الأربعاء، 27 أبريل، 2016

تخليق الإحساس؛ تجارب في الخطاب ما بعد الحداثيّ: إيهاب حسن



ترجمة محمد عيد إبراهيم


فاتحة
تخليقُ الإحساس: قد يتّخذ المرءُ هذا العنوان، بإحساسهِ الأقوى، كاستفهامٍ عما يعنيه أن يكونَ إنساناً. لكني أرتدّ سريعاً إلى عنواني الفرعيّ، بغطرسةٍ كافية، لأشيرَ إلى تجاربَ معرفيةٍ عن الخطابٍ، في لحظتنا ما بعد الحداثية.
إيهاب حسن
لكن نَصّيّ نفسَه جزءٌ من تلك اللحظة. فكيف أتبصّر، إذن، في أزمة المعنى، ومعانيّ قد "تَبَصّرت"، ولا تزالُ، تخلقُ إحساساً بأزمةِ الإحساس في عصرنا؟ ولأني براجماتيّ بعضَ الوقت، أودّ ببساطةٍ أن أروي سبعَ حكاياتٍ مفيدة. سرودٌ فكرية جديرة بالتصديق عن وضعنا. كلّ منها جزئيّ، غيرُ حاسم بعد، جُمّعَت معاً لتخليق إحساسٍ عن مأزقِ المعرفة في زماننا. وهي طريقةٌ إجمالية لفهم شذراتِنا، ثقافتِنا جميعاً في عيّنات.
في النهاية، بخاتمة موجزة، أستدعي بعضَ المعتقداتِ الشخصية، فهي تحملُ، أيضاً، نظرياتِنا وتطبيقاتِنا. دونَ هذه المعتقداتِ، ليس لنا أن نخلقَ إحساساً، نجمّعَ عيّناتٍ. فالتفكيكُ هو ما أقصد هنا بتواضعٍ لكي أستكشفَ.

1
أستهلّ بعلم الأحياء. فمنذ ملايين السنين، كان مخّ الإنسانِ الأول قد تفجّر في تطوّرٍ ـ تطوّر منفَجر! ولا نعرف على وجهِ الدقّة كيف وصلَ هذا الحدَث العجيب، برغمِ تحرّر العين واليد، وكان للّسانِ أن يفعلَ الكثير به. انتخابٌ داخليّ وخارجيّ، ظروفُ التكيّف في غاباتٍ عُشبية، فاستسلمَ المخّ البشريّ نوعاً، ممّا خوّلَ له عشرةَ نقاطِ اشتباكٍ عصبية، متراسلةٍ مع عددٍ من الحالاتِ الذهنية بدرجةٍ أكبر من إجماليّ الجزيئات الأساسيةِ في الكون. من هنا، سمحَ المخّ بالحلمِ واللغةِ والخيال، سمحَ بالثقافةِ كلّها التي نعرفها ـ بدأ المخّ يستأسدُ على المورِّثاتِ في حكايةِ التطوّر.
مع ذلك، لا تزال تلك الحكايةُ القديمة تعيش في مِهادِ المخّ(1)، نظامهِ الحوفيّ(2)، جذع المخّ البدئيّ(3). يحبّ علماءُ الأحياء الاجتماعيون(4) تذكيرنا بهذا، لاستدعاء موروثاتنا نفسِها. لا يزالُ تخليقُ الإحساس، إذن، مذعناً لأوامر تطوّرنا المرجعية، كما يعرف الحداثيون وما بعد الحداثيين. يسلّم علماءُ الأحياء الاجتماعيون بأن المخّ البشريّ يتعلّم التوافقَ مع أحوالِ وجوده. والمتعلّم العموميّ، الحيوانُ ذو المخّ الكبير، يحملُ «نطاقاً واسعاً من الذكرياتِ، وهو بعضٌ مما يملكه فحسبُ من احتماليةٍ متدنية لإثباتِ أنه نافع»، يتعلّم، كما يقول إدوارد أو. ويلسون(5) "فهمَ التاريخ"، وهو مما يمنحهُ «القدرةَ على التعميم من نمطٍ عام إلى آخر ومجاورة الأنماط» بوسائلَ تثبتُ أنها حاسمةٌ بتكيّفٍ ما. ويفيد التعلّم كمنبّهٍ للتطوّر، للقيادة، في بعض الحالات، نحو ذكاءٍ أسمى.
لكن أنّى للمخّ، وهو عضو شرسٌ للبقاء، أن ينجزَ نهاياتِه المحدّدةَ؟ سندور هنا إلى أسئلةٍ غيرِ منتَهَكَة تربطُ علاقةَ المخّ بالعقل. بمثل هذه الأسئلة، يفضّل أخصائيو الأعصاب البقاءَ صامتين، مع أن بعضاً من مُبرَّزيهم، وايلدر بنفيلد(6)، جون إيكلز(7)، روجر سبيري(8) ـ يتلطّفون أحياناً بالحدسِ. يتساءل بنفيلد، مثلاً، عن «المجازفة بالضحك الأجوف من علماء الفيزياء»،إن كانت لـ «آلية المخّ الأسمى» أن تزوّد العقل بشكل "متغيّر" غريب من الطاقة، «فلم يعد في حاجة لتوصيلها (كهربياً) عبر محور الجهاز العصبيّ». واهتمّ سبيري بثنائية كلّ من إيكلز وبنفيلد، وسمّى نفسه "أخصائيّ ذهنٍ"، لا مثالياً ولا مادياً. مع ذلك، مثل إيكلز، يدرك سبيري أن تجربةَ وحدةِ الوعي «مزوّدة بالعقلِ لا بآليّة عصبية».
عموماً قد تنحلّ معضلةُ العقل ذات يوم، ويتّفق فلاسفةُ الأعصابِ على أن العقل والمخّ متراتبان إلى حدّ مذهل، إن لم يكونا متعسّفين، في البنية ـ فليس ثمة ما بعد حداثيّ. يبدأ التوحّد في مِهاد المخّ، مستمراً في قِشرة الدماغ؛ لكن للعقلِ في النهاية الأمرَ.
قد يثبتُ العقل، طبعاً، أنه مجنون، أما المخّ، كما يقترح آرثر كوستلر(9) حزيناً، فعضو مريضٌ بالتطوّر، آلةُ إبادةٍ قصوى، كمُبيدٍ بيولوجيّ. لكني هنا أُوالي آينشتاين، الذي آمنَ بأن «سرّ العالم في شموليته». هذه ملاحظةٌ لافتة، فعلٌ حقيقيّ، يؤكّد كفاءةَ العقل للعالم فالعقلُ جزءٌ منه (بعيدٌ عنه). لو كانت "المعرفة هي المصير" (برونوفسكيّ(10))؛ لو استطاع «العقل التطوّري الإجماليّ في كوكبنا... أن يفسّرَ النزعة التطوّريةَ نحو الذكاء» (ساجان(11))؛ لو «تتحكّم معرفةُ العالمِ الأقدمُ للطبيعة بأحداثها المنتظمةِ في المحيطِ الحيويّ مئات الملايين من السنين... فلن تعودَ مطلوبة» (سبيري)؛ لو رجّع العقلُ صدى الكونِ بغموضٍ (آينشتاين)؛ ولو لم تحدث نكبة نووية، ولم تكن نهائية، للجنس البشريّ ـ لو كان هذا كلّه، لما رجمنا الغيب عندئذٍ بأن "تخليقَ الإحساس" هو الآمرُ المنطقيّ للتطوّر، ولكان مصيرنا الهشّ والشحنةُ المعرفيةُ بين النجوم". 

2
لكن ظلّ "ربّ الثلج" يذكّرني بتشكّك علماءِ الإنسانيات في الرؤى الدمويةِ المستقبلية. لكني أتركُ المجرّةَ لمصيرها، وآتي إلى حكايتي الثانية، الخاصة بالتحليلِ النفسيّ وعلم النفسِ الوراثيّ. وأنّى لهذه النظم أن توضّح الآمرَ المعرفيّ بإيجازٍ تام؟
نعرفُ أن فرويد قد فهمَ الدافع للمعرفةِ بأنه تسامٍ للغريزة الحسيّة. والقضيةُ أوضح في (ليوناردو دافنشي: دراسة في المسألة الجنسية). لنتجاهل النسر المريب؛ فموضوعنا هو فضولُ ليوناردو العالميّ، عقله السَلِس. استشهدَ فرويد بدايةً بكلمة ليوناردو: «ليس للمرءِ الحقّ في حبّ أو بُغض أيّ شيء إن لم يكتسب معرفةً عميقةً بطبيعته»، ثم يدوّن: «هو (ليوناردو) فقط من أبدلَ عاطفتَه بالفضول». يبدو دافنشي كإنسان قد صحا مبكّراً في فجرِ التاريخ الحديثِ والآخرون نيامٌ، فقرأ علاماتِ الربّ اللامرئيةَ. تعلّم أن يحطّ من قدرِ السلطة (الآب) وأن يجد في الطبيعةِ (الأم) "مصدرَ الحكمةِ كلّها"، ويقول فرويد «كان يردّد في تساميهِ العلويّ اليسير:على الإنسانِ أن يُمعِنَ في نفسِه، بدءاً من الولدِ الصغير الذي كان يختبرُ العالمَ بالدهشةِ». إذن، في حالة ليوناردو، نجد المعرفةَ نوعاً من الحبّ.
مع جاك لاكان، وريث فرويد، الفرنسيّ المقدّس، كان المرآويّ يستبدلُ الأوديبيّ(12) بشكلِ الوعي. أثناء "المرحلة "المرآوية"، كان الطفلُ، وهو يلمحُ صورته ـ التي هي، جزءٌ من جسده ـ يتعلّم عزلتَه الأولى؛ مما يقودهُ لاكتشافِ ذاته. لكن في هذا الطور المِخياليّ، لا تتكونُ للطفلِ لغةٌ أو معرفةٌ بعد. فهو، يقول لاكان «باسمِ الآب (القضيبيّ أو الدالّ) نلحظُ الدعمَ من وظيفةِ الرموز التي تطابقُ، منذ فجرِ التاريخ، شخصَه ببنيةِ القانون. هكذا «تتقدّم اللغةُ كعنصرٍ وسيط» لوعيٍ ذاتيٍّ غريب، وتجد التجربةُ التحليليةُ النفسيةُ «في الإنسان الآمرَ بالأفعالِ كالقانونِ الذي شكّلَه على صورته». وهو يعني، على رغمِ عبقريةِ لاكان في "غيمةِ الوعي" أن يتصرّفَ الآمرُ المعرفيّ كقوةٍ متطرّفة لدستورٍ ذاتيّ مرآويٍّ خلالَ الأمرِ المراوغ الشاسع للدوالّ التي نسمّيها اللغةَ.
ينتهكُ التحليلُ النفسيّ اللاكانيّ على نحوٍ حاسمٍ التقليدَ الديكارتيّ(13) الذي يمتدّ إلى هوسرل(14). هكذا يفعلُ علمُ النفسِ الوراثيّ، على النقيضِ من نظامِ التحليل النفسيّ، حيثُ يستكشفُ التطوّراتِ البنيويةَ للعقل ما وراء الطفولة. في الواقع، نسبةً إلى جان بياجيه(15)، لا توجد ثغرةٌ قد تخترقُ علمَ الأحياء والمعرفة». فالتعلّم هو إجراءٌ مستمرّ بين الكائنِ وبيئته، تبادلٌ بنيويّ لكلٍّ منهما في الإحساسِ بالنشوء/ التطوّر والتخليق الوراثيّ. استجلبت مثلَ هذه الإجراءات للإنسان الأول(16)، الإنسان المبدع(17)، الإنسان اللاعب(18)، أو الإنسان خالق المعنى(19)، قلقاً إبداعياً، انفتاحاً ثابتاً على الوجود، مقدرةً على الاختراع الدائم، والاعتراض. بفعلهِ هذا، لم تعد الكائنات البشرية تلعبُ أو تتعلّم فقط، بل تتعلّمُ لتتعلّمَ. (يُبلغنا بياجيه نادرةً عن أحد أطفاله وكان يجرّ لعبة كبيرة عبر قضبان روضة الأطفال الخاصة به بقلبها رأسياً، يقول «لم يكن الطفل راضياً تماماً عن هذا النجاح الذي صادفه، فوضع اللعبة من جديد وبدأ الأمر كلّه حتى (تفهّم) ما يحدُث». مثلُ هذا التعلّم يبسّط، بازديادٍ، البيئةَ البشرية، التقدّمَ، ويدّعي بياجيه أنه «وفقاً لقوانين القوانين يستتبعُ التدريبَ لصالحهِ على المهامّ المعرفية...». ونعرف، من بياجيه، أن المعرفةَ تفيد كهيمنةٍ أعلى وأمهرَ وأنجعَ في تبادلاتنا مع الواقع.
لا شكّ، بمقدورنا أن نوردَ ما يزعمُ علماءُ نفسٍ معرفيون آخرون أو منظّرو معلومات، نخصّ منهم جيروم برونر(20)، جريجوري بيتسون(21)، جون فون نيومان(22)، لودفيج فون برتالانفي(23)، وارين ماكلو(24). لكن المسألةَ، في اعتقادي، توضّحَت. فمليونُ سنة أو أكثر من تاريخِ الأسلافِ، مع بنياتِ المخّ البشريّ ومطالبِ الرغبةِ البشرية، تقضي بوجوب أن نبحثَ باستمرارٍ لتخليقِ إحساس. ثمةَ آخرون ـ معلّمو تفكيكية، حكّام تناصيّة(25)، متنفّذو ما بعد الحداثة ـ قد يلبّون الدعوةَ إلى «لَعِبٍ حرّ مع العالم... من دون حقيقة، دون أصول»، ومحاولة «تجاوز الإنسان والإنسانية». لكنهم يفعلون ذلك وهم في راحةٍ، حين لا تفرضُ عليهم الحياةُ مطلباً حقيقياً؛ لأن الباقي، ملتزمٌ أن يحسّ كما يحسّ الباقي منا.

3
الإحساسُ هو المصير. لكن أيّ إحساسٍ نوعيّ علينا أن نحسّ به؟ قد يأتي بي هذا إلى حكايتي الثالثة، وهي ملتبسةٌ أكثرَ، حكايةُ التاريخ، التي قد تُنير أجزاءً معيّنة من سؤالنا. القصة باختصار ـ لا شيءَ حتميٌّ ـ أريد أن أمنح الأزمةَ التاريخيةَ في الخطابِ الغربيّ استنتاجاتٍ من كتاب هانز بلومينبرج(26) "مشروعية العصر الحداثيّ"، تأليف رصين، متدثّر بأسلوبٍ يبدو أحياناً شبيهاً بأنينٍ ميتافيزيقيّ تحت فِراش.
يريد بلومينبرج أن "يقنّن" التاريخَ الحديث بمصطلحاتِ "التاريخانية"، "الفضول النظريّ"، "التوكيد الذاتيّ"، من دون الإشارة إلى المعتقد الدينيّ. بالنسبة له، لا "يترجم" المشروعُ الحداثيّ فقط الأفكارَ النظريةَ إلى عِلمانية ـ فالعالم الأُخرويّ إلى تقدّم، مثلاً. ينبعث المشروعُ الحداثيّ، لكن كتطوّرٍ تاريخيٍّ صريح، يصعُب رفضه من قِبل الأسلاف القدامى أو القروسطيين. وذلك للدفاعِ عن العصر الحداثيّ ضدّ تهمة أنه يمثّل "إخفاقاً للتاريخ". يقتفي بلومينبرج أثرَ أزمةِ الثقةِ في هذا العالم بالعودة إلى الغنوصيين الأوائل. يقول آباء الكنيسة «كان انتفاءُ الإحساس بالتوكيدِ الذاتيّ هو ميراث الغنوصية التي لم تُغلب بعد»، كما يجادل، «لكنه تُرجِمَ فحسب». وندين لهذه "الترجمة" أساساً إلى أغسطين(27)، الذي كان شغوفاً بتبرئة الربّ وعالمه من صفات الشرّ، ممدّداً إياه إلى الإنسان ذي الخطيئة الأصلية. ومن الآن فصاعداً، يحملُ الإنسانُ ـ بمعونةٍ قليلة من الشيطان ـ ثُقلَ الخطيئةِ الساحقَ. يبقى للتوكيد الذاتيّ الحداثيّ أن يتغلّب على كلّ من الإرث الغنوصيّ والمسيحيّ للرفضِ عالمياً. ويستتبعُ هذا التوكيدُ الذاتيّ المزيدَ من البقاءِ الفيزيقيّ؛ فهو يوظّف «برنامجاً وجودياً، وفقاً لما يطرحه الإنسان لوجوده في موقفٍ تاريخيّ»، لكي يفهمَ نفسه.
نقتربُ هنا من قلبِ اهتمامنا بهذه القصة. لأنه، كما يستنتج بلومينبرج «مَن لا يتصوّر الطبيعةَ فقط بل نفسَه أيضاً كحقيقةٍ من تدبيره فهو يقطعُ عقبةَ المرحلةِ الأولى من تعزيزه الذاتيّ... مما يجعلُ تدميره الثقةَ بالعالم في المقام الأول كائناً نشطاً بصورة إبداعية، متحرّراً من سكونٍ مشؤومٍ بنشاطه». ويُلمِح هذا إلى مفارقةٍ حيوية: فقد بدأت الكائناتُ البشرية تمييزَ واكتشافَ الإحساسِ حين فقدَت "العنايةُ الإلهية" (التصميمَ، الهدفَ) إحساسَها الشائع. لكن مع كوبرنيكوس(28)، جاليليو(29)، كيبلر(30)، بيكون(31)، ونيوتن، مع الفلاسفة كافّةً، خلالَ عصر التنوير، نزولاً عند نيتشه، كفّ الفضول النظريّ ليفيدَ كالسلوى السعيدة، كمرشدٍ للسعادة. توجّه ذلك الفضولُ بدايةً نحو الطبيعةِ، حتى وصلَ إلى الكلامِ عن كلّ شيء في منحناه.
وهو اعتبارٌ جديرٌ بالتصديق، مقنعٌ واقعياً. يقنعنا بالآمرِ المعرفيّ، الذي تقلّبَ عدّة دوراتٍ منذ الغنوصيةِ الأولى، مكتسباً قوىً جديدةً ضاربةً في الأزمنةِ الحديثة. وتُخفق قصةُ بلومينبرج، في ظني، أن تستدعي تجاربَ التوكيدِ الذاتيّ الغربيّ منذ الرومانتيكية حتى انقلاباتِ ما بعد الحداثة نفسها. تخفق، إذن، في نقلِ المصاعبِ الحادّة لمجتمع عِلمانيّ، بالتناقضِ الداخليّ للمعرفة. (مثل هابرماس، تفهّمَ بلومينبرج الحداثةَ على أنها منتجٌ للتعليم). العلميّة، الشكوكيّة، الموضوعيّة، هي الأسباب ذاتها، في الواقع، لطبيعة الكائن البشريّ في العالم، وعانت كلّها من التحديات الكبرى في القرن الأخير. وتقلِبُ هذه التحدياتُ قدرتنا على مشاركةِ المعاني. فالقوسُ تخرّب، والمنافس مرتَعِد، وقد تنبأ فريدريك نيتشه بأزمة الخطاب ما بعد الحداثيّ بوضوح لا يرحم. فلأستدعه، هنا، إذن، لرواية حكايتي الفلسفية، التالية.

4
في "إرادة القوة"، وهي ملاحظاتٌ كتبها نيتشه ما بين 1883 ـ 1888 وهو على حافّة الجنون، عادَ للمرةِ الأخيرة، إلى جذرهِ الرئيس، ولا يزال جذرنا: «ما أحكيه هو تاريخُ القرنَين القادمَين. أصفُ ما هو قادم، ما لم يأت بعدُ بصورة مختلفة: حلولُ العدمية». بعد مئةِ عام، وبشكلٍ يُرثى له، سيعترف معظمنا أن الله، الملك، الإنسان، العقل، التاريخ، الإنسانية، الدولة، تأتي وتروح في طريقها كمبادئَ لسلطةٍ غير قابلة للدحض؛ وحتى اللغة، المقدّس الأصغر لنخبتا الفكرية، تهدّدُ بتفريغ نفسها، وهي ربٌّ آخر سيخفق. إننا نعيش في زمنِ إرهابٍ سياسيّ، ارتجال أخلاقيّ، تعثّر روحانيّ. مع أننا نواصل اعتقادنا أن العدمية هي ما يصرّح به الآخرون فقط.
لكن، وفقاً لـ نيتشه، ما فلاة المعنى هذه، فلاة القيمة، التي علينا أن نقطعها؟ سأدعه يتحدّث عبر كِسرات نبوءته، نوباتِ تفكيره:

«ماذا تعني العدمية؟ ما القيم العليا التي تحطّ منها. الهدفُ قاصرٌ؛ فـ "لماذا؟" لا تجد رداً.»

«الحقيقةُ في فئاتِ العقل هي سببُ العدمية. لقد قمنا بقياسِ قيمة العالم وِفقاً لفئاتٍ تُشير إلى عالمٍ مِخياليّ بصورةٍ نقية.»  
«لو لم يكن عصراً للخراب والحيوية المنفرطة، فهو على الأقلّ أحدُ التجريباتِ المتهوّرة والاعتباطية ـ وقد تخلق غزارةُ التجاربِ الخرقاء انطباعاً شاملاً بالخراب ـ وقد يكون هو الخراب نفسه.»
«"الحداثة"... حساسيةٌ بالغة نزقةٌ أكثر... وفرةٌ من انطباعاتٍ متفاوتة... نزعةٌ كونية في الطعام، الأدب، الصحف، الأشكال، الأذواق، وحتى بالمشاهد الطبيعية. إيقاعُ هذا التيار الدافق: أن تمحو الانطباعاتُ كلٌّ منها الآخر، ويقاوم أحدها غريزياً مستوعباً أيّ شيء... عميقاً... ضعفٌ متعمّق للعفوية: المؤرّخ، الناقد، المحلِّل، المؤوِّل، الملاحِظ، الجامِع، القارئ ـ كلّهم مواهب فعّالة ـ كلّهم من العلم.» 

إن ملاحظات نيتشه للحظتنا، في الحقيقة، خارقةٌ للطبيعيّ. فهو يعرّف العدميةَ في معرفتنا، سياساتنا، فنوننا؛ ويراها دليلاً على النقيصة، الإدمان، الوَهَن، الإضراب عن الزواج، الهيستريا، الفوضى؛ كما يفهم كيف نخدِّر أنفسنا بالحقد، الاعتزال، التعصّب، وحتى بالصوفية أو العِلم. أثمةَ طريق للخروج؟ ينوّه، بوضوح، أن التهكّم فيما يتعلّق بكفرنا، الاعتراف بـ "إرادة القوة"، استعادة غرائز الحياة، القدرة عبر الاعتدال، قد يصبح، يوماً، هو «إعادة تقييم لقيمنا كافّةً».
يستكمل نيتشه (تمثيلياً) تحدّيه العنيد مع "عنصر التفكيك" الحداثيّ، قصة بلومينبرج التاريخية. قد تصبح العدميةُ إرثَ ألفَيْ عام من المسيحية، كما يدّعي نيتشه بفداحة. لكن العدميةَ، كما بيّن أيضاً، هي سياقٌ للتحرّرِ من وهمٍ أكثر تطرّفاً: فالثمنُ ستدفعه البشرية مقابلَ أحلامها وأوهامها الواهنة، مقابلَ فكرها التوّاق و«غلواء سذاجتها» منذ أزمنة ما قبل التاريخ. يبدو هنا وبدقّةٍ تناقضٌ أساسيّ يبلغنا عن فكره. لأن الإبداعاتِ البشريةَ قاطبةً هي "أكاذيب" أو "توهّمات" ـ بما تشمله من أسطورة، دين، فنّ، علم، سياسة ـ إذن، قد تفيد الحياةَ بعضُ هذه "الأكاذيب" طبعاً. في الواقع، مع أن نيتشه يعرضُ سماتِ الوجود الخياليةَ، إلا أنه يعارض فقط التوهّماتِ الضعيفةَ أو الرعديدةَ، صورَ شغفنا الذاتيّ. من هنا احتفالهُ بالفنّ التراجيديّ، الذي يُشِيد بالقوة، يداوي الإرادةَ، يتسامى بالأرض. يوضّح «لا يجدُ الإنسان، أخيراً، في الأشياء أيّ شيء إلا ما استجلبهُ بنفسهِ فيها: اللُّقية التي نسمّيها العِلم، والذي استجلبَ ـ الفنّ، الدينَ، الحبّ، الكبرياءَ».
بدأنا نرى السببَ في أن نيتشه هو المفتاحُ لأيّ فكرةٍ عن الخطابٍ ما بعد الحداثيّ: فهو يفجّرُ أيةَ نظريةٍ عن الحقيقةِ المطلقةِ في الوقت نفسه الذي يمجّد فيه توّهماتِ تعزيز الحياة. رميةٌ وحشيةٍ، لا شيءَ به إحساسٌ جوهريّ؛ إحساسٌ قادر يمكن تخليقه من كلّ شيء. ثمة، في قولهِ الفصلِ المفرطِ، حِملُ بلايانا الحالية.
كما نعرف، يطرحُ نيتشه ظلاً ضخماً على فلسفتنا المعاصرة ونظريتنا الأدبية. يضعهُ، ريتشارد رورتي، مثلاً، مع وليم جيمس، هايدجر، فتجنشتاين، وديوي، ضمن مناهضي الميتافيزيقيا، منتهكي الفلسفة كـ «نظام تأسيسيّ يتّخذ دعاوَى معرفيةً». بصورةٍ نفعية، يقول رورتي «ما يربط ديوي وفوكو، جيمس ونيتشه، معاً...»، هو «إحساسـ (هم) بأنه لا شيءَ عميق داخلنا إلا ما نضعه فيهِ بأنفسنا، لا معيارَ لدينا لم نخلقه في سياق تخليقنا خبرةً، لا مقياسَ للعقلانيةِ لم يكن جاذباً لمثلِ هذا المعيار، لا مرافعة صارمة إن لم تكن مطاوعةً لأعرافنا». بالنسبة للنظرية الأدبية، لقد سمعنا كفايةً أن المناظراتِ الحاليةَ فيما يتعلّق بالمؤلّفِ، القارئ، النصّ، المجاز، التمثّل، الإزاحة، الذات كمخيال قواعديّ، إرادة القوة في الدلالة ـ ما يتعلّق بها وبمسائل نقدية أخرى كثيرة، تُشير إلى نيتشه.
لكن حان الوقتُ لنستعيدَ أنفسنا، والإيجاز. لقد ناقشتُ، منقطع الأنفاسِ إلى حدّ ما، أن الآمر المعرفيّ هو معاملٌ واعد في التطوّر الأحيائيّ وفي الهيمنة الذاتية البشرية، تخليق ذاتيّ نفسانيّ. تخليق الإحساس نبوئيّ. لكني اقترحت أيضاً أن هذا الآمر يعاني من أزماتٍ متكرّرة في سياقِ التاريخِ الغربيّ، منذ الغنوصية الغابرة إلى المعرفية العِلمانية لأيامنا. الأزمة الأخيرة، التي نسمّيها العدمية (وهي ليست نفسها، كما يذكّرنا ج. هيليس ميللر(32)، فالعدمية قد اختيرت لذاتها؛ فضلاً عن أنها علامةٌ على المقتِ، والغيرية) أن الميتافيزيقيا قد انكشفَت لخصيمِها وهي مُجهَدة «لتغطّي ما لا يمكن البرء منه وذلك لمحقِ العدَم المَخفيّ ضمنَ ذاتها». وسنأتي الآن، ببطء أخيراً، إلى الخطابِ ما بعد الحداثيّ، كيف نخلّقُ الإحساسَ فيه، كيف نخلّقُ الإحساسَ منه. كيف، على المثال، نكبح جُماحَ رولان بارت ـ فهو، طبعاً، العقلُ النقديّ المبرَّز للحظتنا، وربما في قرننا ـ حينَ يعلن «يلزمنا أن نجرّبَ، لا لنقسِمَ العلامات ولا الدوالّ في جانب والمدلولات في جانبٍ آخر، بل نجرّب فكرةَ العلامة: وهي عملية قد يدعوها امرؤ عنقودَ العلامات. الخطابُ الغربيّ هكذا، في قواعده، أشكاله التأسيسية، وقد يحاولُ امرؤ أن يقسّمَ». "اليوم" هو الأمس من قبل. أفكّر في شيء، أسمّيه الآن ما وراء هذه "القسمة"، ما وراء عنقودِ العلامات. ولأسمع هذا النداء، عموماً، نحتاج أن نحكي حكاية أخرى، حكاية ثقافة ما بعد الحداثة، ثقافتنا. 
5
لقد ناقشتُ بما فيه الكفاية ما بعد الحداثة من وجهةِ نظري ولإشباعِ الآخرين. فلن أجرّبَ هنا أن أكرّر أو أحدّد المفهومَ أكثر. بل، أريد فحسب أن أحدّد مصاعبَ تخليقِ الإحساسِ في عصر "اللاحتميّ" (اللاحتميةِ المقيمةِ في التلازم)، حين تتبعثرُ العلاماتُ كأوراقٍ كثيرة وتذوي السلطاتُ في الخريفِ المرتجف من سُخطنا. لا آمل، بالطبع، أن أراجعَ هذه المصاعبَ إجمالاً هنا ـ فهي تتضاعفُ في مجتمعٍ متعدّدٍ كمجتمعنا. مع أني أظنّها قد تُمثَّل بالمناظرةِ بين مفكرَين نَجمَين من عصرنا: أقصد يورجين هابرماس، الألمانيّ الماركسيّ الجديد، وجان فرانسوا ليوتار، الفرنسيّ ما بعد البنيويّ. لهذا سأُنهي حكايتي لثقافة ما بعد الحداثيّ بنزاعهما. 
قد يتثلّثُ النزاع، بصورة شيقة، أكثرَ مما هو مفصّل، من قِبل البراجماتيّ الأمريكيّ، ريتشارد رورتي. يدرك رورتي المسألةَ سريعاً: فالاتفاق (من يتّفق، أن تشعر وتحسّ، معاً)، أو بشكلٍ مغرض أكثر، إجمالاً. يريد ليوتار أن يضعَ الأساتذةَ العظام محلّ شكّ، فرويد وماركس نفسيهما، في موضع الريبة؛ فهو يرفضُ أيّ سياسة قد تولّد سرداً فوقياً آخر، شفرة قسرية أخرى. ويلتزم هابرماس، عموماً، بمفهومٍ كونيّ للعقل (فكرة بجدالٍ "سياقيّ"، "أفضل" علاوة على أنها "أبسط") باسم العدالة، باسم التنوير. اللغة، لدى ليوتار، طورٌ من خطابٍ توافقيّ، صراعيّ؛ ولدى هابرماس، هدفٌ لخطابٍ توافقيّ، تواصليّ أساساً. وهو ما يجلبهما، طبيعياً، إلى آراءٍ مختلفة في المعرفة والأخلاق والتاريخ.
أما رورتي، فيظنّ بمقدوره أن يرجئَ السرودَ الفوقية (كما يتمنّى ليوتار) من دون أن يستسلمَ إلى الإجحافِ (بينما لا يتمنّى هابرماس أن يستسلمَ). لكن هذا بالضبط ما لم تكملهُ النظرية، يدّعي رورتي أن النظرية تنشُد دائماً «التصديق الآليّ». فهي فضلاً عن أنها مَهمّة التطبيقِ الاجتماعيّ، إلا أنها تنفتحُ أمام الحياة. يردّ رورتي الاعتبار إلى بيكون ضدّ ديكارت، صارفاً ادّعاءات الفلاسفةِ إلى خطابٍ "أرضيّ" وللمفكّرين أن يشكّلوا "طليعة" سياسية. عوضاً عن ذلك، يقبل رورتي تواطؤ المعرفةِ البيكونيّ من دون قوة، وإعادة الافتتان الديويّة بالعالم عبر اليوميّ، المألوف، فكلّ شيء مفيدٌ وفي متناول اليد. 
وعليّ الآن أن أربّعَ المثلّث، أضيفُ نقطتي اللامرتبطة. لهجة ليوتار عن "النزاع(33)" ـ وليست "إرجاء النزاع(34)" عند دريدا ـ عما يصعُب قياسه في عوالم خطابنا، تنسجم مع إحساسي بالمجتمعاتِ ما بعد الصناعية. أما دافعهُ لإعادةِ تخلّل الإرادة، الرغبة، الاستعارة، اللّعب، في عقلانية ما بعد الحداثيّ، فتتّفق مع الخفّة والرهافة. أريد، أيضاً، التوجّه نحو لحظتنا. مع ذلك لم يجابه ليوتار كلياً العواقبَ الأخلاقية والسياسية لـ «ألعابه اللّغويةِ الأقلويّة»، عملياتِ تشريحه للعدالة. أما كِسراته أو أجناسه، تواريخه المنمنمة، فتثبت تقريباً الكليات الماركسية كأنماط إرهابية ذات طبيعةٍ استبدادية. مع رورتي، بوجه عام، وحتى أكثر مع وليم جيمس، أحسّ بأرضية محلية. سأنعطفُ إليهم تواً لتخليق إحساسٍ بمأزقنا. لكن في البداية، هناك حكاية أخرى قصيرة، الحكاية السادسة، وهي تتعلّق بالنظرية الأدبية.

6
غيرُ واردٍ بالنسبة لي أن أُنهي هذه المختاراتِ الصغيرةَ من الحكايات من دون الإشارة إلى نظريةِ الأدب. ليس هذا فقط لأن النظرية تَشُوقُني شخصياً، تسكُنني؛ بل لأنها تُحمّلُنا بمَهَمتنا الشائعةِ كمؤوّلين للثقافة. صارت النظرية، في الواقع، خلال العقدين الأخيرين، متّكأً للإنسانيات، لا للنقد وحده.
فقد ساهَمت عوامل كثيرة في وظيفةِ متّكأ نظريةِ الأدب، في جهوزيتهِ للاستفهام عن مناطق شتّى من الثقافة، النُظم الإنسانية ـ الفنّ، المسرح، الأدب، الفلسفة، التاريخ، التحليل النفسيّ، علم الإناسة. أيضاً، النظرية ـ سأمزجُ الآن استعارتي ـ ستفيد أخيراً بدرجة أقلّ كمتّكأ أو تاجٍ للإنسانيات عن أن تكونَ حجرَ زاويةٍ يدمّر بمكرٍ (يفكّك) السلطاتِ القريبةَ التي يدّعي أنه يعرّفها. وضعَ جاك دريدا، حجرُ زاويتنا الرائدُ، الأمرَ هكذا: «إننا في طوبوغرافيا سياسية عنيدة... خطوةٌ أخرى للأمام نحو نوع من مخاطرَ فوضويةٍ متأصّلةٍ ستنتجُ التراتبيةَ. يتطلّب الفكرُ كلاً من مبدأ العقل وما وراء مبدأ العقل، المبدأ والفوضى. بين الاثنين، اختلافُ النَفَس أو اللهجة...، (غمزة) أو (طرفة عين)».
تتحدّث إلينا النظريةُ بدقّةٍ عن لحظةِ ذلك العقل، عن تشوّش الأَلسُن. لكن ماذا تقول؟ تُجادل وتتهكّمُ، تتهكّمُ بمعنىً تقليديّ، تجادلُ إحساساً إنسانياً. سأذكرُ هنا باقتضابٍ ثلاثاً فقط من هذه المسائل الشائكة:

1 ـ تتعلّق المسألة الأولى بأدبية النصوص، وهي نوعيةٌ مفتَرضَة تُحيل الكلماتِ إلى أدب. فهل يمتلك الفنّ حقاً، كما فكّر كنط، حالةً وجوديةً مميّزة، أم تعريفهُ اصطلاحيٌّ، توافقيّ؟ بعضُ النقّاد، مثل موراي كريجر، يندبُ انهيارَ وسقوطَ "الموضوعيّ النخبويّ"، في حين أن الآخرين، المتنافرين مثل إ. د. هيرش وبول دي مان، مستَلَبين في تلك الهفوة. حين انطلقت أدبية النصوص ـ فعلياً، تريّثَت كابتسامةِ (القطّ شيشار(35)) ـ للتمييزِ بين الأدب والنقد ثم تلاشَت أيضاً، تستثير كلّ من تعلّق بها تقريباً، عدا من صرخَ مع بارت: «لم يعد ثمة مزيدٌ من النقّاد، هناك كتّابٌ فقط». (بهذا، يتوافق الكتّابُ في نيوهافن(36) بسرعة، كما فعلتُ يوماً في ميلووكي(37)). بالإضافة، مع انطلاقةِ أدبية النصوصِ، ثمة ادّعاءٌ بتردّداتٍ بنيويةٍ جماليةٍ موضوعيةٍ. يميلُ العملُ نفسه نحو القارئ ـ لأن المؤلّف قد "مات" ـ بما يمنح نسبيةً مجنونةً للاستجاباتِ البشرية.
هكذا زعزعَ فقدانُ الأدبِ أدبيةَ النصوص، لكنه لم يهمّشها. فمن دون قيودٍ شكليةٍ وشاملة، تضعفُ قدرتنا على تخليقِ إحساسٍ معيّن للأدب، حتى مع ازدهار حريتنا وقرائنا. 

2 ـ التالية، مسألةُ التأويلية. من شليرماخر(38) وديلثي(39)، عبر هايدجر، جادامير(40)، ريكور(41)، إيسر، حتى دريدا، يهلّ "عِلم" التأويل بشكّ متزايد. ولأننا قرب الحاضر، فقد صارت التأويليةُ ملتبِسة، مؤذِية، مشتبَهة ـ ما بعد هايدجر، وتتحوّل حلقة التأويلية، إن لم تكن شريرةً، إلى غريبة. في أيامنا، تستسلمُ التأويليةُ للتفكيكية، التناصّية، العلاماتية، البلاغة، "ما فوق النقد" أو "الذاتية"، تستسلمُ ببساطةٍ للقراءة التي لا تعبّر عن معنىً حاسم. ويميّز دريدا، على المثال، بين تأويلَين للتأويل: يحلم أحدهما بفكّ شَفرة الحقيقة، ويؤيّد آخر اللّعبَ فحسب. هكذا، أيضاً، يرفضُ دي مان التأويلَ لصالح البلاغة التي «تُرجئ المنطق بشكلٍ متطرّف لتنفتحَ على الإمكاناتِ المدوّخة للانحراف المرجعيّ». بينما يتصوّر فيش أن التأويلَ هو "فنّ البناء"، لا "الإنشاء".
ويدهشنا أن يجادلَ بعضُ النقّاد "ضدّ التأويل" (سونتاج)، وآخرون "ما وراء التأويل" (كلر). لأن التأويلية لم تعد تكشف لنا عن أيّ موهبة، أيّ ضرورةٍ، أو إحساس، حيث «وضِعَت قوانينـ (ـها) في سكونٍ عميق».

3 ـ الأخيرة، مسألة اللغة نفسها، استحواذنا اللغويّ أو الثرثرة المَرَضية. منذ مقالة نيتشه المبكّرة "عن الحقيقة والكذب في الإحساس الفوقيّ"، يميل العقل الغربيّ لأن يحرِفَ أسئلته الخالدةَ ناحيةَ اللغة، يحرفها نحو، ويلويها في، اللغة. مع فتجنشتاين، أخذ الميلانُ دورةً حاسمة، مع أنه نفسُه قاومَ ببسالةٍ «افتتانَ معرفتنا بوسائط اللغة». الوضعية المنطقية(42)، فلسفة اللغة العادية(43)، نظرية الفعل الكلاميّ(44)، البنيوية، الأسلوبية، التفكيكية، كلّ منها جلب رواياته عن اللّغو إلى مدائن كلماتنا، أبراج بابل. وتتوازن دروس فتجنشتاين الأخيرة بصرامةٍ عند حافّة ما لا يوصف، تبدو ضائعةً منا. نواصل طرقَ «سجنـ(نا) اللغويّ» (نيتشه)، «مصيدةِ ذُبابنا» (فتجنشتاين)، بعيداً عنها لا توجد ثمة نظرية قد تحرّرنا لأن اللغةَ تبدو «سابقةً دائماً» (دريدا) بكلّ مكان.
إذن، هذه أثقلُ تهمةٍ ضدّ النظرية: التلازم اللغويّ، فقدانُ أدبية النصوص، وإنكار التأويلية، تُشَتّت النزعاتُ الثلاثُ معانينا. ما من طريقة لتخليق الإحساسِ بنصوصنا أو حياتنا، فهي مستغرقة في بحر دوالّنا المتقلّب دائماً وأبداً.

مع أن نظريةَ ما بعد البنيوية تمتلئ بالمهارة والحِذق، إلا أنها تستهزئ برغبتنا في تخليقِ الإحساس. قد تستثيرنا إلى فكرة أبعد، لا مَرسىً لمعانينا. وقد أعدّ نقّاد التناصيّة لهذا الاعتراض البسيط أجوبةً جاهزةً. صاغها بول دي مان في مقالته القوية "مقاومة النظرية". يقول «مَن يعتبون على النظرية الأدبية كونها واضحةً أمام الواقعِ الاجتماعيّ والتاريخيّ (وكأننا نقول الإيديولوجيّ) كمَن يعلنون مخاوفهم من أن تتعرّض ارتباكاتهم الإيديولوجية لآلةٍ كانوا يحاولون تلويثَ سُمعتها»؛ ويواصل دي مان، نافدَ الصبر، بيانَ أن في النظريةِ «نفسِها مقاومتَها»، وعليها حتماً ألاّ تفكّك نفسها.
لكن "الارتباكات الإيديولوجية" لشخصٍ ما هي قناعاتٌ لآخر. بردّ فعلٍ على النظريات التي بيّضتها ما بعد الحداثة، يفتّشُ الآن عددٌ من النظرياتِ المضادة عن استعاضةٍ لألوانِ العالمِ المُرقَّشة. يتكلّفون اللّعب الحرّ باللّغة وتقلّق المعرفةِ باسم التاريخ، الأخلاق، والسياسة. يستدعون، بفعلتهم هذه، طبعاً، أشكالاً أقدمَ من النقدِ الاجتماعيّ ـ وهكذا، يعيدون باستمرارٍ اختراعَ عجلةِ إكسيون(45). من هذه النظرياتِ المضادة، ربما ألطفها، التعدّدية النقدية، تلك التي نضمّها مع ماير آبرامز أو واين بوث. ينهمك نقّادٌ آخرون في دفاعاتٍ فردية أكثرَ أو ضارية. وفي بالي، على المثال، فريدريك جيمسون في "النقد الجدليّ"، إدوار سعيد في "النقد العِلمانيّ"، جيرالد جراف في "الأدبُ كدافعٍ"، فرانك لينشريشيا(46) في "النقدُ كتغييرٍ اجتماعيّ". مهما ميّزنا، فهؤلاء النقّاد اليساريون يشتركون عاطفياً في اللّحاقِ بمصير الظرفِ التاريخيّ، ثراء التورّط الاجتماعيّ. يقول ذلك لينشريشيا بإيجاز: «النقد... هو إنتاجُ معرفةٍ إلى نهاياتِ القوة، وربما، التغيير الاجتماعيّ».
فهل سيقودنا هؤلاء النقّاد للخروجِ من الفلاة؟ أشكّ في ذلك لأسبابٍ ألمسها هنا فقط. بمقصدهم المعلَن، العموميّ، أنا في وِفاق جدّيّ. ولم أكن لاهياً مفرِطاً بمجادلاتهم، بإرادةٍ جريحة للقوة، أو إيماءاتِ الفضيلة المدنية (اللامكتَسبة). كلّنا، في هذه الإرادات الدنيا، بدرجاتٍ معيّنة، متواطئون. لكني أجد توهّمَهم بماركسية مميّزة وَهْماً لأن الخطابَ الوحيدَ للمعارضة، هو في الواقع فكرٌ مستقلّ، بغضّ النظرِ عن مصاعبه النظرية، مآزقه الاقتصادية، اضطهاداته السياسية، وإخفاقاته النبوئية، بغضّ النظر عن انطوائه كخطابٍ للأمل. (الماركسية الأمريكية، نسختنا الأخيرة من النقد الذاتيّ البورجوازيّ، هي العالقةُ أكثر بمجتمعاتِ ما بعد الحداثة بصورةٍ أدقّ فالماركسية تشبهُ نفسَها على الأقلّ). أجدُ في احتياجهم تشنّجاً لضمانِ أسبقيةٍ سياسية، لا تعودُ دلالةً بل مجرّد أسبقية، في تبريرِ الوجودِ الإنسانيّ، أو كما يقول جيمسون «أفق مطلق للقراءاتِ كافّة والتأويلاتِ كافّة». كما أجدُ حتميتهم الاجتماعية المخفية متقلقةً، نزعةً جمعيةً(47)، لا ثقةً في لذّة جمالية، ميلاً نحو عقلنة أو "برمجة" الواقع البشريّ، وجهوزيةً لتشويشِ معتقداتهم بالقيم العالمية ونظرياتهم بمخطّط أشياءٍ لا تقبلُ الجدل.
ومن الواضح أن المجادلةَ مُعدِية: التقطتُ حالةً للجدلِ مع نفسي. فقد بسّطتُ التزاماتِ النقّاد الاجتماعيين الجدد، وهي التزاماتٌ أشاركهم فيها غالباً، كما يقول لينشريشيا بصورةٍ غير نمطية: «الروح النقدية (النشطة) في أمريكا، من إمرسون إلى بيرك، تربط الجزءَ في الكلّ، فهنا، في أمريكا، تنتعشُ القوة النقدية». وقد فاقمتُ التفاوتَ بين النقّاد الاجتماعيين والنقّاد التناصيّين، وجميعهم مُجبرٌ، في لحظتنا الحوارية، أن يولي الآخرَ برعايته على الدوام. لكني أحافظ على أن مشايعةَ بعضِ النقّاد، سواءً كانوا معرفيين أو سياسيين، قد تحدّ من مجالهم المِخياليّ، وتكبح ذلك التعاطف الشاسع أو اللاالتزام المشترك للحياة التي يؤكّدها الأدبُ، في لحظاتِ نشوته، ما وراء الحقائق كافّةً.
من جديد، وللمرة الأخيرة، أستعيد، أستردّ، نفسي. مهما كانت القوَى التي يستمدّها الآمر المعرفيّ من التطوّر الأحيائيّ والتحليل النفسيّ، فهو يعاني من تجارب التاريخ الغربيّ وأزمة العدمية الفلسفية الحديثة. وتستفحل تلك الأزمة أكثر من قِبل "لاحتميات" ثقافة ما بعد الحداثيّ، التهكّمات من نظرياتها الأدبية. وقد تُرك مجالُ الإحساس الإنسانيّ الآن مفتوحاً على صراعٍ مسرحيّ دائم بين التأويلات، أو أيضاً على إقالاتٍ صامتة. إن لم نستطع إقناعَ أنفسنا، مثل جيمسون، بأن الماركسية تزوّدنا بـ «شروطٍ مسبّقةٍ إشاريةٍ أبعد لوضوح النصوصِ الأدبية والثقافية»، فهل لنا أن نأمل في تخليقِ إحساسٍ بمشروعنا:
ويأتي بي هذا إلى حكايتي الأخيرة، البراجماتية أكثر، وكلّي أملٌ في الصفحِ أكثرَ من الراحة.

7
حان الوقتُ ـ في هذه الورقة، ضمنَ ثقافتنا ـ لإعاداتِ بناءٍ مشروطة، استيضاحاتٍ براجماتية. حتى في فرنسا، انقلبَ المِزاج التفكيكيّ. ولهذا ألقى إيف بونفوا(48)، وريث رولان بارت في الكوليج دي فرانس(49)، خطابه الافتتاحيّ عام 1981 ـ وكان مختلفاً تماماً عن "الدرس"، وهو خطاب بارت عام 1977 ـ فهو ردّة إلى الكينونة أو الوجود. يوظّف بونفوا جَزْراً منسحباً للّغة إلى العلاقاتِ البشرية. وهي لمحةٌ براجماتية، تَباهَى بها ضَربٌ من المفكّرين الأمريكيين منذ أكثر من قرن. (ترتدّ البراجماتية الأمريكية، في الواقع، إلى إحساسٍ فكريّ، تؤسّسهُ بوضوحٍ وتكلّفٍ مضاعَف). لكن ما البراجماتية؟ سأُجيب بدايةً باستشهاد رورتي، ثم بالضليع وليم جيمس.
تُردفُ البراجماتية الحقيقةَ (بحرفٍ كبير)، تُبطل الميتافيزيقيا والنزعةَ المعرفية؛ لا تجد "أرضيةً" عالميةً للخطاب. كما يفترضها رورتي ساخراً: «ليست الحقيقة نمطاً مما يمكن أن يتوقّعه المرء من نظريةٍ شيّقة فلسفياً. فـ (الحقيقة)، لدى البراجماتيين، اسمٌ لما نملكُ من كلامٍ حقيقيّ». ليس هذا حشواً. ما يجعلُ الكلامَ حقيقياً (في حالته الأضعف) هو الاستعمال، السياق، ما أسمّيه العاقبةَ الهادفةَ في ظرفٍ معيّن. ولا تملكُ الكائناتُ البشرية مرآةً لتعكسَ وجهَ الواقعِ الثابت. ومع أن الأحكام بشأن العواقبِ هي نفسها قابلةٌ للجدل، إلا أنها تبقى ذاتيةً لدى التأملاتِوالمفاوضاتِ اليومية؛ فهي جزء من "حواراتـ (نا)" الأبدية. مثلُ هذه "الحوارات"، كما يجادل رورتي، تستبدلُ المعرفةَ كـ "تبرير اجتماعيّ للعقيدة"، لتصبحَ خطابنا الرئيسَ "المتثاقف". تصبح التأويلية طريقاً للـ "المعرفة" أدنَى من "النَسْخ". فالـ "الحواراتُ" بلا نهاية، لأن نهايتها (هدفها) لا هي مقفلة ولا توافقية. لكنها لا توظّف استسلاماً لـ "النسبية". كما يصرّ رورتي: «ليست المسألة الحقيقية بين مَن يعتنقون رؤيةً واحدة كالخيرِ مثلهم كغيرهم ومَن نقيضهم. لكنها بين مَن يعتنقون ثقافتنا، أو غايتنا، أو بدَهِياتنا غيرَ المدعومةِ إلا حوارياً، ومَن لا يزالون يأملون في أنماط أخرى من الدعم».
نبدأ رؤية المصاهرة بين التناصّية وبراجماتية رورتي، مع أنه نفسه يرى التناصّية كـ «نظيرٍ معاصر للمثالية». قد نلحظ أيضاً الفروقَ بينهما في حلٍّ ملفّقٍ للبراجماتية، تعهّدها للـ (المعتقدات في الحدَث فضلاً عن تهكّمات النظرية). يستثمرُ هذا التعهّد البراجماتيةَ مع تعلّقٍ أخلاقيّ واجتماعيّ تنقصهُ التناصّية. يُضفي التعهّدُ بشرفٍ أكثر على الآمر المعرفيّ الغابر، الذي لا يُترجَم الآن في حقيقة ثابتةٍ نوعاً بل في خياراتٍ فعّالة، سياقاتِ حدَثٍ مرغوب فيها. باختصار، البراجماتية حميمةٌ مع لا يقينيات حالة ما بعد حداثتنا من دون سكونية، جدب، أو إخفاق في الحكم.
أعترفُ بتعاطفٍ ما مع تسامحٍ خدّاع وروحٍ متمنيةٍ للبراجماتية الأمريكية. لكني أعترفُ أيضاً ببعضٍ من الضيقِ لِولَعها بالتملّص مِن أو إرجاء المسائلِ العصيبة. كيف لنا، مثلاً، أن نقضي بالادّعاءاتِ المتنافسةِ للاستخدام على مدىً طويل أو قصير، بالآراء المتضاربة عن النزعةِ الخيرية، التصرّفاتِ الوجوديةِ المتعاقبة؟ ماذا يكبح "حوار" رورتي الأبديّ من أن ينفجرَ إلى الحرب؟ ولو كَفَفنا، مع رورتي، عن سؤالِ «أهو حقيقيّ؟»، فكيف نجيبُ عن أسئلةٍ متعاقبةٍ يقترحها: «ماذا يشبه أن نؤمنَ بذلك؟ ماذا يحدثُ لو فعلتُ؟ ماذا سأكونُ لو ارتكبتُ بنفسي ذلك؟» كما قد يعلمُ الفلاسفة، فليست نتائجُ هذه الأحداثِ أو المعتقداتِ أقلّ إمكانيةً من أفكارِ الحقيقة.
يتبعُ ذلك، مع أن رورتي يدّعي بأنه «الهاوي العليم، البراجماتيّ المتعدّد، الوسيط السقراطيُّ بين أنماطٍ عديدة»، إلا أنه يميلُ أخيراً إلى التقتيرِ من دَور المعتقد، الرغبة، والقوة، في "حواراتِ" مجتمع ما بعد الحداثيّ. بأفضل حالاته، فهو التهكّميّ الحسّاس، الشفّاف، الجافّ من الميتافيزيقا، الذابلُ قليلاً باتّصالهِ مع الفلسفة التحليلية(50). مزاجه المفضّل أنه أحدُ المحتَجّين الواضحين.
على النقيضِ، فمِزاجُ وليم جيمس فسيحٌ، احتفاليٌّ. عقلهُ يخاطر، مُجمّعاً الدقّةَ إلى الاتّساع. «أعرضُ الشيء الغريبَ المسمّى البراجماتية»، يقول «كفلسفةٍ تُشبع كلا النوعين من الحاجة. قد تبقى دينيةً مثل الفلسفاتِ العقلانية، لكنها في الوقت نفسه، مثلَ الفلسفاتِ التجريبية، تحافظ على أقصى حميميةٍ مع الحقائق». تصرفُ البراجماتية النظرَ عن «الأشياء الأولى، المبادئ، الفئات، الضروراتِ المفتَرضَة»، متّجهةً نحو «الأشياء الأخيرة، النتائج، العواقب، الحقائق»، وهي كممرٍّ في قصرِ الفلسفةِ الضخم، يفتح على غُرفٍ كثيرة. في الواقع، فهو يفتحُ على غُرف يُخلِفُها النقّادُ المعاصرون في سعادةٍ للأبد وراءهم مغلقةً. يلفتُ انتباهَنا للعقائد؛ لأنها، ضمنَ عقائدَ ميتافيزيقية أودينية، تَلزمُنا في معرفتنا كما في أحداثنا. البراجماتية «تقدّرُ التجاربَ الصوفيةَ إن كانت لها عواقبُ عملية»، كما أنها «تأسِرُ رباً يعيشُ في وَسَخ الحقيقةِ الخاصة ـ هذا لو بدا أنهُ المكانُ المحتَمَل للعثورِ عليه». 
لا يملكُ جيمس، إذن، أيّ دافع حقودٍ لتوضيح كافّةِ العقائد. ومع أنه يعرفُ التنوّعَ المثمرَ للحقيقة، الحقيقة «المهيّأة، مثلما تُهيّأ الصحةُ والثروة والقوة، في سياقِ التجربة»، إلا أنه يدعونا لإعادةِ بناءِ خطابنا، وحتى الإيقاعِ به، لا على حجر ما من المطلق بل على تحجّراتٍ مرنةٍ من الرغبةِ البشريةِ في ظرفها. لكن، يبقى السؤال العنيدُ، بل سيصمدُ: هل تلتزمُ العقائد المختلفة، النشطةُ في ظروفها، بعضها بالآخر، أم ستُلقي بنا عائدين إلى حالةِ الطبيعة، «حمراءِ الأسنانِ والمخالب»؟ تردّنا الإجابة إلى "الكون التعدّديّ" عند جيمس.
تُستَقَى هذه التعدّديةُ من بصيرةٍ فلسفيةٍ صارمة، لا من عاطفةٍ مُغَثّيةٍ من التسامح، بصيرةٍ من قصورٍ متطرّفٍ بالوعي البشريّ. لن نعرف أبداً كلّ ما يمكن أن نعرفه، لن نربطَ أبداً كلّ جزء إلى كلٍّ. يقولُ جيمس كمن يتوجّه بحديثهِ إلى ليوتار «العالمُ مليء بالحكاياتِ الجزئية التي تجري متوازيةً مع بعضها الآخر، تبدأ وتنتهي في أزمنة غريبة». وليست لنا وحدةٌ مغلَّفة إجمالاً. ويشكّل هذا "تعدّديةً عقلية"، كوناً مُجمَّعاً «غير تامّ أبداً، بل يتعرّضُ طيلةَ الوقتِ إلى إضافةٍ أو هو عُرضةٌ للفقدان». في هذا المخطّط، تتطلّبُ المسألةُ المهيبةُ للواحدِ والكثيرِ اهتماماتٍ متجدّدةً؛ فهي تشدّدُ على مسألةِ التعدّدية ذاتها، التي تنكر بالتساوي الواحدية والنسبية. جيمس من جديد: «العالم واحدٌ بعيد، لأن أجزاءه معلّقة معاً بأيّ شبكة محدّدة. والعالم كثيرٌ بعيد، لأن أيّ شبكة محدّدة تُخفق في تحقيقه. وأخيراً فهو يكبر أكثر وأكثر موحَّداً من قِبل تلك النظم من الشبكاتِ... التي تحفظ للطاقةِ البشرية تأطيرَها بينما يمضي الزمن واحداً». (وهذه الأخيرة هي ما سمّيتها "الغنوصية الجديدة").
باعترافه، جاهدَ جيمس مع مسألةِ التعدّدية لسنينَ عدداً ـ «كيف للمرء أن يتباينَ مع تجربةِ الحقيقةِ المطابقةِ ذاتها؟» ـ وقد اقتحمَ، بعونٍ من بيرجسون "المنطق الفكريّ التطبيقيّ" الذي ابتدعَ المأزقَ، في المقامِ الأول. وضعَ نفسه «في قيدٍ... داخل كثافةِ الواقعِ النشطة، المتحوّلة، الحية»، وأحسّ «أن كافّة التجريداتِ والفروقات»، مناقِضاتٌ للعقل، بل وتنحلّ. لكن ذلك "القيد" أو الوثبةَ لا تعنينا هنا، فاهتمامنا العمليّ منصَبٌّ للحفاظِ على "الكونِ المتعدّد" في "كونـ (نا)"، وكي ندركَ، كما أدركَ جيمس بشكلٍ ثريّ، الالتزامَ الأخلاقيّ الذي يُخفي الموقفَ التعدّديّ. إنه التزامٌ بإشباعِ مثل هذه الادّعاءاتِ قدر ما نستطيعُ بفعاليةٍ؛ ومن جهةٍ أخرى، بالتوسّط، التفاوض، علاوةً على الجمودِ أو التمرّد؛ والتزامٌ بمخطّطٍ لاحتمالاتِ غير مصدّقة قد نثق بها فعلياً. وهو بالنهاية التزامٌ للتسليمِ بالمعتقداتِ كما هي عليه: إسنادُ «سُلّمِ الإيمانِ» الذي ندرُجُ عليه مِن «قد يكون حقيقياً» إلى «سيكونُ حقيقياً»، وبينما ندرُجُ نتوصّل لرؤيةِ الحياة وقد انفسَحَت إلى أبعدَ من العقلِ المفاهيميّ.
إذن، قد يكبّدنا الكونُ التعدّديّ فيضاً من عقائدنا، العقائدِ المسؤولةِ عن أفعالها والمؤسِّسةِ لمعانينا. نتصوّر هذا، طبعاً، عن الإيمان. لكن الإيمانَ، كما عرّفه جيمس، يساعدُ في تخليقِ حقيقتهِ الاجتماعية؛ فليسَ المجتمعُ شيئاً إن لم يكن نسيجاً قاسياً من المسؤولياتِ. يقول «إيماننا هو إيمانٌ بإيمانِ أيّ شخص آخر، ونجدها هي الحالة الأعمّ في المسائل العظمى». وأضيفُ عليه، إن عاطفتنا العمومية هي "إرادةُ الإيمان"، باشتقاقٍ من "إرادةِ القوة" لدى نيتشه. من تلك الإرادةِ نبدعُ عالمنا الإنسانيّ؛ من تلك الإرادة نخلّقُ ما بعد الحداثيّ كإحساسٍ مهجور. ليس لـ "طبيعتـ (نا) الإرادية" أن تظلّ بعيدةً عن اللعبة. فهي لعبةٌ جدّية، محفوفةٌ بالمخاطر، ومع أنها منقوشةٌ عميقاً في تواريخنا الخاصة، إلا أنها لعبةٌ واسعة بوسعِ الكون. وكان لـ وليم جيمس جسارة أن يعيها هكذا:

«في كلّ كينونةٍ حقيقيةٍ ثمة شيءٌ خارجيٌّ عن/ مكرّسٌ من قِبل، فهمِ كلٍّ منا للآخر. فكينونة الله مكرّسةٌ من قِبلنا. ويبدو كلّ ما يريده منا أن نتعاونَ مع خليقته... فيصمتِ نظرياتنا، يبدو أننا ننصتُ، نسمعُ شيئاً كنبضِ دَقّةِ الكينونةِ، والتي تتولّد فينا/ علينا كدورةٍ بسيطةٍ للشخصية، كاستعدادٍ أبكمَ لأن نعاني ونخدمَ هذا الكون، أكثر مما وضِعَ له من نظرياتٍ.» 

وأجد هنا بَلْسَماً لأزمةِ الخطابِ ما بعد الحداثيّ، البلسمَ الشافي.

خاتمة
عليّ أن أهجرَ الآن، وأخيراً، سؤالي عن الإحساسِ، وهو الاستفهامُ البشريّ الذي لن ينتهي أبداً طالما يفتّشُ عقلٌ ليعرفَ نفسَه. وعليّ أيضاً أن أجرّبَ إعادةَ تعيينِ خطابي وسط الأجزاء الكثيرة من معرفةِ ما بعد الحداثيّ. ليست هذه الأجزاءُ «شذراتٍ نتساندُ عليها إزاء أطلالنا» (إليوت)؛ فهي ما نحنُ عليه وما نعرفُ. لأنه في نظامنا الفكريّ، كالمدنيّ، يعلّق جيمس «جمهوريةٌ اتّحاديةٌ أكثر مما هي إمبراطوريةٌ أو مملكةٌ، مهما بلّغَ النظام عن نفسه أنه ممثَّلٌ في أيّ مركزٍ مؤثّرٍ من الوعي أو الحدَث»، ويبقى دائماً شيءٌ آخر «محكومٌ ذاتياً وغائبٌ ومُضعَّفٌ ليتّحدَ». وأشكّ أن شذراتِنا، لا تزال، متضامّةً مع بعضها الآخر، وتعيشُ معرفتنا في أنماطٍ نصنعها ونظلّ نُعيد صنعَها.
قد لا يعادلُ كلّ ما قلته أكثرَ مما قاله أرسطو بالعبارة الأولى من مُصنَّفه (الميتافيزيقا) (ليس، بالمصادفة، في: الأخلاق، البلاغة، السياسة، الطبيعة، أو فنّ الشعر، بل في الميتافيزيقا): «يرغبُ الناس، بالفطرةِ، أن يعرفوا». بـ "الفطرة": وتشمل هذه علمَ الأحياء البشريّ، علم النفس، الفلسفة، وطبيعتنا الثانية، التاريخ. بل، وفي المناخِ الحالي للخطاب، يزعمُ بعضُ كتّابِ ما بعد الحداثة أنهم ينسون آمرنا المعرفيّ الأساسَ، بينما يزوّدنا آخرون، النقّاد الاجتماعيون أساساً، بمعانينا كافّةً من نظامٍ طوطميٍّ أو آخر. ولا ملجأ قد نخرجُ إليه. أعتقد أن البراجماتية الأمريكية تقدّم لنا الآن احتمالاتٍ صميمةً من الفكر والحدَث. تتفادَى في مرحٍ تطرّفاتِ الشكوكيةِ الفلسفيةِ والجمودِ الإيديولوجيّ، كما يعتقد مايكل بولاني(51)، الذي انضمّ يوماً إلى إعلانِ الشمولية السياسية في قارّة أوربا.
تردّ البراجماتية، إذن، بإحساسٍ حاسم، على حالتنا ما بعد الحداثية؛ بل تجلب عناصرَ كثيرةً من الحالةِ الإنسانية نفسها للخيارِ النَشِط. لكن البراجماتيةَ لا تستطيعُ الردّ على استفساراتنا بأجمعها، ليس أكثرَ من أيّ رؤيةٍ أخرى، ينقصُها الكشفُ الصوفيّ. وليس للبراجماتية أخيراً أن تروغَ من مراوغاتِها الخاصةِ فهي تنتظرُ حكمَ الزمِن على عواقبها. ستعترفُ البراجماتية نفسُها بهذا الحدَث وهي تُلهم بنوعيةٍ من النظرِ الكليّ للشفاء الذاتيّ. وهنا، للمرةِ الأخيرة، أيضاً وليم جيمس: «يتمثّل قصورُ الكون التعدّديّ، المفترَضُ، والمقاوِمُ كمعظمِ الفرَضيّاتِ المحتَملَة، في الفلسفةِ التعدّدية، مثل كينونةٍ بإصلاحٍ ذاتيّ خلالنا، ونحن نهيّئ الفواصلَ المعالَجَة في جزءٍ ما بـ (سلوكنا)».
"خلالنا": يبدو أن المادةَ ترتاحُ أخيراً. وربما ليسَ أخيراً، لأن هذه الـ "خلالنا" قد تعتمد على إيمانٍ لا تعضّدهُ مدرسةٌ نظرية، فكرةٌ سياسية، أو شفرةٌ مهنية. ما الإيمانُ؟ لستُ بمستطيعٍ حقاً أن أُبلّغَ، بعد إعادةِ قراءةِ "موتُ إيفان إيليتش(52)". أحسّ بـ تولستوي وقد تحطّمَ حين انتهَى منها. يسألُ "إيفان" «لِمَ هذه الآلام؟»، وهو على مَضجَع موته. «ويردّ الصوتُ (داخلَه): (من دونِ أيّ سبب ـ هكذا فحسب. وراء وجانب هذا ليس ثمة شيء)»؛ بعدئذٍ، بثوانٍ قبلَ النهاية، ولربما أثناءَ النهاية نفسها: «ضربته قوةٌ فجأةً في صدره وجنبه، فجعلته منقطعَ الأنفاس، حتى راحَ في شِقٍّ وثمةَ في القاعِ نورٌ».
أفلا يصفّي كلّ إحساسٍ بمجرّد منطقةٍ بها نورٌ فطريّ؟ لكنه ليسَ بسؤالٍ سأجيبُ عليه في هذا المقامِ، أو حتى أطلبُ منكم ـ لكن قد، ذاتَ يوم ـ الرقصَ.  

الهوامش:
(1) thalamus: المنطقة التي ينقسم عندها المخّ إلى نصفين. (م)  
(2) limbic system: نظام معقّد من بنية المخّ، يدعم وظائف الانفعال والسلوك والتأمل والذاكرة. (م)  
(3) primitive stem: المنطقة التي تهتمّ بإصلاح وظائف الجسم وإحلال الخلايا وتطوير الأجنّة. (م)  
(4) sociobiologist: يدرسون المحدّدات البيولوجية للسلوك الاجتماعيّ، بزعم أنها تنتقل وراثياً وتخضع لعمليات تطوّر أحيائية. (م)  
(5) Edward O. Wilson: عالم أحياء أمريكيّ (مواليد 1929)، من كتبه (المورّثات والعقل والثقافة، مجتمعات الحشرات، طبيعة الإنسان، تنوّع الحياة، ثقافة الحياة، رحلة إلى النمال). (م)  
(6) Wilder Penfield: رائد جراحة الأعصاب الكنديّ (1891/ 1976)، تأمل المبدأ العلميّ لوجود روح الإنسان حتى وفاته. (م)  
(7) John Eccles: أخصائيّ علم الأعصاب النفسيّ الأستراليّ (1903/ 1997)، نوبل الطبّ 1963، من كتبه (المخّ ووحدة التجربة الواعية، فهم المخّ، سرّ الإنسان، تطوّر البشر، عجيبة الإنسان: المخّ والعقل). (م) 
(8) Roger Sperry: أخصائيّ علم الأعصاب النفسيّ الأمريكيّ (1913/ 1994)، نوبل الطبّ 1981. (م)  
(9) Arthur Koestler: روائيّ مجريّ إنجليزيّ (1905/ 1983)، انتحر مع زوجته، بلندن، بعد إصابته بسرطان الدم، من رواياته (عتمة في الظهيرة، المصارعون، وصول ورحيل، عصر الشوق). (م)  
(10) Jacob Bronowski: عالم رياضيات ومؤرّخ علميّ بولنديّ إنجليزيّ يهوديّ (1908/ 1974)، من كتبه (وجه العنف، دفاع الشاعر، هوية الإنسان، العين البصيرة، السحر والعلم والحضارة). (م)  
(11) Carl Sagan: عالم فلك أمريكيّ (1934/ 1996)، من كتبه (تنانين عدن، ظلال الأسلاف المنسية، عوالم أخرى، نقطة زرقاء شاحبة: رؤية لمستقبل الإنسان في الفضاء، المريخ وعقل الإنسان). (م)  
(12) Oedipal: نسبة إلى أوديب، ملك طيبة التراجيديّ، الذي قتل أباه وتزوّج من أمه، وحين علم فقأ عينيه، وقد استخدم فرويد "عقدة أوديب" للدلالة على الرغبة اللاواعية في عشق الأم. (م)  
(13) Cartesian: نسبة للفلسفة الديكارتية، ترى العقل منفصلاً عن الجسد المتعيّن، والإحساس بالحقيقة مصدر الأوهام بالعقل الميتافيزيقيّ، ويقسّم العالم إلى: مسكون بالجسد الماديّ، ومسكون بالعقل، ومسكون بالله. (م)  
(14) Husserl: قدم الفيلسوف الألمانيّ إدمون هوسرل (1859/ 1938) قراءة مختلفة لكتاب ديكارت "تأملات في الفلسفة الأولى"، لم ينشرها بلغته بل بالفرنسية، لعدم رضاه عنها، وتشتمل على الذات المتسامية ومجالات التجربة المتسامية، مع طرح مشكلاتها التأسيسية. (م)
(15) Jean Piaget: عالم نفس تطوّريّ سويسريّ (1896/ 1980)، يهتمّ بالتطوّر المعرفيّ الوراثيّ، من كتبه (نمو العقل المبكّر لدى الطفل، مفهوم الطفل عن المكان، مفهوم الطفل عن الرقم، المعرفية الوراثية، البنيوية). (م)  
(16) Homo Sapiens: الإنسان العاقل، نياندرتال، المكتشَف في ألمانيا، بزمن قُدر بحوالي 50 ألف سنة. (م)  
(17) Homo Faber: الإنسان المبدع الذي بدأ السيطرة على الطبيعة، باستعمال الآلات. (م)  
(18) Homo Ludens: بعدما قتل الإنسان المبدع معارضيه، بدأ يُدخل سياق اللعب في ثقافته. (م)  
(19) Homo Significans: بدأ ينتج المعنى، من خلال تكوين علاقة بين العلامة والدالّ والمدلول. (م)
(20) Jerome Bruner: عالم نفس معرفيّ أمريكيّ (مواليد 1915)، يهتمّ بالنفسية التعليمية وفلسفة التعليم، من كتبه (بحثاً عن العقل، ثقافة التعليم، عقلنة القانون، عمليات النمو المعرفيّ). (م)  
(21) Gregory Bateson: عالم إناسة بصريّ إنجليزيّ (1904/ 1980)، من كتبه (التواصل: القالب الاجتماعيّ لعلم النفس، خطوات نحو بيئة العقل، العقل والطبيعة: وحدة لازمة، خوف الملائكة: نحو معرفية المقدّس). (م)  
(22) John Von Neumann: عالم فيزيائيّ مجريّ أمريكيّ (1903/ 1957)، مكتشف البصمة الوراثية DNA، ساهم في تطوير "نظرية اللعب" والفيزياء النووية والحوسبة الرقمية، من كتبه (تبسيط نظرية النظم، نظرية اللعب والسلوك الاقتصاديّ، الأسس الحسابية لميكانيكا الكمّ). (م)  
(23) Ludwig Von Bertalanffy: عالم بيولوجيّ نمسويّ أمريكيّ (1901/ 1972)، طوّر الميكانيكا الحرارية، من مؤسسي نظرية النظم العامة، من كتبه (نظريات التطوّر الحديثة، الروبوت والعقل والإنسان، رؤية النظم). (م)  
(24) Warren McCullough: عالم أعصاب اجتماعيّ أمريكيّ (1898/ 1969)، طوّر حركة التحكّم الآليّ، من مؤسسي نظريات المخّ، من كتبه (تجسّدات العقل، التفاضل المنطقيّ للأفكار، تراتبية القيم بالشبكة العصبية). (م)  
(25) Textualism: نظرية شكلانية للتأويل، لا تولي أهمية لتاريخية النصّ الرسمية، وتعيد بناء النصّ بعقلانية، دون أن تشير إلى المعنى الخام، أو السياق. (م)  
(26) Hans Blumenberg: فيلسوف ومؤرّخ فكريّ ألمانيّ (1920/ 1996)، ما يقع تحت الاستعارة ونماذج اللغة هو الأقرب للحقيقة، من كتبه (المسافة الوجودية، العمل على الأسطورة، الحياة وزمن العالم). (م) 
(27) Augustine: لاهوتيّ مسيحيّ (354/ 430)، ولد وتوفّي في الجزائر، طوّر مفهوم الخلاص وفكرة الإرادة الحرة، وله مداخلات شكوكية عن التنوير الباطنيّ، رأى ضرورة السيطرة على النساء للحدّ من التأثير على الرجال، من كتبه (الاعترافات، مدينة الله، خيار الإرادة الحرّ، التثليث، الفقه المسيحيّ). (م)
(28) Copernicus: فلكيّ بولنديّ/ ألمانيّ من عصر النهضة (1473/ 1543)، أحدث ثورة علمية بقوله: الأرض هي التي تدور حول الشمس، لا العكس، وعارضته الكنيسة، لكنه مات لحظة رأى كتابه (ثورات الأجرام السماوية) مطبوعاً، فنام وعيناه قريرتان. (م)  
(29) Galileo Galilei: فيزيائيّ وفيلسوف وفلكيّ إيطاليّ (1564/ 1642)، عرّاب العلم الحديث، اكتشف 4 أقمار حول المشتري، قال بمركزية الشمس وعارضه الفلكيون ومنعت الكنيسة كتابه "حوار يتعلّق بنظامي العالم"، وطُلب منه أن يعود عن رأيه فرفض، فحُبس بمنزله حتى مات، وبمحبسه كتب (عِلمان جديدان، قوة المواد). (م)  
(30)Johannes Kepler : فلكيّ ألمانيّ (1571/ 1630)، أحدث ثورة بقوانينه عن الحركة الكواكبية، ولمّح إلى نظرية النسبية التي أصّلها إسحق نيوتن، قال: الله خلق العالم بخطة واضحة لنفهمها بنور العقل، وحوّل الفلك من الميتافيزيقا إلى الفيزياء والرياضيات، من كتبه (لغز الكون المقدّس، انسجام العوالم، الفلك البصريّ). (م)  
(31)Francis Bacon : فيلسوف وعالم إنجليزيّ (1561/ 1626)، مؤسّس النزعة التجريبية، توفي بالتهاب رئويّ وهو يجرّب أثر التجميد على اللحم المحفوظ، ترك: أعمالاً علمية/ أدبية ودينية/ وقانونية. تُنسب إليه بعض أعمال شكسبير. (م) 
 (32) J. Hillis Miller: ناقد أدبيّ أمريكيّ (مواليد 1928)، من جامعة يال، وله أثر كبير في التفكيكية، من كتبه (اختفاء الربّ، الرواية والتكرار، جمالايت القراءة، أفعال الكلام في الأدب، الأدب كسيرة). (م)  
(33) le différend: تعني بالفرنسية، لدى ليوتار، النزاع. (م)  
(34) différance: تعني بالفرنسية، لدى دريدا، كلمتين معاً: يرجئ ويختلف. (م)  
(35) Cheshire cat: شخصية قط متخيل برواية لويس كارول "مغامرات أليس في بلاد العجائب" (1865)، وهو معروف بابتسامته المميزة، وقد نقلها المخيال الشعبيّ المصريّ باسم (القطّ شرشر). (م)  
(36) New Haven: مدينة بولاية كونتيكيت جنوبيّ غرب أمريكا، وفيها جامعة يال، التي خرج منها نخبة نقّاد أسّسوا للتفكيكية. (م)  
(37) Milwaukee: مدينة صناعية بولاية ويسكونسن شمال شرق أمريكا، وفيها جامعة Wisconsin الشهيرة بأقسام الأدب المقارَن، والتي درّس فيها إيهاب حسن 29 عاماً، وقد تخرّجت فيها (من بين علماء ونقّاد كبار) الملعونة جولدا مائير. (م)
(38) Friedrich Schleiermacher: فيلسوف لاهوتيّ ألمانيّ (1803/ 1882)، من مؤسسي التأويلية، وطوّر النقد العالي (فهم العالم ما وراء النصّ)، أنشأ ثنائية الذات واللاذات، الذات: الجسم والروح، واللاذات: الوعي الذاتيّ والموضوعيّ، من كتبه (درس اللاهوت، فنّ أداء الفلسفة، الحرية، الدين، حياة المسيح). (م)  
(39) Wilhelm Dilthey: مؤرّخ وعالم نفس وفيلسوف تأويليّ ألمانيّ (1833/ 1911)، اهتمّ بالمنهجية العلمية وأثر التاريخ في العلم، من كتبه (مقدمة للعلوم الإنسانية، التأويلية ودراسة التاريخ، الشعر والتجربة). (م)  
(40) Hans-Georg Gadamer: فيلسوف تأويليّ ألمانيّ (1900/ 2002)، من كتبه (الحقيقة والطريقة، حوارية الأدب والفلسفة، التأويلية الفلسفية، العقل في عصر العلم، مديح النظرية، علائق الجميل). (م)  
(41) Paul Ricoeur: فيلسوف ظاهراتيّ تأويليّ فرنسيّ (1913/ 2005)، وسّع تأويلية النصوص لتشمل التحليل النفسيّ والأسطورة والاستعارة والسرد والرموز، من كتبه (الحرية والطبيعة، التاريخ والحقيقة، رمزية الشرّ، الزمان والسرد، من النصّ للفعل، صراع التأويلات، نظرية التأويل: الخطاب وفائض المعنى). (م)
(42) logical positivism: فلسفة غربية تتقاطع مع العلوم التجريبية ونظرية المعرفة، تأسست في عشرينيات القرن 20، بمجموعتَي برلين وفيينا، أبرز نقّادها: (نلسون جولدمان، كارل بوبر، توماس كون، هيلاري بوتنام، ريتشارد رورتي). (م)  
(43) ordinary language philosophy: مدرسة فلسفية: مشاكل الفلسفة تنبع من سوء تفاهم الفلاسفة الذي تطوّر إلى تشويه ونسيان معنى الكلمات باللغة العادية، خاصة بالفلسفة اللغوية والوضعية المنطقية، ودامت من 1930/ 1970، أبرز نقّادها: (ج. ل. أوستن، جلبرت رايل، لودفيج فتجنشتاين، جون سيريل، ستانلي كافيل). (م)  
(44) speech act theory: فلسفة لغوية تقوم على الوظيفة الأدائية في اللغة والتواصل، أبرز نقّادها: (جون سيريل، توماس ريد، ج. ل. أوستن، أدولف رايناخ، كارل بولر). (م)  
(45) Ixion: ملك لابيث، في الأسطورة اليونانية، اشتهى هيرا، زوجة رب الأرباب زيوس، فعاقبه الأخير بربطه في عجلة من نار تلفّ إلى الأبد. (م)  
(46) Frank Lentricchia: ناقد أدبيّ أمريكيّ (مواليد 1940)، من كتبه (مرح العلم، بعد النقد الجديد، النقد والتغيير الاجتماعيّ، الرباعية الحداثية، القراءة المغلقة، جرائم الفنّ والفزع). (م)  
(47) collectivist bias: نظام سياسيّ أو اقتصاديّ تملك فيه الحكومة كافّة وسائل الإنتاج. (م)  
(48) Yves Bonnefoy: شاعر وناقد فرنسيّ (مواليد 1923)، من دواوينه (ضدّ أفلاطون، عبور شارع، مطر صيفيّ)، من كتبه (الرسم واللون والنور، المكان ومصير الصورة، الميتافيزيقا الخيالية). (م)  
(49) Collège de France: كلية فرنسية، ضمن جامعة السوربون، لا تقدم درجة علمية، محاضراتها مجانية للجمهور، بها أكبر مكتبة أوربية، ومما يؤسَف له أن بمدخلها تمثالاً للعالِم شامبليون، مكتشف "حجر رشيد"، وهو يدوس على رأس الملك إخناتون! (م)
(50) analytic philosophy: لها شكلان، العام، يهتمّ بالمنطق الشكليّ وتحليل اللغة، والخاصّ، ويهتمّ بالمنطق والرياضيات الحديثة، وأبرز ناقديها: برتران راسيل، لودفيج فتجنشتاين. (م)  
(51) Michael Polanyi: فيلسوف تعدّدي مجريّ إنجليزيّ (1891/ 1976)، يرى الوضعية تزودنا بمعرفية زائفة، وأن المعرفة شخصية، وسمات الحرية تعتمد على الغريزة، من كتبه (العلم والحقيقة والمجتمع، المعرفة والكينونة، المجتمع والاقتصاد والفلسفة، منطق الحرية). وله إسهامات في الكيمياء الطبيعية والاقتصاد. (م)  
(52) The Death of Ivan Ilych: للروائيّ الروسيّ تولستوي (1828/ 1910)، عن قاض يعيش حياة طبيعية مع زوجته، ثم يُصاب في 45 بمرض لا شفاء منه، فيبدأ صراعه مع فكرة الموت، وفي لحظاته الأخيرة يأسى على عائلته من بعده، وساعتها يتحرر من الألم، ويظنّ الموت مات وهو يطلق زفرته الأخيرة. صدرت 1886. (م)  


نشر الكتاب ضمن سلسلة (كتاب الهلال) سنة 2016


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق