنا إلى ما بعد الحدود ومن حيث هو يستكشف إيجابية السلب. إن الفعل المخترق لا يكتفي بالنفي بل هو أيضا يثبت. إنه يثبت عبر الإبداع، يثبت ما يبدعه لا ما يجده قاتماً وماثلاً أمامه.
تستهدف الممارسة المخترقة حسب جورج باتاي الممنوع دون أن تقره(23). إنها تشتغل في أفق الممنوع والمحرم أكثر من اشتغالها في دائرة المباح، لأن الممنوع مجهول والمباح معروف. وهكذا تستند الممارسة المخترقة دوماً إلى المبدأ التالي: إن المنع يضاد الفعل عندما يمنعه أو يحبسه، أو يسكته، أو يحدد أفقه أو يكشف عن لا إمكانه، فهو يسلبه خاصيته كفعل، أو كحق في الفعل، حق يستوجب قدرة على الفهم والقرار. وهكذا فإن الفاعل المخترق يشرع لاختراقه بموجب أن لا أحد له الحق في أن يمنع وجهاً من وجوه الفعل أو التفكير.
ولذلك يبدو الاختراق من الناحية النقدية كمحاولة لتجاوزثقافة المنع، أو هو منع للمنع(24)، فإن المنع يوهمنا من ناحية باستعلاء من يمنع ولكنه من ناحية ثانية يكشف عن تبعيته أي عن لا استقلاليته. وبعبارة واحدة يؤثر المنع على غياب الحرية، غياب حرية الفعل، ويعبر عن ضعف، عن عدم قدرة على الفعل والإقناع، فهو فعل تنقصه الإرادة وتغيب فيه القدرة الخلاقة. ثم هو أخيراً يعبّر عن نمط من أنماط التناهي.
ومن الناحية الجمالية فإن الاختراق إجراء فني لأن كل ممنوع يستدعي اختراقه. إن الممنوع يثير الفعل من الداخل ويدفعه إليه، يثيره سلبياً بما يتضمنه من نقص أو تحديد لتصريف اللذة أو المتعة. وهكذا فإن المخترق يتخطى الممنوع من حيث هو يقصد زيادة قيمة اللذة. فمقدار الإثارة يزداد كلما زادت ملامستنا والتصاقنا بموضوع المنع. ثمة إغراء إضافي يظهره الاختراق في الممنوع، وهو إغراء تكبته القيم، وتخفيه أو تحجبه.
أما من الناحية الفلسفية فإن الاختراق كشف، هو إظهار لحقيقة الموضوع الممنوع. وليست الممارسة الإختراقية إباحة اجتماعية أو أخلاقية للممنوع، بل هي إظهار لممكنات الممنوع، وهي دعوة للتأمل فيه مرة ثانية لتجاوز الطمس، لتجاوز ما يطمسه وما يمنعه وما يحقره فعل المنع في موضوعه..

3-    أشكال الأثر الفني المخترق وأبعاده المنتجة.
تشكل المظاهر السابقة بعضاً من الوجوه الأساسية المعينة لمعاني الفعل المخترق، وهي وجوه تظهر على أنها بمثابة حوافز للإبداع الفني المعاصر. وفعلاً، فإن الصفة الثورية أو الطلائعية التي غالباً ما أسندت إلى الفنان المعاصر، قد ارتبطت باتجاهه إلى الفعل ضد الثقافة. فالفنان المعاصر، بتبنيه مبدأ الثورة على القيم واشتغاله خارج كل معيار، قد تحول إلى فاعل مخترق لكل الحدود بما في ذلك الحدود التي رسمت تقليدياً بين الفنون، وهو لا يتقلد بالقيم المرسومة سلفاً بما في ذلك قيم الفن ذاته.
يتأسس الأثر المعاصر إذن، كأثر مضاد للثقافة، فمكوناته البصرية تعلن جميعا بأنها ألفت ضد الثقافة والقيم، وضد القيم الجمالية والممارسات الفنية العادية. وقد استجلب ذلك الأثر طابعه الفني وجمهوره غالباً مما يعلنه بصرياً من إنكار او رفض. لقد تبلور فعل الانتهاك بوصفه موقفاً عاماً تبناه الفنان وأعلنه في أثره. وفعلاً، فقد حاول نقاد عديدون، اهتموا بتطور الفن الغربي المعاصر، أن يجعلوا من ظاهرة الاختراق نموذجاً أو براديغماً جديداً وجه الفن وخاصة في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، مقابل الفن الكلاسيكي القائم على براديغم التمثل أو الفن الحديث القائم أساساً على براديغم التشخيص. لذلك بدا الاختراق ظاهرة ماهوية ونسقية، بل وشاملة أيضاً. فهي من ناحية ظاهرة شاملة، لأن الاختراق شمل معظم الأطر الجمالية والمذهبية والأخلاقية والقانونية. ومن هنا تكمن خطورته، وربما أهميته أيضاً. ويمكن إيجاز نلك الاختراق مع ناتالي هنيك(25) من خلال ظواهر عديدة أضحت متفشية مثل:
* اختراق المقاييس التقليدية للإبداع
تُخترق القوانين الجمالية للأثر الفني بأساليب مختلفة، إمّا من خلال العمل خارج معايير الجمالية العادية أي: خارج قيم الجميل والقبيح، أو من خلال التعميم الساذج للفن. وللإشارة فإن هذا التعميم وقد انتصر فيه الفنان إلى مبدأ جعل الفن ظاهرة عامة وبسيطة (كل شيء قد يعدّ فناً)، قاد إلى إعدام المسافة بين الفنان وغيره، بين الفن واللافن، وهو مبدأ يؤدى إلى إفراغ الإبداع من مضمونه ومعناه، ويقود إلى خلط بين الإبداع ومجرد الفعل.
وهنا يتقلص حيز الفنان سواء من خلال إعطاء دور مفرط للجمهور في العمل الفني(26)، أو حتى من خلال محاكاة النماذج الصناعية(27). وفي كل الأحوال، نجد أنفسنا أمام مواقف فنية ذات طبيعة مخصوصة، فبقدر ما وسعت من مجال الممارسة الفنية غيبت المحتوى الفني للأثر، وأدت إلى قتل الأثر الفني عندما قتلت محتواه. لقد وضعتنا تلك الممارسات أمام إطار جديد لم تتضح فيه رؤية- الفنان الجمالية ولم يتحدد فيه فعله النوعي. فما دام كل شيء فناً، ليس ثمة إذن فن بالمعنى الخاص للكلمة، كل ما يوجد هو تكرار للمعتاد، ونقل لليومي. ومثلما لاحظت ناتالي هنيك، فإن تحويل ما يجري في «التجربة المعتادة، وهي مجال اللانقاء، إلى مجال الفن، وهو مجال البحث عن الكمال والجمال والتناسق»(28)، أدى إلى فقدان مرجعية الفن الخاصة، وأدى بالتالي إلى غياب فن خاص بالمبدع.
ولكن يجدر التذكير أيضاً، أن اختراق خصوصية الإبداع كان ملازماً لاختراق فضاء الفنان. إذ لم يعد المتحف أو قاعات العرض أو الورشة هي المجالات التي تتم فيها أعمال الفنان، لقد انفتح فضاء الفنان على الفضاءات العمومية: المتاجر، والمغازات، والفضاءات الصناعية، والأحياء الشعبية. وقد عكس هذا التحول رؤية جديدة لفضاء الفن غالباً ما كانت موضع جدل بين الفنانين الجدد والمحافظين(29). ولكن هل هي سخرية أم اقتصاد للجهد، أم انبهار بالثقافة التكنولوجية؟ أم هو أسلوب جديد يقوم على تكثيف دور الجمهور في بناء مشهدية الصورة الفنية اليوم؟
* اختراق الهوية:
إن أحد المظاهر التي أفرزها الفن المعاصر تكمن في تجاوز الأثر الواحد: الأثر الباقي عبر الزمان، فقد أصبحنا أمام آثار بلا هوية، آثار، مثلما أشار ولتر بنجمان فاقدة لأصالتها، فاقدة لهالتها(30) أو قداستها وهي مصدر جاذبيتها وأزليتها. فالفن المعاصر يضعنا تارة أمام آثار بلا مواضيع، وتارة أخرى أمام آثار بلا مبدع، وطوراً أمام مبدع بلا أثر. فهذا الغياب المتبادل بين الأثروالمبدع والذي يظهر مع الفن- النسخة(31)، والفن الرقمي، ومع الأثر الزائل(32)، قد طرح إشكاليات عديدة ومنها خاصة هوية الفن وهوية الفنان في الثقافة المعاصرة. فتلك الهوية قد مثلت بلا شك أحد وجوه اغتراب هوية الإبداع في الفن المعاصر. فمن هو المبدع وما هو الإبداع، ثم من يبدع ماذا؟ تلك هي الأسئلة التي تطرح بحدّة في هذا الإطار.

4-    التمرد الدوشامبي؛ العدمية في الفن
تعد الحركة التي أسسها مارسال دوشامب(33) نموذجية هنا. فقد عبرت تجربة هذا الفنان التي تأسست بدء على "الريدي ميد"(34)، عن حركة جديدة اعتبرها بيار ريستاني«حركة مضادة للفن»(35)، أو منهية لمثال الفن والجمال مثلما يراها آخرون(36).
لقد أدرج دوشامب اللامعنى في الفن، وهو الذي انبهر بالعالم الصناعي الجديد، وساهم في تأسيس أكثر الحركات تمرداً على القيم الفنية والجمالية: الدادا(36)، وتبنى عدمية نفت القيم وقتلت أحياناً الفن(37) وانتصرت للحياة. فهو في ذلك يبلور اتجاهاً جديداً يربط الفن بالحياة المباشرة ولا يستنكف من نقل وقائعها وأشيائها الأكثر حقارة في منظور القيم العادية. إن عمل "الفنان" في نظره لم يعد قائماً في الاشتغال "طبقاً لـــ" أو حسب أنموذج أو نسق موجودين سلفاً، بل يقوم أساساً في تدمير النماذج والاشتغال خارجها، ذلك هو المبدأ الذي كان جاكسون بولوك(1912- 1956) يسعى إلى تكريسه أيضاً في الثقافة الأمريكية. واستناداً إلى ذلك التصور ينتج الفنان عدميته بتوخي اتجاهين متكاملين:
- تغيير بنية الأثر الفني التقليدي قصد هتك جماليته أو حتى تدنيسها أو إدخال شيء من الاضطراب عليها، كأن يقوم دوشامب بإعادة طباعة لوحة "الجوكندا" ويحورها بأن يضيف إليها شاربين ويوقعها دون إحراج، أو أن يقوم فرناند ليجي (1955-1881) بإدراجها ضمن سياق جديد تكون فيه بلا قيمة نوعية، أي مساوية تماماً لبقية الأشياء الأخرى (مفاتيح أو علب السردين)(38).
- الاكتفاء بإعادة وضع الأشياء الموجودة سلفاً أو المصنوعة خارج سياقها. ولنذكر هنا في هذا الإطار عمله "المبولة" التي يسميها "فونتان"، والتي عرضت على الجمهور كأثر فني. فهذه التجربة، وهي دليل واضح على خروج الفنان عن التقاليد الفنية من جهة المواد ومن جهة الموضوع، قد اختارت شكلا من "العدمية الجمالية"، حيث فقدت مهمة الفنان، بإعادته عرض موضوعات جاهزة أو مكتملة، لأي إبداع أو ابتكار بالمفهوم التقليدي، وانحصرت في تشويش قيم التلقي والعمل خارج مثلها العليا.
وهنا تصبح عدمية نيتشه نموذجية، سواء من ناحية الاعتراض على مبدأ ربط الفن بالقيم، أو من ناحية السعي إلى فهم الفن خارج الحقيقة، خارج التشريع الاجتماعي للقيم. إننا نكون إزاء وضع يتحدد فيه مقام التفكر كرؤية، ضد التعاليم الدينية، وضد الحقيقة، وضد كل طابع ميتافيزيقي للفعل؛ إن الفنان، كالفيلسوف تماماً، ينازع المطلق بمعنيين: بالمعنى الذي يخضعه للنفي، وبالمعنى الذي يثبته كمطلب مرتبط بالحياة. إنه عدمي، لا يثبت أي شيء إلا بعد إخضاعه إلى عدميته، إلى معيشه. وهكذا تتحول الحياة معه إلى قيمة أولى، بل إلى قيمة القيم ومصدر التشريع للفعل.
إن حالة التمرد التي يبديها الفنان المخترق، تتخذ من الاستفزاز مدخلاً إلى الفعل، تماماً كما كان "زرادشت الفيلسوف" لـ نيتشه، يبعث الاضطراب في القيم العليا ليثبت عدم جدارتها، وليكشف أن ما هو جدير ليس قيمة مطلقة أو المعنى في ذاته، بل هو اللامعنى أو العدم، فهما الجديران بالتقدير. فـ دوشامب شأنه شأن نيتشه ينتصر للحياة، للواقع، وللمختلف. واستناداً إلى هذا التصور لم يعد الفعل المبدع يوجد في الفن المساير للقيم بل في اللافن بوصفه تمرداً أو اختراقاً.
لم تكن نزعة دوشامب هذه موقفاً فردياً، بل بدت وكأنها حركة العصر أو موضته وقد اتجهت نحو اللافن، نحو المساواة بين الأجناس والمواد وتعميم الفن، كل شيء فن. فقد ازداد بالفعل انتشار هذا التوجه بشكل كبير بداية من النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تعمق المسار ضد نخبوية الفن والأساليب الفنية. فلقد أعلن بيارّو منزوني(39) عداءه ضد كل أسلوب في البيان المعروف الذي أمضاه صحبة فنانين آخرين سنة 1756، فلم يتوان عن تذكير الجمهور المتابع لأعماله التشكيلية، أن الفن بمعاييره المرسومة سلفاً والتي تحدده كنوع سام قد مات وأن «أي شيء هو فن»(40). ذلك ما يحاول أيضاً بنجمان فوتييه بان(41) تكريسه، إذ يتمادى في تثمين أكثر الأفعال حقارة ليظهرها في شكل فني مخصوص(42).
فما الذي تضمره هذه الأمثلة من الناحية الإستيطيقية؟
إنها تكشف لنا أن ما يسمى مفهوم "الذوق الحسن"( 43) لم يعد يوجه التجربة الفنية. فالقيم العادية للاستيطيقا مثل الجميل والمنسجم والنقي، وكل المقولات الأخرى التي شكلت نسقاً ينعته روبار بلانشي بـ«نسق المقولات الجمالية»(44) قد تراجعت أو وقع قلبها بصورة جذرية. وبهذا يتجه الفن المعاصر إلى تكسير ذلك النسق يتجاوزه الحدود واشتغاله خارج كل أسلوب، فأدى مثل ذلك الاتجاه إلى تشويش نسق تلك المقولات، ومن ثمة التشريع لمقولات جديدة من القبح، والزائد، والوظيفي، والصناعي، والبقايا أو النفايات، والمبتذل، والإيهام، والتفاعل. لقد خرج فن النحت المعاصر مثلاً عن التقاليد الجمالية وتقلصت المسافة بين الفني والواقعي، إذ لم يعد الفن معنياً بخلق مسافة خاصة به بل هو قد حدد هدفه بنقل الواقع المباشر من خلال تملك لحظة حدوثه، ذلك هو الوضع الجديد الذي تسعى الواقعية الجديدة في الفن إلى الدفاع عنه. وهكذا تحاول الاتجاهات الفنية المعاصرة الاقتراب من العمومي، من هؤلاء الذين «تنقصهم ثقافة فنية»(44). لقد أصبح الفن يشتغل خارج كل حدود وخارج كل التزام مسبق. لقد امتزج الفن باللافن، وأصبحنا أمام فن اللافن(45). إن هذا الفن أصبح مبنياً على الصدمة التي عاشتها الثقافة المعاصرة. إذ هو فن ظهر على أنقاض أحداث سرعت في فرص انتشاره والإقبال عليه، كالحروب العالمية المتتالية بمخلفاتها المأسوية التي أدت إلى زيادة أعداد الكائنات البشرية المشوهة والمشردة والمعتوهة. فلا يمكن من الناحية التاريخية فصل حركة الفنون المعاصرة عن تلك الأحداث(46).

5-    فى جمالية الاختراق: الإثارة
شهدت ظاهرة الاختراق تطوراً لافتاً في الممارسات الفنية الجديدة، وبشكل خاص منذ ستينيات القرن العشرين. مع التخلي عن الأنماط التقليدية والرسمية للكتابة والتشكيل وولادة الأثر المباشر القائم أساساً على الإثارة(47) التي ينتجها الأداء الفاعل والارتجال. وتظهر، في هذا الإطار، عناصر جديدة حولت الوظيفة الجمالية للإبداع القائمة تقليدياً على ثنائية المبدع والمتلقي، من معنى الإنتاج والبث إلى معنى المشاركة. ليس المتلقي هو من ينتظر الأثر، بل هو من يشارك في إنجازه، أي في إنشائيته، وهكذا يتم إنتاج مفاهيم جديدة في الفن المعاصر من قبيل المشاهد - الفاعل(48)، والفنان - المشاهد(49). إن تبادل الأدوار هذا هو الذي حدد معنى الأثر الفني المعاصر وهو أثر ينبني على الإثارة(50) التي ينتجها الفعل المرتجل أكثر ممّا ينبنى على التحكم في تأليف التقنيات والأدوات والمواد(51). ذلك هو الأسلوب الجديد لأصحاب "البرفورمونس"(52). فما المقصود تحديداً بهذا المفهوم؟ ثم كيف تتجلى "البرفرمونس"، القائم أصلاً على الاختراق، كشكل جمالي؟
لا تلتزم تقنية "البرفورمونس" بأي معايير فنية سابقة. إنها تخترق تلك المعايير عندما تقيم الفعل على اللامنتظر واللامتوقع، وتؤسسه على التدخل الحرّ والناجع للفنان(53). يتحول الإبداع إلى تداع حر للفنان، وإلى شكل من إتقان حرية الفعل وتلقائيته، وقدرة على التحكم في الحدث. وهكذا فإن التجربة الفنية المعاصرة لم تعد قائمة على التملك الذاتي للتقنيات، بل على مفهوم "البرفورمونس" ويعني، استناداً إلى دلالته المعجمية في اللغات الأنقلوساكسونية خاصة، «إتقان نشاط ما»، أمّا فنياً فيعني القدرة على أداء الفعل بإتقان شديد من قبل فاعل أو مجموعة من الفاعلين، بشكل يثير الجمهور. فلم يعد الأمر إذن محصوراً في الاشتغال على المضمون بل على الفعل ذاته، فالفن أصبح استعراضاً وجنوحاً إلى الارتجال ولم يعد يكتفي بالعرض أو بتحقيق صامت للمواهب. وهكذا أضحت فنون عديدة مثل الموسيقى والرقص والمسرح وفنون الكلمة نموذجية(54).
وتجدر الإشارة هنا إلى مقولتين أساسيتين حددتا دلالة الاختراق في فنون "البرفرمونس" وساهمتا في إبراز جوانبه الجمالية وهما الارتجال والجمهور، وسنحاول في هذا الإطار بإيجاز بيان المضامين الخاصة بهما.
الارتجال
يعتبر هذا المفهوم(55)، الأكثر تعبيراً عن "فن البرفورمونس"(56). وهو يتأسس من حيث دلالته على التلقائية والمباشرة، على مبدأ استحالة الإعداد المسبق للأثر. لذلك يصبح الأثر ناتجاً عن فعل آني لايقتضي إعداداً بل استعداداً فقط، فهو فعل يحدث في «ثلاثة دقائق، ولكنه يقتضي عمراً كاملاً للاستعداد له» حسب قولة مشهورة لـ بيكاسو(57). ويعكس الأثر المرتجل استقلالية الفنان تجاه الآخر، بما أنه يدل على فعل يحدث أثره في لحظة وقوعه كفعل. ففي الارتجال يفعل الشخص قدراته وأدواته معاً، تفعيلاً ذاتياً دون أي تكرار حرفي لما سبق إنجازه. وهكذا ينتصر الارتجال للحدثية التي تغيّب النص، فـ "المسرَحَة"(58)، مثلما يشير رولان بارت «هي مسرح بحذف النص»(59)، أي أن من خصائصها عدم توفر نص جاهز مسبقاً. لا يقوم الارتجال على مبدأ تكرار نص موجود سلفاً، بل على مبدأ اختراق أسبقية النص وذلك بإعدامها. بل لعل خاصية الفعل المرتجل هي نفي التكرار حتى وإن كان منتجاً. فهو يظهر كفعل مخترق للمعتاد، لأنه فريد ولا يمكن معاودته. إن الأهم في مهارة الفعل هي وضعه الجمهور أمام أثر لا يوجد البتة إلا ساعة مشاهدته وهو ينجز. فالمتلقي مثل الفاعل تماماً، يعايش تطور ولادة الأثر، وتظل معايشة الأثر متزامنة مع تطورات الفعل ذاته. ها هنا تتولد القيمة الجمالية للارتجال، حيث يكون عنصر الإثارة من عنصر اختراق إحساسية الجمهور ومن أثر المفاجأة ذاتها، وحيث يكون المتلقي في وضع شبيه بوضع المنتج يولد فيه شيء من موقع لا يمكن توقعه مسبقاً.
الجمهور
ويتم توظيف مقولة الجمهور واستخدامها هنا في اتجاه تطوير تأويل الوجه المنفتح للأثر المعاصر(60). فالأثر الفني المعاصر لا يقع إدراكه كمجرد أثر ينتج هكذا فناً ويعرض مادياً، بل كحركية تعدم سلبية المتلقي. فالمتلقي أو "مستهلك الفن" بتعبير كريستيان ماتز، يفعل في تلك الحركية، بالمعنى الذي تتاح له معه فرصة التحكم فيها. إنه يخترق الممارسة التقليدية من حيث هو يصبح عنصراً أساسياً ضمن دائرة الفعل المقتدر على التحكم في مسار إنجاز الأثر. فالأثر لا يفهم كوظيفة هنا بل كشيء قابل للتحكم فيه. تنشأ حركية الإبداع إذن من خلال القدرة على التحكم في الأثر خلال زمن قياسي. وهي قد تستتبع تحديد معنى "البرفورمونس" من جهة تدخل الجمهور الفاعل في إنتاج ذلك الأثر، كما يمكن أن تستتبع قراءة ذلك المعنى من خلال تأكيد أهمية الحدث الفني وقيمة معالجته استناداً إلى القدرة، والبراعة، والتدخل الحر(61).

6- اختراق الفن المعاصر والإحراج الإيتيقي
يخترق الفن المعاصر القيم الجمالية ولكنه يؤدي من الناحية العملية إلى اختراق أكثر حدة وهو «اختراق النظم الأخلاقية»(62). إن تثمين الممنوع والمحظور قيمياً واجتماعياً قاد إلى صدام حاد بين الفني من ناحية والديني والمدني والإنساني من ناحية ثانية. وأثر ذلك الصدام على الرؤية إلى الفن وعلى استقلالية الممارسة الفنية. لم تعد تلك الرؤية صادرة عن مناقشة نقدية جمالية للأثر الفني، بل أصبحت مرتبطة بمحاكمة الفن ايتيقياً اتسعت تدريجياً لتشمل شرائح عديدة ومختلفة الاهتمامات «حيث يشعر كل شخص أنّ بوسعه أن يدلي برأيه ما دام الأمر يتصل بقيم الحياة المشتركة»(63)، ومادام الاعتقاد قد صار راسخاً بأن أكثر الأشياء قدسية لدى الإنسان أي جدارته، قد انتهكت.
لقد تبلور من الناحية الدينية، موقف رافض للفن وللفنانين يستند إلى التعارض المبدئي بين الأثر المعاصر والنواحي القدسية في الإنسان. لذلك اعتبرت الممارسة الفنية المعاصرة شكلاً من التدنيس للقيم. ذلك ما اتهم به مثلا الفرنسي ميشال جورنياك(64) حينما أقام تجربته على استخدام دمه الخاص أو دم المتوفين في إنتاج أعماله الفنية(65). وقد بلغت المواقف الرافضة حد اتهام الفنان بالمروق والهرطقة(56) وهو ما وجه للألماني جوزيف بويس(67) الذي استخدم الصليب في أحد أعماله على وجه لم يرض رجال الدين. أما من الناحية السوسيولوجية فقد أثّرت حالة الصدام بين الفن والقيم سلباً على تلقي الأثر المعاصر لدى الجمهور، سواء من جهة الرؤية إلى موقعه وتقدير دوره، أو من جهة استهلاكه حيث تراجع تقدير الأعمال الفنية إلى حدود متدنية لأنها اعتبرت في الغالب أعمالاً فاقدة للنبل والجمال، أو هي باختصار قبيحة، وإباحية ولا إنسانية.
ويمكن مزيد توضيح حالات التوتر بين الفني والإيتيقي من خلال الإشارة إلى مشهدين هامين أثارا اهتماماً بالغاً خلال الفترة الأخيرة.
المشهد الأول :
وهو مشهد يستخلص من تجربة الطبيب-النحات الالماني غونتر فون هيغنس(68)٤ وهي تجربة "عالم الأجساد"(69)، حيث يتم استخدام الجسد الآدمي بعد أن يفقد الحياة كمحمل فني، وكمجال يتم تصريفه طبقاً لأغراض مختلفة تماماً عن أغراضه الأصلية. يطورهيغنس في هذه التجربة مفهوم الجسد استناداً إلى تقليد فرعوني قديم قائم على أزلية الأجساد. فالفن يدرك هاهنا كمحاولة للتخليد، فهو يشتغل ضد الموت. ولأن الفن لا يستخدم مجرد عناصر ميتة(70)، فهو يحرر الفكر من أوهام موت الجسد أو فنائه. إنه ينتصر لديمومة حياة الجسد. تموت النفس إلاّ أن الجسد يبقى: تلك هي الفرضية النحتية المعاصرة. فالنحت، شأنه شأن الطب، يعتمد التشريح لإعادة إنعاش الجسد، فهو يقوم إلى حدّ كبير مقام الروح التي غادرته.
تكشف تلك التجربة بعداً جديداً للجسد، فتبني مواقف فنية من خلال إظهار تركيبات وتأليفات فنية جديدة عناصرها وموادها العضلات، والأوردة، والشرايين، والأحشاء، والعظام(71). وينتهي ذلك التمشي -الذي يقوم في جزء كبير منه إلى تقطيع تلك المواد إلى شرائح لحمية، ووريقات- إلى مشهد مرئي نعيش فيه لحظة ولادة ضمن الموت. وتكون النتيجة شخوصاً متعددة الملامح والوظائف، «فهذا رجل يقوم بتمارين رياضية، والآخر يلعب الشطرنج. وتلك امرأة حامل انفتح بطنها ليطل منه جنين. ويتوسط الجماعة تمثال فروسي رائع، ليكون القطعة المركزية في العرض»(72)، كذا تنشط تلك العناصر العرض فتجعله شبه حي وشبه ميت.
ولكن أنحن إزاء تاريخ لعلم التشريح أم تاريخ للفن؟ أنحن أمام فنّ أصلاً؟ ما الذي يجلب فضول المشاهدين لهذا المعرض، أهو طابعه التحسيسي حول الصحة وتقديمه لمعارف تثقيفية حول الجسد كما يعلن هيغنس، أم للإمتاع أو للإثارة أم هو صدمة للآخر؟
لا يمكن من الناحية التقنية إذن، أن نتجاهل الطابع الفني لتلك الأعمال، رغم أن تكوين هيغنس طبي، ورغم أن الطبيب ينفي أحياناً القصد الفني عن أعماله(73)، ربما تكون لحظة جديدة يُستعاد فيها الحلم التقليدي الذي يجمع بين الفن وعلم التشريح.
لقد أدت تجربة "عالم الأجساد" إلى سجال، لدى النقاد ولدى المتلقين. وهو دليل على أنها لم تُفهم كظاهرة علمية أو بيولوجية، فمثل هذه الأعمال لم تدرك تماماً طبقاً لما ذهب إليه الفنان، بل فُهمت على أنّها نمط من عدم احترام جدارة الإنسان وقدسيته. لم تكن تلك التجربة مجرد تجربة بيولوجية أو علمية، بل إنها لم تفهم أحياناً «كنمط من إعطاء حياة للأجساد أو إعادة بعث لها، لقد فهمت في الغالب، على أنها تجاوزُ الفنان لحدود الإنسانية، مما يعني أن هذه التجربة ظلت تفهم على غرار باقي التجارب المذكورة سابقاً، هي في عداد ما يتخطى الفن. لقد تم النظر إليها في البلدان التي عرضت فيها على أنها "فضيحة"، بل هي صدمة للقيم الثقافية والروحية والإيتيقية.
إن تجربة لم تحترم الأموات، وتُعَرّض بشكل مفضوح بالأجساد الآدمية، لتعدّ من قبيل ما ينتهك المقدس ويبيح المحرمات. لقد أثارت لدى متقبلها جملة من الأحاسيس المتداخلة هي الرعب والتقزز والاستهجان، وجلبت صمتاً مفزعاً لدى كل من شاهدها. أقامت الفن في انحراف أخلاقي، وماثلت بين الجسد و"الريدي مايد"، وشكلت مناسبة للإثارة الأخلاقية والإيتيقية. تلك هي بعض الأحاسيس التي أثارتها "أعمال هيغنس القبيحة"،حسب تعبير أحد الزوار. لقد مثلت تلك المشاهد لدى معظم الزوار «مواضيع مفزعة وخارقة للمقدسات. أما الصحافيون فقد أكدوا ألا علاقة لتلك الأعمال بالفن»(74). إجمالاً، ولدت هذه التجربة التباساً في مستوى العاهة بين الفن والأخلاق والعلم، فلم تكشف لنا أين يبدأ الفن وتنتهي الأخلاق. لم تبرر لنا كيف يقبل من الناحية الإيتيقية عرض جسد إنساني. ولكن أليست الصدمة هي إحدى مفاعيل الفن الأساسية(75)؟
المشهد الثاني :
ونجده في لعبة الإثارة التي تمارس في "الجراحة التشكيليه" لـ أورلون(1947)(76) من خلال تقنياتها الفنية القائمة أساساً على "البرفورمونس". فبيانها حول 'الفن اللحمي"(77) الذي أعلنته سنة 1982 في المجلة التي أسستها(78)، حيث بدأت هذه الفنانة، تجاربها المعروفة على الجسد، وتحديداً على جسدها الخاص. فالتدخلات الجراحية التجميلية المختلفة التي تجريها الفنانة على الوجه(79)، والتي تبثها مباشرة إما عن طريق الاقمار الاصطناعية أو الفيديو في مختلف المؤسسات الفنية: في أوروبا (وخاصة مركز جورج بومبيدو) وأمريكا (في مدينة نيويورك بالذات حيث تقدم دروسها في إحدى الجامعات هناك)، تلك التدخلات تعطي ولادة لأشكال قد تبدو طوطمية حية يتم إدراجها بطريقة اصطناعية تغري ولكنها تضع المتلقي في وضع محير ومدهش كما في تدخلها المسمى قبلة الفنان(80) وحتى في أعمال أخرى(81).
وهكذا تتحول ورشة الفنان إلى غرفة للعمليات الجراحية، وتحول الإنشائية إلى فعل تشريح، وتتحول الجراحة إلى وسيط فني، فيستحيل الفنان إلى جراح، بالمعنيين، بمعنى أول يجعل الجسد يكشف عن لحمه ودمه الذي يوجد تحت جلدته، فيتم التحول من النحت على الجسد أو الوشم على الجسد مثلما ظهر في حضارات أخرى... إلى الفعل في اللحم ذاته كما هو الحال في تدخلاتها المسماة "تهجينات افريقية"(82). ها هنا يصبح الجسد في وضع غرائبي ودرامي عبر التشويه أو عبر التحويل أو تبديل الخلقة، وهو ما يجعلنا أمام ما يشبه الوجه أو ما يشبه الملمح الإنساني. يمتزج الفن بالعلم (وبالبيوتكنولوجيا تحديداً)، وتزداد دموية المشهد انتشاراً عبر شاشة الفيديو، وتمتزج المتعة بالألم. ويتحول الجسد من المتعة إلى الفعل، إنه الجسد-الفعل: جسد الفنان الذي توهمنا تهجينات أورلون الذاتية( 83)، بأنه جسدها الخاص ولكنه يتحول إلى جسد للآخر عندما يدمي إحساسية المتلقي ويصدمها.
ولكن هل هو تجميل أم تشويه، كيف يمكن أن نجمل عبر التشويه أو عبر التحويل؟ ثم هل يحق لنا أن نشوه الجسد باسم لعبة انتاج الإثارة. ويلاحظ في هذا الصدد أن استفحال عمليات "البرفورمونس" الفنية ذات العلاقة بالبيوتكنولوجيا قد أضحت اليوم محل تطوير من قبل بعض الفنانين، حيث يظهر نمط جديد من الممارسة التهجينية التي تجمع بين الفن وتحويل جينات الكائن الحي، أو ما يسميه البعض بعصر ما بعد البيولوجيا ويقصد به العصر الذي أدرجت فيه الشبكات الرقمية في التعامل مع الكائن الحي. إن فن التحويل الجيني(84) لـ أدواردو كاك(85) الفنان البرازيلي الأصل، هو مثال على ذلك، حيث يتم تقليص المسافة بين العلم والفن إلى حدود دنيا، فيستخدم العلم لإنتاج الفن(86)، عبر شكل من "البرفورمونس" أو اختراق الأنواع أو الأجناس. فالاختراق هنا يكون اختراقاً جينياً(87) يتم بموجبه تحويل شكل الأعضاء جينياً واستخدامها لإنتاج "آثار" فنية لها وضع خاص. ها هنا يقع اكتشاف اثر بمحمل جديد، ويتم في الوقت ذاته اكتشاف بعداً جديداً للكائن الحي.
ويطور فن اختراق الأجنة هذا، ضمن مسار يسميه صاحبه بـ "الجنزيس"(88)، وهو مسار يتجه في الغالب ضد الوضع الطبيعي لحياة الكائنات، وينتج مضمونه استناداً إلى خيال الفنان، فيكون الأثر عبارة عن تأليفات جينية هي في الأصل جينات ينتجها الفنان، ويتم تعويض التقنيات التقليدية ومصطلحاتها بسنن جديد مستخلصة من سياقات بيولوجية حديثة ولكنها تنتهي إلى عالم جديد يعاد فيه إنتاج الكائنات ضمن منظور فني قائم على تشويه هوية الجسد ومن ثمة تشويه هوية الذات والمشاهد.
الموقف الإيتيقي
يؤشر التعارض بين الفني والاجتماعي والأخلاقي المذكور في المشاهد والمواقف السابقة على حالة من عدم الرضى التي يبديها الجمهور تجاه الفن. ولكن ألم تكن رؤية الفنان مبنية في جوهرها على التعارض مع الواقع؟ أمن المنصف أن نحاكم الفنان من موقع الأخلاق خاصة إذا ما وضعنا في الحسبان أن الفن كان دوماً وعلى مر العصور ظاهرة لا تحتكم إلى الأخلاق؟
ليست العلاقة المقصودة هنا هي علاقة بين الفن والأخلاق وإنما علاقة بين الفنّ والإيتيقا. وهنا قد نحتاج إلى تحديد البعد الإيتيقي بدقة، لأن الإيتيقا كشكل من السلوك تتميز عن الأخلاق بكونها لا تقوم على مبدأ الإلزام والطاعة، وإنما تدل على شكل من تدبير الفعل نحو غاية حسنة أو خيرة وهو المعنى الذي يتواتر في الأدبيات الفلسفية والتي يمكن أن نرجعها أساسا إلى كتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس، لـ أرسطو. فالإيتيقا هي مسار ينمي حرية الفعل ولكنها تحث صاحب ذلك الفعل على أن يتجه دائماً نحو غاية أو هدف إنساني، أي أن يكون خيّراً. فالحرية ترتبط هنا بالضرورة، بالظروف الموضوعية التي ينجز فيها الفعل الإنساني، ولذلك فهي في إحدى وجوهها تروٍّ في توجيه الفعل وتشريعه، حتى لا يتعارض مع الضرورة وحتى لا يحقق دهاء أو شرًا. ومن هنا تأتي أهمية التعريف الذي يقدمه أحد الدارسين عندما يفهم الإيتيقا على «معنى تقدير السلوكات التي تجعل من مهنة ما تتجه إلى أن تكون "شيئاً رسمياً"، لتضمن لتطبيقاتها شرعية "أدبياتية"، خصوصاً في المجالات المتصلة بحياة الناس، من ولادتهم إلى موتهما»(89).
وقد انتشرت عبارات عديدة أخرى في الثقافة المعاصرة: البيوإطيقا، إيتيقا المؤسسات، إيتيقا المجتمع، إيتيقا الحياة السياسية، وهي مجموعات يمكن أن نضيف إليها إيتيقا الممارسة الفنية، حيث يتجه الاهتمام إلى ترسيخ مبدأ أخلاقيات المهنة(90)، فهل يمكن حينئذ توسيع القائمة للحديث عن إيتيقا الفن؟
ولكن أنحن في حديثنا عن الفن بصدد الحديث عن مهنة؟ بمعنى هل يحق تحديد حقل الممارسة الفنية بضوابط أو بسلوكات محددة وملزمة لا ينبغي الحياد عنها؟ ألا توجد حدود إيتيقية يرسمها الفنان لذاته من موقع انتمائه إلى نوعه، إلى إنسانيته؟ لا شك أن من الفن ما يشبه المهنة من حيث هو يسلك طرقاً تقنية محددة وتد ينتهي مثل بقية المهن الأخرى إلى منتوج (حالة الفنون التطبيقية أو التصميم بمختلف أشكاله مثلا)، ولكنه مسار إبداع وليس مجرد تحقيق لمنفعة أو لخدمة بعينها أو لمنتوج بعينه.
من الضروري زيادة حرية الفنان، وحماية منتوجه، وحقوقه. إن للفنان كل الحقوق كما يقول أحدهم، ولكن ماذا تعني تلك الحقوق، هل تعني أن نبدع بدون أي شرط، أيحق للفنان أن يكون مبدعاً بإطلاق ضد قيمه بما هو ذات إنسانية؟ ثم وهو الأهم، أيمكن أن تطول يد الفنان كل شيء؟ قد يختزل هذا السؤال المشكل الإيتيقي في الفن. فأخطر الأسئلة ليست تلك المتصلة بالكيف: "كيف أرسم" أو بالوسيلة "بأي تقنية أرسم"، بل تلك المتصلة بماذا: "ماذا يمكنني أن أرسم"؟(91).
لا يطرح هذا السؤال إشكالية الموضوع الفني، بل يتأسس، شأنه شأن السؤال الكانطي «ماذا يمكنني أن أفعل»، على خلفية إيتيقية، ذلك أن التروي في اختيار الموضوع مبني في أساسه على مراعاة مبدأ الآخر. الآخر كوجود يسكنني وكوجود يراقبني من الداخل والخارج.
«ماذا يمكنني أن أرسم»؟ هو إذن سؤال يحيل إلى أسئلة أخرى هامة: فما معنى احترام إحساسية الآخر؟ هل يعني ذلك أن نفعل حسب أنموذج أو تصور معينين؟ أو طبقاً لوصفة مسبقة؟
هذه الأسئلة تطرح بحدة كبيرة، في المدة الأخيرة، وبدرجة أساسية في الثقافة الغربية. فالقضية التي يدافع عنها بعض المحافظين أو التي يتم تداولها لدى المدافعين عن حقوق الإنسان، تتمثل في أن لك أن ترسم شريطة أن تحترم الآخر، ألاّ تفعل ضد إنسانيته وجدارته. هو تصور يقرّ بضرورة أن يلتزم الفن ذاتياً بحدود معقولة، أن يتروى الفنان في الاختيار، أن يختار ذاتياً حدوده وحدود فنه، وتلك اعتبارات يضعها البعض أمام ما يمكن تسميته بتطاول الفن المعاصر، تطاوله على القيم وعلى الحياة. اعتبارات يتبناها آخرون حتى لا تولد صدمة الفن تصادماً وتنافراً بين الفن والحياة الإنسانية والاجتماعية.
يبدو إذن، أن إشكالية الجمهور والمتلقي بشكل عام تظل هنا إشكالية أساسية: بمعنى «أُرسم أو أنحت أو صوّر أو... ما شئت شريطة أن تكون حذراً أو متروياً في عرض أعمالك».(93)

الهوامش:

1) تجدر الإشارة إلى أن هذا المفهوم الذي نترجم به المصطلح الفرنسي (Transgression)، قد يشير إلى دلالة سلبية مرتبطة بالفعل (action) الذي يقوم على التعدّي (Traverser) أو تخطي الحدود، أو انتهاك (القانون، النظام، القاعدة) أو إباحة الممنوع، ولكن له دلالة ايجابية من حيث هو ينقلنا إلى الأقاصي إلى ما بعد الحدود: ليجعل     الفكر   في  وضع التحرر.        ومثلما يشير جورج باتاي فإن الاختراق لا يتحدد بالنفي...     بل     هو     يتخطى         الممنوع        ويكمله         (انظر كتابه: L’Erotisme, Les éditions de minuit, 1957, p 71)
2) Le contemporain.
3) « Paradoxe du contemporain » François Soulages, « Une douzaine de règle pour évaluer l’art contemporain », in La quelle esthétique dans l’art contemporain, texte réunis et préparés à la publication par Med Mohsen ZERAI, piblication de l’institut Supérieur des Arts et Métiers de Gabés, 2007, p56.
4) Marc Jimenez, « Avant –propos » de la querelle esthétique dans l’art contemporain, Op. cit., p10.
5) (étrange et étranger) [نفس المقالة السابقة، ص.56]
6) فرانسوا سولاج، نفس المقال المذكور سابقا، ص. 56.
7) فرانسوا سولاج، نفس المقال المذكور سابقا، ص. 57.
8) L’incompréhensible et l’inévaluable.
9) Clément Greenberg, « Avant-garde et kitsch », in Art et culture, Essais critiques, Macula, Paris, 1988, p12.
10) Moulime El aroussi, « La critique artistique pourquoi faire? », in La querelle esthétique dans l’art contemporain, Op. cit, p47.
12)  Marc Jimenez, « La nouvelle querelle de l’art est déclenchée », in La querelle esthétique dans l’art contemporain, Op. cit. 13
13) René Passeron, « Peut-on acheter la conduite créatrice ? », in La querlle esthétique dans l’art contemporain, Op. cit, 101.
14) J-L Pradel, L’art contemporain, Larousse/ Sejer, Paris, 2004, p6.
15) (Manipulations transgressives).
16) (genre transgressif) : Nathalie Heinich, Le triple Jeu de l’art contemporain, sociologie des arts plastiques, Ed, de Minuit, Paris, 1998.
17) Aristote, Ethique de nicomaque, trad. J. Voilquin, éd. G. Flammarion, Paris, 1965, Livre VI, Chaps. IV, P.157.
18) (Vouloir Interne).
19) Gille Delleuze ; Nietzsche et la philosophie, 7éme éd. PUF, Paris, 1988, p56.
20) Gille Delleuze ; Nietzsche et la philosophie, Op. cit, p 56.
21) (Maltre et le sculpteur de toi-même) : Nietzsche, La volonté de puissance, II, P 309.
22) (جورج باتاي، جون بودريار، فرانسوا ليوتار..).
23) انظر كتابه: L’érotisme, Op. cit, p71.
24) (L’interdit de l’interdiction).
25) أنظر كتابها: Le triple jeu de l’art cotemporain, Op. cit, pp 75-170.
26) مثلما يفعل آرمان فرناندز (Arman Fernandez)(2005-1928)،أو من خلال الاكتفاء بعرض أشياء كما هي دونما تدخل يذكر، مثلما كان روبير روشنبرغ (Robert Rauschenberg) يعرض سريره أو مثلما كان شاعر تحول لاحقاً إلى رسام وهو مرسال برودايرس (Marcel Broodthaers) (1924-1976) الذي عرض أكواما من قواقع بلح البحر.
27)    لنتذكر ما يفعله جون تنغلي (Jean Tinguely)(1925-1991) في عمله حول "الآلات الممفصلة" أوما يفعله مرسال دوشمب في أثره المشهور "عجلات الدراجة".
28)    هنيك، ص. 79.
29)  يمكن الإشارة هنا إلى أن جدلا قد احتد في الفترة الأخيرة بين أصحاب المتاحف والفنانين الجدد، وهو جدل انتهى إلى موقف سلبي من الفنان تجاه المتحف، ولنتذكر هنا صورة المتحف لدى بان في أحد لوحاته، فهو الذي يقول: "إن المتاحف لا تصلح لشيء". وبالمقابل بادر أصحاب المتاحف بدورهم إلى إعلان رفضهم إدراج الأعمال الجديدة كأعمال فنية، أي كآثار يمكن عرضها وتخليدها في الذاكرة الإنسانية، وهو موقف استعر طويلا قبل أن يتم تغييره. ولم يتغير الموقف الرسمي من الفنون التي أنتجت في الستينات إلا في فترة متأخرة حيث تم إدراج أعمال كثيرة في المتاحف الكبرى المعروفة. فمن ذلك أن أعمالا كثيرة لـ مارسال دوشامب لم يتم الاهتمام بها إلا في التسعينيات. فعلى سبيل الذكر فإن "مبولة" دوشومب عرضت في مركز جورج بومبيدو، وتم اختيارها سنة 2004 كأفضل عمل يعكس فن القرن العشرين، وبيعت إحداها بثمن خيالي (مليار و677 ألف اورو). كما عرض عمل بيارو منزوني "وسخ الفنان" في متاحف كثيرة وتم تحديد ثمن الواحدة بـ 35 الف اورو.
30) (Aura)
31) (Copy ar).
32) (L’œuvre éphémère)
33) (Marcel Duchamp) (1968-1887)
34) Ready made.
35) (Geste anti-artPierreRestany), Le nouveau réalisme, UGR, 10/18, Paris, 1978.
36) نشير هنا إلى ما ذهب اليه جون كلار (Jean CLAIR)  في كتابه : Sur Marcel Duchamp et la fin de l’art, éd. Gallimard, Paris, 2000.
37) Dada
38)من المهم الإشارة هنا إلى أن دوشمب، هذا الذي انبهر في فترة من مساره الفني بالتكنولوجيا الصناعية، يكشف أن نهاية الفن قد اقترنت بولادة التكنولوجيا، وقد صرح لفرناند ليجي وبرانكوزي(Brancusi) خلال زيارته سنة 1912 لأحد المعارض التكنولوجية الذي تضمن أعمالا متصلة بصناعة الطيران: "لقد مات التصوير. من يمكنه أن يفعل أفضل من هذه المروحية؟ قل لي، هل ستكونأنت قادرا على ذلك ؟"
39) يذكر هنا ان فرناند ليجي قد حاول بدوره إعادة رسم الجوكندا ضمن رؤية جديدة في عمل له بعنوان: الجوكندا ذات المفاتيح (La Joconde aux clefs) والتي رسمها في الثلاثينات من القرن الماضي (1930). وينبغي النظر هنا إلى أن صورة الجوكندا، هذه اللوحة التي أرادها صاحبها أن تكون في الأصل رمزا للجمالية الصارمة في عصر النهضة الإيطالية، يتم تصورها من قبل فرناند ليجي(Fernand Léger)ضمن مشهد تهكمي ربما يكون هدفه المعلن هو الإثارة أو إدخال شكل من التعميم الساذج على هذه اللوحة، ولكن الهدف الأساسي هو تغيير مرجع هذا الأثر الفني الذي طالما جلب انتباه الجمهور، وتغير المنظور الجمالي التقليدي الذي أنتجت بموجبه هذه اللوحة، فإن وضع الجوكندا هنا إلى جانب المفاتيح وعلب السردين هو كما يؤكد ليجي إحداث شكل من الكونتراست، غايته تأليف أشياء مختلفة في فضاء واحد، ولكن الغاية هو التأكيد على أن صورة الجوكندا أو شينها ليس أكثر قيمة جمالية من الأشياء العادية(مفتاح علبة سردين..)، وفي هذه الحالة، كما في حالة بول جيوفانوبولوس (Paul Giovanopoulos[1988]) يتم التدخل على لوحة الموناليزا عبر تكرار إنتاجها في شكل تغيير تؤدي إلى فقدان الأصل لقيمته الجمالية والأصلية(Authentique)، ويتم تقديم عمل إلى الجمهور لإثارة خياله ولتعويده على تغيير أحكامه الجمالية التقليدية.
40) (Piero Manzoni) (1963-1933)
41)(Tout est art) تتجه معظم أعمال هذا الفنان إلى تكريس هذا المبدأ وذلك من خلال المواضيع التي اختارها: "علب المصبرات" التي يسميها "أوساخ الفنان" (Merdes d’artiste)، والتي يحرص على تحديد قيمتها كمادة ثمينة لا تقل قيمة عن Hثمان المواد النفيسة
42) (Benjamin Vautier Ben).
43) يظهر هذا التوجه بشكل معلن في عدد من أعماله وخاصة في عمله المسمى "قارورات البول" (Flacons d’urine) والتي يحرص على عرضها أمام الجمهور كأثر متميز له قيمة عالية.
44) انظر المرجع السابق، ص.76 (le bon goût)
45) Robert Blanché, Des catégories esthétiques, éd. J. Vrin, Paris, 1979, Ch .III.
46) هنيك، ص.79.
47) L’art du non art.
48) يمكن القول إجمالا أن معظم الشعارات التي اتخذتها الحركات الفنية المعاصرة عناوين لتوجهاتها الأساسية: اللاشكلية، التعبيرية التجريبية، الآلية، التصوير الحركي (Action painting)، البنائية (Constructivisme)،التصوير اللغوي (Peinture sémantique)، الفن الاعتدالي ( L’art minimal)، الفن المفهومي، الحدثية (Happening)، وكذلك معظم التقنيات المتبعة والتي تعتبر غريبة او شاذة نوعا ما عن الفن التقليدي: الحكاكة (Frottageالتقطير(Dripping)، التلطيخ، والتكثيف والتكتيل، كلها مفاهيم وتقنيات تنخرط في باب تجاوز الأسلوب الفني والتعايش مع المختلف الذي يحصل مع لحظة الحدوث أو اللحظة التي لا تنتح داخل الفن بل ينتج الفن داخلها( لمزيد التوضيح يمكن العودة إلى كتاب عفيف بهنسي: من الحداثة إلى ما بعد الحداثة في الفن ، دمشق، دار الكتاب العربي، 1997، ص.72-73).
49) Provocation
50) (Spect-acteur)
51) (Artiste-spectateur)
52) (Provocation)
53) لقد طور أنصار نزعة "الفليكسيس"(Fluxus)، منهجا جديدا مستنبطا من فنون الموسيقى والمسرح ويقوم أساسا على تشريك الجمهور وجعله طرفا محددا لمسار الممارسة التي تأسست منذ الستينات (1962) وهو اتجاه تعود بداياته أساسا إلى جورج ماكيوناس (Georges Maciunas) (1931-1978)
54)    حافظنا مبدئيا على استعمال الكلمة الفرنسية كما هي، لأننا لا نجد في استعمالات اللغة العربية مرادفا دقيقا للفظة الفرنسية والأنقليزية: "Performance". وقد اقترح الباحث وليد الخشاب كلمة أداء لترجمة تلك اللفظة (انظر ترجمته لكتاب بول زمتور، مدخل إلى الشعر الشفاهي، دار شرقيات للنشر والتوزبع، ط.1، 1999؛ ص. 29)، وهو في تقديرنا اجتهاد له ما يبرره، اعتبارا وان الأداء يكشف عن الجانب المتصل بقيمة الفعل أو بحضور الفعل الذاتي في العمل الفني، ولكن الالتجاء إلى مصطلح الأداء وحده قد يغفل ما يتضمنه اللفظ الفرنسي — الأنقليزي، ومنها الكفاءة أو المهارة أو الإتقان. فهو ليس مجرد أداء، بل أداء متقن.
55)    يتحول الفنان في البرفورمونس حسب جيرار جينات إلى "منسق" تارة وإلى رئيس فريق، تارة اخرى، وإلى موظب فضاء أو مبرمج طورا، وهي كلها مواقع تبين انه أصبح يشتغل ضمن تفاعلية (Interactivité) (Gérard Genette, l’œuvre de l’art : Immanence et trancendance, éd du Seuil, Paris, 1994, p66) ليست واقعية فحسب بل افتراضية أيضا، مثلما هو الحال في الفنون الرقمية (وفنون الملتميديا بشكل خاص) أو في فنون العمارة حيث تتجه بعض الممارسات البرفومورسية اليوم إلى إنتاج شكل من"جمالية الاختفاء" (Esthétique de la disparition) نفس المرجع، ص.119)، ومظاهرها إثارة المتلقي من خلال تغييب الطابع المادي و"تغييب الحدود"، وبذلك تظهر معجزة الفعل في محاولته ملامسة شيء غائب لا يطوله النظر.
56) تجه فنون "البرفرمونس" إلى تفعيل فنونا موجودة سلفا مثل التأليفات الموسيقية، والكوريغرافيا، وفنون المأساة الإيمائية... وهي فنون قائمة بالدرجة الأولى على الأداء، فلا يتحدد غرضها سوى بتقديم استعراض يؤثر إدراكيا بشكل مرئي أو سمعي. ولكننا من الناحية التقنية نشهد شكلا من الانتقال من الفضاء إلى المشهد،ومن النظر إلى الفرجة. فالفنان - الفاعل لا يمتع بل يثير، ولا يعتمد قواعد مسبقة بل يرتجل"لقدح العواطف، ولوضع الإنسان في وضعية استثنائية"J-L Pradel, L’art contemporain, Op. cit, P. 118.
57) ارتبط هذا المفهوم تقليديا "بالفنون المتصلة بالزمن(الموسيقى، والكوريغرافيا والشعر والمسرح)..(Etienne Sourian, Vocabulaire d’esthétique, PUF, Paris ? 1999 ? p 872). ولكن هذا المفهوم الذي تم تطويره في ثقافات سابقة، ولاسيما في فن الشعر في الثقافة العربية مثلاً، يذكر بأن استخدامه قد تم في الفنون ذات الطابع البصري من خلال عمليات الالتجاء إلى الفنون الأخرى كما هو الحال في تجربة الألماني هانس بلمر (Hans Bellmer) أو كما يفعل الفنان عبد الرزاق الساحلي (رسام ونحات وخزاف تونسي 1941-2009).
58) Gérard Genette, l’œuvre de l’art : Immanence et transcendance, éd du Seuil, Paris, 1994, p66.
59)القولة مأخوذة عن جيرار جينات، في كتابه المذكور سابقا(ص. 69).
60) (Théâtralité)
61) Roland Barthes, « le théâtre de  baudelaire », in Essais critiques, éd. Du Seuil, Paris, 1964.
62) انظر في هذا الإطار: Umberto eco ; L’œuvre ouverte, Trad. Par Chantal Roux de Bézieux, éd. Seuil, Paris, 1965, pp99-108.
(63) وقد يكون من المفيد التنبيه إلى أن البرفورمونس في التصور الحدوثي ([Happening] قد ساهم في تأسيس هذه النزعة خاصة آلانكابرو [Allan Kaprow] (1927-2006).) يختلف عن "البرفومونس" المرتبط بحركة "الفليكسيس" رغم التقارب الواضح بينهما، إذ أن المرجع إذا جاز لنا الحديث عن مرجع في هذ٥ الممارسات، يفهم في الأولى من خلال الإحالة إلى المتدخل أي الفنان، بينما يحيل في الثانية إلى الجمهور فليس الهدف حينئذ هدفا جماليا خالصا، بل هو هدف وجودي يربط الفن بالحياة، حيث يتم الاهتمام بالقدرات والتعبير عن التجربة أكثر مما يهتم برؤية المنتوج الفني أو تلقيه أو التدخل فيه من قبل الجمهور. وهكذا فإنه يقوم على الربط بين الفن والفعل أو الحركة الخاصة بالفنان.
لكن، ورغم نشأة مفهوم "البرفومونس""كنوع فني وكنموذج مفهوم جديدين" (Olivier Lussac : Happening et fluxus, éd, L’harmattan, Paris, 2004, P.09) ضمن فنون مخصوصة، وضمن فن المسرح بشكل خاص، فإنه قد تطور مع التوجه الحدوثي كفعل لا مسرحي، مما قد يعني الحديث عن إمكانيتين: إما اعتبار أن المسرح لا يحيل إلى فن مخصوص، أو القول بأن الفنون كلها أصبحت تستند إلى نفس الممارسة أو التقنية مادام "البرفورموس" قد شاع في الثقافة الفنية المعاصرة وبدا بمثابة "سجل لكل الفنون" كما يذكرنا أحد الباحثين، أو هي أنموذجها الأساسي، وسيشكل هذا الفهم تطورا آخر قد يقود إلى إضعاف التصنيف العادي للمقولات أو الأجناس الفنية باعتباره ينفي مبدأ الحدود بين تلك الأجناس.
64) Ibid, p 146 لقد وسّعت الممارسة الفنية المعاصرة نطاق دائرة الاهتمام بالأثر الفني إلى شرائح اجتماعية لم تكن في السابق لنشتغل به، فأفقدت ذلك الأثر خصوصيته، إذ لم يعد الحكم الفني يخص جمهورا بعينه أو نقادا فنيين، بل أضحى مشاعا لكل متقبل للفن. لقد أصبح "شأنا عاما" وهو ما أدى إلى تفويض جمهور ليس له استعدادات فنية للحكم جماليا وفنيا على الأثر، بإصدار أحكام أو تأويلات بدت أحيانا محددة لمصير منتج الفن وعارضه ومتبنيه.
65) Nathalie Heinich, Le triple jeux de l’art contemporain, Op. cit. p. 146.
66) (Michel Journiac) (1995-1935)
67) يظهر ذلك خاصة في عمله المنجز سنة 1969 المسمى  Messe pour un corpsحيث يتم عرض فصائد (boudins) مصنوعة من دم آدمي ويدعى الجمهور إلى استهلاكها، أو في عمله المنجز سنة 1976 والمسمى Rituel pour un corps حيث يتم استخدام دم شخص قد توفي لأغراض فنية.
68) انظر: Nathalie Heinich, Le triple jeux de l’art contemporain, Op. cit, P147.
69) Joseph Beuys)) (1021-1986)؛ يتعلق الأمر بعمله المنجز سنة 1971 والمسمى_ Celtic- والذي اعتبر من الناحية الدينية انتهاكا للظواهر المقدسة ولاسيما ظاهرة التعميد.
(70) (Gunther Von Hegens)، يذكر أن فون هيغنس، الذي بدأ دراساته في الطب بجامعة يينا بألمانيا ثم واصلها لاحقا في جامعة لوباك (Lübeck)، قد ابتدع تقنية الـ plastination سنة 1977 خلال تدريسه بجامعة هيدبورغ، وقد عدت هذه التقنية ثورية من جهة نجاعتها في حفظ عينات المشرحة بواسطة مادة الشنيظ المحفز(polyméres réactifs)، وقد نال بها شهادة براءة سنة 1978. وقد أسس لاحقا شركة خاصة أطلق عليها BIODUR Products تهتم بتجارة التجهيزات الخاصة بالـ Plastination، ولاقت إقبالا كبيرا من 400 مؤسسة منتشرة في 40 دولة. وكان هيغينس قد أسس قبل ذلك معهد الـ Plastination بهيدلبورغ سنة 1993. والذي يهتم بتوفير العينات المحنطة أو المجففة (spécimens plastinés) الموجهة أساسا إلى استعمالات بيداغوجية، ثم تم استخدامها لاحقا في المعرض الذي أقيم في سنة 1995 باليابان تحت عنوان –BODY WORLDS - وهو يهتم منذ سنة 2004 وبصفته استاذا زائرا بجامعة نيورك بالسيرة الخاصة بعلم التشريح بالولايات المتحدة الأمريكية باستخدام تقنية الـ Plastination بدل استعمال الجثث المشرحة (cadavre disséqués) (لمزيد التوضيح أنظر المقال الوارد في مجلةartezia) في موقع الإلكتروني www.artezia.net حول "عالم الأجساد الاستاذ فون هيغنس "(« Le monde des corps du prof. Von Hagnes »).
71) (plastination) أقيمت معارض عديدة للأعمال الناتجة عن تلك التجربة، والتي تم ادراجها تحت عنوان عام هو "فن التشريح" (Art Anatomique) في بلجيكا، واليابان، وألمانيا، حيث جلبت فضول ملايين المتابعين، وربما يعود ذلك لغرابتها من جهة الموضوع (لحم آلمي) والتقنيات (التحنيط)، ومن استخدامها لعرض الجسد الإنساني بوصفه شكلا مطوعا (Plastifiés).
72)    هذا ما يصرح به هغنس نفسه: « Je refuse de ne présenter que des poupées mortes » (ورد ضمن ملف "عالم الأجساد لاستاذ فون هغنس "المقال المذكور سابقا).
73)    من الناحية التقنية يقوم تصور النحات على مبدأ حفظ الجسد بدون تعفن استنادا إلى مستحضرات كيميائية تسمى التشنيظ (Polyméres)، وهي تساعد على حفظ الجسد بكل مكوناته، لونه، جلدته، أعضاؤه... وتجعله من خلال إفراغه من الماء والدهنيات وتعويضها بمادة السيلكون (silicone) قابلا لحياة أطول وللدرجة كبيرة من المطاوعة، وهي هن الناحية الفنية، تقصد الوصول بالجسد إلى وضع يكون فيه "شديد الجمال أخاذا إلى درجة ألا أحد يصدم حال رؤيته" كما يقول فون هغنس ذاته (انظر مقال "عالم الأجساد للأستاذ فون هغنس"،مقال منكور سابقا).
74)    أنظر نفس المقال المذكور سابقا: "عالم الأجساد للأستاذ فون هيغنس".
75)    هذا على اقل ما يصرح به هيغنس:
« Je n’ai ni formation ni ambition artistique. Je désire simplement parvenir à une présentation parfaite destinée à faire comprendre combien nous sommes des êtres fragiles ».
(ورد ضمن مقال "عالم الأجساد للأستاذ فون هغنس"، المذكور سابقا)
(76) انظر تباعا نفس المقال السابق.
(77) لا يمكن من الناحية الدينية تبرير هذا المعرض، ولكن كيف يمكن في المقابل أن نفسر إقبال الناس عليه، لقد زاره في ألمانيا وحدها ما يزيد عن 700.000 وفي اليابان زاره ما يزيد عن مليون زائر (1996). بل هو، وكما يصرح هغنس، قد جلب تعاطفا معه، حيث تلقى عرضا بـ121 هبة لجثث آدمية و4000 وعدا جديدا بهبات لأجساد أخرى (وردت هذه المعطيات في المقال المذكور سابقا: "عالم الأجساد للأستاذ فون هغنس").      .
78) تشتغل ارلون منذ الستينات على تقنيات متعددة مستمدة من أحيانا من الوسائل السمعية البصرية: فوتوغرافيا، فيديو، ومن فنون أخرى قائمة على النحت والتنصيبة، وهي من أشهر الفنانين الذين انتصروا إلى أسلوب "البرفورمونس"، حيث قامت سنة 1978"لصالون العالمي الأول للبرفورمونس في مدينة ليون الفرنسية. وقد نالت في هذا الإطار عدة جوائز كبيرة مثل جائزة –Arcimboldo de la photographie numériqueالجائزة الأولى لـ de la Griffelkunst de Hambourg وكذلك الأمر بالنسبة لمهرجان الفوتوغرافيا بموسكو.
79)    (Art Charnel)
80)    وتحمل تلك المجلة عنوان:Art Accès Revue
81) يتعلق الأمر هنا بالمشاهد التسعة المتصلة بعمليات "البرفورمونس" الجراحية (9 performance chirurgicales) التي صورتها وبثتها بالأقمار الصناعية في أوروبا وأمريكا بين سنتي 1990 و1993.
82)    (Le baiser de l’artiste)، تم رض هذا العمل سنة 1977 في باربس وتحديدا في مأوى العجز والمحاربين القدامى (FIAC) بفرنسا، حيث أثار فضيحة كبرى لدى المتلقين، اعتبارا للمشاهد التي قدمها والتي لا تكتفي بإبراز ماهو محرم في فضاء يفترض أن يكون مجالا لمعروضات معينة، بل لجمعه بين القبيح والمقدس، إبراز صورة العذراء في وضع ملتبس.
83)    وخاصة في تدخلها المسمى:    Le Drapé-le Baroque
84)    (Hybridation africaines)
85)    (self hybridations)
86) (L’art transgéniques)
87) (Eduard Kac) انظر بشكل خاص مقاله: « Transgenic Art », in Leonardo Electronic, Volume 6, Numéro 11, 1998.
88) يصرح إدواردو كاك بما يلي:
« Les nouvelle technologies ont muté notre perception du corps humain, d’un systémeauto-régulateur vers un objet médicalement et techniquement assisté, sans que nous nous rendions compt de cette évolution, qui se passe sous notre peau ou à l’échelle microscopique. Plus que rendre visible l’invisible, l’art se doit d’aiguiser notre conscience pourtant directement. L’ingénierie génétique est appelé à avoir de profondes conséquences sur l’art aussi bien que sur la vie sociale, médicale, politique et économique du siécle à venir. » (Cité par Hervé Ratel « L’art trangénique », in Sciences et Avenir, Décembre 1999, p67).
89) (transgénique)
90) (Genisis)
91) « Au sens d’une appréciation des comportements que telle ou telle profession est amenée à authentifier pour assurer une légitimité déontologique à ses pratiques, spécialement dans les domaines qui concernent la vie des hommes, de leur naissance à leur mort » (Labrriére P-J, Au fondemen de l’éthique, éd. Kimé, Paris, 2004, P.9)
92) (Déontologie d’une profession)
93) لقد فصلت الباحثة لورا ليسبون (Laura Lisbon) استتباعات هذا الموقف بشكل نقدي كما يلي:
« Que doit-je peindre, comment dois-je peindre ? Le « quoi » est le plus délicat car c’est l’essentiel (dasEigentliche). Comparativement, le « comment » est plus facile. Commencer par le « comment » est étourdi mais légitime. Appliquer ce « comment », donc la technique, utiliser les conditions données par le matériau ainsi que les possibilités physique- les exploiter en tenant compte du dessein. Le dessein : ne rien inventer, aucune idée, aucune composition, l’objet, la forme, l’idée, l’image. Dès ma jeunesse, bien qu’assez naïf pour avoir des thèmes favoris (paysages, auto-portraits), je n’ai pas tardé à ressentir que c’était un problème de ne pas voir de sujet. Bien sûr, je prenais des motifs au hasard et le représentais, mais le plus souvent avec le sentiment que ceux-ci n’étaient pas véridiques (die eingentlichen), mais contraints, rebattus et artificiels. Les interrogation sur ce que je devais peindre, m’ont montré mon impuissance… » (Laura Lisbon : « Peinture et éthique. Chercher à voir la peinture » in La part de l’œil, 17-18, 2001-2002, p134)


المصدر: مجلة أوراق فلسفية، غير دورية.. علمية محكمة، العدد 26، سنة 2010/2009، صص 203-226.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق