الثلاثاء، 3 نوفمبر، 2015

ذُهان 4:48؛ سارة كين

مسرحية: ذُهان 4:48
تأليف سارة كين
ترجمة يحيى البوبلي
تصميم الغلاف واللوحات الداخلية قصي طارق


تقديم: عن سارة كين

سيكون الحكم على أعمال الكاتبة الإنجليزية سارة كين متسرعاً إذا ما نظرنا إليها بمعزل عن حياتها الشخصية. وبنفس الوقت، ستبدو تحليلاتنا، دون أدنى شك، غير ناضجة إذا ما اختزلنا فهمها فقط في ضوء الأحداث القاسية التي مرت بها الكاتبة بحياتها، خاصة في فتراتها الأخيرة. إن سارة كين حالة متفردة من الأدباء؛ فهي كاتبة مسرحية أخذت تجربة الكتابة إلى أقصى مدى ممكن، متجاوزة بذلك الكثير من الخطوط الحمراء سواء على مستوى الشكل أو المضمون. كما يمكن القول إنها مثال صارخ لما يمكن أن يصل إليه المبدعون في حياتهم من الشعور بالغربة، والتهاوي بين فكّي الألم.
ولدت سارة كين عام 1971 في مقاطعة إيسكس في إنجلترا. كان أبواها متدينين، وكانت هي مسيحية ملتزمة في فترة مراهقتها، لكنها تخلت عن إيمانها فيما بعد. درست الدراما في جامعة بريستول، ثم حصلت على الماجستير في الكتابة المسرحية من جامعة برمنغهام. عانت كين من الاكتئاب الشديد لسنين طويلة من حياتها، لكن هذا لم يمنعها من الكتابة بشكل مستمر. اضطرت للدخول لمستشفى الأمراض النفسية مرتين بسبب اكتئابها وأفكارها الانتحارية. حاولت سارة كين الانتحار عبر تناول جرعة مفرطة من دوائها، فتم إدخالها إلى مستشفى الكلية الملكية في لندن، وهناك عاودت المحاولة مرة أخرى، عبر شنق نفسها برباط حذائها في الحمام. هذه المرة نجحت، لتموت عام 1999، مخلفة لنا خمس مسرحيات وفيلماً قصيراً، والكثير من الدهشة.

تتسم لغة سارة كين بالكثير من الشاعرية، وهي تدمج لغة العامة باللغة الإنجليزية العتيقة ذات التعابير الفخمة، فنحصل على مزيج من الكلمات والجمل تعبّر عن الصراعات والأحداث الملتهبة الدائرة في أعمالها. أثارت مسرحيات كين الكثير من الجدل والتضاد في الآراء بين النقاد، بسبب تناولها مواضيع جريئة ومشاهد غاية في العنف، خاصة فيما يخص الجنس.
ذهان 4.48
تعتبر هذه آخر مسرحية كتبتها المؤلفة، وقد انتحرت بوقت قصير بعد كتابتها، وتم عرضها على المسرح لأول مرة بعد وفاتها.
يشير ديفيد غريغ، صديق سارة كين وزميلها في العمل، إلى أن الوقت 4:48 هو الوقت الذي كانت تستيقظ فيه سارة فجراً في الكثير من الأيام في فترة اكتئابها. لا شخصيات واضحة في هذا العمل، ولا إشارة من الكاتبة للجهة المتكلمة عبر مختلف مقاطع المسرحية، ولهذا فالعمل منفتح على عدد كبير من التأويلات المحتملة. وبالفعل قد اختلف عدد الشخصيات في المرات المختلفة التي عرض فيها هذا العمل على المسارح. هناك شخصية بطلة تتكلم، مصابة باكتئاب شديد، وموجودة في مصح عقلي. لانعرف على وجه التحديد إن كانت سارة تتحدث عن تجربتها الشخصية هنا أم عن شخصية متخيلة، إلاّ أننا نستطيع القول، بدرجة عالية من الثقة، إن الحالة النفسية التي مرت بها الكاتبة في آخر فترات حياتها قد لعبت دوراً هاماً في رسم ملامح هذا العمل.
لقد بلغت محاولة كين في الدمج بين الشكل والمضمون ذروتها في هذه المسرحية. تتوارى الشخصيات خلف اللغة المبهمة، وتتناثر العبارات بالكيفية التي تتناثر بها الأفكار في عقل المريض النفسي. هناك ومضات سريعة تكاد لا تبدو من الأمل، تظهر على خلفية من السوداوية الخانقة واليأس اللامتناهي. كما يحمل النص بين طياته جدلية بين الرغبة الملحّة لترتيب الحياة والحاجة إلى تدمير الذات.
مما يثير الاهتمام في هذه المسرحية ذكر العديد من التفاصيل الدقيقة التي تتعلق بالتعامل مع المريض في المستشفى النفسي. هناك حوار مطوّل بين المريضة، بطلة المسرحية، وطبيب نفسي ما، يكشف لنا عن الأسئلة التي لا بد للأطباء النفسيين من سؤالها عند مقابلتهم لمن يعاني اضطراباً نفسياً. كما تذكر كين أسماء عدد من الأدوية مع جرعاتها وأعراضها الجانبية. لا نعلم بالتحديد إن كانت المؤلفة قد تناولت شخصياً هذه الأدوية أو بعضاً منها أثناء علاجها من الاكتئاب، وهنا، مرة أخرى، يضطرنا النص لمعاودة التفكير في العلاقة بين سارة كين وبطلة المسرحية. أريد أن أعلق هنا على الأرقام الواردة في نص المسرحية؛ تشير الكاتبة إلى فحص "السبعة المتسلسلة"، وهو فحص يطلب فيه من المريض أن يبدأ من الرقم 100 ويطرح العدد سبعة بشكل متتالٍ، ويستخدم هذا الفحص للتحقق من قدرة الشخص على التركيز والانتباه.
منذ أن تم تأليف هذا العمل، تم عرضه على المسرح مرات عديدة، بدءاً من إنجلترا مروراً بدول أوروبية كثيرة حتى القارة الأمريكية. وقد ترجم العمل، بالطبع، إلى عدد من اللغات. جمالية النص تظهر في انفتاحه على عدد كبير من التأويلات، وبالتالي اختلفت رؤية المخرجين المسرحيين الذين أخرجوا العمل، سواء من حيث عدد الشخصيات أو طريقة عرض الحوارات. أرجو أن أكون قد وفقت في ترجمة هذا العمل المهم إلى العربية، آملاً أن يصل إلى أكبر عدد من القراء العرب، وأن يتم تحويله إلى عمل مسرحي بواسطة أحد المخرجين المبدعين العرب.

هناك تعليق واحد:

  1. شكرا جزيلا من كل قلبي كنت ابحث عن مولفاتها مترجمة للعربية للاسف لم اجد الا ترجمتك شكرا لك و ترجمتك جميلة مثلك

    ردحذف