الثلاثاء، 26 أبريل، 2016

رواية الغريب؛ السؤال الوجودي، والجوهري: ميشيل أونفري



ترجمة: سعيد  بوخليط

تقديم: ألبير كامو (1913-1960)، ولد في الجزائر الفرنسية، يتيم الأب، بحيث تربى وسط أفراد عائلة أمه بالجزائر. أصبح كاتباً مسرحياً وصحافياً، ساعياً إلى انتقاد الكولونيالية. انتقل، للاستقرار في باريس سنة 1940، بعد إصداره لروايته "الغريب" (1942)، سيشرف على جريدة "combat"، صحيفة المقاومة السرية .بعد الحرب، ونجاح روايته "الطاعون" (1947)، وطد وضعه باعتباره مفكراً ملتزماً. تعرض لحادثة سير سنة (1960) أودت بحياته، ثلاث سنوات بعد حصوله على جائزة نوبل.
*****
كامو، روائي لأقسام الباكالوريا؟ أية حماقة! إذ، يحكي كامو عن هاته المغامرة، فإنه يبعث برسالة كونية.
عندما، شرع في كتابة روايته "الغريب"، كان كامو يبلغ من العمر 25 سنة. حين  أتمّها، وصل إلى27 سنة، ثم أصدرها وقد قارب الثامنة والعشرين. لقد، أخرج تحفة رائعة .لم يكن، يدرك ما أنجزه.
 مامعنى، التحفة؟ إنها، حيز لسلسلة من الإسقاطات، لم تستنفدها قط الرواية، بل تضاعف ممكناتها وتكشف عن حمولة لا تنضب.
التحفة، مثل فندق إسباني، نصادف داخله على كل ما نستحضره: يعني الحديث عن مختلف البلاهات، التي نجازف بالعثور عليها هناك!
صار هذا العمل، وصفة بيداغوجية داخل المدارس. غير أن أسوأ، ما يتعرض له عمل رائع، جعله مجرد قناة لمجموعة مقاربات. لأنه، ماذا يمكننا قوله بصدده؟: «هو قصة رجل أبيض، ارتكب جريمة قتل في حق شخص ثان أسمر، لأن الشمس لمعت على نصل سكينه. القاتل، توفيت أمه، مع ذلك لم يحزن قط لموتها، بل ذهب إلى السينما لمشاهدة  فيلم صحبة "فيرنانديل". ثم، انتهى إلى منصة الإعدام، لكنه لا يبدو قط أنه حزين لمصيره». حبكة أقلّ، أسلوب أبيض،  قح وممحّص. عمل، سيشكل لا محالة، كابوساً بالنسبة للطالب...
    الرواية، التي كتبها ابن عامل زراعي أبيض، قدمت عائلته من فرنسا حوالي 1830، ستغدو كذلك حجة لقراءة أخرى عقيمة: تلك التي فرضتها الحرب الباردة، وأرادت بأن أمثال كامو وجاك ديريدا أو جيرمين تيليون، من خلال طموحهم  إلى عدم دخول فرنسا والجزائر في قتال، سعياً إلى  قلب الصفحة المقيتة للاستعمار، قدموا ضمنياً خدمة دنيئة، للأخير. سارتر وأتباعه، غذوا فكراً واطئاً كهذا، جسد استقلالاً لكل فكر، وأضر بـ كامو، بكيفية لا حدّ لها.
كامو، المتحرّر مطلقاً، توخى إبطالاً للدول والحدود، وانمحاء للأناشيد والرايات، ونهاية للجيوش والشرطة. لماذا بربك ستتم محاربة، هذا المناصر للراية السوداء منذ شبابه وحتى آخر نصوصه، لأنه أضاف دولة إلى الدول، وحدوداً إلى الحدود، وأناشيد إلى الأناشيد، وأعلاماً إلى الأعلام، وجيوشاً إلى الجيوش، ثم بوليساً إلى البوليس؟ كامو، الفوضوي والبرغماتي، أراد حلاً فيدرالياً: لم يغفر له اليعقوبيون المتعطشون للدم والدولة والسكاكين والرعب، كونه فضل الذكاء والعقل على الحرب الأهلية.
إذن، صارت رواية "الغريب"، مجرّد حكاية عن الأبيض الصغير، الذي ذبح ببرودة دون أن يوخزه ضميره، عربياً على شاطئ أدكن، نتيجة الشمس الجزائرية.
سنة 2000، كتب إدوارد سعيد على صفحات "لوموند ديبلوماتيك"، مقالة: "ألبير كامو أو اللاوعي الكولونيالي". قبل هذا الموعد، وبالضبط سنة1994، صدرت رواية سير-ذاتية لـ كامو تحمل عنوان:  "الرجل الأول"، تطرقت إلى موضوعة واحدة هي الجزائر. عمل لم يستشهد به، ولو مرّة واحدة، من قبل إدوارد سعيد الذي فضل ملاحقة "اللاوعي الكولونيالي" في رواية "الغريب".
يمكننا، جعل الإيديولوجي يلاحظ، صعوبة الترميز للكولونيالية، مع رواية يقتل بين صفحاتها رجل أبيض، عريباً، ثم يجد نفسه أمام محكمة أدانته بالإعدام، كعقاب على الجريمة! لكن، الاحتماء باللاوعي، يجيز كل شيء: هذه الرواية، ليست غنية إلاّ بالفقر الذي نحقنه إياها، يعني استيهامات المحلل النفسي سواء كان هاوياً أو محترفاً.
في رواية "الغريب"، لا يتوفر ذاك العربي على اسم معلوم. بمعنى ثان، العرب قذرون، بالتالي يتعذر تسميتهم. قد صارت إذن، رواية جزائر فرنسية، تريد بالفعل أن تبقى كذلك.
إدوارد سعيد، الذي أكد بنفسه في مقالته بأن الثورة الجزائرية، انطلقت رسمياً يوم 1 نوفمبر1954، يمكننا الاعتراض عليه، أن رواية ظهرت شهر ماي 1942، لا ينبغي  تقديمها باعتبارها نصاً، يشتغل لصالح الإبقاء على جزائر كمستعمرة فرنسية، بل أدان كامو هذا الموقف منذ شهر يونيو !1939
في "بؤس القبايل"، أبلغ كامو عن: «الاحتقار المعمم، حيث يمسك من خلاله المستعمر، شعب هذا البلد الشقي. احتقار، يحاكم في نظري من يمتهنونه». من تكلم عن استقلال الجزائر، شهر يونيو1939؟. فلا ينبغي، أن نمارس قراءة للنصوص مرتدة إلى الماضي، بحيث نعلم ما قاله التاريخ بهذا الشأن، لكننا نؤول ما كان ينبغي للرواية قوله.
مع هاته اللعبة، التي تجمع بين الشبوط الفرويدي، والأرنب المطلع على الغيب، يخسر الجميع !وحده كاتب الزواج، من يربح على نحو مضحك.
أيضاً، قوربت رواية "الغريب"، باعتبارها افتداء مسيحياً: البطل الرئيسي "مورسول"، امتثل كالمسيح لحكم الموت، وصعد إلى المشنقة، مثل سلفه تماماً الذي قبل حكم صلبه، ضماناً لخلاص البشرية! علاوة، على أننا نجهل أي افتداء قدمه "مورسول"، وهو يخطو نحو نصل المقصلة، يلزم أن ننسى بشكل سريع جداً، أن بطل الرواية غير المبالي، خرج عن أطواره، كي يرتمي نحو عنق الراهب وقد أزعجه بخطابه، الذي، يخفّف من وقع ما بعد الموت.
إلى جانب الحماقات المدرسية، القومية أو المسيحية، اصطف التحليل النفسي جاعلاً من رواية "الغريب"، رواية أوديبية بامتياز: الدليل، استهدف "مورسول" مرتين، قتل العربي .مرّة، من أجل أمه: (طبيعي، منذ فرويد، ضحت الأغلبية بأسطورة أن الأبناء يتمنون معاشرة أمهاتهم)، ومرّة أخرى من أجل أبيه: (طبيعي، منذ فرويد، ضحت الأغلبية بأسطورة أن الأبناء يبتغون قتل أبيهم).
"مورسول"، الذي يشبه ببساطة كامو على نحو خالص، سيقتل إذن والديه، لأنه باغتهم نسلياً على الفراش: (طبعاً، ضحت الأغلبية، منذ فرويد، بأسطورة المشهد البدائي، الذي وضع كل واحد، أمام منظر والديه وهما يمارسان الجنس).
ماتكشفه هذه القراءة للقراءات، أن نصاً رائعاً أضحى مجالاً لإسقاطات حقبة زمانية. لقد، كان القرن العشرين مسيحياً وماركسياً وفرويدياً: (يمكننا أن نضيف: بنيوياً) .بالتالي، وهي مسألة عادية، جاءت بمثابة قراءات مسيحية وماركسية وفرويدية وبنيوية، تحدثت أكثر عن كتابها، مما تحدثت الرواية عن مؤلفها.
عندما، يشغلنا هاجس الكاتب، من أجل فهم ما كتبه، سنجازف بارتكاب خطأ آخر: الاعتقاد، أن "مورسول" هو كامو، على منوال المرجعية التي أقامها فلوبير: «مدام بوفاري، هي أنا». فالنموذج الأكثر حداثة للتخيّل الذاتي، ينقل إلى مستوى ثان، فكرة أن رواية كبيرة، إذا انطلقت حتماً من كاتبها، لن تستمر كذلك. وبقدر، ما ترتبط أقلّ بصاحبها، تصير كبيرة أكثر.
الأهم، ليس مجموع المقومات التركيبية، التي نجدها داخلها، بل الخيمياء الذي يتجاوزها من أجل بلوغ مجموع، غير قابل للاختزال إلى حصيلة مكوناته. هناك، حضور بالتأكيد  لـ كامو، لدى بطله مورسول، لكن أين؟
اكتشف كامو، إصابته بالسل، وهو لا يزال في الثانوي. أدرك أن حياته، لن تكون طويلة، فأرادها زاخرة. هل، سيمتلك الوقت لجعلها كذلك؟ ها هو غريب عن نفسه: هنا، لكن قبل الغريب، مسودة رواية مهملة عنونها كامو بـ "الموت السعيد"، تروي تفاصيل الجزع الوجودي، لمن أدرك عبثية الحياة، فالموت قائم هنا، وبشكل سريع جداً.
خلال هاته الحقبة، قرأ كامو شوبنهاور ونيتشه، مهتدياً بـ جون غرونيي أستاذه في الفلسفة، نحو نصوص الطاويين والبوذيين وكذا المتن البيروني .ها هي،العناصر التركيبية الفلسفية، كما تتجلى مع العمل الكتابي للروائي: «إننّا نفكر، من خلال الصور. إذا، أردت أن تكون فيلسوفاً، فاكتب روايات»، يؤكد كامو في مذكراته.
الغريب، يموت لذاته، يسير نحو موته متسائلاً كيف سيحياها، الجواب:  باختصار، نيتشوياً، بقول «نعم كبيرة» للحياة.
"مورسول"، شخص هادئ الأعصاب، قادر على الشيء وضده، رائق، هادئ ومترابط الجأش. إنه كامو ذاته، لكنه أكثر من كامو وأقل منه .أراد فعلاً كل ما حدث له: موت أمه، دفنها، قضاء الأمسية في السينما، المغامرة الجنسية، السباحة في البحر الأبيض المتوسط، التماسه من جاره كي يكتب له رسالة، الجريمة، الاعتقال، المحاكمة، السجن، الإعدام. لقد، سعى بقصد وراء كل هذا، فقط استفسار الراهب له، إذا لم يكن قد تطلّع نحو حياة مختلفة.
بخصوص، التساؤل المتعلق بما وراء العالم، مخزون الديانات عامة والمسيحية خاصة، أجاب "مورسول"، نعم: «حياة، حيث يمكنني تذكر هاته»، رد نيتشوي سريع، كما ينبغي.
هذا الدرس الوجودي، يفلت من التاريخ. كل قراءة تاريخية، تفلت من هذا الدرس. لايهم كثيراً، العربي والجريمة، الأب والأم، الخطأ والافتداء، طبيعة الوقوع في شرك النموذج الإيديولوجي للحظة.
أنجز كامو تحفة، لأنه بحكيه عن مغامرة بتاريخ وجغرافية خاصين، بعث برسالة كونية تلائم كل التواريخ والجغرافيات. على كل الأراضي، وبين طيات مختلف الأزمنة، سيطرح هذا السؤال الأنطولوجي بنفس التعبيرات لدى الجميع، بلوره كامو من خلال ديكور: يظهر الحكيم السؤال الوجودي، والأبله يشاهد الديكور. أو لنعبر، عن هذا بكيفية مختلفة: يبين الحكيم الفكر، بينما الأبله يتأمل الصور.

مرجع النص الأصلي:
Le nouvel observateur: Hors-série. juin-juillet 2013. PP 67-69

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق