الأربعاء، 11 نوفمبر، 2015

الأسد المخصي: جورج باتاي

ترجمة محمد العرابي

"جثة" المقال الجماعي الذي نشره باتاي ومجموعة من الأدباء
 ضدّ"البيان الثاني" وكان عنوان رد باتاي "الأسد المخصي"
ليس لدي الكثير لأقوله في شخص أندري بروتون الذي بالكاد أعرفه. فلم يكن يثير اهتمامي بتقاريره البوليسية. ما يؤسفني حقاً هو شغلُه الناسَ لمدّة طويلة بحماقاته المخبولة.
   ولتنفقئ العقيدة مع هذه المثانة الدينية الخَلِقة.
إنه يستحق، بالمقابل، بعض العَناء لنحتفظ بذكرى هذا الخُراج المتورِّم من التشدُّق الكلامي الكهنوتي، لغايةٍ واحدة: تَنْفيرُ الناشئة من مغبة إخصاء أنفسهم بالأوهام.
هنا يرقد الثَّور بروتون، مُدَّعي الفن العجوز، الثوريُّ الزائفُ برأس المسيح.
إن إنساناً يلهجُ فمُه دوماً بعبارات الاحترام ليس إنساناً وإنما هو ثورٌ، أو كاهنٌ بل وممثلٌ لسلالة لا اسم لها، بهيمةٌ ذو شعر كثّ، ورأس يقطِّرُ اللعاب، أي الأسد المخصيّ.
   يتبقى لنا إذن السؤال الشهير للسريالية، كعقيدة جديدة حقَّقت، على رغم المظاهر، نوعاً من النجاح غير الواضح. ولا أحد بالمقابل يشكُّ بأن الشروط الأولية للنجاح الديني لم تجتمع للعقيدة السوريالية، من "سرٍّ" يصيب العقائد ليصل حد الاحتجاب، ومن "نفاق" يصيب الأشخاص ليصل، بواسطة بيان أسرف في تفخيمه، وفي بهرجته كنعش، لنوع من الوقاحة البذيئة.
لكن يظهر مع ذلك أنه من الضروري ألا أترك أي لبس في عرضي للأمور. فأنا لا أتكلم عن عقيدة سوريالية فقط للتعبير عن اشمئزاز لا يقهر، ولكن بدافع التدقيق العلمي، لغايات هي نوعاً ما تقنية.
   وأفترض أنه من الغباء أن نتحدث عن العنف ونحن نحتال لنلفّ ما يشبه العنف بالغموض. ومن الممكن بدون أدنى شك أن نحتفظ بالرجولة البذيئة والاعتراض على الخمول كما على الطغيان البورجوازي باستعمال مداخل تقنية. فالوعي الممقوت الذي يتكون لدى كل كائن إنساني عن الخِصاء العقلي له شيء يسير من الأشياء الحتمية التي يُعبَّر عنها في الشروط الطبيعية على شكل ممارسات دينية، لأن ما يسمى بالكائن الإنساني، لكي يهرب من مواجهة خطر بشع والمحافظة مع ذلك على نكهة الوجود، يحوِّل نشاطه إلى الإطار الأسطوري. وكما يموِّه بهذا الشكل حرية زائفة، فإنه لا يجد أي صعوبة في تجسيد الكائنات الرجولية، التي ليست في الحقيقة سوى أشباح، ويخلط بالتالي، بنذالة، حياته الخاصة مع شبح، لكن الجميع يعلم اليوم بأن تصفية وضع المجتمع المعاصر لن تحقق النجاح كما حدث في نهاية الحقبة الرومانية مع المسيحية. وإذا ما استثنينا أدعياء الفن الأقل جاذبية، فلا أحد يريد أن يدفن نفسه في تأمّل أعمى وغبي، ولا أحد يطمح إلى حرية خرافية.
سعتِ السوريالية، منزعجةً من رؤيتها هذه التصفية تحدث فقط على الصعيد السياسي، وتُترجَم فقط على يد حركات ثورية، اعتماداً على النزعة اللاشعورية الظلامية وعلى المكر السياسي للجيفي بروتون، للاندساس ما استطاعت في مقطورة الشيوعية. ومع فشله في مناورته، أي بروتون، اكتفى بإخفاء مشروعه العقَائدي تحت ستار تشدُّق كلاميّ ثوريّ بئيس. لكن ألا يمكن اعتبار الوضعية الثورية لشخص كـ بروتون ليست شيئاً آخر غير عملية احتيال؟
   إن شخصاً ساذَجاً مزيَّفاً حطَّمَهُ الغَمُّ في تهويماته في عمل "أراضي الكنز"، هو شخص جيِّدٌ يصلُح لخدمة عقيدة، وهو نموذجٌ جيِّد بالنسبة لمخصيِّين صغار، لشعراء صغار، لمشعوذين-مُهارِشين. لكننا لن نغير شيئا بكِرْش رخوةٍ منتفخةٍ، ومع باقة مكتبية من الأوهام.


مصدر النص الفرنسي:

 جورج باتاي: الأعمال الكاملة، المجلد الأول، غاليمار 1970، صفحة 218 و219.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق