الأربعاء، 9 سبتمبر، 2015

لوتريامون الذي جاء حرّاً كالعاصفة: أنّا بالاكيان

ترجمة: أمين صالح

Portrait de Lautréamont par Ibara
عندما نشرت إحدى المجلات الفصلية في أواخر الثلاثينات من القرن العشرين استفتاء شارك فيه شعراء ونقاد فرنسيين معاصرين لاختيار عشرين قصيدة لا غنى عنها في كلّ الأزمنة، فإن الإسم الذي احتل المركز الثالث بين الشعراء قبل العام 1900 كان ايزيدور دوكاس، الذي لقّب نفسه [الكونت لدي لوتريامون]، بينما جاء في المركز الأول رامبو، وفي المركز الثاني بودلير. لكن ما هو ملفت حقاً واقع أن الذين اختاروه عموماً واعتبروه الأول، من بينهم أربعة من السورياليين البارزين: إيلوار، بريتون، سوبول، بيريه.. وهؤلاء صنفوه واختاروه ليس بسبب نص واحد بل لأعماله الكاملة التي رأوا فيها وحدة متكاملة ومعلماً هاماً في تاريخ الأدب.
السورياليون لم يكونوا وحدهم المؤيدين والمدافعين عن هذا الشاب الذي توفي وهو في الرابعة والعشرين، لكنهم كانوا أول من اعتبره شاعراً فرنسياً بارزاً، رغم أنه لم يكن فرنسياً ولا شاعراً من الناحية التقنية. فقد وُلد في موننتفيديو بالأورغواي من أبوين فرنسيين. سافر إلى فرنسا للدراسة في معهد البوليتكنيك. وهناك كتب نصوصاً نثرية ليبرهن على نحو أكثر من أي وقت مضى بأن جوهر وروح الشعر لا يكمن في القافية بل في الإيقاع.
في مقدمته لأعمال لوتريامون، كتب فيليب سوبول، أحد الأعضاء الأصليين في الحلقة السوريالية، معبّراً عن افتتان غامر: «المرء لا يحكم على السيد لوتريامون، بل يتعرّف إليه، وعندما يحيّيه ينحني المرء حتى يكاد يلامس الأرض». سوبول كان الأول بين السورياليين الذين أبدوا اهتماماً كبيراً بـ لوتريامون، والطبعة التي كتب لها المقدمة في 1920 سرعان ما راجت وتم تداولها بين بقيّة الكتّاب والرسامين. وكانت، في الواقع، الطبعة الأولى التي أمكن الحصول عليها، فالطبعات السابقة في نهاية القرن 19 نفدت نسخها القليلة. لكن ما إن صار متاحاً وفي المتناول حتى أصبح لوتريامون القديس الراعي لجيل من المتمردين.
لوتريامون، الذي كان يحتل المرتبة الثانية بعد رامبو كقوة محركة للشعر والفن الحديث، انتقل شيئاً فشيئاً إلى المرتبة الأولى بحكم الآراء والتلميحات المؤيدة له، والتي نجدها منذ 1951 في الملاحظات النقدية التي طرحها شعراء وفنانون ارتبطوا في وقت ما بالسوريالية. إن طبعات من أعماله تعددت وتضاعفت وظهرت مزينة بلوحات أبدعها رسامون سورياليون مشهورون من بينهم: فيكتور بوروز، ماكس أرنست، ماتا، رينيه ماجريت، مان راي، إيف تانجاي، سلفادور دالي.
في بيانه السوريالي الثاني، عندما حرّر أندريه بريتون نفسه والسورياليه من أغلب الأسلاف الذين ذكرهم في البيان الأول، بل أنه أبدى تحفظاته بشأن رامبو، إلا أنه تشبث بـ لوتريامون معتبراً إياه السلف الحقيقي للسوريالية وفي أعماله النقدية الأخيرة كان اسم لوتريامون يتردد باستمرار في هذه الكتابات مشيراً إليه بوصفه المؤثر الأبرز والأهم، وفي مقالة له يقوم بريتون بتوجيه توبيخ قاس إلى ألبير كامو لأنه لم يفهم حجم وأهمية ثورة لوتريامون، معتبراً أعمال الشاب المعذّب «الأكثر نبوغاً في الأزمنة الحديثة».
في كتابه "محادثات" (1952) رفع بيرتون أهمية رامبو ولوتريامون معاً فوق التصنيفات الأدبية، وذلك بسبب اهتمامها الأساسي بالوضع البشري، وعذابهما الروحي، وفي مقدمته لمختارات من كتابات لوتريامون، ضمّنها في كتابه "أنطولوجيا الدعابة السوداء" أشار بريتون إلى لوتريامون بوصفه مستكشفاً وممهداً للطريق: «أكثر الأشياء جرأة التي لقرون سوف تكون مصدر تأمل وعناية قد تمت صياغتها هنا سلفاً في ناموسه السحري».
لغة لوتريامون المجازية، قوتها الهذيانية، تسلسل الأفكار القائمة تحت نطاق الوعي الذي تكشفه، أساها العرضي في اللامعقول.. كل هذا يخلق نقطة تماس مع السورياليين. لكن هذه الخصائص الجلية قد فُسرت من غير تردد وباتجاه آخر من قبل نقاد بدءًا من ريمي دي غورمون إلى باحث معاصر مثل جان بير سولييه، بوصفها تجليات لحالة عصابية واضطراب عقلي يتسم باختلال الصلة بالواقع مثل هذه التفسيرات السريرية (النفسية) تقلل من شأن الخاصيات ذاتها التي جعلت لوتريامون محبوباً لدى السورياليين وألهب خيالهم. إنه هذا المنظور الروحي والأخلاقي الواعي، أكثر من التجليات الأدبية للعقل اللامتوازن، هو الذي أشار إلى انطلاق لوتريامون بعيداً عن معاصريه واقترابه أكثر من جماليات القرن العشرين والتفكير الفلسفي.
السورياليون آثروا أن يروا في "أناشيد مالدورور" إما تشكيلاً للأساطير اليونانية القديمة عن سفر الإنسان المحفوف بالعذاب عبر لغز الحياة، أو تمرداً ميتافيزيقياً مرهفاً في عالم يفقد بؤرته التي تفترض أن الإنسان هو حقيقة الكون المركزية وغايته القصوى. السورياليان مارسيل جان وأرياد ميزي في كتابهما "مالدورور" (باريس، 1947) كانا يميلان إلى تفسير لوتريامون بوصفه ضحية معذبة لسماته الموروثة الخاصة، وبالتالي تماهي هذا المبدع مع شخصيته الشيطانية.. "مالدورور". من جهة أخرى، رأي بريتون وليون بيير –كوينت في لوتريامون ثائراً فخوراً، شفافاً جداً، والذي يقدر أن يموضع مأزقه في (الآخر)، "مالدورور"، ويخلق تنفيساً لشكوى الملعونين.

في كتابه الرائع عن لوتريامون "الكونت دي لوتريامون والله"(1928)، الذي هو في الوقت نفسه دراسة عميقة عن طبيعة الثورة، يعتبر ليون بيير- كوينت "الأناشيد" عملاً معاصراً عظيماً من أعمال الثورة و«التعبير الغامر عن التمرد الأسمى». في ضوء الاحتجاج الواعي والمباشر فإن أعمال لوتريامون هي حقاً الأكثر إثارة للمشاعر والأكثر اتصالاً بتطوير المناخ السوريالي. إن وحدة شاب في باريس وانفصاله عن الروابط العائلية كانت من المحتمل أن تنتج سوداوية معتدلة قد لا تقضي إلى شنّ هجوم مدمر على الإنسان والخالق.
كان هناك عامل هو الذي سبب إقلاقاً واضطراباً في نمو مراهق في غاية الحساسية وهو عامل أكبر من الإرباك الجغرافي أو العاطفي. إن العهود التاريخية توفر معلومات قاطعة أكثر من عدة رسائل شخصية في بعض الأحيان. فقد بلغ لوتريامون سن الرشد في مرحلة شهدت حلول نظرية داروين. إن أعمال لوتريامون كانت مستغرقة إلى حد بعيد في الجيشان الروحي الذي سببته نظرية النشوء في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ذلك الحدث العلمي ثبت أنه مقلق في تلك الفترة مثلما كان علم الهندسة غير الاقليدسية واستكشافات الفضاء بالنسبة إلى مرحلة لاحقة.
نظرية النشوء لقيت ترحيباً واحتفاء في فرنسا من قبل المتخصصين في علم الأحياء، والفلاسفة رأوا فيها خلخلة لقيم أخلاقية، أما مفهوم النفس والروح فقد بدا أنه سيكون في موضع خطر. هذه الصدمة الأخلاقية وتأثيرها المحتوم على التوجيه الديني وفرن الزخم، القوة الدافعة، الأهم لكتابات لوتريامون، ولبث حقده ورفضه وعدم ثقته، كما خدمت هذه الصدمة كعامل محرّض لحس الدعابة السوداء، المريرة، في مواجهة الكون ببسالة.
لوتريامون كان في الرابعة عشر من عمره عندما نُشر كتاب داروين "أصل الأنواع" (1859)، وكان لا يزال يعيش في الأورغواي. (والده الذي كان مشتركاً في مجلات فصلية متنوعة، واظب على تزويد نفسه بالأخبار الفكرية عن أوروباـ وبالأخص عن فرنسا). ونحن نعرف القليل جداً عن الحياة والنمو الفكري لهذا الغريب (لورتيامون)، الخارج على الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر. وللأسف هو لم يدوّن أي شيء عن فترة مراهقته، ومات قبل أن يبلغ العمر الذي يكرس فيه المؤلف نفسه لكتابة يومياته. هو لم يخلف وراءه أي ببلوغرافيا بالمؤلفات التي قرأها. فضلاً عن ذلك، هو كان يشعر بالازدراء تجاه اليوميات أو السيرة الذاتية كنوع أدبي. لكن بالحكم على الإشارات الأدبية الوافرة لشظاياه الأخيرة التي سماها "أشعار"، تتضح لنا أنه كان واسع الإطلاع إلى أبعد حد القياس إلى سنوات عمره القصيرة، وكان مطلعاً بشكل جيد على الأدب الأنجليزي والأدب الفرنسي بالدرجة نفسها. ونحن نعلم أيضاً أنه أظهر استعداداً علمياً لا بأس فيه. بعد خمس سنوات من العمل التمهيدي في الليسيه (مدرسة ثانوية فرنسية) ذهب إلى باريس في العام 1965 ليلتحق بمعهد البوليتكنيك لدراسة العلوم التطبيقية. والكثير من الإشارات العلمية في "أناشيد مالدورور" تدل على اهتمام بالأدوات التقنية، وبالتقدم في مجال الفيسيولوجيا (علم الوظائف). علاوة على ذلك، وهو يكشف عن معرفة مدهشة بعلم الحيوان ومصطلحاته التي تصبح، للمرة الأولى جزءاً مهيمناً من المعجم الشعري. ولقد أحصى غاستون باشلار 435 إشارة إلى الحيوانات في "أناشيد مالدورور".
ليس هناك أي ذكر مباشر لـ داروين أو نظرية النشوء في أعمال لوتريامون، لكن بالنظر إلى الاهتمام الشديد بالداروينية فيما بين 1860 و1869 وإذا أخذنا بعين الاعتبار الوعي الفكري العام عند الشاب لوتريامون، وقدرته الهائلة على استيعاب ما يقرأ، وبالأخص ميوله العلمية، فإن الأمر لا يتطلب بذل جهد كبير للافتراض بأن لوتريامون قد عرف عن الداروينية على الأقل قدر –إن لم يكن أكثر- ما يعرفه شاب مجتهد اليوم عن الفيزياء النووية. في "أناشيد مالدورور" الاهتمام الرئيس للمبدع هو إعادة تنظيم العالم الحي، الموحّد بيولوجياً، ولسبب نفسه، المحروم من تفوق الإنسان الأخلاقي. بل ربما كان على الأرجح يفكر في داروين حين قال: «وإذا أكتب هذا، ثمة رعشات جديدة تتخلل المناخ الفكري... كل ما نحتاجه هو الشجاعة في مواجهتها». هذه الجملة المنتزعة من السياق غالباً ما كانوا يستشهدون بها كبرهان على وعي لوتريامون بالاتجاهات الأدبية الجديدة، لكن الأكثر احتمالاً أنه كان في العلوم أكثر من الأدب، ذلك لأن الجملة تأتي كنتيجة لمقطع يقوم فيه إجراء تناظر وظيفي، بيولوجي صرف، بين التطعيم المطبّق على حيوانات معينة والاحتمالات الفيسيولوجية للتماهي بين القارئ والمؤلف.
الداروينية والمناخ الوضعي (الفلسفة التي تعنى بالظواهر والوقائع اليقينية) الذي فيه هي ازدهرت قد أثرت في أعمال لوتريامون بالطريقة نفسها التي مارستها نظرية "حلقة الوجود" على الحركة الرومانسية: من النبات إلى الحيوان، من الحيوان إلى الإنسان، من الإنسان إلى الملاك، ومن الملاك إلى الإله.. كان الطريق المتدرج إلى الكمال كما تخيّله كتّاب قالوا بوحدة الوجود (المذهب القائل بأن الله والطبيعة شيء واحد، وأن الكون المادي والإنسان ليسا إلا مظاهر للذات الإلهية) مثل فيكتور هوجو. في قصيدته الميتافيزيقية "الله"، جعل هوجو الحيوان والإنسان والملاك يسلكون الطريق نحو اكتشاف المطلق أو اللامتناهي، كلّ حسب طاقته الروحية النسبية. ومع أن هناك علاقة عامة، شعر بها الرومانسيون، بين الأجناس الأخرى والإنسان، إلا أن التناسب بين العدم والكمال كان يُعتبر مختلفاً تماماً بالنسبة إلى أشكال الحياة الأدنى، كما عن مقارنته مع ذلك التناسب في الإنسان، لذلك فإن اعتقاد الإنسان بسموه وتفوقه لم يهتز ولم يتزعزع. لكن مع الداروينية، تعرّض ميزان الكمال التدرجي إلى الإقلاق والتشوش نظراً لأن كل جنس كان يُعتبر كاملاً بنمطه الخاص، غير أننا لو انتقلنا من المفهوم البيولوجي إلى تضميناته الفلسفية، فإن طموح الإنسان إلى المطلق هو مجمّد أو معترض بواسطة إعادة خلط الأوراق الوظيفية البيولوجية حيث تقاسم اللغز الغامض فيما يتصل بالزوال من وجه الأرض بنفس الدرجة من السهولة التي تزول فيها ذبابة أو فراشة. الإنسان، وقد وجد نفسه سليل القرد وشقيق العَلَقة، لا يعود قادراً على الإيمان بأنه مخلوق في صورة إله.
لم يصل لوتريامون إلى هذا المفهوم على نحو رائق. هو الموهوب بالنزوع إلى التصوف، لابد أنه قد عاش في عالم كان يسلّم بالمعجزات، والإلهامات الروحية تضاهي مدى مخيلته الواسعة. كانت خيبة أمل مريرة أن يكتشف حجم قصور الإنسان ونواقصه. بطل عملية، "مالدورور"، الذي هو نصف إنسان ونصف حيوان، يهيم ليلاً ونهاراً بلا راحة ولا طمأنينة، تزعجه كوابيس رهيبة وأطياف تحوم حول سريره وتقلق نومه، لوتريامون وبطله المبهم، الذي يقوم أحياناً بتجسيده ألمه الخاص، هما ناقمان لكونهما مقيدين إلى «قشرة الكوكب الصلدة» ولكونهما «مسجونين داخل أسوار إدراكهما». مع ذلك، لا يستطيع لوتريامون أن يكبت شغفه بالمطلق، باللانهائي. وإذا كان صحيحاً أنه يتقاسم قدر الحيوان، فإن توقه الذي لا يدحض لكن الذي لا يخمد، إلى اللانهائي يجب أن يوجد في الكائنات الأكثر وضاعة، وفي الواقع، فإن الطلاب التي تنبح لابد أنها تواقة إلى اللانهائي..
«مثلك، مثلي، مثل سائر البشر (..) أنا، كما الطلاب، أشعر بالحاجة إلى اللانهائي، لا أستطيع أن أشبع هذه الحاجة. أنا إبن الرجل وابن المرأة هكذا قيل لي هذا ما سمعته. وهذا يثير دهشتي.. فقد ظننت أنني أكثر من هذا».
هو غاضب من الإنسان لأنه ساذج وأحمق إلى حدّ أنه يؤدي وهم كرامته لفترة طويلة. وعندما يشير إلى الإنسان بوصفه "القرد السامي" فإن ثمة ازدراءً تهكماً وأسفاً في استعمال المصطلحات الفنية.
شاب ليس مكتمل الرجولة، وأقل احتراساً في مخاض مثل هذه الأزمة الروحية، ربما كان يسعى إلى الإنعتاق من توتره بالهرب، إما بالمراوغة الفيزيائية أو الفكرية. الأمثلة لمثل هذه الذروة من التمرد هي عديدة في الأدب. إن جدّه لوتريامون وأصالته، والأمر الحقيقي الذي جعله محبوباً لدى جيل المستقبل من الفنانين، هو رفضه لأن يتحول عن معضلته الفكرية. الفن لم يكن يعني له شكلاً من أشكال المواساة أو التسكين بل على العكس، الفن مجابهة للمعضلة، إنه بحث وربما كشف.. مهما كان موجعات.
"أناشيد مالدورور" تشهد على مواجهة لوتريامون الباسلة لإعادة ترتيب أو تنظيم عالم يُنظر فيه إلى الإنسان ككائن حي، مادي دنيوي، وبالتالي هو مشروط بالبواعث اللاأخلاقية ذاتها كما الحيوانات. هذا في الواقع ليس موقف تمرد، ذلك لأن التمرد يقتضي ضمناً رفضاً للتسليم. لوتريامون يقبل الشرط الدنيوي تماماً: الحجر سوف يتوق إلى الهرب من قوانين الجاذبية.. أمستحيل هذا: (لكنه يقبله بكره واشمئزاز فيما هو يشرع في تصوير الإنسان من خلال عيني بطله الوهمي) «لتكن حربي ضد الإنسان أبديةً بما أن كل شخص يتعرّف في الآخر على تفسخ ذاته».
لا تعود هناك بقايا من الخاصيات السامية للإنسان يمكن رؤيتها في الحيوان، كما اعتقد الرومانسيون، إنما على العكس تماماً، فالمظاهر البشعة أو غير المرغوب فيها للحيوانات هي المنعكسة في الكائنات البشرية. لوتريامون يبدأ بصورة غير مداهنة على نحو شنيع للقارئ العزيز)
الذي يسميه المسخ مشيراً إلى فمه بوصفه خرطوماً، ومشبهاً حركاته بحركات سمك القرش، العيون البشرية هي أشبه بأعين خنزير البحر، مستديرة مثل أعين البومة، وعندما يمط الإنسان عنقه فإنه يبدو مثل عنق حلزون. ساقاه يذكران لوتريامون بالأطراف الخلفية لضفدع، سيماء وجه الإنسان هي سيماء بطة أو كبش، صلعته كأنها صدفة سلحفاة، وعريه عري دودة. إن صياح كلب، طفل، قط، امرأة.. له قرابة واضحة، ولا لبس فيها، في لوحته التي يرسمها للكون.
التناظرات الوظيفية بين الإنسان والحيوان تشكّل لب لغته المجازية في "أناشيد مالدورور" التشابه هو بأية حال مقصور على صفات. جسمانية. الحركات البشرية والأوضاع الجسمانية هي غالباً تقترب من ارتباطات ذهنية معقدة جداً مع السلوك الحيواني: تماماً مثل طوير الكركر، الطيور التي هي قلقة كما لو أنها جائعة على الدوام، تستمتع بالحار القطبية ولا تغامر إلا بمصادفة في المناطق الأكثر اعتدالاً، مثلها كنت قلقاً وأجرجر ساقيّ إلى الأمام ببطء شديد».
هاهنا فكرته عن الحالة الذهنية البشرية: «الذهن يجفّ بفعل التفكير المكثف والتوتر على الدوام. إنه يصيح مثل ضفادع في مستنقع، عندما تأتي مجموعة من البشروس النهمة أو طيور البلشون الجائعة، وتحط على طحالب الضفاف».
إنه يشبّه أسلوب الكاتب بـ «بومة رصينة حتى الأبدية». بقبول صلة حميمية بين الإنسان والكائنات الحية الأخرى في مجازاته، هو يهدم القيم الجمالية القديمة.. الجمال يصبح شيئاً غير تقليدي تماماً: «كان يبدو جميلاً مثل شعيرتي حشرة طويلتين تتخذان شكل مجسّ (أو) الخنفساء، جميلة مثل ارتجاف يديّ مدمن على الكحول» إن تشبيهات بعيد الاحتمال مثل هذه سماها أندريه بريتون: سوريالية لوتريامون. الصورة التالية أصبحت شهيرة بسبب عدد المرات التي تم الإستشهاد بها بوصفها الصورة السوريالية المثالية: «فسر الحملان، الجميل كقانون كبح تنمية الصدر عند البالغين الذين نزوعهم إلى النمو لا يتناسب مع كمية الجزيئيات التي يستوعبها جهازهم العضوي، غاب في طبقات الجو العليا».
حتى الموت له جمال يشبه تلك الصفة المميزة عند الحيوان: «كل شخص يملك الحس السليم للاعتراف بلا صعوبة أنه يدرك في بادئ الأمر العلاقة، مهما كانت ضئيلة، التي أشرت إليها بين جمال تحليق الحدأة الملكية وجمال وجه طفل، يبزغ بعذوبة فوق تابوت مفتوح، مثل زهرة نيلوفر تشق سطح المياه».
لو أن خصائص الإنسان الفيزيائية هي مماثلة لخصائص الحيوان فإن سلوكه الاجتماعي يمكن أيضاً أن يُرى بوصفه مشتقاً من سلوك الأشكال الأدنى للحياة. التنافر الاجتماعي عند الإنسان، على سبيل المثال، يصبح ظاهرة طبيعية كما الحال مع أنواع متعددة من الأسماك التي تمارس سمتها الخاصة من الانعزالية في أماكن تواجدها في المحيط: أيها المحيط الشائخ، إن مختلف أجناس التي تغذّيها ولم تتعاهد على الإخاء فيما بينها. كل جنس يعيش بمفرده ومن غير مساعدة. الأمزجة ونقاط الالتقاء التي هي على خلاف مع كل منها، تفسر بطريقة مرضية ما يبدو لوهلة مجرد شذوذ. وهكذا الحال مع الإنسان الذي لا يملك الأعذار نفسها. عندما يحتل ثلاثون مليون كائن بشري قطعة من الأرض فإنهم يحسبون أنفسهم غير مجبرين على القلق بشأن وجود جيرانهم منغرزين كالجذور في قطعة الأرض المجاورة.
نظرية النشوء منحت لوتريامون وسيلة لإعادة استنطاق القضايا الأخلاقية. في ترجمة كليمانس روير لكتاب داروين، الهدم الشامل، المتعذر اجتنابه، في كل طبيعة، كان قد توضح على نحو بليغ: «قانون الهدم المحتوم يهلك القسم الأعظم من الشباب أو الشيوخ، في كل جبل متعاقب، أو فقط في الفترات الفاصلة الدورية».
يتوافق مع هذا الصراع الأساسي من أجل البقاء الذي وصفه داروين، فإن مقدمة المترجمة تشير إلى أنه إذا كان الهدم قانوناً أساسياً للطبيعة، فإن القانون الجوهري للفضيلة سيكون إذن عبارة عن جهود كل جنس لحفظ الذات من الأذى أو الهلاك. التعرف على الأصل الوحشي والكونية البيولوجية للشر هي التيمة الأساسية لـ "أناشيد مالدورور". ولوتريامون يسلّم بالنزعة الأثيمة عند الإنسان كما هي غريزة النسر في تمزيق فريسته. لكن وحشية الإنسان ضدّ الإنسان لا يمكن أن تقاس بوحشية النسر أو الغراب أو البجع أو الإوز البري أو الضفدع أو النمر أو الحوت أو سمك القرش أو الفقمة، ذلك لأن الإنسان قد تخطى في الوحشية والقسوة كل هذه الكائنات.
إذاً الإنسان، فيزيائياً وروحياً، ليس سوى قردٍ سام فالملاك عندئذ لا يمكن أن يكون بعيداً جداً عن هذا الطور نفسه. وهو يظهر "مالدورور" في هيئة سرطان بحر ويضحك مثل حَمَل.
ما إن يتم اختزال خصائص الكائنات البشرية، الفيزيائية والمعنوية إلى مستوى خصائص الحيوانات حتى يبقى فقط سبب واحد لشقاء الإنسان مقارنة بحالة كائنات حية أخرى على الأرض: إن لديه ذلك الوهم عن تفوقه وشموخه.. في لحظة التحرر من الوهم، يسعى لوتريامون إلى تقليل الزهو البشري، وبتلك الوسيلة يجد السلام والطمأنينة عبر التآخي مع العالم الحيواني، ثم أخيراً عبر الانمساخ أو التحول الفعلي. إنه يتحدث بطمأنينة بالغة مع الحيوانات (بينها بعض الشخصيات الرئيسية في عمله): الأفعى، الخنفساء، الضفدع. وهو يلتمس ميثاقاً مع أكثر الحيوانات خسة وحقارة. الوطواط صديقه، العقارب رفقاه.. وهو يمارس الحب مع أنثى سمك القرش، ويتلقى المؤاساة من الضفدع أنا لا أتفق مع باشلار في قوله بأن استحواذ الحيوانات على اهتمام لوتريامون هو تجلّ لظاهرة العدوان. لو أن الأفعال العدوانية، العنيفة، مرتكبة –كما يقول- من أجل إحباط حساسيته الفائقة تجاه المعاناة، فإن الأمارة هي إظهار أن "مالدورور" يعاني بقدر ما تعانيه الحيوانات التي يصادقها ويعاشرها.. لوتريامون يقوم بمحاولة لتعديل النظرية القائلة بأن الإنسان هو حقيقة الكون المركزية أو هو غاية الكون القصوى، والعملية حافلة بالألم والإذلال. القائلون بوحدة الوجود شعراً أيضاً بمصاهرة معينة مع كل الكائنات، لكن كان يُنظر إلى الرابط وفق تسلسل هرمي، وحب الإنسان لمخلوقات الله الأخرى مصنف على مستوى أبوي (بطريركي) إلى حد ما، في رؤية لوتريامون للكون، من جهة أخرى، فإن تآخي الإنسان مع الحيوان، اتصال "مالدورور" الفعلي مع الحيوانات، هو مبني على أساس صبغة دنيئة من الديمقراطية، وعودة قوية إلى صفات الأسلاف التي ابتعدت عنها الأنسال السابقة، والتي بها يلتمس الإنسان التسويغ لغرائزه وسلوكه بوضع ذلك في تكافؤ مع تلك التي تنتمي إلى الأشكال الأدنى للحياة الحيوانية.
"مالدورور" يحقق التماهي الكامل مع الأجناس الأخرى. بسعادة هو يعيش كسمك قرش أو خنزير أو جدجد جميل: التحوّل لم يظهر أبداً أمام عيني إلا كصدى عالٍ للسعادة التامة التي كنت أنتظرها منذ وقت طويل.
إنه يتخيّل برباطة جأش شقيقين تحولا إلى عنكبوت واحد. وهو يمضي خطوة أبعد عندما يفكر ملياً في احتمال ظهور جنس جديد: إنه يرى نفسه في صورة هجين: نصفه طائر ونصفه إنسان، أو يتخيل بدقة علمية رجلاً مزوداً بأعضاء بط في مشاركة حميمة مع الحياة المائية: «رأيت كائناً بشرياً بعضلات قوية يسبح في البحر، بقوائم بط عريضة بدلاً من أطراف الساقين أو الذراعين، حاملاً زعنفة في الظهر طويلة وجميلة كما الدولفين، وهناك مجموعة وافرة من الأسماك (رأيت في هذا الموكب، بين سكان مياه آخرين، سمك الرعّاد وعقرب البحر الرهيب) كانت تتبعه بالسمات المزعومة ذاتها من الإعجاب الشديد خنزير البحر الذي في رأيي، لم يسلب سمعة وشهرة السباحين البارعين، بالكاد استطاع أن يتبع عن بعد هذا البرمائي الذي هو من جنس جديد».
في مثال آخر، اشمئزاز من الجنس البشري يجعله –ينتحل جزئياً هيئة بجعة ويعيش في وئام مع السمك.. «العناية الإلهية، كما ترى، قد وهبتني جزئياً أعضاء بجعة إنما أعيش في سلام مع الأسماك التي تدبر لي ما أحتاجه من طعام».
من المهم ملاحظة الاختلاف بين هذا التحول و(مسخ) كافكا. "جريجور ساما"، الذي تحوّل إلى حشرة هائلة ومروعة، لا يشعر إلا بالازدراء والخوف في حالته الجديدة. إنه يحس بحاجز أبدي بين ذاته والبشرية. تحوله يرمز إلى إقصائه عن سائر المجتمع، وعزلته الهائلة التي لا شفاء منها. اما لوتريامون، فعلى العكس، لا يشعر بأي اشمئزاز من عملية التحول أو الانمساخ. إن مجسّات الحشرة، بالنسبة إليه، هي جميلة. بالأحرى، العودة إلى شكله السابق هي التي يعتبرها محنة أو بلية. إن تحوله لا يعدّ شيئاً فظيعاً كما في قصة كافكا، بل تحدياً لذلك الرياء البشري الذي لا يستطيع احتماله. جوهرياً، إذن، هو ليس متشائماً، هو ليس متشائماً مع كافكا نظراً لأنه يجد الراحة والفرج في استيائه والصفات أو الطبيعة البشرية مهما كان السلوك مؤذياً عبر تماهيه مع أشكال أخرى من الحياة.
مع ذلك فإن محاولات لوتريامون لتفكيك الإنسان من الأساس المعيّن ذاتياً، ولدمجه مع مملكة حيوانية متماسكة بإحكام أكثر، هذه المحاولات تنتج سمة مأساوية في كل كتاباته. إن صوفيته الفطرية، المتأصلة فيه، تقدم مسحة من الاحتجاج ضد مفهوم مادي تماماً لحياة هو موجع جداً كما هو هدفه المحدد لتقويض الإيمان التقليدي بالتفوق البشري.
الحالة النفسية تتردد بين الغطرسة والسخرية من جهة، ويأس آدم المطرود من الجنة من جهة أخرى. ومع أنه كان مأخوذاً برؤية الحيوان في الإنسان، إلا أنه لم يحقق صورة كاملة للإنسان بوصفه حيواناً حتى في مقارنة جريمة "مالدورور" مع جريمة النسر، فإنه على نحو غير مقصود يشير إلى الاختلاف الكبير بالقول مضيفاً: «مع ذلك فقد تعذبت قدر عذاب ضحيتي». مع كل ماديته المفروضة ذاتياً إلا أنه لا يستطيع أن يحرر نفسه من فكرة الخلود. الشر ذاته الذي رآه في الإنسان وفي الحيوان علله هو بغضبهما الشديد والمشترك ضد العجز عن سبر غور المطلق. وهو لا يستطيع، بالرغم من شكوكه وسخريته، أن ينكر كليّة وجود الله. ومع أن الإنسان والحيوان يظهران بوصفهما كائنات سريعة الزوال على نحو متساو، إلا أنه يوجد للجميع هناك فردوس موصوف بعبارات بليغة من قبل أخيه الضفدع الذي سوف يشاطر "مالدورور" جنته.
ما بهر السوريالييين وكثّف إعجابهم تجاه لوتريامون هو قدرته على مجابهة الوضع البشري بثبات في كل مظاهره الدنيئة والمأساوية، ليكتشف في الوقت نفسه سلاحاً يحفظه من الأذى في معركته. دعابته هي ما اعتبرها بريتون في "انطولوجيا الدعابة السوداء": «الدعابة التي تبلغ قوتها الأسمى والتي تحيلنا فيزيائياً وكلياً تحت قانونها» وليون بيير- كوينت قد رأى من قبل في هذه الوسيلة، ذات الحدين للهجوم والدفاع عن النفس، المزاج الأساسي للعنصر الهزلي المعاصر.
لوتريامون مات شاباً ولم يمهله الزمن لكي يتوصل إلى أي نتائج فلسفية. اللوحة الأخيرة التي يتركها في "أناشيد مالدورور" هي ثنائية. صحيح أن هناك، من جهة، صورة إنسان على مستوى أعلى قليلاً من مستوى الحيوان، لكن في الوقت نفسه فإن لوحة لوتريامون عن العالم الحيواني هي موهبة، عبر تومة إلى الإخاء، بالخاصيات الإنسانية التي ينكرها: الحكمة، الحنان، التعاطف. بالنتيجة فإن مناجاته للكائنات الأدنى، المتأثرة عاطفياً بتيار من الشفقة والحنو، تحول السخرية من الجنس البشري إلى الاستهزاء بأولئك الذين يحرمون الإنسان من أي سلطان «حسبت أنني أكثر من ذلك».. هذا هو النشيد الذي يحوم فوق التآخي العبثي. الطريقة الجسورة التي بها ينجح لوتريامون في إحكام قبضته على "معضلة الحياة الكبرى"، سواء هو نقل اهتمامه إلى أناه الثانية، "مالدورور"، شقيق العلقة، أو أخذ الأمر على عاتقه مباشرة، فقد منح عمله صفة كونية سرمدية، وأطلق النبرة التراجيدية لكن غير القابلة للترويض والتي هي أحياناً تهكمية.. وهذه الصفة لا تميز جيله بل المستقبل.

الهوامش:
 الشخص الهام الوحيد الذي هاجم لوتريامون في القرن العشرين كان ألبير كامو في مقالة نقدية نشرها في العام 1951. بريتون هاجم في سخط هذه المقالة ووبخ كامو لأنه اعتبر لوتريامون "مراهقاً مذنباً".


المصدر: Surrealism : the road to the absolute anna balakian


نُشر بمجلة البحرين الثقافية، العدد 36، بتاريخ 2015/08/01، صص 35-43




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق