الأربعاء، 24 سبتمبر 2014

جورج باتاي (1896-1962)؛ وعشرون عامًا بعد رحيله: زينب عبد العزيز

العدد 243 لجوان 1987 من مجلة "Magazine Littéraire"
أفردت مجلة "مجازين ليترير" "Magazine Littéraire" الشهرية الصادرة في يونيو 1987 جزءاً خاصاً عن الأديب الفرنسي الراحل جورج باتاي، وذلك بمناسبة ظهور أهم وأحدث كتاب عن حياته وأعماله، والكتاب بقلم ميشيل سوريا (Michel Surya) الذي تخصص تقريباً في الكتابة عن جورج باتاي ومؤلفاته، ويتضمن هذا الجزء من المجلة عدّة مقالات وأبحاث بقلم بعض كبار النقاد والأدباء الذي ساهموا في الاحتفال بمناسبة مرور عشرين عاماً على وفاة باتاي.
وتتناول هذه الأبحاث المتعددة مختلف الملامح التي تميّز جورج باتاي وأعماله. مثل المكانة المميزة للصور والرموز في كتابته. وتجربته مع الشعر، وقيمة مؤلفاته في المجال الاقتصادي، وموقفه المعادي للسريالية، ومساهمته الفعالة في المجلات الأدبية، كما تناولت بعض هذه المقالات والأبحاث موقفه من بعض معاصريه مثل الأديب جان بول سارتر والفيلسوف لاكان (Lacan) والأديب روجيه كايوا (Roger Caillois). وتنتهي هذه الأبحاث بمقال عن المكانة الحالية لجورج باتاي في المجال الأدبي.

الأربعاء، 17 سبتمبر 2014

جدل السيادة والعبودية: ألكسندر كوجيف

ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي

ألكسندر كوجيف
الإنسان وعي بالذات. إنه واع بذاته، واع بحقيقته وبكرامته الإنسانيتين. وهو بهذا يختلف اختلافا جوهريا عن الحيوان الذي لا يتخطّى مستوى مجرد الإحساس بالذات. والإنسان يعي ذاته في اللحظة التي يقول فيها -لأول مرة- أنا. وإن فهم الإنسان بفهم "أصله" يعني فهم أصل الأنا الذي يكشف عنه الكلام.
والحال أن تحليل الفكر أو العقل أو الفهم، الخ، وبصفة عامة، تحليل السلوك المعرفي التأمّلي المنفعل لكائن أو "لذات عارفة" لا يكشف لنا أبدا لماذا ولا كيف تنشأ كلمة "أنا"، وبالتالي لماذا وكيف ينشأ الوعي بالذات، وأقصد حقيقة الواقع البشري. فالإنسان المتأمّل "ينغمس" فيما يتأمّله. والذات العارفة تضيع في الموضوع المعروف. لذا فإن التأمّل يكشف عن الموضوع لا عن الذات. الموضوع، لا الذات، هو الذي ينكشف لنفسه في عملية المعرفة وعن طريقها. والأفضل أن نقول إنه ينكشف كعملية معرفة. إن الإنسان الذي ينغمس في الموضوع الذي يتأمّله لا يستطيع أن "يعود إلى ذاته" إلا عن طريق رغبة كرغبة الأكل على سبيل المثال. فرغبة موجود (واع) هي التي تجعل من هذا الموجود "أنا" وتكشف عنه كذلك عندما تدفعه أن يقول "أنا". الرغبة هي تحول الوجود المنكشف لذاته بواسطة ذاته في المعرفة (الصادقة) إلى موضوع ينكشف لذات بواسطة ذات متميزة عن الموضوع ومعارضة له. فالإنسان يتشكّل وينكشف -لنفسه وللآخرين- في رغبته وعن طريقها. والأفضل أن نقول إنه، كرغبة وكرغبته هو، يتكوّن وينكشف كأنا، كالأنا المخالف اختلافا جوهريا للاأنا والمعارض له معارضة جذرية. الأنا (الإنساني) هو أنا الرغبة. إنه أنا راغب.
وبناء على ذلك فإن الوجود الإنساني، الوجود الواعي بذاته يقتضي الرغبة ويفترضها. وبالتالي، فإن حقيقة الواقع البشري لا يمكن أن تتشكل وتستمر إلا داخل واقع بيولوجي وحياة حيوانية. ولكن إذا كانت الرغبة الحيوانية هي الشرط اللازم لوجود الوعي بالذات، فإنها ليست شرطا كافيا لذلك الوجود. فالرغبة وحدها لا تشكّل إلا الإحساس بالذات.
وخلافا للمعرفة، التي تجعل الإنسان سجين اطمئنان سلبي فإن الرغبة تجعله يخرج عن ذلك الاطمئنان فتدفعه إلى العمل. وبما أن العمل هو وليد الرغبة فهو يرمي إلى إشباعها وهو لا يمكن أن يرضيها إلا عن طريق النفي والقضاء على موضوع الرغبة أو تحويله على الأقل: فلكي أشبع جوعي مثلا، يكون علي أن أقضي على الطعام، أو أن أحوّله على كل حال. وهكذا فإن كل عمل هو سلب ونفي. وبدل أن يدع المعطى كما هو فإنه يقضي عليه، وهو إن لم يقض عليه في وجوده ففي صورته على الأقل. وكل نفي -سالب للمعطى لا بد وأن يكون فعالا. غير أن العمل السالب النافي لا يكون مجرد عمل هدام. ذلك أن العمل الذي يصدر عن رغبة ما إذا كان يقضي على واقع موضوعي ليشبع تلك الرغبة، فإنه يخلق مكانها واقعا ذاتيا وذلك في فعل ذلك الهدم ذاته وعن طريقه. فالكائن الحي الذي يأكل مثلا يبني ذاته ويحافظ عليها وذلك بأن يقضي على واقع مغاير له، وبأن يحول حقيقة مغايرة ويجعلها حقيقته هو عن طريق "تمثل" حقيقة غريبة خارجية وجعلها حقيقة باطنية. وبصفة عامة، فإن أنا الرغبة هو عبارة عن خواء لا يكتسب محتوى حقيقيا إلا عن طريق فعل النفي الذي يشبع الرغبة بالقضاء على ما ليس أنا، وذلك بتحويله و "تمثله". وهذا المحتوى الحقيقي للأنا الذي يتشكل عن طريق عملية النفي يكون تابعا للمحتوى الحقيقي للاأنا ومتوقفا عليه. لذا فإن كان موضوع الرغبة هو لا -أنا "طبيعي"، فإن الأنا سيكون هو نفسه "طبيعيا". إن الأنا الذي ينتج عن عملية الإشباع الفعالة لتلك الرغبة سيكون من طبيعة الأشياء التي تقع عليها الرغبة: سيكون إذن أنا شيئيا، أنا حيا فحسب، أنا حيوان. وهذا الأنا الطبيعي الذي يتولد عن الموضوع الطبيعي، لا يمكنه أن ينكشف لذاته وللآخرين إلا كإحساس بالذات، وهو لا يبلغ قط مستوى الوعي بالذات.
لكي يكون هناك وعي بالذات، ينبغي أن تقع الرغبة على موضوع غير طبيعي، أي على شيء يتجاوز الواقع المعطى. والحال أن الشيء الوحيد الذي يتجاوز هذا الواقع المعطى هو الرغبة ذاتها. ذلك أن الرغبة، إذا نظرنا إليها من حيث هي رغبة، أعني قبل إشباعها، لا تكون إلا عدما. إنها ليست إلا خواء لا حقيقة له. وبما أن الرغبة هي انكشاف لخواء، بما أنها حضور لغياب واقع فهي إذن تتميز عن الشيء المرغوب فيه وتختلف عنه. إنها إذن ليست شيئا. وهي ليست كائنا حقيقيا ساكنا، إنها ليست معطى يظل أبدا هو هو. وبناء على ذلك فإن الرغبة التي تنصب على رغبة أخرى، إذا نظرنا إليها من حيث هي رغبة، فإنها ستخلق عن طريق فعل النفي والتمثل الذي يشبعها، أنا يخالف في جوهره (الأنا) الحيواني. وهذا الأنا الذي (يتغذى) على الرغبات، سيكون هو ذاته رغبة تولدت عن إشباع رغبة. وبما أن الرغبة تتحقق كفعل ينفي المعطى، فإن وجود هذا الأنا سيكون عبارة عن فعل. لن يكون هذا الأنا إذن كالأنا الحيواني، ساكنا دائما هو هو بل إنه سيكون "سلبيا-نافيا". وبعبارة أخرى فإن وجود هذا الأنا سيكون عبارة عن صيرورة. والصورة العامة لهذا الوجود لن تكون هي المكان وإنما هي الزمان. ويعني استمرار هذا الأنا في الوجود "ألا يكون ما هو عليه (من حيث هو كائن ساكن معطى، كائن طبيعي وخصائص فطرية) وأن يكون (أي أن يصير) ما ليس هو" سيكون هذا الأنا إذن من صنع ذاته: سيصبح (في المستقبل) ما صار عليه (في الحاضر) عن طريق عملية سلب ما كان عليه (في الماضي). على أساس أن عملية السلب هاته قد تحددت بما سيصير إليه. إن هذا الأنا إذن هو، في وجوده صيرورة ترمي إلى قصد وغاية، وهو تطور هادف وتقدم واع يتم عن طواعية. إنه عملية تجاوز للمعطى الذي يقدم له والذي يكونه هو ذاته. هذا الأنا هو فرد (بشري) حر (في مقابل الواقع المعطى) تاريخي (بالنسبة لذاته). هذا الأنا، وهذا الأنا وحده، هو الذي ينكشف لذاته وللآخرين كوعي بالذات.
إن الرغبة البشرية يجب أن تنصب على رغبة أخرى. ولكي تكون هناك رغبة بشرية ينبغي أن يكون هناك أولا وقبل كل شيء تعدد للرغبات (الحيوانية). وبعبارة أخرى، لكي يمكن للوعي بالذات أن يتولد عن الإحساس بالذات، لكي تتمكن الحقيقة البشرية من أن تتشكل داخل الواقع الحيواني ينبغي لهذا الواقع أن يكون متعددا. لا يمكن للإنسان أن يظهر على وجه الأرض إلا وسط القطيع. لذا فإن الواقع البشري لا يمكن أن يكون إلا واقعا اجتماعيا. ولكن، لكي يصير القطيع مجتمعا لا يكفي أن يكون هناك تعدد في الرغبات، بل ينبغي أن تنصب رغبات كل فرد من أفراد القطيع على رغبات الأفراد الآخرين أو على الأقل أن يكون في استطاعتها ذلك.
إذا كان الواقع البشري واقعا اجتماعيا فإن المجتمع لا يكون إنسانيا إلا بمقدار ما يكون مجموعة من الرغبات التي تنصب على بعضها البعض بما هي رغبات. إن الرغبة الإنسانية، أو على الأصح الرغبة المولدة للإنسان، الرغبة التي تشكل فردا حرا، تاريخيا، واعيا بفرديته وحريته وتاريخه شاعرا بتجذره التاريخي، إن هاته الرغبة الإنسانية تختلف عن الرغبة الحيوانية (التي تشكل كائنا طبيعيا، يكتفي بأن يحيا ولا يتخطى مستوى الإحساس بالذات) لكونها لا تنصب على موضوع واقعي، حقيقي، معطى وإنما على رغبة أخرى. ذلك هو الأمر مثلا فيما يتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة: فالرغبة لا تكون إنسانية إلا إذا لم يرغب الواحد منهما في جسم الآخر وإنما أن تنصب رغبته على رغبة الآخر، أي إلا إذا أراد أحدهما أن "يمتلك" الرغبة بما هي رغبة، وأعني إذا ما أراد أن يكون "مرغوبا فيه" "محبوبا" والأفضل أن نقول "معترفا به" في قيمته كإنسان، وفي واقعه كفرد بشري. وبالمثل فإن الرغبة التي تنصب على موضوع طبيعي لا تكون رغبة بشرية إلا بمقدار ما تكون رغبة شخص آخر قد "توسطتها" وانصبت على الموضوع نفسه. فمن طبيعة الإنسان أن يرغب فيما يرغب فيه الآخرون، لأنهم يرغبون فيه. وهكذا فقد يمكن لموضوع عديم الفائدة من الناحية البيولوجية (مثل الوسام والعلم الوطني للخصم) أن يصبح موضع رغبة لأنه يكون موضع رغبات أخرى. إن مثل هاته الرغبة لا يمكن أن تكون إلا رغبة إنسانية. والواقع البشري بما هو واقع مخالف للواقع الحيواني لا ينشأ إلا عن طريق الفعل الذي يشبع مثل هاته الرغبات: إن تاريخ البشر هو تاريخ الرغبات التي تنصب على بعضها البعض.
ولكن إذا ما أبعدنا هذا الاختلاف جانبا، فإن الرغبة الإنسانية تماثل الرغبة الحيوانية. فالرغبة الإنسانية تسعى، هي الأخرى لأن تشبع عن طريق عملية سلب بل تحويل وتمثل. إن الإنسان يتغذى على الرغبات مثلما يتغذى الحيوان على الأشياء الواقعية. والأنا البشري، الذي يتحقق بالإشباع الفعلي للرغبات البشرية، يكون هو الآخر، تابعا لما يتغذى عليه متوقفا على غذائه مثلما يتوقف جسم الحيوان على مأكله.
لكي يكون الإنسان إنسانا حقا، لكي يختلف الإنسان اختلافا جوهريا حقيقيا عن الحيوان، ينبغي لرغبته الإنسانية أن تنتصر بالفعل على رغبته الحيوانية. والحال أن كل رغبة هي رغبة في قيمة، والقيمة العليا بالنسبة للحيوان هي حياته الحيوانية. إن كل رغبات الحيوانات هي في النهاية تابعة لرغبتها في أن تحافظ على بقائها. بناء على ذلك فإن رغبة الإنسان ينبغي أن تفوق الرغبة في البقاء. وبعبارة أخرى فإن الإنسان لا يكون إنسانا إلا إذا خاطر بحياته (الحيوانية) من أجل رغبته الإنسانية. ففي هاته المخاطرة وبفعلها ينشأ الواقع البشري وينكشف كواقع. في هاته المخاطرة وبفعلها يكون على الواقع البشري أن يظهر ويثبت ذاته ويتأكد من حقيقته ويقدم دلائله كواقع يخالف الواقع الحيواني الطبيعي ويتميز عنه. لذا فإن الحديث عن "أصل" الوعي بالذات، لا بد وأن يرتبط بالحديث عن المخاطرة بالحياة (من أجل هدف غير حيوي).
يكون الإنسان إنسانا إذا ما هو خاطر بحياته ليشبع رغبته الإنسانية، أي رغبته التي تنصب على رغبة أخرى. لكن، أن ترغب في رغبة أخرى معناه أن تضع نفسك مكان القيمة التي ترغب فيها تلك الرغبة الأخرى. وإلا لكانت الرغبة منصبة على القيمة ذاتها أي على الموضوع المرغوب فيه لا على الرغبة عينها. أن أرغب في رغبة آخر معناه إذن أن أرغب في أن تكون قيمتي، أو القيمة التي "أمثلها"، هي القيمة التي يرغب فيها الآخر: إنني أريد أن "يعترف" بقيمتي على أنها القيمة التي ينشدها، أريده أن يعترف بي كقيمة مطلقة. بعبارة أخرى، إن كل رغبة بشرية، كل رغبة مولدة للإنسان خالقة للوعي بالذات وللواقع البشري، كل رغبة بشرية هي في نهاية الأمر تابعة للرغبة في "الاعتراف" ومتوقفة عليها. والمخاطرة بالحياة، تلك المخاطرة التي يظهر عن طريقها الواقع البشري، هي مخاطرة تتوقف على تلك الرغبة. وعليه فإن الحديث عن "أصل" الوعي بالذات يعني بالضرورة الحديث عن صراع حتى الموت من أجل الاعتراف.
ولولا هذا الصراع حتى الموت لما كانت هناك قط حياة بشرية على وجه البسيطة. وبالفعل، فإن الوجود البشري لا ينشأ إلا تبعا لرغبة تنصب على رغبة أخرى، أي على رغبة في الاعتراف. لا يمكن للوجود البشري إذن أن يتشكل إلا إذا تواجهت رغبتان على الأقل من هاته الرغبات. وما دام كل واحد من هذين الكائنين اللذين يتوفران على مثل هاته الرغبة مستعدا أن يذهب إلى أقصى حد في السعي وراء إرضاء رغبته، أي أنه مستعد لأن يخاطر بحياته -ويقضي بالتالي على حياة الآخر- كي ينال اعتراف الآخر ويفرض نفسه كقيمة عليا على الآخر -فإن مواجهتهما لا يمكن إلا أن تكون صراعا حتى الموت. ولا ينشأ الواقع البشري ويتكون إلا عن طريق مثل هذا الصراع وبفضله. إن الواقع البشري لا يتحقق ولا ينكشف إلا كواقع معترف به.
ولكن، إذا كان الناس جميعهم -أو على الأصح إذا كانت جميع الكائنات التي هي في طريقها لأن تصبح كائنات بشرية- تنهج السلوك نفسه، فإن الصراع ينبغي أن يؤدي بالضرورة إلى موت أحد الخصمين أو هما معا. فمن المستحيل أن يتنازل أحدهما عن نفسه للآخر، أو أن يتخلى عن الصراع قبل موت الآخر، أو أن يعترف بالآخر عوضا أن ينال اعترافه. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فإن تحقيق الواقع البشري وظهوره سيصبح أمرا متعذرا. والأمر واضح فيما يتعلق بالحالة التي يموت فيها الخصمان معا ما دامت الحياة البشرية -لكونها رغبة وعملا يتوقف على هاته الرغبة- لا يمكن أن تولد وتستمر إلا وسط حياة حيوانية. غير أن التعذر يظل قائما حتى وإن لم يقتل إلا واحد من الخصمين فحسب. إذ ستختفي معه تلك الرغبة الأخرى التي ينبغي أن تنصب عليها الرغبة كي تكون رغبة بشرية. فمادام المنتصر لا يمكن أن يكون محل اعتراف الميّت فإنه لا يمكن أن يتحقق وينكشف في إنسانيته. ولكي يتحقق الوجود البشري وينكشف كوعي بالذات، لا يكفي إذن أن يكون الواقع البشري متعددا بل ينبغي أيضا أن يكون هذا التعدد متفاضلا، أي ينبغي للمجتمع أن يستلزم نوعين من السلوك البشري متمايزين تمام التمايز.
لكي يتشكل الواقع البشري كواقع معترف به، ينبغي أن يبقي الخصمان على قيد الحياة بعد صراعهما. وهذا لا يتم إلا إذا نهجا مسلكين مختلفين أثناء الصراع. فعن طريق أعمال حرة لا يمكن ردها إلى أي شيء ولا يمكن التنبؤ بها واستنباطها، ينبغي لهما أن يتشكلا ككائنين غير متكافئين أثناء الصراع وعن طريقه. إن أحدهما ينبغي أن يهاب الآخر دون أن يكون مفطورا على ذلك، ينبغي له أن يتنازل للآخر، ويرفض المخاطرة بحياته من أجل إرضاء رغبته في الاعتراف. وينبغي له أن يتخلى عن رغبته وأن يرضي رغبة الآخر: ينبغي له أن يعترف بالآخر دون أن يعترف الآخر به. والحال أن الاعتراف على هذا النحو معناه الاعتراف بالآخر كسيد والاعتراف بالذات كعبد لذلك السيد.
وبعبارة أخرى فإن الإنسان في حالة نشأته لا يكون قط إنسانا وكفى. إنه دائما وبالضرورة إما عبد وإما سيد. إذا كان الواقع البشري لا يمكن أن يتكون إلا كواقع اجتماعي، فإن المجتمع لا يكون بشريا -على الأقل في أصله- إلا شريطة أن يستلزم عنصرا للسيادة وآخر للعبودية ويقتضي وجودا يتمتع باستقلال ذاتي وآخر يتوقف عليه ويخضع له. لذا فإن الحديث عن أصل الوعي بالذات يعني بالضرورة الحديث عن استقلال الوعي بالذات وخضوعه، (عن السيادة والعبودية).
إذا كان الوجود البشري لا يتكون إلا من خلال الصراع الذي يؤدي إلى العلاقة بين سيد وعبد، فإن التحقيق التدريجي لهذا الوجود لا يمكن أن يتم هو الآخر إلا بدلالة هاته العلاقة الاجتماعية الأساسية. إذا كان الإنسان لا يختلف عن صيرورته وإذا كان وجوده الإنساني في المكان هو وجوده في الزمان وبما هو زمان، إذا كان الواقع البشري الذي ينكشف ليس في النهاية سوى التاريخ العام، فإن هذا التاريخ ينبغي أن يكون تاريخ تفاعل السيادة والعبودية. الجدل التاريخي هو جدل السيد والعبد. ولكن إذا كان التعارض بين الأطروحة ونقيضها لا يتخذ معناه إلا داخل التصالح عن طريق التركيب، وإذا كان التاريخ بالمعنى القوي للكلمة لا بد وأن يبلغ حدا نهائيا، وإذا كان الإنسان الذي يخضع للصيرورة مرغما على أن يفصح عن الإنسان النهائي، وإذا كانت الرغبة لا بد وأن تحقق إشباعها، وإذا كانت المعرفة الإنسانية لا بد وأن تمتلك قيمة حقيقة نهائية شاملة الصدق- فإن التفاعل بين السيد والعبد ينبغي أن يؤدي في النهاية إلى "إلغائها الجدلي".


A. Kojeve. Int. à la lectde Hege . Gallimard, Paris 1968, pp. 11-16.

الخميس، 11 سبتمبر 2014

الشَرَج الشمسيّ: جورج باتاي


ورقة بخط يد جورج باتاي تحمل مقطع من الشرج الشمسي
واضح أن العالمَ محضُ محاكاةٍ، بمعنىً آخر، كلّ ما هو مرئيٌّ محاكاةٌ لآخر، أو هو الشيء ذاته بشكل مخادع. 
منذ أن بدأت الجُمل "تدور" في العقول وِقفاً على استنباطها، ينتهي الجهد بتماثله الكليّ، بمعونةٍ من فعلِ الربطِ تربطُ الجُملةُ شيئاً بآخر؛ وتتّصل الأشياء كلها مرئيةً لو اكتشف المرء بلمحة واحدة وإجمالاً تقفّيه آثار خيط آريادني(*) الذي يقود الفكرة في متاهتها.  
لكن فعل ربط التعابير ليس أقلّ توتّراً من وِصال الأجسام. وحين أصرخ "أنا الشمس"، ينتج انتصاب كليّ، ففعل يكون ليس غير عربة لسُعار شهوانيّ.

يعي كلّ امرئ أن الحياة محاكاة ولهذا يعوزها التأويل.
ولهذا فالرصاص محاكاة للذهب.
الهواء محاكاة للماء.
العقل محاكاة لخطّ الاستواء.
الجِماع محاكاة للجريمة.

وقد نقدّم الذهب، الماء، خطّ الاستواء، أو الجِماع، كمبدأ الأشياء.    
وإن كان مبدأ الأشياء لا يماثل أرضية الكوكب الذي يبدو أنه القاعدة، بل يماثل الحركة الدائرية التي يصفها الكوكب حول مركز متحرّك، لأمكن قبول السيارة، الساعة، أو آلة الخياطة كمبدأ مولّد للحركة على التساوي.
هاتان الحركتان البدئيتان في تعاقب وحركة جنسية، وقد نعبّر عن دمجهما بعجلات ومكابس القاطرة.
هاتان الحركتان متحوّلتان بالتبادل، أحدهما ضمن الآخر.
ولهذا يلحظ المرء أن الأرض، بدورانها، تحضّ الإنس والحيوان على الجِماع، و(لأن النتيجة كالسبب فهي التي تستحثّه) فإن الإنس والحيوان هما ما يجعلان الأرض تدور بما يمارسانه من جِماع.  
إنه الدمج أو التحوّل الآليّ لمثل هذه الحركات التي كان ينشُدها الخيميائيون كحجر الفلاسفة.
وذلك عبر استعمال هذا الدمج القيّم بصورته السحرية التي قد تحدّد للمرء الوضعية الآنية للإنس وسط العناصر.

إن حذاء مهجوراً، سنّاً عفنة، أنفاً أفطس، طبّاخاً يبصق في حساء أسياده، هي للحبّ في مقام راية معركة أمام استقلال أمة.
إن مظلّة، شخصاً ستينياً، طالباً لاهوتياً، رائحةَ بيض فاسد، عينَي قاضٍ فارغتَين، هي الجذور التي تُقِيتُ الحبّ. 
وكلب يفترس معدة إوزة، سكران يقيء على امرأة، محاسب باكٍ، مرطبان خردل، يمثّل الفوضى التي تخدم عربة الحبّ.

يجد امرؤ نفسَه بين آخرين فيُصيبه التوتّر إذ لا يعرف لِمَ لا يكون من بين الآخرين.
في الفِراش لِصقَ فتاةٍ يحبها، ينسى أنه لا يعرف لِمَ لا يستبدل نفسه بالجسم الذي يلمسه.
من دون أن يعرف، يعاني من عتمة ذهنية تمنعه من الصراخ فهو نفسُه الفتاة التي تنسى وجوده وهي ترجُف بين ذراعيه.
يذهلُ الحبّ، أو الهياج الصبيانيّ، أو خُيلاء امرأة غنيّة قروية، أو إباحية كهنوتية، أو ماس سوبرانو، أفراداً منسيين في شُقق مُغبّرَة. 
يحاولون كثيراً السعي كلٌ لملاقاةِ الآخر؛ لن يجدوا إلا صوراً محاكية، فيكون عليهم أن يروحوا في النوم فارغين كالمرايا.

الفتاة الغائبة الخاملة التي تعلَقُ من دون أحلامٍ بذراعَيّ لم تعد غريبة عني أكثر من الباب أو الشبّاك الذي قد أتطلّع منه أو أعبر.
أستعيد كشف اللامبالاة (سامحاً لها أن تغادرني) حين أروح في النوم، لعجزي أن أحبّ ما يحدث.
يستحيل أن تعرفَ مَن ستُعيد كشفَه حين أحضنُها، فهي تُحرِزُ بعناد نسياناً مكتملاً.  
توصِّفُ الأنظمةُ السيّارةُ التي تتقلّب في الفضاء كأقراص خاطفة، والتي تتحرّك مراكزها أيضاً، في دائرةٍ أكبر بلا حدود، تتحرّك باطّراد بعيداً عن موضعها كي ترتدّ إليه، فتستكمل تعاقبها. 
الحركة شكلٌ من الحبّ، العاجز عن التوقّف عند كائن معيّن، والمارّ خاطفاً من أحد إلى آخر.
لكن النسيان الذي يقرّره بهذه الطريقة ليس غير ذريعة للذكريات.

ينهض امرؤ فظّاً كشبحٍ من كَفَن ثم يسقط بالطريقة ذاتها.
ينهضُ بضعَ ساعاتٍ مِن ثَمّ يسقط ثانية، يحدث الشيء ذاته كلّ يوم؛ فينتظم مثل هذا الجِماع العظيم مع الهواء السماويّ بالتعاقب الأرضيّ حول الشمس.
وهو لهذا يتحرّك عبر حياة أرضية بإيقاع من هذا التعاقب، لكن الرمح الذّكَرِيّ يخترق الأنثويّ منبعثاً كلّه تقريباً، ليُعيدَ الولوج.   

يبدو أن الحبّ والحياة منفصلان، لأن كلّ ما على الأرض يتحطّم منفصلاً بتردّدات أماكن وأزمان متنوّعة.
عموماً، ما من تردّدات غير موحدّة بحركة دائرية مواظِبة؛ وبالطريقة ذاتها فأيّ دوران سيّار على سطح الأرض هو صورة من تحوّلٍ مواظِب. 

تموتُ الكائناتُ فقط لتولَد، بسلوكِ قضيبٍ يترك أجساماً كي يلِجَها.
تشطأُ النباتاتُ باتّجاه الشمس من ثَمّ تنهار باتّجاه الأرض.
تنتصب الأشجار في الأرض بكَمٍّ شاسعٍ من رماحٍ مزهرةٍ ناهضةٍ إلى الشمس.
الأشجار التي تتعفّن، ينتهي مآلها إلى الحَرقِ بالبَرقِ، تُقَشَّر أو تُجَزّ من الجذور. بعودتها إلى الأرض، ترتدّ ثانيةً بشكل آخر. 
لكن جِماعَها متلوّنَ الشكل وظيفةٌ من دورانها الأرضيّ المطّرد.

والصورة الأبسط للحياة العضوية المتّحدة بالدوران هي في المدّ والجزر.
من حركة البحر، جِماعٌ مطّردٌ للأرض مع القمر، فيهلّ الجِماع العضويّ متلوّنُ الشكل للأرض مع الشمس. 


لكن الشكلَ البدئيّ للحبّ الشمسيّ هو غيمةٌ ترقأ فوق عنصرِ السائل.
وقد تصبح الغيمة الحسيّة عاصفةً أحياناً فتسقط عائدة إلى الأرض في شكل المطر، بينما يهشّم البرق طبقات الهواء.
يرقأ المطر للتوّ ثانيةً بشكلِ نباتٍ وطيد. 

رسم لأندريه ماصون رافق نص الشرج الشمسي في النشر الأول
تأتي حياة الحيوان إجمالاً من حركة البحار، وضمن الأجسام، تواظب الحياة هلّتها من مياهٍ مالحة.
يلعبُ البحر، إذن، دور العضو الأنثويّ الذي يسيلُ تحتَ هياج القضيب. 
ويرتهزُ البحر على الدوام.
عناصر صُلبة، مشمولة ومُخمّرة في ماء تفعمه الحيوية من حركة حسيّة، فتقذِفُ في شكل أسماك طائرة.  
الانتصابُ والشمسُ فاضحةٌ، بطريقةِ الجيفة ذاتها وعتمةِ السراديب. 
حياة النبات متّجهةٌ باطّراد إلى الشمس؛ أما كائنات البشر، من جانب آخر، فمع أنها مثيلة القضيب كالأشجار، إلا أنها في تعارض مع الحيوانات الأخرى، وتُشيح بالضرورة أعينها. 
لا تُطِيقُ أعينُ البشر الشمسَ، الجِماعَ، الجيفَ، ولا الغموضَ، لكن بردودِ فعلٍ مختلفة. 

حين يتورّد وجهي بالدم، يحمرُّ فاحشاً. 
يُغرِّرُ في الوقت نفسِه، عبر استبطانات رهيبة، بانتصابٍ دمويٍّ وعطشٍ متطلّبٍ للبذاءة وفسوقٍ جنائيّ.  
ولهذا لا أخشى توكيدَ أن وجهي فضيحة وأن أهوائي يُعبِّر عنها Jesuve المفدَّى(**).   
إن الكون الأرضيّ مغطّىً بالبراكين، وقد تفيدُ كأنها شَرَجه.
مع أن الكونَ لا يأكلُ شيئاً، إلا أنه يقذفُ بعنفٍ مشتملاتِ أحشائه.
وتنطلق هذه المشتملات بضجيجٍ ثم ترتدّ، صارخةً على جانبَيْ المفدَّى، فتُفشي الموت والفزع من كلّ ناحية. 

حركات الأرض الحسيّة، في الحقيقة، غيرُ مُخصِبةٍ كتلك التي للماء، لكنها خاطفة في سرعة بالغة. 
ترتهزُ الأرض أحياناً في سُعار، وينهارُ كلّ شيء على ظهره. 

المفدَّى إذن صورة حركة حسيّة لنهب الأفكار الواردة من العقل، يمنحها قوة اندلاع فاضح. 

وتتراكم هذه القوة المندلعة حتماً في مَن هُم واقعون أسفلها.   
يبدو العمّال الشيوعيون للبرجوازيين بَشِعين قَذِرين كأعضاءٍ جنسيةٍ مُشعِرة، أو أجزاء سفليّة؛ وسيصبحون عاجلاً أو آجلاً اندلاعاً فاضحاً في طبقاتِ أرؤسِ البورجوازيين النبيلةِ عديمةِ الجنس حين تُقطَف. 

لا تمارسُ الكوارث والثورات والبراكين الحبَّ مع النجوم. 
يستعدي الثائر الحسيّ والوقيد البركانيّ السماوات.
كما في حالة الحبّ البركانيّ، يقعان في ما وراء قيودِ الخصوبة.  
إزاء الخصوبة السماوية هناك كوارث أرضية، صورة الحبّ الأرضيّ من دون شرط، الانتصاب من دون إفلات ودون قاعدة، أو فضيحة، أو فزع.

يصرخ الحبّ في حلقي، إذن؛ أنا المفدَّى، المحاكاةَ البذيئةَ للشمسِ العمياءِ الحارقة.
أريد أن أشقّ حلقي وأنا أنتهكُ الفتاةَ التي أستطيع أن أقولَ لها: أنتِ الليل.  
الشمسُ تحبّ الليل حصرياً لتوجّهَ عنفَه المستنيرَ، رُمحَه الخسيسَ، إلى الأرضِ، لكنها تعجز عن الوصول إلى النظرة أو الليل، مع أن الأرضيّ الليليّ يُفسِحُ قِمّتَه على الدوام جهةَ بذاءةِ الشعاع الشمسيّ. 

الشَرَجُ الشمسيّ هو شَرَجُ جسمِها البِكر في الثامنةِ عشرة ولا يُقارَن به أيّ عَماءٍ كافٍ عدا الشمس، وإن كان الشَرَجُ هو الليل.     




Ariadne: ابنة مينوس، ملك كريت، ولها علاقة بالمتاهات، فقد ساعدت ثيسيوس، مؤسس أثينا الأسطوريّ، للتخلص من المونيتور، نصفه إنسان ونصفه ثور. وقيل هي عروس ديونيزيوس. (م)           
** Jesuve: كلمة من اختراع باتاي، بالفرنسية، تحتمل عدّة معانٍ، فهو يلعب على الكلمة: JeSuve (أنا/ بركان)، وهناك من يربطها بالسيد المسيح Jesus، وأميل للأخيرة، حيث يتعلّق معناها هنا بالتضحية والفداء. (م)   

نشر حصري للمدونة          

الجمعة، 5 سبتمبر 2014

الأثر الروسي في الإيروسية الفرنسية: أندريه مَرطينَف

ترجمة: نوفل نيوف

الباحثة الروسية أوكسانا تيموفيّفنا
وصفه مارتِن هايدِغِر بـ «أكبر العقول النيِّرة في فرنسا». فإذا أخذنا بالحسبان ما لدى الفيلسوف هايدِغِر من غرور مَرَضيّ وغيرة تجاه "زملاء الكار"، عرفنا أنّ قيمة هذا الإطراء كبيرة. فمَن هو سعيد الحظّ هذا الذي استحقّ إطراء هايدِغِر؟ إنّه الكاتب والمفكّر الفرنسي الشهير جورج باطاي (1897- 1962).
وقد كرَّست الباحثة الروسية أوكسانا تيموفيِّفنا المتخصِّصة بالفلسفة الفرنسية كتابها: ("مدخل إلى الفلسفة الإيروسية عند جورج باطاي"، موسكو، 2009) لإعادة بناء صورة العالم عند واحد من مؤسّسي ما بعد الحداثة.
تقوم الفلسفة الإيروسية في العادة، خلال تاريخها الطويل، على المقابلة بين قطبين هما: الروحيّ (الإيروسيّ الخاصّ)، والجسدي (الجنسيّ). ووَفقاً لهذا التقليد الذي يعود بجذوره إلى الفلسفة القديمة (أفلاطون)، وسكولائية القرون الوسطى (توما الأكويني)، كان الجدل يُحسَم لصالح الروحيّ. ورغم أنّ بعض فلاسفة عصر الأنوار (هيلفيتسي وديدرو)، أو مَن جاء بعدهم من الفلاسفة المادِّيين (الذين قلّدوهما، أصلاً) كانوا، بالعكس، يؤكِّدون على الجسديّ (الفيزيقيّ)، فإنهم كانوا أقلية.
إنّ إبداع جورج باطاي يتعدّى حدود الأطر المعتادة. فالإيروسية، حسب مؤلِّف كتاب "الزُّرقة السماوية"، هي السمة الأساسية التي تميِّز الإنسان عن الحيوان. صحيح أنّ جورج باطاي يرينا ظهور الإيروسية نفسَه على نحوٍ شديد التناقض: «لقد عرف إنسان النياندرتال الموتَ منذ كان يغطِّيه الشعر كالوحش. وعلى هذه المعرفة ظهرت الإيروسية التي تميِّز حياة الإنسان الجنسية من حياة الحيوان الغريزية البهيمية». كما أنّ الإيروسية تتّصف عند الفيلسوف باطاي بمنظومة محدّدة من المحرّمات التي تتناقض مع الطبيعة الهدّامة، القاتلة، وبذلك تختلف الإيروسية عن حياة الغريزة البهيمية عند الحيوانات.
إن المحرّمات (التابوهات) تشكِّل الثقافة التي تناقض الطبيعة أيضاً. ذلك أنّ «نفي الطبيعة، حسب رأي باطاي، يعني نفي الحيوانيّ الذي يؤلِّف دعامة سلبية الإنسان»، كما تقول تيموفيِّفا. وفي المحصّلة، كما ترى الباحثة، «فإنّ الجسد الخاص هو تحديداً ما يصبح، بهذه الطريقة، موضوع النفي. ومن هذا النفي (الكاذب، الموهوم)، حسب باطاي، يبدأ تاريخ الإنسان، على كلّ حال». ولذلك فإنّ مفاهيم مثل "الرغبة"، و"التغاير"، تتجاور في قاموس الفلسفة الإيروسية عند باطاي وتقف جنباً إلى جنب مع مفاهيم "الفقد"، و"السيادة"، و"السرّي". على أنّ هذه مفارقة من نوع خاص أيضاً.
نظنّ أنّ هناك خصوصية لافتة أخرى بعدُ، تتّصف بها أيضاً فلسفة باطاي وسيرته على حدٍّ سواء، هي "الأثر الروسيّ".
إذ تلفت أوكسانا تيموفيِّفا انتباه القراء إلى أنّ التجربة الاشتراكية التي أجريت في الاتحاد السوفيتي كانت في نظر الفيلسوف "قفزة إلى الموت" بالنسبة للوعي الفرديّ الغربي، فيما كانت روسيا تبدو له "ثقباً" من نوع خاص. أمّا إذا ما تركنا جانباً مثل هذه الآراء، فإنّ علينا أن ننوِّه بوجود خطوط متوازية معينة بين إبداع جورج باطاي ونثر الأديب الروسي أندريه بلاطونَف. والباحثة تيموفيِّفا تشير في كتابها أيضاً إلى هذه الخطوط المتوازية.
إلا أنّ هذا ليس كلّ شيء. ذلك أنّه كان للمفكّر باطاي في بداية عشرينات القرن العشرين لقاءات كثيرة في باريس مع ليف شِستوف (فيلسوف روسيّ هاجر بعد الثورة). وتحت تأثير شِستوف تحديداً شرع باطاي يقرأ باهتمام كلاً من دَستويِفسكي، وكِركيغور، وباسكال، وأفلاطون. زِد على ذلك أنّ باطاي قام بمساهمة كبيرة في ترجمة كتاب شِستوف "الخير في تعاليم الكونت تولستوي وفريدرك نيتشه" إلى الفرنسية (صدر في باريس سنة 1925).
وهناك "أثر" آخر: فقد تعرّف باطاي في سنة 1931 إلى الكاتب والشخصية الاجتماعية بوريس سوفارِن، فانضمَّ إلى "الحلقة الشيوعية الديمقراطية" التي أسسها سوفارِن (انحلّت بعد بضع سنوات). وفي سنة 1931 أيضاً شارك باطاي في حلقة البحث (سيمينار) التي أقامها ألكساندر كويْري (كويْرانسكي) في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا. وتتحدّث أوكسانا تيموفيِّفا عن هذا الموضوع في كتابها أيضاً.
ثمّ إنّ "الأثر" الروسي (بل الأوكراني، للدقّة) موجود كذلك في الحياة الشخصية لـ باطاي صاحب كتاب "المستحيل". إذ تزوّج باطاي في عام 1946 من الأميرة ديانا كوتشوبي دي بوغارنه وأنجبا من ذلك الزواج ابنتهما جولي.

تلك هي "الآثار" الروسية في الإيروسية الفرنسية.