الأربعاء، 11 نوفمبر، 2015

يسقط من يوزع الخبز الملعون على الطيور: أندريه بروتون

ترجمة  صلاح برمدا

ونقرأ في "الكتاب الثالث للسحر": «كلّ إنسان، رغبة في بلوغ الغاية السامية للروح، يذهب ليستنطق أصوات الآلهة، عليه، كي يصل، أن يجرد ذهنه من الأشياء الساقطة وأن يطهره من كل مرض، وخبل، وخبث وعيوب مماثلة ومن كل حالة مخالفة للعقل تلحق به كما يلحق الصدأ بالحديد» ويحدد "الكتاب الرابع" بحزم أن الكشف المنتظر يتطلب أيضاً الوجود «في مكان طاهر ونير، مسجفة جوانبه بستائر بيضاء»، وعدم مجابهة «الأرواح الشريرة منها والخيرة إلا بمقدر "درجة السمو" المفضية إليها. ويشدد التأكيد على أن كتاب الحرص على حالة النظافة الوضاءة لألبستهم ولروحهم، وما كنت لأقر، ونحن ننتظر ما ننتظر من بعض ممارسات الكيمية الذهنية، أن نرضى بالظهور، في هذا الصدد، أقل حرصاً منهم.
أندريه بروتون
لكن هذا ما يعاب علينا باللهجة الأمرّ، وما يبدو أقل استعداداً من أي آخر أن يغفرها لنا السيد باتاي الذي يقوم الأرواح الشريرة مصنوع «من ورق نقي جداً لم يستخدم أبداً في استعمال آخر». يسمى، عادة، الرق البكر.
ليس من مثال على أن علماء النجوم لم يكونوا شديدي في الوقت الحاضر، في مجلة "وثائق" بحملة مضحكة ضد ما يسميه «التعطش القذر لجميع الكمالات». والسيد باتاي لا يلفتني إليه في حدود ادعائه معارضة نظام الذهن الشديد الذي نريد بتصميم أن نخضع له كل شيء –ولا يسؤنها اتهام هيغل بالمسئولية الرئيسية عنه-، بنظام لا يتمكن، حتى، من أن يبدو أكثر ليناً، لأنه يميل أن يصبح نظام "اللاذهن" (وهنا بالذات ينتظره هيغل). فالسيد باتاي يجاهر بأنه لا يريد أن يعتبر من العالم إلا ما فيه الأحقر والأبعث على اليأس والأشد فساداً. ويدعو الإنسان، كي يتحاشى أن ينفع في أي شيء معين، «أن يركض هائماً "معه هو"- وقد عشيت عيناه فجأة وامتلأت بدموع منكرة- نحو بيوت ريفية تسكنها الأشباح، أقبح من ذباب وأفسق وأزنخ من "دور الحلاقة". لئن طرأ لي نقل مثل هذا الكلام فلأنه، في رأيي، لا يلزم السيد باتاي وحده، بل أيضاً جميع الذين، من السورياليين السابقين، أرادوا أن يكون لهم ملء الحرية أن يبتذلوا في أي مكان. لربما كان السيد باتاي من القوة بحيث يجمعهم، وسيكون طريفاً أن يستطيع. فعند الانطلاق في السباق الذي ينظمه، كما رأينا، السيد باتاي يقف منذ الآن السادة دسنوس ولايريس وليمبور وماسون وفيتراك، ولا يجد أحد تفسيراً لتأخر السيد ريبمون- ديسنيى في الحضور. أقول إنها دلالة عظيمة أن نرى، من جديد، متجمعين، جميع الذين أبعدتهم نقيضة ما عن نشاط  أول محدد لأن من المحتمل جداً أن لا يكون لهم غير استياءاتهم يتشاركون فيها. هذا، ويطيب لي تصور عدم إمكان الخروج من السوريالية دون الوقوع على السيد باتاي، لشدّة ما هو صحيح أن يكره الشدة لا يعرف التعبير عن ذاته إلا بخضوع جديد للشدّة.
وليس عند السيد باتاي إلا ما هو معروف جداً، حيث نشاهد عودة هجومية للمادية اللاجدلية القديمة تحاول، هذه المرة، أن تشق لنفسها طريقاً، دون تبرير، من خلال فرويد، وها هو يقول: «مادية، تفسير مباشر، ينفي كل فكرية للظواهر على طبيعتها، مادية ينبغي، كيلا ينظر إليها كفكرية خرقاء، أن تؤسس، مباشرة، على الظواهر الاقتصادية والاجتماعية». وإذا لم تحدد هنا "مادية تاريخية"، (وهل كان التحديد ممكناً؟)، لا نجد بداً من ملاحظة أن هذا، من وجهة النظر الفلسفية للتعبير، مبهم، ومن وجهة النظر الشعرية للتجديد، معدم.

والأقل إبهاماً هي الحتمية التي يريد السيد باتاي إعطاءها لعدد  قليل من أفكار خاصة له، لا ندري، باعتبار أوصافها، إن كان علاجها الطب أو الرقى والتعاويذ. فبالنسبة إلى ظهور الذباب على أنف الخطيب (جورج باتاي: "صورة إنسانية" – وثائق، العدد الرابع) وهي حجته الدامغة ضدّ "الأنا"، نحن نعرف النغمة القديمة الباسكالية والسخيفة، وسبق لـ لوتريامون أن قضى عليها من زمن طويل: «إن ذهن أعظم رجل، (ولنشدد بقوة على أعظم رجل) ليس من التبعية بحيث يكون قابلاً للاضطراب لدى أول صوت "للضوضاء" التي تحدث من حوله. لا ينبغي صمت مدفع ليمنع أفكاره. لا ينبغي صوت دولاب هواء أو بكرة. إن الذبابة لم تعد تعقل جيداً الآن. إن رجلاً يطن في أذنيها» إن الإنسان الذي يفكر، يمكن أن يحط على قمة جبل كما على أنف ذبابة. ولسنا نطيل الحديث عن الذباب إلا لأن السيد باتاي يحب الذباب. أما نحن، فلا. إننا نحب قلانس المستحضرين القدماء، القلانس من كتان خالص، المعلق على مقدمتها صفيحة من ذهب، والتي لم يكن يقع عليها الذباب، لأن مراسم تطهير أقيمت لطرده. والمصيبة، عند السيد باتاي هي أنه يعلل: يعلل، طبعاً، كأحد «على أنفه ذبابة»، الأمر الذي يجعله أقرب إلى الميت منه إلى الحي، لكنه يعلل. إنه يحاول، مستعيناً بالآلية التي لم تصبح تامة الاختلال في ذهنه، لجعل الآخرين يشاركونه في هوسه. بل إنه، بهذا، لا يستطيع الادعاء، مهما يقل، بمقاومته كبهيمة لكل نظام. إن ما في وضع السيد باتاي من متناقض، ومن مزعج له، هو أن خوفه الجنوني من "الفكرة" بدءاً من حاولته الاشتراك فيه، لا يمكن إلا أن يتخذ صيغة فكرية. وهو، في اصطلاح الأطباء، حالة عجز واع ذات شكل تعميمي. وبالفعل، هذا شخص يضع كمبدأ، «إن الإشمئزاز لا ينتج أي رضى مرضي وإنما يعلب فقط دور الزبل في النمو النباتي، زبل ذي رائحة خانقة ولا شكّ، لكن نافع للنبتة». هذه الفكرة، رغم مظهرها البالغ الابتذال، هي في ذاتها عديمة السداد أو مرضية (ويبقى إثبات أن بول وبيركلي وهيغل وراب وبودلير ورامبو وماركس ولينين، كانوا يتصرفون في حياتهم تصرف الخنازير).  وأمر يلفت الانتباه هو أن السيد باتاي يفرط إلى حدّ الهذيان في استعمال النعوت: ملوث، شيخوخي، زنخ، بطر، أحمق، وأن هذه الألفاظ لا تأتي لاستنكار وضع غير محتمل، بل للتعبير، في أشد طرب، عن تلذذه. وإذا سقطت «المكنة التي لا تسمى» التي يتكلم عنها جاري في صحن السيد باتاي، أعلن هذا عن بهجته(1) العظيمة. وهو، الذي، طوال ساعات النهار، يمرر على مخطوطات قديمة، وأحياناً ظريفة، الأصابع الحذرة لأمين كتب (والكل يعلم أنه يشغل هذه الوظيفة في المكتبة الوطنية)، يتغذى، في الليل، بالقذارات التي يتمنى لو كانت تلك المخطوطات مشحونة بها، بدليل تلك اللوحة عن "الجليَّان" التي في كنيسة سان – سيفر والتي خصها بمقالة في العدد الثاني من وثائق، مقالة هي، الأنموذج الكامل للشهادة الكاذبة. لينتقل القارئ إلى لوحة "الطوفان" المنشورة صورتها في ذات العدد وليقل لي إذا كان يرى فيها «شعوراً فرحاً وغير متوقع يظهر مع المعزة المرسومة في أسفل الصفحة ومع الغراب ذي المنقار المغروز في لحم (هنا يبلغ السيد باتاي قمة النشوة) رأس بشري»؟ أن يعير هيئة آدمية لعناصر معمارية كما فعل طوال تلك الدراسة وفي غيرها، هو أيضاً، ولا أكثر، علامة وهن نفسي. والحقيقة هي أن السبب باتاي تعب جداً وحسب، وحين يعمد إلى الملاحظات العالية التي يعتبرها مذهلة «بأن داخل الوردة لا يتلاءم أبداً مع جمالها الخارجي وأنه إذا اقتلعت حتى الأخيرة نويرات وتويجها لا يبقى منها سوى ترس ذي منظر قذر»، لا يدعوني إلى غير الابتسام لتذكار تلك القصة لـ ألفونس أليه عن سلطان استنفد جميع وسائل التسلية وأشفق كبير وزرائه عليه أن يصيبه السأم فلم يهتد إلى غير أن جاءه بفتاة بالغة الحسن بدأت ترقص أمامه مثقلة بغلائل، كانت من الجمال بحيث أن السلطان كان يأمر كلما توقفت عن الرقص أن تنزع عنها غلالة، حتى إذا أصبحت عارية أمر السلطان بتعريتها أكثر، وبادر الجند إلى سلخها حية. فالحقيقة هي أن الوردة إذا حرمت من نويراتها تبقى الوردة. هذا إلى أن فتاة القصة استأنفت رقصها.
ولأعارض أيضاً «بالفعلة المخزية للمركيز دو ساد المسجون مع المجانين الذي كان يطلب بإتيانه بأجمل الورود ليلقي بنويراتها في جورة الرحاض» سأجيب بأن عمل الاحتجاج هذا، كي يفقد وقعه المدهش، يكفيه أن يكون لا من صنع رجل قضى، من أجل أفكاره، سبعاً وعشرين سنة من عمره في السجن، بل من صنع "جالس" في مكتبة. إذ كل شيء يدلّ، في الصحيح، أن ساد، الذي كانت عنده إرادة الانعتاق الأخلاقي والاجتماعي، خلافاً للسيد باتاي، لا يرقى إليها شكّ، لكي يجبر الذهن الإنساني أن يتحرر من قيوده، قصد فقط بفعله النيل من المعبود الشعري، من تلك "الخاصة" التقليدية التي تجعل من الزهرة، في نطاق ما يستطيع أحد تقديمها، بواسطة النقل الزاهية للعواطف الأنبل أو الأسفل. ويجب، مع ذلك، التحفظ في قبول مثل هذا العمل الذي، حتى إذا لم يكن خرافياً، لا يمكن أن يدحض في شيء الاستقامة التامة في ذهن وفي حياة ساد، والحاجة البطولية التي أحسّ بها، لخلق نظام أشياء لا يتبع مطلقاً ما كان قد حدث قبله.
والسوريالية الآن أقل استعداداً منها في أي وقت للاستغناء عن هذه الاستقامة وللاكتفاء بما يخليه هذا البعض أو ذاك، بين خانتين يمهدون لها بالذريعة المبهمة المقيتة، ذريعة ضرورة العيش، إننا نأبى صدقة "المواهب" هذه. ومن شأن ما نطلبه، فيما نرى، أن يستدعي قبولاً أو رفضاً تاماً، ولا وعداً زيفاً أو ميلاً متردداً. هل يرغب في المخاطرة بكل شيء لمجرد الفرحة، أن يلمح من بعيد في أقصى عمق البوتقة التي نقترح أن نرمي فيها رفاهاتنا التافهة وما تبقى لنا من سمعة طيبة وشكوكنا، خليطاً من البهرج الجميل "المحسوس" وفكرة العجز القطعية وبلاهة واجباتنا المزعومة، الضياء الذي لن يعود يخبو؟
نحن نقول إن العملية السوريالية لا حظّ لها في النجاح إلا إذا تمت في شروط تعقيم معنوي قليل من الناس، إلى الآن، يقبلون أن يجري حديثه. فمن المستحيل، دون هذه الشروط، توقيف سرطان الذهن هذا، الكائن في التفكير بألم بالغ بأن بعض الأمور "هي" موجودة بينما غيرها التي يمكن جداً أن توجد "ليست" موجودة. وكنا قدمنا أن على هذه الأمور جميعاً أن تندمج أو تتحاجز استثنائياً عند الحد. ولا ينبغي الاقتصار على ذلك بل عدم استطاعة عمل أقل من السعي بكل جهد لبلوغ هذا الحد.
إن الإنسان الذي قد يتخوف، خطأ، من بعض إخفاقات تاريخية فظيعة، لا يزال حراً أن يؤمن بحريته. إنه سيد نفسه، رغم السحب الهرمة التي تمر وقواه الكفيفة التي تتعثر. أليس لديه الشعور بالجمال القليل المختلس، وبالجمال الكبير الذي في المتناول والقابل الاختلاس؟ ومفتاح الحب الذي كان الشاعر يقول إنه وجده، ليفتش عنه هو أيضاً: إنه معه. عليه وحده يتوقف أن يرتفع فوق الإحساس العارض بأنه يعيش عيشاً خطراً ويموت. ليستعمل، غير آبه بأي تحريم، سلاح الفكرة المنتقم ضد حيوانية جميع الناس وجميع الأشياء، فإن يغلب يوماً، -إن يغلب، فقط إذا كان العالم عالماً-، فليستقبل رصاص بنادقه البائسة كطلقات تحية.


الهامش:
1) في "الفرق في فلسفة الطبيعة عند ديموكريت وإبيقور" يبين لنا ماركس كيف، في كلّ زمن، يولد، هكذا، فلاسفة –شعر، وفلاسفة –أظافر، وفلاسفة –أخامص، وفلاسفة غائط...


المصدر: أندريه بروتون، البيان الثاني. من كتاب "بيانات السوريالية والأواني المستطرفة"، أندريه بروتون، ترجمة صلاح برمدا، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، الطبعة الثانية، صص 115- 123

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق