الجمعة، 29 أبريل، 2016

الجسد الطوباوي، أماكن أخرى: ميشال فوكو




الجسد الطوباوي، أماكن أخرى
تأليف ميشال فوكو
ترجمة محمد العرابي


تصميم الغلاف نصر سامي

تصميم الصور الداخلية قصي طارق








لغة، مجتمع، جسد
طوباويات، وأماكن أخرى عند ميشيل فوكو

فليب سابو
جامعة ليل – شمال فرنسا
نريد، في ما يلي من قول، مساءلة المبحث الفوكوي عن الفضاء، مع التركيز بخاصة على أرشيف نادر يمكننا من خلاله عرض مجموعة من الجوانب الحاسمة انطلاقاً منه. هذا الأرشيف يتألف من باقة من محاضرتين إذاعيتين صوتيتين من 25 دقيقة لكل واحدة منهما، أذيعتا يومي 7 و21 دجنبر 1966 على أمواج إذاعة فرنسا الثقافية في إطار برنامج "ثقافة فرنسية" لروبير فاليت. هاتان المحاضرتان الإذاعيتان لمشيل فوكو جاءتا ضمن سلسلة من البرامج المخصصة لموضوع "اليوطوبيا والأدب". آنذاك كانت إحداهما تحمل عنوان: اليوطوبيات الحقيقية أو "أماكن وأماكن أخرى"، والثانية كانت تحت عنوان: "جسد طوباوي"، وتم تقديمهما باعتبارهما «دراستين أدبيتين لميشيل فوكو». وقد تمت أرشفتُهما من طرف المعهد الوطني للسمعي البصري، وجمعُهما في 2004 في قرص مدمج ضمن سلسلة "ذاكرة حية"،يحمل التصنيف النوعيّ عنوان: يوطوبيات وأماكن أخرى (Utopies et hétérotopies).
   هاتان المحاضرتان تثيران الانتباه بعناوينهما العديدة. تشكلان بداية، وثيقة أصلية نسبياً ضمن عمل فوكو. ومع هذا القرص المدمج ندخل بالفعل إلى أرشيف مسموع لا إلى نص مكتوب، كما هو الحال في الغالب مع "الأقوال" لفوكو [بدءاً بالمحاضرات –المنشورة تحت قاعدة الملاحظات المخطوطة لفوكو، ولكن أيضاً الحوارات، المنشورة في المجلات والنشرات في حياة فوكو أو المجمعة بعد وفاته في النشرات الشهيرة: أقوال وكتابات، دار غاليمار]. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن نسجل، أنه إذا كان فوكو قد حظيَ في مناسبات عديدة بفرصة الحديث للإذاعة، فقد كان ذلك في أغلب الأحيان للمشاركة في حوارت أو نقاشات كانت تثيرها كتبه المنشورة أو شخصيته كمفكر يحظى بحضور إعلامي. والحاصل أن هاتين المحاضرتين الإذاعيتين لسنة 1966، المعاصرتين للطبعة الأولى من: "الكلمات والأشياء"، وللعاصفة الكلامية التي أثارتها على الفور "حفريات العلوم الإنسانية"، تبدوان غريبتين نسبياً على النقاشات الحادة حول مقولة "موت الإنسان". وبعيداً عن تقديم تفسيرات لعمل أركيولوجيا المعرفة الغربي الذي كان يتواصل في نفس اللحظة، فقد كانت المحاضرتان تقذفاننا على الأصح صوب مسرح آخر، على أرضية أخرى، مانحتين بذلك الإمكانية لمعالجة المسألة الجوهرية للفضاء بطريقة مختلفة عن علاقته الأحادية مع اللغة والمعرفة.
إلا أنه مع ذلك، فهذه الملاحظة الأولية المتعلقة بطبيعة الأرشيف الذي سيكون موضع تساؤل في ما سيأتي من مبحثنا تَبقى ناقصةً. وبالفعل، ينبغي أيضا التدقيق أن أولى المحاضرتين المذاعتين في دجنبر (ديسمبر) 1966، أي "أماكن أخرى" (hétérotopies)، ستعرف مصيراً فريداً من نوعه، وهو ما أبرز معالمه دانيال دوفير في تقديمه لقرص مدمج ثان. وبمبادرة من إيونيل شاين الذي صادف أنه كان وراء جهازه للراديو يستمع للمحاضرة الأولى لفوكو، وُجِّهت الدعوة لهذا الأخير لأن يقدم من جديد محاضرته، في نسخة معدلة تعديلاً طفيفاً، أمام حلقة الدراسات المعمارية لباريس في مارس 1967. هذه المحاضرة الجديدة المعنونة بـ: "فضاءات أخرى"، لم يرخِّص بنشرها إلا في 1984، بمناسبة معرض برلين الحامل لشعار: فكرة، سيرورة وحصيلة في متحف "Martin-Gropius-Bau" [متحف برلين للفنون الزخرفية]. هذا النص ظهر بعد ثمانية عشر عاماً أول بث إذاعي له، في مجلة: فن العمارة. تيارات. استمرارية. والواقع أن هذه الاستعادة للمحاضرة حول الأماكن الأخرى، الملقاة لمرة ثانية أمام الجمهور المتخصص للمهندسين المعماريين والمهندسين في تنظيم المدن [المحترفين في الفضاء المديني]، من شأنها أن تعطي النصَّ حياةً ثانية، في فرنسا ثم لاحقاً في الخارج [في ألمانيا، وإيطاليا، والولايات المتحدة]، وستُفضي إلى خلق كرسي علم الأماكن الأخرى (L’hétérotopologie) في جامعة كليفورنيا، لوس أنجلس، بتحريض من عالم الجغرافيا الحضرية إدوارد صويا. وهو ما شكل صيغة لأن يُحمل الاقتراح الطوباوي لفوكو خلال محاضرته الأولى بكثير [بإفراط؟] من الجدية: «أحلم بعِلم -وأشدِّد على عِلم- ستكون هذه الفضاءاتُ المختلفةُ موضوعاً له، هذه الأماكنُ الأخرى، هذه النزاعاتُ الأسطوريةُ والحقيقيةُ حول الفضاء الذي نحيَى فيه». هذا الاقتراح اقتضى مع ذلك بعض التصويب أو في الأدنى تخفيف طموحه في النسخة المكتوبة لنفس المحاضرة بعد أسابيع أمام حلقة الدراسات المعمارية- كما لو أن فوكو توجَّس في آن من القيمة الزائدة التي قد يحمِّلها مهندسو فن العمارة ومهندسو المدينة لتأمُّله التجريبي على شكل دراسة حرة حول موضوع الأماكن الأخرى: «يمكننا أن نفترض، أنا لم أقل "علم"، لأنها كلمة تستعمل اليوم كثيراً في غير محلها، ولكنها نوع من الوصف المنظَّم» يتعلق الأمر بالفعل بتحليل بنيوي –للأماكن الأخرى و«هذا الوصف يمكن أن ندعوه علم الأماكن الأخرى».
وهكذا وجدت محاضرة "الأماكن الأخرى" نفسها تتعرض للاستغلال بل وللإفراط في الاستغلال من لدن أولئك الذين أخذوا علماً بها منذ نهاية الستينيات وطيلة سنوات السبعينيات والثمانينيات والذين جعلوا من مبدأ المكان الآخر نفسه ربما أكبر من آلية لتحليل الفضاء المديني، بأن جعلوا منه مفتاحاً كونياً لتأويل فضاءات وسلوكات مدينية معاصرة [فنية، واحتفالية، وجنسية، وأحياناً ثلاثتهم مجتمعين!]. والثراء المذهل لهذه المحاضرة لم يقتصر مفعوله فقط بالمقابل على إدراجه ضمن العمل المكتوب لفوكو. بل ساهم بطريقة غير مباشرة، في إغراق المحاضرة الأخرى لدجنبر 1966 في النسيان، أي محاضرة "الجسد الطوباوي"، التي غابت أيضاً عن طبعات: "أقوال وكتابات"، فيما كان هذان المبحثان يشكلان بوضوح في ذهن فوكو، زمن إذاعتهما، مصنَّفاً من قسمين إذاعيين حول الموضوعة العامة لليوطوبيا. والجوهري في أطروحتنا يقتضي منا في المقابل أن نشدِّد على الوحدة الإشكالية لهذا المصنف من قسمين، وتوضيح النزوع الذي يحركه. سنوضح بخاصة أن هذا النزوع، عند فوكو، لا يذهب فقط من فكر للفضاء المضاعف نحو فضاء للداخل وفضاء للخارج، بل أيضاً من تمفصل حاسم بين يوطوبيا ومكان آخر يشتغل بطريقة مفارقة على مستويات المعرفة، والاجتماعي، والجسد.
بقية المقدمة بالكتاب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق