الخميس، 21 يناير، 2016

القراءات المفارقة لجان جينيه بواسطة جورج باتاي: ميريام بنضيف سيلاس



ترجمة الحسن علاج

Leonor Fini, "Portrait de Jean Genet I" (1950)
1.     يقدم فرانسوا بيزيه (Francois Bizet) في هذا البحث الثري والمركب تحليلاً لنصوص جورج باتاي Georges Bataille)) مخصصة لـ جان جينيه Jean Genet)). تمهيد للقارئ: لا يشكل جينيه قلب هذه الدراسة، كما يعترف بذلك مؤلفها منذ المقدمة. وفي الواقع، فإن باتاي هو من يحتل المرتبة الأولى في ذلك البحث(1). سيشكل جينيه على الأرجح الـ "مادة الذريعة" لتأمل حول الفيلسوف ذاته، حول العثرات، حول الصدوع ومناطق الظل لعمله، حول تقلباته الخاصة وتناقضاته. يعتبر [كتاب] الأدب والشر، عملاً هجيناً لـ باتاي تقتضي إعادة التفكير فيه ووصله بمجموع إنتاجه النقدي. تكون دراسات برنار سيشير (Bernard Sichére) بخصوص هذا الموضوع بدايات يرتكز عليها المؤلف.
2.      ستشكل "حالة جينيه" مثالاً ساطعاً تماماً لتلك التغيرات المفارقة لـ باتاي حول تصوراته الخاصة. لماذا قام باتاي بتعديل حكمه بعمق كبير حول جينيه بين 1949 و1952؟ في نص أول مخصص لـ [مسرحية] الحراسة المشددة، «لخاصية المجرمين المقدسة»(2)، دافع باتاي عن مسرحية جينيه التي ستتعرض لانتقادات لاذعة من فرانسوا مورياك (Francois Mauriac)(3). ضمن المقالة الثانية التي قام باتاي باستعادتها في نهاية الأدب والشر ، تحت عنوان "جينيه"(4) لجأ باتاي إلى دراسة الجزأين الأولين من الأعمال الكاملة وحول يوميات لص. حكم نهائي ينقض على الكاتب المعترف بقيمته سابقاً: إدانة يرتكز رهانها على مفهوم الـ"تواصل". فـ جينيه، تبعاً لـ باتاي، يرفض التواصل، يقسو على جمهور القراء متهماً إياه بالفشل. تواصل بدون تبادل يسعى أيضاً إلى تفسير "لغز التغير المفاجئ"(5) وإلى إضاءة عمل باتاي ليوم جديد.
3.      خصص الجزء الأول من العمل لمفهوم الـ"تواصل" لدى باتاي وإلى مقالة 1949. يرتكز الجزء الثاني على العلاقة الثلاثية من جهة لظهور [كتاب] القديس جينيه ، ممثلاً وشهيدًا(6) لـ سارتر سنة 1952 ومن جهة أخرى جواب باتاي، «جان بول سارتر والعصيان المستحيل لـ جان جينيه». عدد غفير من النقاد الجونيون (نسبة إلى جينيه) لم يأخذوا في حسبانهم نص باتاي الأخير حول جينيه وركزوا على الفصل الأخير من الأدب والشر. وقد تمت قراءة هذا النص الأخير كتفنيد لـ سارتر بواسطة باتاي حيث لن يكون جينيه سوى الرهان الذريعة. والحال أنه، كما يشير إلى ذلك فرانسوا بيزيه، وبعيداً عن الاكتفاء بالرد على سارتر، واجه باتاي مأزقاً وبدا أنه عاجز عن قراءة جينيه تبعاً لمنطقه الخاص.
4.      تتأسس الطائفة الدينية على الانبهار بالجريمة وحول الاغتيال الشعائري. يتشيد نقد باتاي على الـ"تلويث"، على قراءة "من الداخل" وعلى الاعتراف في الذات بـ"بحصة لعينة". تتضمن قراءة جينيه التلويث، وهو ما يبرهن، بالنسبة لـ باتاي، بأن مورياك لم يقرأ جينيه. ففي مسرحيته، الحراسة المشددة، فإن جينيه «يدرك جوهر الديني، ذلك التلازم للمقدس والشر الذي يتناساه حراس الأخلاق الدينية»(7). لاوجود لأخلاق ممكنة ذات رغبة في تجاهل فضائل الشر»(8). ففي [كتاب] حول نيتشه، يوضح باتاي بأن قيمة أخلاق ما تكمن في كونها تقترح تعريضنا للخطر. فهي لاوجود لها إلا أن تكون حكم فائدة، ينقصه عنصر التعظيم»(9). يتخذ باتاي كمثال على ذلك مقطعاً حيث [شخصية] العيون الخضر تجابه جريمتها، في رقص عبور روحي متأرجح في عالم بدون حدود للمقدس»(10).

5.      «لن يكون هناك أي فرق في المعنى بين "تواصل" والكينونة إذا كان التواصل لم يكن قد فقد الكينونة في الوقت نفسه [قول ذلك في وقت لاحق]»(11). يسمح هذا التحليل بمتابعة تطور هذا المفهوم وولوج قلب تفكير الفيلسوف. «يبدو أن نوعاً معيناً من التواصل غريباً، قوياً، يتأسس بين الناس كلما كان عنف الموت أقرب إليهم»(12). يعتبر التواصل تجلياً في حالته القصوى للمقدس، بناء على ذلك، فإنه يبدو غير قابل للإمساك به، خارجاً عن الأشياء وعن اللغة ذاتها. بهذا المعنى، فإنه يتعارض مع اللاهوتي. تنجب الجريمة المقدس ثم يقترح حلان نفسيهما على الإنسان: «التماهي مع الضحية، وهو ما تفعله المسيحية، أو التماهي مع الجلاد، وهو ما تقوم بفعله التراجيديا». يتجلى "التواصل" أكثر من أي وقت مضى في  الجريمة»(13). ينبغي في هذه الحالة القبول بالانكباب على الرعب، مثلما يتجلى ذلك في تجربة الإيروسية érotique)). مستدعياً سبعة تعاريف مختلفة للتواصل في مجموع عمل باتاي، توصل فرانسوا بيزيه إلى خلاصة أن تعريفاً ما يتضح غير مدرك في إطار ذلك الفكر الذي يصدر عن «حاجة غير مشبعة للمعنى»(14): «عدم الاكتمال، الألم، الجرح كلها تعتبر ضرورية للتواصل. الاكتمال هو نقيض لذلك»(15). من الممكن ملاحظة أن موقف باتاي هذا، متراجع عما تم التلفظ به كي ينقضه، يستعيده ضمن إعادة توظيف دائمة للمعنى يحيل إلى إرادة جينيه في تقويض كل ما يكتبه، ضمن "لعبة مذبحة" لا تتوقف حيث يكون العمل هو الهدف الأول والأساس. التواصل ليس هو التوارث. لا تفي اللغة في ذلك بالغرض. فبعيداً عن مجال الكلمة، توفر كل من الإيروسية  والتضحية أمكنة ممكنة من أجل التواصل، موحدة بواسطة "فقدان المادة"(16)، بواسطة إبطال الكينونة ذاتها.
تصدر قراءة نيتشه أو ساد Sade)) عن التواصل شريطة ألا تبلغ تلك القراءة سوى إلى «حركة فقدان وانحطاط كل قيمة»، إلى تمزق حول لا معرفة(17). «المفارقة النهائية ستكون في أن غاية التواصل ترتكز على الصمت»(18).
6.      يسائل باتاي، عبر نيتشه وبروست، وضعية القارئ. فهو يدعوه إلى قراءة من "الداخل" لن تتأثر فيها السريرة. تنضم إلى رؤية بروست الذي تعتبر القراءة بالنسبة إليه "نقيضاً للمحادثة" تكمن في «تلقي تواصل فكر آخر، على أن تظل وحيدة تماماً». فضلاً عن ذلك ، فإن بروست يعتبر واحداً من الأمثلة التي يوظفها باتاي في موضوع التواصل الشعري، غير مكترث بنظرية الأجناس. يتخلص الشعر من الاستعمال الاعتيادي للغة في «تضحية حيث الكلمات ضحايا (19)». يتوجب على الشعر أن يتفوق على الخطاب النقدي. «وبهذا الخصوص، فإن الـ"تواصل" يعتبر سماً يبثه الشعر في الفلسفة [في العلوم كذلك]، خطابات متشكلة يعمل الشعر على إضعاف برهنتها(20). «كذلك فإن الأدب والجنسانية يمتلكان جزءاً مرتبطاً. وبالنسبة لـ جينيه، فإنه سوف يتحدث عن "جلسة مجون" كلمات تتوحد في الجملة، في النص. مرتبطاً باللغة لا يزال، بجد الشعر نفسه مزاحاً من قبل "تجربة الممكن"».
7.     ليست المسألة، بوضوح، مسألة "تواصل" في «خاصية المجرمين المقدسة»، ينخرط باتاي في هذه المقالة في تجربة قراءة شبيهة بما باشره في التجربة الداخلية. لا يسعى الفيلسوف إلى الترافع لصالح فرد بل الدفاع عن «فكرة شعر مذنب»(21) ما يدينه مورياك هو الكلمة المذنبة مثل تهديد في "حالة جان جينيه"، متناغمة مع عفونات الجنسية المثلية والاستمناء. سيصبح جينيه شأنه في ذلك شأن شخصيته عينان خضراوان Yeux – Verts)) "سيئ الأخلاق"، تبعاً لتعبير ميشال فوكو. في ذات الوقت مختلفاً نهائياً ونجساً، يحدث تقززاً لدى مورياك، مثل ما يحدثه باتاي لـ أندريه بروتون (André Breton). «الرفض والغثيان اللذان يستجيبان دون التخلي عن هذا الانقلاب، فهما ذاتهما يشكلان جزءاً من التعزيم، الذي يصبح في الليل تشنجاً ميؤوساً منه، وحده منطوياً على نفسه من أجل بعث قوة قلبه [...] انبعاث الحقيقة»(22).
8.      وفي الواقع، فإنها مسوخ تقترحها مسرحية حراسة مشددة: إن [شخصية] كرة الثلج، تعتبر "ملكاً" حقيقياً للسجن يوضح ذلك تماماً. فاسمه يفرض نفسه مثل إرداف خلفي oxymore) ( بما أن الشخصية ذات بشرة سوداء. سوف يستعيد جينيه هنا صورة إردافية تعبر مختلف محكياته، أعني فكرة "ضوء معتم". وبالفعل ، فإن كرة الثلج تلمع وتشع، مضيئة ظلمات السجن بأكمله. يعتبر المسخ هجيناً، مثله مثل دفين Devine) ( الممثل المتنكر في [رواية] نوتردام دي فلور (Notre – Dame – des – Fleurs) جاعلاً من متسكعيه وروداً في شعره المقدس، لا يكف جينيه عن الانتهاك، مسوغاً التواصل الذي ينادي به باتاي. يستنكر مورياك على جينيه رغبته في الاستعراض، بريقه الخادع، مقارناً إياه بـ رامبو الذي تعلم الصمت. بالنسبة لـ باتاي، والحالة هذه، فإن رفض الكلام لا يشكل إلا وسيلة أخرى للتواصل، أكثر عدوانية لكنها أكثر قوة أيضاً. ليس لدى الشعر ما يقدمه، فهو يصدر ، في حالة جينيه، عما لا يدافع عنه، عما هو سافل. ابتداء من زنزانته، في العزلة والشر، ينفصل جينيه عن الطائفة، يدين مورياك. إنها والحالة هذه، ميزة الشاعر الحقيقي الذي يتبناه هذا الموقف، يؤكد باتاي، منذ بودلير إلى حدود السورياليين.
يتعلق الأمر في آخر المطاف باتخاذ موقف قوي جداً لن يتم اتخاذه بأي طريقة مهما كانت»(23) إن توجيه الخطابات المتعددة بصيغةالمخاطب الجمع " أنتم " إلى القارئ لدى جينيه، ليس نداء إلى التواطؤ لكنه في واقع الحال يعتبر قطيعة، تأكيد العزلة. ثمة جدار يفصل جينيه عن قرائه. إن جوني الذي يشكل محور [مقالة] "خاصية المجرمين المقدسة" يبرز التواصل الأدبي من خلال واقع رفضه للتواصل. ويبدو أن باتاي بوصفه قارئاً لـ جينيه يجد أصداء عميقة بين هذا العمل وفكره.
9.      كيف أن باتاي نفسه يتوصل بعد ثلاث سنوات إلى تأكيد أن «عدم اكتراث جينيه بالتواصل يوجد في صلب واقع أكيد: إن محكياته مفيدة، لكنها غير مستهوية؟»(24) إن رفض التواصل هو عمل المؤلف؛ جينيه الذي "يمتنع"، حاثاً على مسافة لا يمكن تقليصها بين العمل والقارئ. ويبدو أن باتاي أصبح عاجزاً عن متابعة تلك القراءة من الداخل التي مارسها نيتشه. تحول مفهوم التواصل إلى ملاذ، لا بل إلى قضية عقيدة، والتي انطلاقاً منها يكون من الممكن إدانة الكاتب. يكتفي باتاي بالتأكيد بأن حياة جينيه شأنها في ذلك شأن أعماله هي عبارة عن إخفاقات، دون الرجوع إلى أسباب تقلباته. هل يعتبر الحوار مع سارتر كافياً لتفسير تلك الظاهرة ؟ ألا «يكون الإخفاق هو إخفاق باتاي» فيما لا يرغب في رؤية أي نمط من التواصل يحث كتابة جينيه؟»(25)
10. يفرغ باتاي بكل بساطة المثلية الجنسية التي يعرفها جينيه على الرغم من كونها إحدى الـ"فضائل" الإلهية لأخلاقيته المعكوسة والمتقلبة. وبخصوص تلك المسألة، كما هو الشأن بخصوص مسائل السرقة والخيانة، فـ باتاي يكون هو الأقدر كي يستنتج الروابط الموجودة بين جينيه وساد الذي طالما خصه بالدراسة. لن يفعل هذا الرابط، ثم إنه يستند حقيقة على قراءة نوتردام دي فلور و معجزة الوردة. يطور فرانسوا بيزيه مقارنة واضحة بين المعالجة التي خص بها جينيه: حوار دائم من جهة ورفض متصلب من جهة أخرى. إن قراءة باتاي لـ ساد تكشف أخلاقية مشيدة على عزلة مطلقة، على سيادة جذرية. يشرع ساد الأبواب في وجه كتابة الانتهاك: يسعى عمله إلى تحطيم موضوعات وشخصيات يتم عرضها، المؤلف أيضاً والعمل نفسيهماـ ويبدو أن المقابلة مع جينيه لا مفر منها... إن ما لاحظه باتاي، والحالة هذه، هو أن جينيه ذهب أبعد من ساد متبنياً وضعية الـ"إنسان الأخير". بناء عليه فإن أعمال جينيه هي «إنكار لأولئك الذين يقرؤونها»(26). ألا يشير هذا الطريق المسدود الذي يصل إليه باتاي أولاً إلى هلعه الخاص؟ فهو فضلاً عن ذلك يدين «البريق اللفظي الخادع»، دليلاً على لا أصالة تلك الأعمال. وخلافاً لـ ساد، فإن جينيه أقصي من كتابة الانتهاك: وبالفعل، فهو غير قادر على الانتهاك بما أنه يتحدث ابتداء من الشر حيث يوجد، بدون أي إشارة إلى الخير. يوضح فرانسوا بيزيه أن ذلك التمييز لم يوجد بما أنه في«تجمعات تلك الجزر المضادة المنقسمة، لم يعد القانون الأخلاقي ممكناً أبداً، الجريمة والخطاب هما القانون»(27) لدى ساد، كما هو الشأن عند جينيه. وأشارت فرانسواز دوبون (Francoise d’Eaubonne) إلى أن غلطة باتاي (28) كانت تكمن في عدم أخذه في الاعتبار أن رفض التواصل كان مفروضاً دفعة واحدة على جينيه ثم إنه أخذه بعين الاعتبار واضطلع به. نفس اللافهم يصحب جيل دوراي (Gilles du Rais)، التي تمت دراستها بالتفصيل من قبل باتاي في [كتاب] قضية جيل دوراي ثم صورة واقية لدى جينيه. ويلاحظ فيها باتاي خضوعاً لسلطة أسطورية، يعوزها الابتعاد والدعابة التي يقدم جينيه البرهان عليها. يقترح المؤلف تحليلاً غاية في الروعة لـنوتردام دي فلور حول دفين بخاصة في فصل "ميدوزا" (Medousa) [ ص 276 ـ 305 ]؛ كاشفاً عما تركه باتاي في حالة ترقب.
11.  ماذا عن الخلاف بين باتاي وسارتر؟ «تبين الولادة الحذرة لعلاقاتهما النزاعية أن سبب الاختلاف التام والذي قد أتى على نهايته بشكل لا رجعة فيه كان بخصوص جينيه»(29). ينطلق سارتر بوصفه قارئاً لـ جينيه، من مسلمة مفادها أن هذا الأخير يتصادم مع القراء موبخاً إياهم. فهو يسعى، بالنسبة إليه، إلى اختزال المسافة التي يفرضها جينيه ["جينيه ، قريبنا ، أخونا"] وأن يقترح على القارئ مواجهة المرآة بمثل ما يقترحه عليه ذلك العمل المزعج. والحال أن سارتر ، على طول مقدمته كان يمد إلى القارئ مرآة تنعكس عليها صورة سارتر ذاته؛ مثلما فعل ذلك مع فلوبير في أبله العائلة. يفترض سارتر بأن المجتمع قام بإقصاء جينيه وعرفه مثل لص. وقد عمل جينيه على استبطان تلك الهوية المفروضة عليه من الخارج وبناء على ذلك، فقد كان مرغوباً بها، القبول بها، المطالبة بها. يحيل الانتقال للكتابة إلى المجتمع سيرورة اعتناق الشر التي هو مسؤول عنها. «يعتبر الأدب هنا أولاً تحطيماً وتعرية»(30). ستكمن خلاصة سارتر في أن جينيه مؤلف يرفض مخاطبة قراء، هم بدورهم يقرؤونه بالرغم من أنفسهم. يخلط سارتر الشخصيةـ السارد  للمحكيات وجينيه نفسه يفعل الشيء ذاته، أو أنه بالأحرى يعرض عن تمييزهما. يعتبرهما باتاي مثل غالبية القراء. تعتبر كتب جينيه «اعتراضها الخاص، فهي في الوقت ذاته تتضمن الأسطورة وتفسخها، الظاهر وتعرية الظاهر، اللغة وإدانة اللغة»(31). يسائل الفصل الأخير الجواب الذي خص به جينيه الأدب والشر. إذا كان جينيه لا يأتي على ذكر اسم باتاي على الإطلاق، فإنه كان يعود مراراً في حواراته إلى مفهوم التواصل، حول علاقته بالقارئ. فهو يلح على أنه يكتب لنفسه فقط، على أنه يلفت الانتباه إلى كونه لا يتبنى من الآن فصاعداً موقف الخصم:  «لست الآن معكم ولا ضدكم، إني في الوقت نفسه مثلكم، ثم إن مشكلتي ليست في معارضتكم بل بفعل شيء ما يشدنا إليه جميعاً، أنتم مثلي»(32).
بالإضافة إلى ذلك ، ففي دراساته الجمالية والنقدية، لـ[كتاب] محترف ألبيرتو جياكوميتي إلى حدود [كتاب] البهلوان، فهو يقوم بتحديد رؤيته للإبداع.
12. إن وضع أعمال باتاي وجينيه في علاقة يسائل التواصل الأدبي، القراءة، شعر المؤلفين اللذين يعتبر ما لا يدافع عنه بالنسبة إليهما مركزياً. يقود باتاي تفكيراً يتطور، يتغير إلى حد المفارقة. تشكل "حالة جينيه" اللحظة حيث إن ذلك الفكر دائماً في حركة، غير مكتمل، متسمر ومتشنج، يجد نفسه مهزوماً أمام مقولاته الخاصة.


الهوامش:

1) فرانسوا بيزيه،  تواصل بدون تبادل، ص 9
2) جورج باتاي، "عن خاصية المجرمين المقدسة" (1949)، أعمال كاملة. جزء 11، "مقالات 1، 1944 ـ 1949"، غاليمار، 1988. ص 468ـ 471
3) فرانسوا مورياك، "حالة جونيه "، الفيغارو الأدبي (26 مارس 1949)؛ أعيد نشره في جان جينيه، مسرح كامل، غاليمار، "مكتبة لا بلياد"، 2002، ص961 ـ 965.
4) النص الأصلي، "جان بول سارتر والعصيان المستحيل لجان جينيه"، نشر في العددين 65 و66 لمجلة نقد، أكتوبرـ نوفمبر، 1952. وأعيد نشره سنة 1957 في الأدب والشر، غاليمار، "فوليو ـ بحوث"، 1994، ص125ـ 154.
5) فرانسوا بيزيه، تواصل بدون تبادل، ص 14.
6) للتذكير بأن هذه المقالة الرائعة تشكل مقدمة الأعمال الكاملة لجينيه لدى غاليمار.
7) فرانسوا بيزيه، تواصل بدون تبادل، ص 33.
8) جورج باتاي، "عن خاصية المجرمين المقدسة"، ص 471.
9) جورج باتاي، حول نيتشه، (1944)، أعمال كاملة، جزء 6، غاليمار 1973، ص 50.
10) فرانسوا بيزيه، تواصل بدون تبادل، ص 34.
11) حول نيتشه، مرجع مذكور، في الهامش.
12) جورج باتاي، "الابتهاج أمام الموت"، أعمال كاملة، جزء 11، غاليمار، 1970، ص 245.
13) فرانسوا بيزيه، تواصل بدون تبادل، ص 42.
14) نفسه. ص 57.
15) جورج باتاي، المذنب، أعمال كاملة، جزء 5، غاليمار، 1973، ص 266.
16) جورج باتاي، "كوليج السوسيولوجيا"، أعمال كاملة، جزء 11، غاليمار، 1970، ص 369.
17) فرانسوا بيزيه، تواصل بدون تبادل، ص 71 ـ 72.
18) جورج باتاي، التجربة الداخلية، أعمال كاملة، جزء 5. غاليمار، 1973، ص 101.
19) نفسه ، ص 158.
20) فرانسوا بيزيه، تواصل بدون تبادل، ص 166.
21) نفسه، ص 174.
22) جورج باتاي، "عن خاصية المجرمين المقدسة"، ص 469 ـ 470.
23) نفسه، ص 470.
24) جورج باتاي، الأدب والشر. ص 143.
25) فرانسوا بيزيه، تواصل بدون تبادل، ص207.
26) جورج باتاي، الأدب والشر، ص 138.
27) فرانسوا بيزيه، تواصل بدون تبادل، ص 238.
28) جورج باتاي، الأدب والشر، ص 128: «ليس المجتمع هو الدنيء ، بالنسبة لجونيه ، بل هو الدنيء نفسه: فهو سوف يعرف بالضبط الدناءة بما هي عليه، بما هي بشكل سلبي ـ إن لم يكن بفخر».
29) فرانسوا بيزيه، تواصل بدون تبادل، ص 14.
30) نفسه، ص 335.
31) جان بول سارتر، القديس جينيه ، ممثلا وشهيدا، الأعمال الكاملة لجان جينيه، جزء 1. غاليمار، 1952. ص 627.
32) جان جينيه، العدو المعلن، غاليمار، 1991، ص 11.


المصدر: النص الفرنسي تحت عنوان : (Les Lectures Paradoxales de Genet par Bataille) لصاحبته مريام بنضيف سيلاس Myriam Bendhif- Syllas) ( وهي حاصلة على شهادة الدكتوراه في الأدب الفرنسي. تشتغل بالتدريس بجامعة ستراسبورغ. أطروحتها تحت عنوان: جينيه، قارئاً لبروست، نشرت سنة 2010 بعنوان: جينيه، بروست، طرق متصالبة عن دار نشر L’Harmattan) (. والمقال الذي قمنا بترجمته يشكل قراءة قامت بها الباحثة في كتاب فرانسوا بيزيه: (une communication sans échange . Georges Bataille critique de Jean Genet ,genéve :droze , coll. « histoires des idees et critique littéraire » ,2007 , 440 p) . عن مجلة أكتا فابولا مارس 2010 عدد 3 . الموقع الإلكتروني للمجلة : www.fabula.org

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق